مقدمة:
من أدق المسالك في فهم مراد الله تعالى من كلامه: معرفة عادات القرآن في التعبير والبيان، فإن للقرآن أساليب متكررة، وطرائق معهودة، ومناهج ثابتة في عرض المعاني والأحكام. وقد تنبّه لهذا المسلك كبار المفسرين كالرازي والشنقيطي وابن عاشور، وأفردوه بعناية خاصة في تفاسيرهم.
حقيقة عادات القرآن:
المراد بعادات القرآن: الأساليب المتكررة في القرآن الكريم على طريقة واحدة أو غالبة، سواء في الحروف أو الألفاظ أو التراكيب أو المعاني أو الأحكام. وهي تُسمى أيضًا: “كليات القرآن” أو “قواعد القرآن” .
أنواع عادات القرآن:
تتنوع عادات القرآن بحسب متعلقها إلى:
- عادات لغوية: كاستعمال لفظ معين في معنى خاص بصورة متكررة.
- عادات أسلوبية: كتكرار أسلوب معين في سياق معين.
- عادات معنوية: كربط معنى بمعنى آخر بصورة مطردة.
- عادات في عرض الأحكام: كالجمع بين أحكام معينة في سياق واحد.
المنهجية التطبيقية للمهارة:
يتبع المفسر الخطوات التالية عند الإفادة من عادات القرآن:
- تحديد الآية المفسَّرة.
- تعيين الموضع المراد بيانه.
- تحديد العادة القرآنية المرتبطة به.
- تحديد نوع هذه العادة.
- التحقق من صحة كونها عادة قرآنية بجمع شواهدها.
- بيان أثر هذه العادة في تفسير الآية المعنية.
نماذج علمية من كتب التفسير:
النموذج الأول (عادة أسلوبية): في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (يونس: 34-35).
من عادات القرآن: الاستدلال على توحيد الله تعالى بذكر الخلق متبوعًا بالهداية، كما في قول إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، وقول موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. فالآية تسير على هذه العادة القرآنية في الاستدلال، مما يُظهر عجز الشركاء عن الخلق والهداية معًا، وبالتالي عدم استحقاقهم للعبادة.
النموذج الثاني (عادة لغوية): في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: 31).
اختلف المفسرون في معنى “الزينة” هنا: هل المراد مواضع الزينة من البدن، أم الزينة الخارجية المضافة؟ ذهب الشنقيطي رحمه الله إلى ترجيح المعنى الثاني بناءً على عادة القرآن في استعمال لفظ “الزينة”، فقد استقرأ استعمالات هذا اللفظ في القرآن فوجد أنه يُطلق على الشيء الخارج المضاف إلى الذات، لا على الذات نفسها، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾، و﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾، و﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، و﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. فالزينة في كل هذه المواضع شيء خارجي مضاف، فكذلك في آية النور.
النموذج الثالث (عادة في عرض الأحكام): ذكر الرازي رحمه الله عند تفسير آية الإنفاق في سورة البقرة عادةً قرآنية، وهي: قرن بيان التوحيد والمواعظ ببيان الأحكام. فالقرآن لا يكتفي بذكر الأحكام الفقهية مجردة، بل يقرنها بذكر الله وعظمته وجزائه، وذلك لتقوية بعضها ببعض، فالإيمان يدفع إلى العمل، والأحكام تحقق مقتضى الإيمان.
ثمرات معرفة عادات القرآن:
إن إتقان هذه المهارة يُثمر للمفسر فوائد جليلة:
- الترجيح بين الأقوال التفسيرية المختلفة.
- فهم الآيات المتشابهة بعضها ببعض.
- الوقوف على أسرار البلاغة القرآنية.
- الجمع بين الآيات التي قد يُتوهم تعارضها.
مراجع متخصصة في هذا الباب:
من أبرز المصنفات في عادات القرآن: “مفاتيح الغيب” للرازي، و”أضواء البيان” للشنقيطي، و”التحرير والتنوير” لابن عاشور. ومن الدراسات المعاصرة المفردة: “عادات القرآن الأسلوبية” لراشد الثنيان، و”كليات الأساليب القرآنية” لإيمان العمودي، و”كليات الألفاظ في التفسير” لبريك القرني.
الخلاصة:
إن معرفة عادات القرآن مما يُعين المفسر على فهم مراد الله تعالى، فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأسلوبه في موضع يدل على أسلوبه في موضع آخر.





