بدائع الفوائد_الجزء الثالث
بدائع الفوائد_الجزء الثالث

سعادةَ العباد في معاشهم ومعادهم منوطةً به؟!.
أفليس في عقوبة هذا الصَّائل خيرٌ محضٌ وحكمةٌ وعدلٌ وإحسان إلى العبيد؟! وهي شرٌّ بالنسبة إلى الصائل الباغي، فالشرُّ ما قام به من تلك العقوبة، وأما ما نُسِبَ إلى الربِّ منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عينُ الخير والحكمة، فلا يغْلُظْ حجابُك عن فهم هذا النبأ العظيم، والسِّرّ الذي يُطْلعكَ على مسألة القَدَر، ويفتحُ لك الطريقَ إلى الله ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه، وأنه سبحانه كما أنه البَرُّ الرحيم الودودُ المحسنُ، فهو الحكيم الملك العدل، فلا تناقض حكمتُهُ رحمتَهُ، بل يضعُ رحمتَهُ وبِرَّهُ وإحسانَهُ موضِعَهُ، ويضعُ عقوبَتَهُ وعدلَه وانتقامَه وبأسَهُ موضعَه، وكلاهما مقتضى عِزَّتِهِ وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضعَ رضاه ورحمته موضعَ العقوبة والغضب، ولا يضعُ غضبَه وعقوبتَه موضع رضاه ورحمته، ولا يلتفتُ إلى قول من غَلُظ حجابُه عن الله تعالى: إن الأمرين بالنسبة إليه على حدٍّ سواء، ولا فرْقَ أصلًا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة.
وتأمل القرآن من أوله إلى آخره، كيف تجدُه كفيلاً بالرَّدِّ على هذه المقالة، وإنكارها أشدَّ الإنكار، وتنزيه نفسه عنها، كقوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم: 35 – 36] وقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)} [الجاثية: 21] وقوله: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)} [ص: 28] فأنكر سبحانه على من
(2/721)
ظن هذا الظن ونزَّه نفسه عنه، فدل على أنه مستقرٌّ فِي الفِطَر والعقول السليمة: أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعِزَّته وإلاهيته، لا إله إلَّا هو، تعالى عما يقولُ الجاهلون علوًّا كبيرًا.
وقد فطرَ اللهُ عقولَ عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضعِ الرحمة والإحسان، ومكافأة الصُّنع الجميل بمثله وزيادة، فإذا وضعَ العقوبة موضعَ ذلك استنكرته فِطَرُهُمْ وعقولُهم أشدَّ الاستنكار، واستهجنته أعظم الاستهجان، وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كما إذا جاء إلى من يسيءُ إلى العالمَ بأنواع الإساءة في كلِّ شيءٍ من أموالهم وحريمهم ودمائهم، فأكرمَه غايَةَ الإكرام ورفعه وكرَّمه، فإن الفِطَر والعقول تأبى استحسان هذا، وتشهدُ على سَفَه من فعله.
هذه فطرةُ الله التي فَطَر الناسَ عليها، فما للعقول والفِطَر لا تشهدُ حكمتَه البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أَوْلى المحالّ بها: وأحقِّها بالعقوبة؛ وأنها لو أوليت النِّعَمَ لم تحسنْ بها ولم تَلِقْ, ولظهرت مناقضةُ الحكمة، كما قال الشاعر:
نِعْمَةُ اللهِ لا تُعَابُ ولَكِنْ … ربَّما استُقْبِحَتْ علي أَقْوامِ
فهكذا نعمُ الله لا تليقُ ولا تَحْسُنُ ولا تجمُلُ بأعدائه الصَّادِّين عن سبيله، السَّاعين في خلاف مرضاته، الذين يَرْضَوْنَ إذا غضب، ويغضبُون إذا رَضِيَ، ويعطِّلون ما حكم به، ويَسْعَوْن في أن تكون الدعوةُ لغيره، والحكمُ لغيره، والطاعةُ لغيره، فهم مضادُّون في كلِّ ما يُريدُ، يحبُّون ما يُبغِضُه ويدعون إليه، ويُبغضون ما يُحِبُّه وينفرون عنه، ويوالون أعداءَهُ وأبغضَ الخلق إليه، ويظاهرونهم عليه وعلى
(2/722)
رسوله، كلما قال تعالى: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)} [الفرقان: 55] وقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 55].
فتأمل ما تحتَ هذا الخطابِ الذي يسلبُ الأرواحَ حلاوةً وعقابًا (1) وجلالة وتهديدًا، كيف صدّره بإخبارنا أنه أمر إبليسَ بالسجود لأبينا، فأبى ذلك، فطرده ولعنه وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا، ثم أنتم توالونه من دوني وقد لعنتُه وطردتُه؛ إذ (2) لم يسجدْ لأبيكم، وجعلته عدوًّا لكم ولأبيكم فواليتموه وتركتموني، أفَلَيْس هذا من أعظم الغَبْن وأشدِّ الحسرة عليكم؟ ويوم القيامة يقول تعالى: أليس عدلاً مني أن أوَلِّيَ كلَّ رجل منكم ما كان يَتَوَلَّى في دار الدنيا، فليعْلمَنَّ أولياءُ الشيطان كيف حالهم يوم القيامة إذا ذهبوا مع أوليائِهم وبقي أولياءُ الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلَّى لهم، ويقول: “أَلا تَذْهَبُونَ حَيْثُ ذَهَبَ النَّاسُ؛ فَيَقُولونَ: فَارَقْنَا النَّاسَ أَحْوَجَ ما كُنَّا إِلَيْهِمْ، وإِنَّما نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الّذِي كُنّا نَتَوَلاَّهُ وَنَعْبُدُهُ فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ تَعْرِفُونَهُ بِها؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم إِنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ، فَيَتَجلَّى لَهُمْ وَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَيَخِرُّون لَهُ سُجَّدًا” (3).
فيا قرَّةَ عيون أوليائه بتلك الموالاة، ويا فَرَحَهُمْ إذا ذهب الناس مع أوليائهم وبقُوا مع مولاهم الحق، فسيعلمُ المشركون به الصَّادُّون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءَهُ، إنْ أولياءُهُ إلَّا المُتَّقُون، ولكن أكثرهم لا يعلمون.
__________
(1) كذا، ولعلها: عتابًا.
(2) (ظ ود): “إن”.
(3) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري رقم (7439)، ومسلم رقم (183) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- بنحوه.
(2/723)
ولا تستطِلْ هذا البَسْطَ، فما أحوجَ القلوب] إلى معرفته وتعقُّله، ونزولها منه منازلَها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة مع الذين أنعم الله تعالى عليهم من النَّبييِّن والصِّدِّيقين، والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
فصل
إذا عُرِفَ هذا عُرِف معنى قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح: “لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِليْكَ” (1)، وأنَّ معناه أجلُّ وأعظم من قول من قال: “والشَرُّ لا يُتَقرَّبُ به إليك”، وقول من قال: “والشرُّ لا يصعَدُ إليكَ” وأن هذا الذي قالوه إنما يتضمَّن تنزيهَه: عن صعود الشرِّ إليه والتقرب به إليه، لا يتضمَّن تنزيهَهُ في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشَّرِّ، بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدَّق (2)، فإنه يتضمَّنُ تنزيهَه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشَّرِّ إليه بوجهٍ ما، لا في صفاتِه، ولا في أفعالِه، ولا في أسمائه، وإن دخل في مخلوقاته، كقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)} [الفلق: 1 – 2].
وتأملْ طريقَة القرآن في إضافة الشَّرِّ تارة إلى سببه ومن قام به، كقوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: 254] وقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)} [المائدة: 108]، وقوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [النساء: 160]، وقوله: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)} [الزخرف: 76]، وهو فِي القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشارِه، وإنما المقصودُ التمثيلُ.
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (771) من حديث علي -رضي الله عنه-.
(2) (ق): “المصدوق”.
(2/724)
وتارة بحَذْف فاعله كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)} [الجن: 10] فحذفوا فاعل الشر ومريده وصرَّحوا بمريد الرشد.
ونظيره في الفاتحة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 7] , فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه, والضلال منسوبًا إلى من قام به, والغضب محذوفًا فاعله. ومثله قول الخَضر في السفينة: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] وفي الغلامين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82].
ومثله قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] فنسب هذا التَّزيينَ المحبوبَ إليه, وقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] فحذف الفاعلَ المُزَيِّن.
ومثله قول الخليل – صلى الله عليه وسلم – {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)} [الشعراء: 78 – 82] فنسب إلى ربِّه كل كمال من هذه الأفعال, ونسبَ إلى نفسه النقصَ منها وهو المرضُ والخطيئةُ.
وهذا كثير في القرآن الكريم, ذكرنا منه أمثلةً كثيرةً في كتاب “الفوائد المكية” وبيّنا هناك السِّرَّ في مجيء: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 121] {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: 101] والفرق بين الموضعين, وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعًا في سياق المدح,
(2/725)
وحيثُ حذَفَه كان من أوتيه واقعًا في سياق الذَّمِّ أو منقسمًا, وذلك من أسرار القرآن الكريم.
ومثله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] , وقال: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)} [الشورى: 14] وقوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الأعراف: 169] فهذا خلف سوءٍ (1) , وبالجملة فالذي يضافُ إلى الله تعالى كلُّه خيرٌ وحكمة ومصلحة وعدل, والشرُّ ليس إليه.
فصل
وقد دخل في قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)} الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره, إنسيًّا كان أو جنيًّا, أو هامَّةً أو دابَّةً, أو ريحًا أو صاعقةً, أو أيَّ نوع كان من أنواع البلاء.
فإن قلت فهل في (ما) هاهنا عموم؟
قلت فيها عمومٌ تقييديٌ وصفيٌ لا عمومٌ إطلاقيٌ, والمعنى: من شرِّ كلِّ مخلوق فيه شرٌّ, فعمومها من هذا الوجه, وليس المرادُ الاستعاذة من شرِّ كلِّ ما خلقه الله تعالى, فإن الجنةَ وما فيها ليس فيها شرٌّ, وكذلك الملائكةُ والأنبياءُ فإنهم خيرٌ محضٌ, والخير كلُّه حصل على أيديهم, فالاستعاذة من {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)} تعمُّ شرَّ كلِ مخلوق فيه شرٌّ, وكل شرٍّ في الدنيا والآخرة, وشر شياطين الإنس والجن وشر السباع والهوامِّ, وشر النار والهواء, وغير ذلك.
__________
(1) “فهذا خلف سوءٍ” من (ق).
(2/726)
وفي “الصحيح” عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “مَنْ نَزَلَ مَنْزلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لم يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ” رواه مسلم (1).
روى أبو داود في “سننه” (2) عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا سافر فأقبل الليل قال: “يا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ, أَعُوذُ باللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ ما فِيكِ وَشَرِّ ما خُلِقَ فِيكِ وَشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذُ باللهِ مِنْ أَسَدٍ وأَسْوَد، ومنْ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ، ومن سَاكِنِ البلَدِ، ومِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ” (3).
وفي الحديث الآخر: “أعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ الّتِى لا يُجَاوِزُهُا بَرٌّ ولا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ ما خَلَق وذَرَأَ وبَرَأَ، وَمنْ شَرِّ ما يَنَزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فيها، ومنْ شَرِّ مَا ذَرَأ في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنهْا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَمنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إلاَّ طارقًا يَطْرُق بخيرٍ يا رَحْمنُ” (4).
فصل
الشر الثاني: شر الغاسق إذا وقب فهذا خاصٌّ بعد
__________
(1) رقم (2708) من حديث خولة بنت حكيم السُّلَميّة – رضي الله عنها -.
(2) رقم (2603).
(3) وأخرجه أحمد: (10/ 301 رقم 6161)، والنسائي في “عمل اليوم والليلة” رقم (563)، وابن خزيمة رقم (2572)، والحاكم: (2/ 100) وغيرهم.
والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم؛ لكن فيه الزبير بن الولد لم يوثقه معتبر، وقد تفرَّد بهذا الحديث.
(4) أخرجه أحمد: (24/ 200 رقم 15460)، وأبو يعلى رقم (6844) وغيرهم من طرقٍ عن جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي التيَّاح عن عبد الرحمن بن خنبش التميمي بنحوه. وقد تفرّد به جعفر، وهو ممن ينفرد بالمناكير.
(2/727)
عام، وقد قال أكثرُ المفسرين: إنه الليل. قال عبد الله بن عباس: الليلُ إذا أقبلَ بظلمته من الشَّرق، ودخل في كلِّ شيء وأظلمَ (1)، والغَسَقُ: الظُّلْمَةُ. يقال: غَسَقَ اللَّيْلُ، وأغْسَقَ: إذا أظلم، ومنه قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78].
وكذلك قال الحسنُ ومجاهد: الغاسق إذا وقب: الليل إذا أقبل ودخل، والوُقوب: الدخولُ، وهو دخولُ اللَّيل بغروب الشمس، وقال مقاتل: يعني ظُلْمَةَ اللَّيل إذا دخل سوادُه في ضوء النهار. وفي تسمية الليل غاسِقًا قولٌ آخرُ: إنه من البَرْد، والليل أبردُ من النهار، والغَسَق: البَرْدُ، وعليه حَمَل ابن عباسٍ قوله تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)} [ص: 57] وقوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} [النبأ: 24 – 25] قال: هو الزمهريرُ يحرقُهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها. وكذلك قال مجاهد ومقاتل: هو الذي انتهى برْدُهُ (2).
ولا تنافيَ بين القولين: فإن الليلَ باردٌ مظلم، فمن ذكر بردَهُ فقط أو ظلمته فقط، اقتصر على أحد وصفيه، والظلمةُ فِي الآية أنسبُ لمكان الاستعاذة، فإن: الشَّرَّ الذي ينشأ بسبب (3) الظلمةَ أوْلى بالاستعاذة من البَرْد الذي في الليل، ولهذا استعاذ بربِّ الفلق الذي هو الصبْحُ والنور، من شرِّ الغاسق الذي هو الظُّلمة، فناسبَ الوصفُ المستعاذ به للمعنى المطلوب بالاستعاذة، كما سنزيدُه تقريرًا عن قريب إن شاء الله.
__________
(1) انظر: “تفسير الطبري”: (12/ 748 – 749).
(2) انظر “تفسير الطبري”: (10/ 599)، و”الدر المنثور”: (5/ 594) آية (ص)، و”الطبري”: (12/ 407)، و”الدر”: (6/ 503) آية (النبأ).
(3) (ظ ود). “يناسب”.
(2/728)
فإن قيل: فما تقولونَ فيما رواه التِّرمذي (1) من حديث ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشة قالت: “أخذَ النبي – صلى الله عليه وسلم – بيدي فنظر إلى القمر فقال: “يا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي باللهِ منْ شَرِّ هَذا، فَإِنَّ هَذا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ” (2). قال التِّرْمِذِيُّ: “هَذا حديث حسن صحيح”، وهذا أولى من كلِّ تفسير فيتعيَّنُ المصرُ إليه؟.
قيل: هذا التفسيرُ حقٌّ، ولا يناقضُ التفسيرَ الأوَّلَ بل يوافقُهُ ويشهدُ بصحَّتِهِ، فإنَّ الله تعالى قال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] فالقمر هو آيةُ الليلِ وسلطانُه، فهو أيضًا: غاسقٌ إذا وَقَبَ، كما أن اللَّيلَ غاسِقٌ إذا وقب، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب، وهذا خبر صدق، وهو أصدقُ الخبر، ولم ينفِ عن اللَّيل اسمَ الغاسق إذا وَقَبَ، وتخصيص النبي – صلى الله عليه وسلم – له بالذِّكر لا ينفي شمولَ الاسم لغيره.
ونظير هذا قوله في المسجد الذي أُسِّس على التَّقْوى، وقد سُئِل عنه فقال: “هُوَ مَسْجِدِي هذا” (3) ومعلومٌ أن هذا لا ينفي كونَ مسجدِ قُباءٍ مؤسَّسًا على التقوى، [بل ثبت أن مسجده أحق بالدخول في هذا الاسم، وأنه أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى] (4) من ذاك.
__________
(1) (ق): “في جامعه”.
(2) أخرجه الترمذي رقم (3366)، والنسائي في “عمل اليوم والليلة” رقم (305)، وأحمد (6/ 61 ومواضع أخرى)، والحاكم (2/ 540) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
والحديث قال فيه الترمذي “حسن صحيح”، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظ في “الفتح”: (8/ 613).
(3) أخرجه مسلم رقم (1398) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(4) ما بين المعكوفين من (ق).
(2/729)
ونظيره أيضًا: قوله في عَلِيٍّ وفاطمة والحسن والحسين – رضي الله عنهم أجمعين -: “اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلُ بَيْتي” (1)، فإن هذا لا ينفي: دخول غيرهم من أهل: بيته فِي لفظ أهل البيت، ولكن هؤلاء أحق من دخل فِي لفظ أهل بيته.
ونظير هذا قوله: “لَيْسَ المِسْكِينُ بِهذا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلكِنَّ المِسْكِينَ الّذِي لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ” (2) وهذا لا ينفي اسم المسْكَنة عن الطوَّاف، بل يحفي اختصاصَ الاسم به، ويبيِّن أن تناولَ المسكين لغير السَّائل أولى من تناوله له.
ونظيرُ هذا قوله: “لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنّ الشَّدِيدَ الّذِيْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب” (3) فإنه لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرعُ الرجالَ، ولكن يقتَضي أن ثبوتَه للذي يملكُ نفسَه عند الغضب أولى، ونظيره [الغَسَقُ] (4) والوُقُوبُ وأمثالُ ذلك، فكذلك قوله فِي
__________
(1) أخرجه أحمد: (28/ 195 رقم 16988)، وابن حبان “الإحسان”: (15/ 432) , والحاكم: (2/ 416)، والبيهقي: (2/ 152)، وغيرهم من حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه-.
والحديث صححه ابن حبان والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط مسلم. وللحديث شاهد من حديث أم سلمة أخرجه أحمد: (6/ 292)، والحاكم: (2/ 416).
(2) أخرجه البخاري رقم (1476)، ومسلم رقم (1039) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(3) أخرجه البخاري رقم (6114)، ومسلم رقم (2609) من حديث أبي هريرة – رضى الله عنه -.
(4) في الأصول: “المغلس” والمثبت من “المنيرية”.
(2/730)
القمر: “هَذا هُوَ الغَاسِق إذا وَقَبَ”, لا ينفي أن يكون الليلُ غاسقًا، بل كلاهما غَاسِقٌ، [والنبي – صلى الله عليه وسلم – أشار إلى آية الليل وسلطانه والمفسرون ذكروا الليلَ نفسَه، والله أعلم] (1).
فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضُهم أن المرادَ به القمرُ إذا خَسَف واسوَدَّ؟ وقوله: “وقب” أي: دَخَل في الخُسوف أو غاب خاسفًا؟ (2).
قيل: هذا القولُ ضعيفٌ، ولا نعلمُ به سَلَفًا، والنَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لمَّا أشار إلى القمر وقال: “هذا الغاسِقُ إذا وَقَب” لم يكن خاسفًا إذ ذاك، وإنما كان وهو مستنيرٌ، ولو كان خاسفًا لذكرته عائشة، وإنما قالت: نظر إلى القمر وقال: “هذا هو الغاسِقُ ” (3)، ولو كان خاسفًا لم يصِحَّ أن يحذفَ ذلك الوصف منه، فإنَّ ما أُطْلِق عليه اسم الغاسق باعتبار صفةٍ لا يجوزُ أن يطلقَ عليه بدونها لما فيه من التلبيس.
وأيضًا: فإن اللغة لا تساعد على هذا، فلا نعلمُ أحدًا قال: الغاسقُ هو القمرُ في حال خسوفه. وأيضًا: فإنى الوُقُوب لا يقولُ أحدٌ من أهل اللغة: إنه الخسوفُ، وإنما هو الدُّخول من قولهم: “وَقَبَتِ العَيْنُ” إذا غارت. و”رَكِيَّةٌ وَقْبَاءُ”: غارَ ماؤها فدخل في أعماق التُّراب.
ومنه الوَقْبُ: للثُّقْب الذي يدخل فيه المِحْوَرُ، وتقول العربُ: وَقَبَ يَقِبُ وقوبًا: إذا دَخَلَ.
فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهبَ إليه بعضُهم: أن
__________
(1) الزيادة بين المعكوفات من (ق).
(2) (ق) زيادة: “مظلمًا”.
(3) تقدم قريبًا.
(2/731)
الغاسق هو الثُرَيَّا إذا سقطت، فإن الأسقامَ تكثُرُ عند سقوطها وغروبها وترتفِعُ عند طلوعها؟.
قيل: إن أراد صاحبُ هذا القول اختصاصَ الغاسق بالنجم إذا غَرَبَ فباطلٌ، وإن أراد أن اسم الغاسق يتناول ذلك بوجهٍ ما، فهذا يحتملُ أن يدلَّ اللفظُ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأما أن يختصَّ اللفظُ به فباطل.
فصل
والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل، وشر القمر إذا وقب هو: أن الليل إذا أقبلَ فهو محلُّ سلطان الأرواح الشِّرِّيرة الخبيثة وفيه تنتشر الشياطين، وفى “الصحيح” أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين ولهذا قال: “فَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ واحْبِسُوا مَوَاشِيَكُمْ حَتّى تَذْهَب فَحْمَةُ العِشَاءِ” (1).
وفى حديث آخر: “فَإِنَّ اللهَ يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ” (2)، والليلُ هو محلُّ الظلام، وفيه تتسلَّطُ شياطينُ الإنس والجن ما لا تتسلَّطُ بالنهار، فإن النهار نورٌ, والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة والمظالم وعلى أهل الظلمة.
وروي أن سائلاً سأل مُسَيْلَمَةَ: كيف يأتيك الذي يأتيكَ؟ فقال: في
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3280 و 3316 وغيرها)، ومسلم رقم (2012 و 2013) من حديث جابر -رضي الله عنه- بنحوه.
وقوله في الحديث: “فاكفتوا” قال الحافظ: “بهمزةِ وصلٍ وكسر الفاء ويجوز ضمها، بعدها مثناة، أي: ضمُّوهم إليكم” اهـ من “فتح الباري”: (6/ 410).
(2) أخرجه أحمد: (22/ 188 رقم 14283)، وأبو داود رقم (5104) وغيرهما من حديث جابرٍ أيضًا.
(2/732)
ظلماءَ حِنْدِس، وسأل النبي – صلى الله عليه وسلم -: كيف يأتيك؟ فقال “في مثْلِ ضوْءِ النَّهارِ” (1) , فاستدلَّ بهذا على نُبُوَّته, وأنَّ الذي يأتيه مَلَكٌ من عند الله, وأن الذي يأتي مُسَيْلَمَةَ شيطانٌ, ولهذا كان سلطانُ السحر وعِظَم تأثيره إنما هو باللَّيل دون النهار, فالسِّحْرُ اللَّيْلِيُّ عندَهم هو السِّحْرُ القويُّ التأثيرُ, ولهذا كانت القلوبُ المظلمةُ هي محالَّ الشياطين وبيوتَهم ومأواهم, والشياطينُ تجولُ فيها وتتحكَّمُ كما يتحكَّمُ ساكنُ البيت فيه, وكلما كان القلبُ أظلم كان للشيطانِ أطوَعَ, وهو فيه أثبَتُ وأمكنُ.
فصل
ومن هاهنا تعلم السِّرَّ في الاستعاذة بربِّ الفلق في هذا الموضعِ, فإن الفلقَ الصُّبْحُ الذي هو مبدأُ ظهور النور, وهو الذي يطردُ جيش الظلام وعَسْكر المفسدين في الليل, فيأوي كلُّ خبيث وكلُّ مفسدٍ وكلُّ لصٍّ وكلُّ قاطع طريق إلى سَرَبٍ أو كِنٍّ أو غارٍ, وتأوي الهوامُّ إلى جِحَرتها (2) , والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنَتِها ومحالِّها.
فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برَبِّ النور الذي يقهَرُ الظُّلْمَة ويُزيلها ويقهرُ عسكرَها وجيشَها, ولهذا يخبر سبحانه في
__________
(1) لم أجده، لكن أخرج أحمد: (1/ 312)، والطبراي بنحوه -كما في المجمع: 8/ 258 – عن ابن عباس، وابن سعد في “الطبقات”: (1/ 195) عن عروة مرسلاً بسندٍ صحيح في حديث بدء الوحي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لخديجة: “إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا … “.
قال الهيثمي عن سند أحمد: “ورجاله رجال الصحيح”.
(2) (ظ ود): “أجحرتها”، والمثبت من (ق) وهو جمع “جُحْر” ويجمع على: “جِحَرة وأجحار” في انظر “اللسان”: (4/ 117).
(2/733)
كلِّ كتاب (1) أنه يخرجُ عبادَهُ من الظُّلُماتِ إلى النُّور, ويدَعُ الكفارَ في ظلمات كفرهم قال تعالى الله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] , وقال تعالى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] وقال في أعمار الكفار: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)} [النور: 40].
وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35].
فالإيمان كلُّه نور, ومآله إلى نور, ومستقرُّه في القلب المضيء المستنير, والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة, والكفر والشرك كله ظلمة, ومآله إلى الظلمات, ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة.
فتأملْ الاستعاذة بربِّ الفلق من شرِّ الظُّلْمة ومن شرِّ ما يحدثُ فيها وَنَزِّولْ هذا المعنى على الواقع يشهدْ به: أن القرآن بل هاتانِ السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صِدْق رسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – ومضادَّةِ لما جاء به الشَّياطينُ من كل وجه, وأن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين, وما ينبغي لهم, وما يستطيعون فما فعلوه, ولا يليقُ
__________
(1) “فى كل كتاب” ليست في (ق).
(2/734)
بهم، ولا يتأتَّى منهم، ولا يقدرونَ عليه.
وفي هذا أبْيَنُ جواب وأشفاه لما يوردهُ أعداءُ الرسول عليه من الأسئلة الباطلة, التي قصَّرَ المُتَكَلِّمون غايةَ التقصير في دفعها, وما شَفَوا في جوابها, وإنما اللهُ سبحانه هو الذي شَفَى وكفى في جوابها فلم يُحْوِجْنا إلى متكلِّمٍ ولا إلى أصوليٍّ ولا نَظَّار, فله الحمد والمنة لا نحصي ثناءً عليه.
فصل
واعلم أن الخَلْقَ كُلَّهُ فَلَقٌ, وذلك أن “فَلَقًا” فَعَلٌ بمعنى: مفعول, كَقبَض وسَلَب وقَنَص, بمعنى: مَقْبُوض ومُسْتَلَب ومُقْتَنَص (1) , واللهُ عز وجل فالقُ الإصباح, وفالقُ الحب والنوى, وفالق الأرض عن النبات والجبال عن العيون, والسَّحاب عن المطر, والأرحام عن الأجِنَّة, والظلام عن الإصباح, ويسمى الصبحُ المتصدِّعُ عن الظلمة: فَلَقًا وفَرَقًا, يقال: أبينُ (2) من فَرَقِ الصُّبح وفَلَقِهِ.
وكما أن في خَلْقه فَلَقًا وفَرَقًا, فكذلك أمره كلُّه فرقانٌ, يفرِّقُ به بين الحقِّ والباطل, فيفرق ظلام الباطل بالحق, كما يفرق ظلامَ الليل بالإصباح, ولهذا سمى كتابه: “الفرقان”, ونصرَه: “فرقانًا” لتضمُّنه الفرق بين أوليائه وأعدائه ومنه فَلْقُه البحرَ لموسى وسماه: فلقًا وفرقًا (3).
فظهرت حكمةُ الاستعاذة بربِّ الفلق في هذه المواضع وظهر
__________
(1) في “المنيرية”: “ومسلوب ومقنوص”.
(2) (ظ ود): “هو أبيض”.
(3) من (ق).
(2/735)
بهذا إعجازُ القرآن وعَظَمَتُه وجلالته، وأن العِبَاد لا يَقْدُرون قَدْره, وأنه: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42]
فصل
الشرُّ الثالث: شر النفاثات في العقد, وهذا الشَّرُّ هو شر السحر, فإن النَّفَّاثات في العُقَد هن: السواحِرُ اللاتي يعقدْنَ الخيوطَ, وينفثْنَ على كلِّ عقدة, حتى ينعقدَ ما يُرِدنَ من السِّحر, والنفث هو: النفخ مع رِيقٍ, وهو دونَ التَّفْل, وهو مرتبةٌ بينهما, والنفثُ: فعلُ الساحر, فإذا تكيَّفَتْ نفسُه بالخبث والشر الذي يريدهُ بالمسحور ويستعينُ عليه بالأرواح الخبيثة نفخَ (1) في تلك العُقَد نفخًا معه ريقٌ فيخرج من نَفْسِه الخبيثة نَفَسٌ ممازجٌ للشر والأذى, مقترنٌ بالرِّيق الممازج لذلك, وقد تَسَاعَدَ هو والرُّوح الشيطانية على أذى المسحور, فيقع فيه السِّحْرُ بإذن الله الكونيّ القَدَري لا الأمريّ الشرعي.
فإن قيل: فالسحرُ يكونُ من الذكور والإناث, فَلِمَ خصَّ الاستعاذةَ من الإناث دونَ الذكور؟
قيل في جوابه: إن هذا خَرَج على السَّبب الواقع, وهو أن بنات لَبِيد بن الأعصم سَحَرْنَ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -. هذا جوابُ أبي عبيدة وغيره (2)، وليس هذا بسديد فإن الذي سَحَرَ النبي – صلى الله عليه وسلم – هو لبِيدُ بنُ أعصَمَ كما جاء في “الصحيح”.
والجوابُ المحقَّقُ: أنَّ النَّفَّاثات هنا هنَّ الأرواحُ والأنفس النفَّاثات لا النساءُ النَّفَّاثَاتُ, لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة
__________
(1) (ظ ود): “نفث”.
(2) انظر: “زاد المسير”: (9/ 275)، و”فتح القدير”: (5/ 521).
(2/736)
والأرواح الشريرة، وسلطانُه إنما يظهرُ منها، فلهذا ذكرت النَّفَّاثَات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم.
ففي “الصحيح” (1) عن هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة: “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – طُبَّ، حتى إنه لَيُخَيَّلُ إليه أنه صَنَع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربَّه، ثم قال: “أشَعَرتِ أنَّ الله قَدْ أفْتَانِي فيما اسْتَفْتَيتُهُ فِيهِ”، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: “جَاءَنِى رَجُلانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيّ، فَقَالَ أَحَدُهُما لِصَاحِبهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ الآخَرُ: مَطبُوبٌ، قالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قال: لَبيدُ بنُ الأَعْصَم. قالَ لَهُ: فَبمَاذا؟ قَال: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعة ذَكرٍ، قال: فأيْنَ هُوَ؟ قال: في ذَرْوَانَ بئرٍ في بَنِي زُرَيقٍ”. قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال: “واللهِ لكأَنَّ مَاءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، ولَكَأَنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشيَّاطِينِ”، قال: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجته؟ قال: “أمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِى اللهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا” فأمَرَ بها فدُفِنَتْ.
قال البخاري: وقال الليث وسفيان بن عيينة، عن هشام: في مشط ومُشَاقة، ويقال: إن المُشاطة ما يخرجُ من الشعر إذا مُشِطَ، والمشاقة من مشاقة الكَتّان.
قلت: هكذا في هذه الرواية إنه لم يُخرجه اكتفاء بمعافاة الله له وشفائه إياه، وقد روى البخاري (2) من حديث سفيانَ بن عُيَيْنَةَ قال:
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3268 و 5763 وغيرها) ومسلم رقم (2189) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(2) رقم (5765).
(2/737)
أول من حدثنا به ابنُ جُريْج يقول: حدثني آل عُرْوَة، عن عُرْوة فسألت هشامًا عنه، فحدثنا عن أبيه، عن عائشة: “كان رسول الله سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنَّ، قال سفيان: وهذا أشدُّ ما يكونُ من السِّحر إذا كان كذا، فقال: “يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَال الّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُل؟ قَالَ: مَطبُوبٌ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَال: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ رَجُلٌ مِنْ بنِي زُرَيْقٍ حَليفٌ لِيَهُودَ وَكَانَ مُنَافِقًا، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ ومُشَاطةٍ قَالَ: وَأَينَ؟ قَال: في جُفِّ طَلْعة ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفةٍ بِئْرِ ذَرْوَانَ”، قال: فأتى البئر حتى استخرَجَهُ، فقال: “هَذهِ البئْرُ الّتي أُرِيتُها، وَكَأَنَّ مَاءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ وَكَأَنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينَ، قَالَ: فاسْتُخْرِجَ، قَالَتْ: فَقُلْت: أَفَلا؟ أَيْ: تَنَشَّرْت، فقال: أمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا”.
ففي هذا الحديث أنه استخرجه، وترجم البخاريُّ عليه: “بابٌ هل يُسْتخرج السحرُ؟ “.
وقال قتادة: قلت لسعيد بن المُسَيَّب: رجل به طِبٌّ ويؤخذُ عن امرأته، أيحلُّ عنه وينشرُ؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاحَ، فأما ما ينفعُ النَّاسَ فلم يُنْهَ عنه (1).
فهذان الحديثانِ قد يُظَنُّ في الظاهر تعارُضُهُما, فإن حديث
__________
(1) علّقه البخاري فِي “الصحيح – الفتح”: (10/ 243) مجزومًا به, وقال الحافظ: “وصله أبو بكر الأثرم في “كتاب السنن، من طريق أبان العطار عن قتادة”، قال الحافظ في “تغليق التعليق”: (5/ 49) “وإسناده صحيح”.
(2/738)
عيسى، عن هشام, عن أبيه الأوَّل فيه أنه لم يستخرجْه، وحديث ابن جُرَيْج، عن هشام فيه أنه استخرجه، ولا تَنَافِيَ بينهما، فإنه استخرجه من البئرِ حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شُفِيَ.
وقول عائشة رضي الله عنها: هلا استخرجْتَهُ؟ أي: هلاَّ أخرجْتَهُ للناس حتى يَرَوْهُ ويعاينوه, فأخبرها بالمانع له من ذلك, وهو أنَّ المسلمين لم يكونوا لِيَسكتوا عن ذلك, فيقعُ الإنكارُ ويغضَبُ للساحر قومُهُ, فيحدث الشَّرُّ, وقد حصل المقصودُ بالشفاء والمعافاة فأمر بها فَدُفِنَتْ, ولم يستخرجها للناس, فالاستخراج الواقع غير الذي سألتْ عنه عائشة, والذي يدلُّ عليه أنه – صلى الله عليه وسلم – إنما جاء إلى البئر ليستخرجَها منه ولم يجيء إليه لينظرَ إليها ثم ينصرف, إذ لا غرض له في ذلك, والله أعلم (1).
وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث, متلقًى بالقبول بينهم, لا يختلفونَ في صحته, وقد اعْتاصَ على كثير من أهل الكلام وغيرهم, وأنكروه أشدَّ الإنكار, وقابلوه بالتكذيب, وصنّف بعضهم فيه مصنّفًا مفردًا حَمَل فيه على هشام, وكان غاية ما أحسن القول فيه, أن قال: “غَلِط واشتبه عليه الأمرُ, ولم يكنْ من هذا شيء”, قال: “لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يجوزُ أن يُسْحَرَ فإن يكونه مسحورًا تصديقا لقول (2) الكفار: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47)} [الإسراء: 47] قالوا: وهذا كما قال فرعون لموسى – عليه السلام -: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101)} [الإسراء: 101]. وقال قوم صالح له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
__________
(1) انظر الجمع بين الروايتين في “شرح ابن بطال”: (9/ 444 – 445)، و”فتح الباري”: (10/ 245 – 246).
(2) (ظ ود): “لأمر”.
(2/739)
الْمُسَحَّرِينَ (153)} [الشعراء: 153]، وقال قوم شعيب له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)}، قالوا: فالأنبياء لا يجوزُ عليهم أن يُسْحَرُوا، فإن ذلك ينادي حمايةَ الله لهم وعصمتهم من الشياطين”.
وهذا الذي قاله هؤلاء مودودٌ عند أهل العلم، فإن هشامًا من أوثقِ النَّاس وأعلمهم, ولم يقدحْ فيه أحدٌ من الأئمة بما يوجبُ رَدَّ حديثه, فما لِلْمُتَكَلِّمِينَ وما لهذا الشأن؟! وقد رواه غيرُ هشام عن عائشة – رضي الله عنها -.
وقد اتفق أصحابُ “الصحيحين” على تصحيح هذا الحديث, ولم يتكلَّمْ فيه أحدٌ من أهل الحديث بكلمة واحدة, والقصةُ مشهورةُ عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء, وهؤلاء أعلمُ بأحوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأيامه من المتكلِّمين.
قال أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ (1): “حدثنا أبو معاويةَ, عن الأعمش, عن يزيد بن حيَّان, عن زَيْدِ ابن الأرقم, قال: سحر النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – رجلٌ من اليهود, فاشتكى لذلك أيامًا, قال فأتاه جبريلُ, فقال: إن رجلًا من اليهود سَحَرَكَ, وعقد لذلك (2) عُقَدًا, فأرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عَلِيًّا فاستخرجها, فجاء بها, فجعل كلما حلَّ عقدةً وجد لذلك خِفَّةً, فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كأنما أُنشِطَ من عِقالٍ, فما ذكر ذلك لليهوديِّ ولا رآه في وجهه قطُّ” (3).
__________
(1) في “المصنَّف”: (5/ 40 – 41).
(2) (ق ود): “لك”.
(3) وأخرجه أحمد في “مسنده”: (4/ 367)، والنسائي: (7/ 112) , وعَبْد بن حُميد “المنتخب” رقم (271)، والطبراني في “الكبير”: (5/ 180) كلهم من طريق أبي معاوية به. =
(2/740)
وقال ابن عباس وعائشة: كان غلامٌ من اليهود يخدُمُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدنت إليه اليهود, فلم يزالوا حتى أخذ مُشَاطةَ رأس النبي – صلى الله عليه وسلم -, وعِدَّةَ أسنان من مُشْطه, فأعطاها اليهودَ فسحروه فيها, وتولى ذلك لَبِيد بن الأعصم رجلٌ من اليهود فنزلت هاتانِ السورتان فيه (1).
قال البغويُّ (2): وقيل كانت مغروزةً بالإبرة, فأنزل الله عز وجل هاتينِ السورتينِ وهما إحْدى عشرة آيةً: سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات, فكلما قرأ آية انحلَّت عقدةٌ, حتى انحلت العُقَدُ كلُّها, فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – كأنما أُنْشِطَ من عِقَالٍ (3).
قال: وروى أنه لَبِثَ فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاثة أيام,
__________
= ورواه الحاكم: (4/ 360) من حديث زيد بإسنادٍ آخر وصححه على شرط الشيخين، وانظر: “الفتح”: (10/ 239)، وقال الهيثمي في “المجمع”: (6/ 284): “رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح”.
(1) ذكره البغوي في “تفسيره”: (4/ 546) بلا إسناد، أخذًا من الثعلبي؛ إذ تفسيره مختصر منه، وعزاه للثعلبي ابن كثير في “تفسيره”: (8/ 3910 – 3911) مطوَّلًا، وقال عقبه: “هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم” اهـ.
(2) في “تفسيره”: (4/ 546 – 547).
(3) قال الحافظ في “الفتح”: (10/ 236): “وقد وقع في حديث ابن عباسٍ فيما أخرجه البيهقي في “الدلائل” بسندٍ ضعيف في آخر قصه السحر الذي سُحِر به النبي – صلى الله عليه وسلم – أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة وأنزلت سورة الفلق والناس، وجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، وأخرج ابن سعد (الطبقات 2/ 199) بسندٍ آخر منقطع عن ابن عباس: أن عليًّا وعمارًا لما بعثهما النبي – صلى الله عليه وسلم – لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة” اهـ. وانظر: “التلخيص الحبير”: (4/ 40). وكذا جاء ذكر هذه العقد في رواية عَمْرة عن عائشة، لكنها أيضًا ضعيفة انظر “الفتح”: (10/ 241، 246).
(2/741)
فنزلت المعوذتان (1).
قالوا: والسِّحر الذي أصابه – صلى الله عليه وسلم – كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه, ولا نقصَ في ذلك ولا عيب بوجهٍ ما, فإن المرضَ يجوزُ على الأنبياء, وكذلك الإغماءُ فقد أُغْمِيَ عليه – صلى الله عليه وسلم – في مرضه (2) , ووقع حين انفكتْ قدمُه (3) , وجُحِشَ شِقُّهُ (4) , وهذا من البلاء الذي يزيدهُ اللهُ به رفعةً في درجاته ونيل كرامته, وأشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ, فابتلوا من أممهم بما ابْتُلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس, فليس بِبدْعٍ أن يُبْتَلَى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلى بالذي رماه فشجَّه, وابتليَ بالذي ألقى على ظهره السَّلَى وهو ساجد, وغير ذلك, فلا نقصَ عليهم ولا عارَ في ذلك, بل هذا من كمالهم وعُلوٌّ درجاتهم عند الله.
قالوا: وقد ثبت في “الصحيح” عن أبي سعيد الخُدْري أن جبريل أتى النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فقال: “يا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ ” فقال: “نَعَمْ”, فقال: “بِاسمِ الله أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤْذِيكَ, مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ, اللهُ يَشْفِيكَ, بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ” (5) فعوّذه جبريلُ من شرِّ
__________
(1) قال الحافظ في “الفتح”: (10/ 237): “وقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: “فأقام أربعين ليلة” وفي رواية وهيب (كذا! وصوابه: معمر، أما رواية وهيب 6/ 96 فليس فيها تحديد المدة) عن هشام عند أحمد (6/ 63): “ستة أشهر”، ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه … ” اهـ.
(2) أخرجه البخاري رقم (198)، ومسلم رقم (418) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(3) أخرجه البخاري رقم (1911) من حديث أنسٍ بن مالك -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه البخاري رقم (378)، ومسلم رقم (411) من حديث أنسٍ -أيضًا-.
(5) أخرجه مسلم رقم (2186) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(2/742)
كل نفس وعين حاسد لمَّا اشتكى، فدَلَّ على أن هذا التعويذَ مُزِيلٌ لِشكَايته – صلى الله عليه وسلم -, وإلا فلا يُعَوِّذُه من شيء وشِكَايته من غيره.
قالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها فلا حجةَ لكم فيها, أما قوله تعالي عن الكفار أنهم قالوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] وقوله قوم صالح له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153)} [الشعراء: 153] فقيل: المراد به من له سَحَرٌ, وهي الرِّئَةُ, أي: أنه بَشَرٌ مثلُهم يأكلُ ويشربُ, ليس بِمَلَكٍ, ليس المرادُ به السِّحْرَ, وهذا جواب غير مَرْضيٍّ, وهو في غاية البعد فإن الكفار لك يكونوا يعبرون عن البشر بأنه مسحور, ولا يُعْرف هذا في لغة من اللغات (1) , وحيث أرادوا هذا المعنى أتَوْا بصريح لفظ البشر فقالوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} , {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} , {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)}.
وأما المسحور, فلم يريدوا به: ذا السَّحْر وهي: الرئة وأيُّ مناسبةٍ لذكر الرئة في هذا الموضع؟! ثم كيف يقول فرعون لموسى: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101)} [الإسراء: 101] أَفَتُراه ما علم أنَّ له سَحْرًا وأنه بشرٌ, ثم كيف يجيبُهُ موسى بقوله {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)} [الإسراء: 102] ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدَّقه موسى وقال نعم أنا بشرٌ أرسلني اللهُ إليك, كما قالت الرسلُ لقومهم لما قالوا لهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} فقالوا: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ولم ينكروا ذلك, فهذا الجوابُ في غاية الضَّعف.
وأجابت طائفةٌ منهم ابنُ جرير (2) وغيره, بأن المسحور هنا هو
__________
(1) (ق): “من لغات الأمم”.
(2) كما في “تفسيره”: (8/ 158) قال: “وقد يجوز أن يكون مرادًا به: إني لأظنك =
(2/743)
مُعَلَّمُ السِّحر الذي قد علَّمه إيَّاه غيرُهُ، فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي: عَلِم بالسحر (1) , وهذا جيِّد إن ساعدت عليه اللغة, وهو: أن من عَلِم السحر, يقال له: مسحور, ولا يكاد هذا يُعرف في الاستعمال, ولا في اللغة, وإنما المسحور من سحره غيرُه كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه, وأما من عَلِمَ السحر فإنما (2) يقال له: ساحر, بمعنى: أنه عالمٌ بالسحر, وإن لم يَسْحَرْه غيره, كما قال قوم فرعون لموسى: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)} [الشعراء: 34] ففرعون قذفه بكونه مسحورًا, وقومه قذفوه بكونه ساحرًا.
فالصَّواب هو الجوابُ الثالث, وهو جواب صاحب “الكشاف” (3) وغيره: أن المسحور على بابه, وهوَ مَنْ سُحِرَ حتى جُنَّ, فقالوا: مسحورٌ, مثل مجنون زائل العقل لا يعقلُ ما يقولُ, فإنَّ المسحورَ الذي لا يُتَّبَعُ: هو الذي فسد عقلُه بحيث لا يدري ما يقولُ فهو كالمجنون, ولهذا قالوا فيه {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)} فأمّا من أُصِيب في بَدَنه بمرض من الأمراض يُصابُ به الناسُ فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان, وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءَهم من اتِّبَاعهم, وهو أنهم قد سُحِروا حتى صاروا لا يعلمونَ ما يقولون بمنزلة المجانين, ولهذا قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)} [الإسراء: 48]__________
= يا موسى ساحرًا، فوضع مفعول موضع فاعل، كما قيل: إنك مشئوم علينا وميمون، وإنما هو شائم ويامن … والعرب قد تخرج فاعلًا بلفظ مفعول كثيرًا” اهـ.
(1) في “المنيرية”: “عالم بالسحر”.
(2) (ظ): “فإنه”.
(3) (2/ 377).
(2/744)
مثَّلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلُّوا في جميع ذلك ضلالَ من يطلبُ في تِيْهه وتحيُّره (1) طريقًا يسلكه فلا يقدر عليه, فإنه أي طريق أخذَها فهي طريقُ ضلال وحيرة, فهو متحيِّر في أمره لا يهتدي سبيلًا, ولا يقدرُ على سلوكها فهذا (2) حالُ أعداءِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – معه حتى ضربوا له أمثالًا بَرَّأَهُ الله منها, وهو أبعدُ خَلْقِ الله منها, وقد علم كلُّ عاقلٍ أنها كَذِبٌ وافتراءٌ وبهتانٌ.
وأما قولكم: “إن سحر الأنبياء يُنافي حمايةَ الله لهم وصيانته لهم [أن يُسْحَروا”, فجوابه: أن ما يصيبهم من أذى أعدائهم لهم, وأذاهم إياهم لا ينافي حماية الله وصيانة لهم] (3)؛ فإنه سبحانه كما يَحْميهم ويصونُهم ويحفظُهم ويتولاَّهُم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته, وليتسلَّى بهم من بعدهم من أُمَمِهم وخُلفائِهم إذا أُوذوا من النَّاس, فرأوا ما جرى على الرُّسُل والأنبياء, صبروا ورَضُوا وتأسَّوْا بهم, ولِتمتلِيءَ صاعُ الكفار فيستوجبون ما أُعِدَّ لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة, فيمحقهم بسبب بَغْيهم وعداوتهم (4) , فيعَجِّل تطهيرَ الأرض منهم, فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائِه ورسله بأذى قومهم, وله الحكمةُ البالغةُ والنعمةُ السابغةُ, لا إلهَ غيرهُ, ولا رَبَّ سواه.
فصل
وقد دلَّ قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} ,
__________
(1) (ق): “في تيهٍ وغيره”.
(2) (ظ): “فكهذا”.
(3) ما بين المعكوفين ساقط من (ظ ود) والمطبوعات, ومستدرك من (ق).
(4) (ق): “وعدوانهم”.
(2/745)
وحديثُ عائشة – رضي الله عنها – المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفةٌ من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: إنه لا تأثيرَ للسحر ألبَتَّةَ لا في مرض ولا قتل ولا حَلٍّ ولا عقد قالوا: وإنما ذلك تخيلُ لأعين الناظرين, لا حقيقةَ له سوى ذلك.
وهذا خلافُ ما تواترت به الآثارُ (1) عن الصحابة والسَّلَف, واتفق عليه الفقهاءُ وأهل التفسير والحديث, وأربابُ القلوب من أهل التَّصَوُّف, وما يعرفُهُ عامَّةُ العقلاء.
والسحرُ الذي يؤثر مرضّا وثقلًا, وحلًّا وعقدًا, وحبًّا وبغضًا ونزيفًا, وغير ذلك من الآثار موجودٌ تعرِفُهُ عامة الناس, وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيبَ به منه.
وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} دليل على أن هذا النفث يضرُّ المسحور في حال غيبته عنه, ولو كان الضررُ لا يحصُلُ إلا بمباشرة البَدَن ظاهرًا -كما يقولُه هؤلاء- لم يكنْ للنَّفثِ ولا للنفَّاثات شرٌّ يستعاذ منه.
وأيضًا: فإذا جاز على الساحر أن يَسْحَرَ جميعَ أعينِ النَّاظرين -مع كثرتهم- حتى يَرَوا الشيءَ بخلاف ما هو به -مع أن هذا تَغَيُّرٌ في إحساسهم (2) – فما الذي يحيلُ تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقُواهم وطِباعهم؟! وما الفرقُ بين التَّغيير الواقع في الرُّؤية والتَّغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبَدَن؟!.
__________
(1) (ق): “الأخبار”.
(2) (ق): “أجسامهم”.
(2/746)
فإذا غيَّرَ إحساسَه حتى صار يرى السَّاكِنَ مُتَحَرِّكًا, والمُتَّصِلَ منفصلًا, والميِّتَ حَيًّا, فما المُحِيلُ لأن يغيرَ صفات نفسِهِ حتى يجعلَ المحبوبَ إليه بغيضًا والبغيض محبوبًا وغير ذلك من التأثيرات؟.
وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} [الأعراف: 116] فبيَّن سبحانه أن أعينهم سُحِرَتْ, وذلك إما أن يكونَ لتغيير حصل في المرئي, وهو الحبال والعِصِي, مثل أن يكون السَّحَرَةُ استعانت بأرواح حَرَّكَتْها, وهي الشياطينُ, فظنُّوا أنها تحرَّكت بأنفسها, وهذا كما إذا جرَّ من لا يراه حصيرًا أو بساطًا فترى الحصير والبساط ينجرُّ, ولا ترى الجارَّ له, مع أنه هو الذي يجرُّه, فهكذا حالُ الحِبالُ والعِصِيّ التبستها الشياطينُ فقَلَّبتها كتقلُّب الحَيَّة فظنَّ الرائي أنها تقلَّبَتْ بأنفسِها, والشياطينُ هم الذين يقلِّبونها. وإما أن يكونَ التغيُّرُ حَدَثَ في الرائي حتى رأي الحبال والعِصِيَّ تَتَحَرَّكُ وهي ساكنةٌ في أنفسها, ولا ريبَ أن الساحر يفعلُ هذا وهذا, فتارة يتصرَّفُ في نفس الرَّائي وإحساسه حتى يُرِىه الشيءَ بخلاف ما هو به, وتارة يتصرَّف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرَّف فيها (1).
وأما ما يقوله المنكرون من أنهم فعلوا في الحِبال والعِصِيِّ ما أوجب حركتَهَا ومشْيَها مثل الزئبق وغيره حتى سَعَتْ, فهذا باطلٌ من وجوه كثيرة, فإنه لو كان كذلك لم يكنْ هذا خيالًا بل حركة حقيقية, ولم يكنْ ذلك سَحْرًا لأعينِ النَّاسِ, ولا يسمَّى ذلك سِحْرًا, بل صناعة من الصناعات المشتركة, وقد قال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ
__________
(1) (ق): “يؤثر فيه”.
(2/747)
وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)} [طه: 66] ولو كانت تحركت بنوع حيلة -كما يقوله المنكرون- لم يكن هذا من السحر في شيء, ومثل هذا لا يخفى, وأيضًا: لو كان ذلك بحيلة -كما قال هؤلاء- لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزِّئبق وبيان ذلك المحال, ولم يحتجْ إلى إلقاء العصا لابتلاعها, وأيضًا: فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة, بل يكفي فيها حُذَّاق الصُّنَّاع, ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة وخضوعه لهم ووعدهم بالتقريب والأجر (1) , وأيضًا: فإنه لا يقالُ في ذلك: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} , فإن الصناعات يشتركُ الناس في تعلُّمها وتعليمها, وبالجملة فبطلانُ هذا أظهرُ من أن يتكلف رده فلنرجعْ إلى المقصود.
فصل
الشرُّ الرابع: شرُّ الحاسد إذا حسد, وقد دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ على أن نفسَ حسد الحاسد يؤذي المحسود, فنفس حسده شرٌّ يَتَّصِلُ بالمحسود من نفسه وعينه, وإن لم يؤذِهِ بيده ولا لسانه, فإن الله تعالى قال: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} , فحقَّق الشرَّ منه عند صدور الحسد.
والقرآنُ ليس فيه لفظة مهملة, ومعلوم أن الحاسد لا يسمَّى حاسدًا إلا إذا قام به الحسد, كالضارب والشاتم والقاتل ونحو ذلك, ولكن قد يكون الرَّجُلُ في طبيعته الحسد, وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه, فإن خطر على ذكره وقلبه انبعثت نارُ الحسد من قلبه إليه, ووجهتْ إليه سهام الحسد من قَلْبه (2) , فيتأذَّى المحسودُ بمجرد
__________
(1) (ظ ود): “والإجزاء”.
(2) (ظ): “قِبَله” ولها وجه.
(2/748)
ذلك، فإن لم يستعذْ باللهِ ويتحصَّنْ به, ويكون له أورادٌ من الأذكار والدَّعوات والتَّوَجُّه إلى الله والإقبال عليه, بحيثُ يدفعُ عنه من شرِّه بمقدار توجهه وإقباله على الله, وإلا ناله شر الحاسد ولابدَّ, فقوله تعالى: {إِذَا حَسَدَ (5)} بيان؛ لأن شرَّهُ إنما يتحقَّقُ إذا حصل منه الحسدُ بالفعل.
وقد تقدم في حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ الصحيح رُقْيَةُ جبريلَ – عليه السلام – النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – وفيها: “بسم الله أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شيءٍ يُؤْذِيكَ, مِنْ شَرِّ كلِّ نَفْسٍ أو عَيْنِ حَاسِدٍ, الله يَشْفِيكَ” (1) , فهذا فيه الاستعاذة من شر عين الحاسد, ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها؛ إذ لو نظر إليه نظرَ لاهٍ ساهٍ عنه, كما ينظرُ إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثِّرْ فيه شيئًا؛ وإنما إذا نظر إليه نَظَرَ من قد تكيَّفَتْ نفسُه الخبيثةُ, واتسمَّت واحْتَدَّتْ, فصارت نفسًا غضبيةً خبيثةً حاسدة أثَّرت بها (2) تلك النظرةُ, فأثَّرت في المحسود تأثيرًا بحسب صفة ضعفه وقوَّة نفس الحاسد, فربَّما أَعْطَبَهُ وأهلكَه, بمنزلةِ من فوَّق سهمًا نحو رَجُلٍ عُرْيَان فأصاب منه مقتلًا, وربما صرعه وأمرضَهُ, والتَّجارِبُ عند الخاصَّةِ والعامَّةِ بهذا أكثرُ من أن تُذْكَرَ.
وهذه العينُ إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة, وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا غضِبَت (3) واحتدَّت, فإنها تتكيَّفُ بكيفيَّة الغضب والخبث فتُحْدِثُ فيها تلك الكيفيةُ السُّمَّ فتؤثر في الملسوع, وربما قَوِيَتْ تلك الكيفيةُ واشتدَّتْ في نوعٍ منها حتى
__________
(1) تقدم ص / 742.
(2) (ق): “فاقترفت بها”.
(3) (ظ ود) والمطبوعات: “عضَّت”، وما في (ق) أصحّ معنًى.
(2/749)
تُؤَثِّرَ بمجرد نظرة فتطمسُ البصر وتسقطُ الحَبَلَ, كما ذكره النبي – صلى الله عليه وسلم – في الأبتر وذي الطُّفْيَتَيْن منها, وقال: “اقْتُلُوهُمُا, فإنَّهُما يَطْمِسَانِ (1) البَصَرَ ويُسْقِطَانِ الحَبَلَ” (2).
فإذا كان هذا في الحيَّات, فما الظَّنُّ في النفوس الشِّريرة الغَضَبِيَّة الحاسدة إذا تكيَّفت بكيفيَّتِها الغضبيّة واتسمَّت وتوجَّهت إلى المحسود بكيفيَّتها؟! فللهِ كم من قتيل, وكم من سَلِيب, وكم من معافيً عاد مضنيً على فراشه يقول طبيبُه: لا أعلمُ داءَه ما هو = فصدقَ!! ليس هذا الدَّاءُ من علم الطبائع, هذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع وانفعال الأجسام عنها.
وهذا علمٌ لا يعرفُهُ إلاَّ خواصُّ النَّاسِ, والمحجوبونَ مُنكرونَ له, ولا يعلمُ تأثيرَ ذلك وارتباطه بالطبيعة وانفعالها عنه إلّا من له نصيبٌ من ذوق, وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى؟ وهل الإنفعالُ والتأثُرُ وحدوث ما يحدثُ عنها من الأفعال العجيبة والآثار الغريبة إلاَّ للأرواحِ, والأجسامُ آلتُها, بمنزلة آلة الصانع, فالصنعةُ في الحقيقة له, والآلاتُ وسائطُ في وصول أثره إلى الصنع.
ومن له أدنى فِطْنة, وتأمَّلَ أحوالَ العالم ولطُفَتْ رُوْحُه, وشاهدتْ أحوالَ الأرواح وتأثيراتها, وتحريكها الأجسام وانفعالها عنها, كلُّ ذلك بتقدير العزيز العليم, خالق الأسبابِ والمسببات = رأى (3)
__________
(1) (ظ): “يلتمسان” وهو موافق لرواية مسلم: “يلتمس البصر”.
(2) أخرجه البخاري رقم (3297)، ومسلم رقم (2233) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – بنحوه، وفي “الصحيحين”: “يستسقطان الحَبَل”.
وذو الطُّفْيَتين والأبتر: جِنْس من الحيَّاتْ الخبيثة.
(3) تعلق بقوله: “ومن له أدنى فطنة … “.
(2/750)
عجائبَ في الكون، وآياتِ دالَّةً على وحدانِيَّةِ الله وعظمته وربوبيَّتِهِ, وأَنَّ ثَمَّ عالمًا آخَرَ تجري عليه أحكامٌ أُخَرُ تُشْهَدُ آثارُها, وأسبابُها غُيَّبٌ عن الأبصار, فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين الذي أتقنَ ما صنع, وأحسنَ كلَّ شيء خَلَقَهُ!! ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح, بل هو أعظمُ وأوسعُ وعجائبه أبهرُ وآياتُه أعجبُ!!.
وتأمل هذا الهيكلَ الإنسانيَّ إذا فارقَتْهُ الرُّوحُ كيف يصيرُ بمنزلة الخَشَبة أو القطعة من اللحم, فأين ذهبت تلك العلوم (1) والمعارف والعقل, وتلك الصنائعُ الغريبة وتلك الأفعالُ العجيبة وتلك الأفكار والتدبيرات؟ كيف ذهبت كلُّها مع الرُّوح وبقي الهيكل سواء هو والتُّراب؟ وهل يخاطبُكَ من الإنسان أو يراك أو يحبك, أو يواليك أو يعاديك, ويخِفُّ عليك ويَثْقُلُ ويؤنِسُكَ ويوحِشُكَ, إلا ذلك الأمرُ الذي وراء الهيكل المشاهَدِ بالبَصَر.
فربَّ رجلٍ عظيم الهَيُولَي (2) كبيرِ الجثة, خفيفٌ على قلبك حُلْوٌ عندك, وآخرُ لطيفُ الخِلْقة صغير الجثة, أثقلُ على قلبك من جَبَل, وما ذاك إلا للطافة رُوح ذاك وخِفَّتها وحلاوتها, وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها, وبالجملة فالعُلَقُ والوُصَلُ التي بين الأشخاص والمنافرات والبُعد إنما هي للأرواح أصلًا, والأشباح تبعًا.
فصل
والعائنُ والحاسد يشتركان في شيء, ويفترقان في شيء, فيشترِكانِ
__________
(1) (ق) زيادة: “والأرواح”.
(2) الهيوْلَى، لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادة، انظر: “التوقيف على مهمات التعاريف”: (ص/ 745).
(2/751)
في أن كلَّ واحد منهما تتكيَّفُ نفسُه وتتوجَّهُ نحو من يريدُ أذاه، فالعائنُ تتكيَّفُ (1) نفسُه عند مقابلة المَعِينِ ومُعَايَنَتِهِ. والحاسد يحصلُ له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا.
ويفترقان في أن العائن قد يُصيبُ من لا يحسدهُ من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا يكادُ يَنْفَكُّ من حسد صاحبه. وربما أصابتْ عينُهُ نفسَه، فإن رؤيته للشيء رؤيةَ تعجُّبٍ وتحديقٍ، مع تكيُّف نفسِه بتلك الكيفية تؤثرُ في المَعِين (2).
وقد قال غير واحد من المفسرين (3) في قوله تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} [القلم: 51] إنه الإصابةُ بالعَيْن، فأرادوا أن يُصِيبوا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا: ما رأينا مِثْلَهُ ولا مِثْلَ حُجَّته (4). وكان طائفةٌ منهم تمرُّ به الناقةُ والبقرةُ السمينةُ فَيَعينُها، ثم يقول لخادمه: خُذِ المِكْتَلَ والدِّرهم وَآتِنا بشيء من لحمها، فما تبرحُ حتى تقعَ فتُنْحَرَ.
وقال الكلبيُّ (5): كان رجل من العرب يمكثُ يَوْمين أو ثلاثة لا يأكلُ، ثم يرفعُ جانب خِبَائِهِ فتمرُّ به الإبلُ فيقول: لم أرَ كاليوم إبلاً ولا غَنَمًا أحسنَ من هذه، فما تذهبُ إلا قليلًا حتى يسقطَ منها طائفة، فسأل الكفارُ هذا الرجلَ أن يُصيبَ رسول الله بالعين ويفعل به كفعله في غيره، فعصم الله تعالى رسولَه وحفظَه، وأنزل
__________
(1) هذه وما قبلها في (ق): «تتكشّف».
(2) وانظر: «زاد المعاد»: (4/ 164 – فما بعدها).
(3) انظر «تفسير الطبري»: (12/ 203 – 204) عن ابن عباس وغيره.
(4) (ق): «حُججه» وكذا في «تفسير البغوي».
(5) نقله عنه البغوي في «تفسيره»: (4/ 384).
(2/752)
عليه: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} [القلم: 51] هذا قول طائفة.
وقالت طائفة أخرى -منهم ابن قتيبة (1) -: ليس المرادُ أنهم يُصِيبونك بالعين كما يُصيبُ العَائِنُ بعينه ما يعجِبُهُ, وإنما أرادَ أنهم ينظرونَ إليك إذا قرأتَ القرآنَ الكريم نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء يكادُ يسقِطُكَ.
قال الزَّجَّاجُ (2): يعني من شِدَّة العداوة يكادون بنظرهم نظرَ البُغَضَاء أن يصرعوك, وهذا مستعملٌ في الكلام, يقول القائل: نظر إليَّ نظرةً قد كان يصرعُني منها.
قال: ويدلُّ على صحَّة هذا المعنى أنه قَرَن هذا النَّظَرَ بسماع القرآن الكريم, وهم كانوا يكرهون ذلك أشدَّ الكراهة, فيُحِدُّون إليه النَّظَرَ بالبغضاء.
قلت: النظرُ الذي يُؤَثِّرُ في المنظور قد يكون سبَبُهُ شِدَّةَ العداوة والحسد, فيؤثر نظره في كما تؤثر نفسه بالحسد, ويقوى تأثيرُ النفس عند المقابلة, فإن العدوَّ إذا غاب عن عدوه قد يشغل نفسُه عنه, فإذا عاينَه قُبلًا اجتمعت الهِمَّةُ عليه, وتوجَّهتِ النفسُ بكُلِّيَّتِها إليه, فيتأثَّرُ بنظره, حتى إن من النَّاسِ من يَسْقُطُ, ومنهم من يُحَمُّ, ومنهم من يُحْمَلُ إلى بيته, وقد شاهدَ الناسُ من ذلك كثيرًا.
وقد يكون سبَبَهُ الإعجابُ, وهو الذي يسمُّونه بإصابة العين, وهو أن الناظرَ يرى الشيءَ رؤيةَ إعجابٍ به أو استعظامٍ, فتتكيَّفُ
__________
(1) في “تأويل مشكل القرآن”: (ص/ 170)، والمؤلف ينقل من “تفسير البغوي”: (4/ 384).
(2) نقله في “اللسان”: (10/ 145).
(2/753)
رُوْحُهُ بكيفيَّة خاصَّة تؤثِّرُ في المَعِين، وهذا هو الذي يعرفُه الناسُ من رؤيةِ المعين, فإنهم يستحسنونَ الشيءَ, ويعجبونَ منه فيصابُ بذلك.
قال عبد الرزاق: بن مَعْمر, عن همَّام بن مُنَبِّه (1) قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة, قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “العَيْنُ حَقٌّ” ونهى عن الوَشْم (2).
وروى سفيان, عن عَمْرو بن دينار, عن عُرْوَة عن عامر, عن عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَة, أن أسماءَ بنتَ عُمَيْس قالت: يا رسول الله إن ابني جعفرٍ تصيبُهمِ العينُ, أفَنَسْتَرْقِي لهُم؟ قال: “نَعَمْ, فَلَوْ كَانَ شَيءٌ يَسْبِقُ القَضَاءَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ” (3).
فالكفار كانوا ينظرون إليه نظرَ حاسد شديد العدواة, فهو نظرٌ يكادُ يُزْلقُهُ لولا حفظُ الله وعصمته, فهذا أشدُّ من نظر العائن, بل هو جنسٌ من نظر العائن, فمن قال: إنه من الإصابة بالعَيْنِ, أراد هذا المعنى, ومن قال: ليسَ به (4) , أراد أن نَظَرَهُم لم يكن نَظَرَ استحسان وإعجاب, فالقولان (5) حق.
__________
(1) تحرفت في (ظ ود): والمطبوعات إلى: “هشام بن قتيبة”!.
(2) أخرجه همام في “صحيفته” رقم (131)، وعبد الرزاق في “المصنف”: (11/ 18) , والبخاري رقم (5740)، ومسلم رقم (2187).
(3) أخرجه أحمد: (6/ 438)، والترمذي رقم (2059)، وابن ماجه رقم (3510)، والنسائي في “الكبرى”: (4/ 365) وغيرهم من حديث أسماء. بنت عميس – رضي الله عنها -.
قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، وله شواهد.
(4) (ق): “منهم”، و (ظ ود): “فيه” والمثبت أصح.
(5) (ظ ود) والمطبوعات: “فالقرآن” والتصويب من (ق).
(2/754)
وقد روى التِّرْمِذِيُّ من حديث أبي سعيد: “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يَتَعَوَّذُ من عَيْنِ الإنسانِ” (1) فلولا أن للعينِ شَرًّا يتعوَّذْ منها.
وفي التِّرْمِذي من حديث عليِّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني حَيَّة بن حابس (2) التميمي, حدثني أبي أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “لا شَيْءَ فَي الهَامِ, والعَيْنُ حَقٌّ” (3).
وفيه أيضًا: من حديث وُهَيْب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لَوْ كَانَ شَيءٌ سَابِقَ القَدَرِ لَسَبَقَتْة العَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغْسِلُوا” (4)، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرو، وهذا حديث صحيح (5).
والمقصود أن العائن حاسد خاصٌّ، وهو أضرُّ من الحاسد، ولهذا -والله أعلم- إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دود العائن؛
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (2058)، والنسائي: (8/ 271) وفي “الكبرى”: (4/ 441)، وابن ماجه رقم (3511)، والضياء في “المختارة”.
قال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب”، وصحَّحه الضياء.
(2) تحرفت في (ق) إلى: “جبير في حابس” و (ظ ود): “حابس بن حبة”! والتصويب من المصادر، واختلف في ضبط “حية” فقيل بالياء -آخر الحروف- وقيل بالموحَّدة ذكره ابن أبي عاصم، وخطؤوه فيه وصوّبوا الأول انظر “توضيح المشتبه”: (3/ 78)، و”الإصابة”: (2/ 201).
(3) أخرجه أحمد: (27/ 181 رقم 16627)، والترمذي رقم (2061)، والبخاري في “الأدب المفرد”: (ص/ 269) وغيرهم.
قال الترمذي: “حديث غريب” يُشير بذلك إلى ضعفه، لكن للحديث شواهد صحيحة يتقوّى بها من حديث جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم -.
(4) أخرجه مسلم رقم (2188)، والترمذي رقم (2062).
(5) هذا كلام الترمذي عقب الحديث المتقدم، وحديث ابن عَمْرو أخرجه أحمد: (11/ 641 رقم 7070) وفي سنده ضعف.
(2/755)
لأنه أعمُّ، فكلُّ عائنٍ حاسدٌ ولابُدَّ, وليس كلُّ حاسدٍ عائْنًا, فإذا استعاذ من شرِّ الحسد دخل فيه العين, وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته.
وأصل الحَسَدِ هو بُغضُ نعمةِ الله على المحسود وتمنِّي زوالها, فالحاسدُ عدوُّ النعم, وهذا الشَّرُّ هو من نفس الحاسد وطبعها, ليس هو شيئًا اكتسبه من غيرها, بل هو من خُبثها وشرِّها, بخلاف السحر, فإنه إنما يكونُ باكتساب أمور أخرى, واستعانة بالأرواحِ الشَّيطانية, فلهذا -والله أعلم- قَرَن في السُّورة بين شَرِّ الحاسد وشرِّ الساحر؛ لأن الاستعاذة من شرِّ هذين تَعُمُّ كُلَّ شَرٍّ يأتي من شياطين الإنس والجن, فالحَسَدُ من شياطين الإنس والجن, والسحرُ من النوعين.
وبقي قِسْمٌ ينفردُ به شياطينُ الجن, وهو الوسوسةُ في القلب, فذكره في السورة الأخرى كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى, فالحاسدُ والساحرُ يؤذيان المحسودَ والمسحورَ بلا عملٍ منه, بل هو أذىً من أمرٍ خارجٍ عنه, ففرَّق بينهما في الذكر في سورة الفلق.
والوسواسُ إنما يؤذي العبدَ من داخله بواسطةِ مساكنته له, وقبوله منه, ولهذا يعاقَبُ العبدُ على الشر الذي يؤذيه به الشَّيْطان من الوساوس التي (1) تقترنُ بها الأفعالُ والعزمُ الجازم؛ لأن ذلك سعيه وإرادته, بخلاف شرِّ الحاسد والساحر فإنه لا يُعَاقَبُ عليه؛ إذ لا يضافُ إلى كسبه ولا إرادته, فلهذا أفرد شرّ الشيطان في سورة, وقرن
__________
(1) (ق): “الوسواس الذي”.
(2/756)
بين شرِّ الساحر والحاسد في سورة، وكثيرًا ما يجتمعُ الشران شر الحسد والسحر في النفوس الخبيثة (1) للمناسبة.
ولهذا اليهودُ أسحر الناس وأحسدُهُمْ، فإنهم لشِدَّة خُبْئِهِمْ فيهم من السِّحر والحسد ما ليس في غيرهم، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بهذا وهذا، فقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)} [البقرة: 102].
وللكلامِ على أسرار هذه الآية وأحكامها، وما تضمَّنَتْه من القواعد، والرَّدِّ على من أنكر السحر، وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات، الذي أنكر من أنكرَ السحرَ خشية الالتباس، وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما = موضعٌ غير هذا؟ إذ المقصودُ الكلامُ على أسرار هاتين السورتين، وشدَّة حاجة الخلق إليهما، وأنه لا يقومُ غيرُهما مقامَهُما.
وأما وصفُهم (2) بالحسد؛ فكثير في القرآن، كقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54] وفي قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ
__________
(1) (ظ ود): “وكثيرًا ما يجتمع القرآن الحسد والسحر للمناسبة”! والمثبت من (ق).
(2) أي اليهود.
(2/757)
أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].
والشيطان يقارنُ الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبهما، ولكنَّ الحاسدَ تُعِينُهُ الشياطينُ بلا استدعاء منه للشيطان؛ لأن الحاسد شبيهٌ بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلبُ ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم, كما أن إبليس حسد آدم لشَرَفَه وفضله, وأبى أن يسجدَ له حَسَدًا, فالحاسد من جند إبليس, وأما الساحرُ فهو يطلبُ من الشيطان أن يُعِينَهُ ويستعينه (1) , وربما يعبدُهُ من دون الله تعالى حتى يقضيَ له حاجَتَهُ, وربما يسجد له.
وفي كتب السحر و”السِّرِّ المكتوم” (2) من هذا عجائب, ولهذا كلما كان الساحرُ أكفرَ وأخبثَ وأشدَّ معاداةً لله ولرسوله ولعباده المؤمنين؛ كان سحرُه أقوى وأنْفَذَ, ولهذا كان سِحْرُ عُبَّاد الأصنام أقوى من سِحْر أهل الكتاب, وسحر اليهود أقوى من سِحْر المُنْتَسِبين إلى الإسلام, وهم الذين سحروا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وفي “الموطأ” (3) عن كعب قال: “كلماتٌ أحفظُهُنٌ من التَّوراة لولاها لجعلتْني يهودُ حمارًا: أعوذُ بوجه اللهِ العظيمِ الذي لا شيءَ أعظمُ منه, وبكلمات الله التَّامَّاتِ التي لا يُجاوِزهُنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ,
__________
(1) (ق): “ويستعين به”.
(2) “السر المكتوم في مخاطبة النجوم” لأبي بكر الرازي المتكلم (606) , والكتاب في عبادة الكواكب في الأصنام وعمل السحر، وقيل: إنه منسوب إليه. انظر: “مجموع الفتاوى”: (13/ 180)، و”بيان تلبيس الجهمية”: (1/ 447)، و”كشف الظنون”: (ص/ 989)، و”طبقات الشافعية الكبرى”: (8/ 87).
(3) (2/ 951 – 952).
(2/758)
وبأسماء الله الحُسنى، ما عَلِمْتُ منها وما لم أعْلَمْ، منْ شَرِّ ما خَلَقَ وذَرَأَ وبَرَأَ”.
والمقصودُ أنَّ السَّاحرَ والحاسد كل منهما قصده الشَّرُّ, لكن الحاسد بطبعه ونفْسِه وبغضه للمحسود, والشيطان يقترنُ به ويُعينه ويزيِّنُ له حَسَدَهُ ويأمرُه بموجبه, والساحرُ بعلمه (1) وكسبه وشِرْكه واستعانته بالشياطين.
فصل
وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} يعمُّ الحاسدَ من الجنِّ والإنس, فإن الشيطانَ وحزبَهُ يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله تعالى من فضله, كما حسد إبليس أبانا آدم وهو عدو لذريته, كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].
ولكنَّ الوسواس أخصُّ بشياطين الجن, والحسدُ أخصُّ بشياطين الإنس, والوَسْواس يعمُّهما كما سيأتي بيانهما, والحسدُ يعمُّهما أيضًا, فكلا الشيطانين حاسدٌ مُوَسْوِسٌ, فالاستعاذةُ من شرِّ الحاسد تتناولُهما جميعًا.
فقد اشتملت السورةُ على الاستعاذة من كلِّ شَرٍّ في العالم, وتضمَّنت شرورًا أربعة يستعاذً منها: شرًّا عامًّا وهو شرُّ ما خَلَق, وشرُّ الغاسق إذا وقب, فهذا نوعان.
ثم ذكر شرَّ الساحر والحاسد, وهي نوعان أيضًا؛ لأنهما من شرِّ النفس الشريرة, وأحدهما يستعينُ بالشيطان ويعبدُه وهو السَّاحرُ,
__________
(1) (ق): “بعمله”.
(2/759)
وقلَّما يتأتَّىْ السحرُ بدون نوع (1) عبادة للشيطان، وتقرُّبٍ إليه؛ إما بذبح باسمه، أو بذبح يُقْصَدُ به هو، فيكون ذبحًا لغير الله، وبغير ذلك من من أنواع الشرك والفسوق.
والساحرُ وإن لم يُسَمِّ هذا عبادة للشيطان فهو عبادةٌ له, وإن سمَّاه بما سمَّاه به, فإن الشرك والكفر هو شركٌ وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه, فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجود له هذا خضوعٌ وتقبيل الأرض بالجبهة كما أُقَبِّلها بالنِّعم, أو هذا إكرامٌ, لم يخرجْ بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله فَلْيُسَمِّهِ بما شاء.
وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه, واستعاذ (2) به وتقرَّب إليه بما يحبُّ فقد عَبَدَهُ, وإن لم يُسَمِّ ذلك عبادةً بل يُسَمِّيه استخدامًا ما, وصَدَق هو استخدام (3) من الشيطان له, فيصيرُ من خَدَم الشيطان وعابديه, وبذلك يخدمُهُ الشيطان, لكن خدمة الشيطان له ليست خدمةَ عبادة, فإن الشيطان لا يخضعُ له ويعبدُهُ كما يفعلُ هو به.
والمقصودُ أن هذا عبادة منه للشيطان وإنما سمَّاه استخدامًا, قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)} [يس: 60] وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} [سبأ: 40 – 41] فهؤلاء وأشباهُهم عبَّاد الجنِّ والشياطين, وهم أولياؤُهم في الدنيا
__________
(1) (ق): “بنوع” وهو خطأ.
(2) (ق): “واستعان”.
(3) “ما, وصدق هو استخدام” سقطت من (ق).
(2/760)
والآخرة، ولبئس المولى ولبئس العشيرُ، فهذا أحدُ النوعين.
والنوع الثاني: من يُعِينُهُ الشيطانُ وإن لم يستعِنْ به، وهو الحاسدُ؛ لأنه نائبُهُ وخليفتُهُ؛ لأنَّ كِلَيْهما عدوُّ نِعَمِ الله تعالى ومنغِّصُها (1) على عباده.
فصل
وتأمل تقييدَهُ -سبحانه- شرَّ الحاسد بقوله: {إِذَا حَسَدَ (5)}؛ لأن الرجل قد يكون عندَهُ حَسَدُ ولكن يُخفيه ولا يُرَتِّبُ عليه أذىً (2) بوجهٍ ما, لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده, بل يجدُ في قلبه شيئًا من ذلك, ولا يعامِلُ (3) أخاه إلا بما يُحِبُّ اللهُ, فهذا لا يكاد يخلو منه أحدٌ, إلا مَنْ عَصمَهُ اللهُ.
وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساكَ إخوةَ يوسُفَ (4). لكن الفرقَ بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعُها ولا يأتمرُ بها, بل يعصِيها طاعةً لله وخوفًا وحياءً منه وإجلالًا له أن يكرَهَ نِعَمَه على عباده, فيرى ذلك مخالفةً لله وبغضًا لما يُحِبُّ اللهُ ومحبةً لما يبغضُه, فهو يجاهدُ نفسَه على دفع ذلك, ويُلْزِمُها بالدُّعاء للمحسود, وتمنِّي زيادةِ الخير له, بخلاف ما إذا حقق ذلك وحَسَد, ورتَّب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح, فهذا الحسدُ المذمومُ هو كلُّه حسد تمنِّي الزوال.
__________
(1) (د): “ومبغضها”.
(2) (ق): “ولا يرتّب عليه أذى أخيه … “.
(3) (ظ ود): “يعاجل”.
(4) أخرجه هناد بن السَّري في “الزهد”: (2/ 642).
(2/761)
وللحسد ثلاثُ مراتبَ:
إحداها: هذه.
الثانية: تمنِّي استصحاب عدم النِّعمة، فهو يكرهُ أن يُحْدِثَ اللهُ لعبده نعمةً، بل يُحبُّ أن يبقى على حاله؛ من جهله أو فقره أو ضعفه أو شَتات قلبه عن الله أو قِلَّة دينه، فهو يتمنَّى دوامَ ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسدٌ على شيء مقدَّرٍ، والأول حسَدٌ على شيء محقَّق؛ وكلاهما حاسدٌ عدوُّ نعمة الله وعدوُّ عبادِه، وممقوتٌ عند الله تعالى وعند الناس، ولا يسودُ أبدًا ولا يَرْأَس، فإن الناس لا يُسَوِّدُون عليهم إلا من يريدُ الإحسان إليهم.
فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يُسَوِّدُونهم باختيارهم أبدًا إلا قهرًا، يَعُدُّونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم اللهُ بها، فهم يُبغضونه وهو يُبْغِضُهم.
والحسد الثالث: حسد الغبطة، وهو تمنِّي أن يكونَ له مثلُ حال المحسود من غير أن تزولَ النعمةُ عنه، فهذا لا بأس به ولا يُعَابُ صاحبُه، بل هذا قريبٌ من المنافسة، وقد قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)} [المطففين: 26].
وفي الصحيحِ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “لا حَسَدَ إلا في اثْنتَيْن: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وَسَلَّطهُ علي هَلَكَتِهِ في الحَق، ورَجُلٌ آتاه اللهُ الحِكْمَةَ فهو يعصي بِهَا، ويعَلِّمها النَّاسَ” (1)، فهذا حَسَد غِبْطة، الحاملُ لصاحبه عليه كِبَر نفسه، وحُبُّ خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول فى
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (73)، ومسلم رقم (816) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
(2/762)
جملتهم، وأن يكونَ عن سُبَّاقِهِم وعِلْيَتِهم ومُصَلِّيهم لا عن فَسَاكِلِهِم (1)، فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة مع محبته لمن يضبطه، وتمني دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخلُ في الآية بوجهٍ ما.
فهذه السورةُ من أكبر أدوية المحسود، فإنها تتضمَّنُ التَّوكُّلَ على الله والالتجاءَ إليه والاستعاذةَ به من شرِّ حاسد النعمة، فهو مستعيذٌ بولى النعم وموليها [من شرِّ لِصِّها وعدوها] (2) كأنه يقول: يا منْ أولاني نعمتَه وأسْداها إليَّ، أنا عائذٌ بك من شرِّ من يريدُ أن يستلبَها مني، ويُزيلها عني [فلا يعيذني منه سواك، فهو مستجير بمن أنعم عليه من عدوِّ نعمته، والله تعالى يُجير ولا يجار عليه] (3) وهو حسْبُ من توَكَّلَ عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمِّنُ خوفَ الخائف، ويجيرُ المستجير، وهو نِعْمَ المولى ونعم النصير، فمن تولَّاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه = تولَّاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه وأتَّقاهُ آمَنَهُ من كل ما (4) يخافُ ويحذرُ، وجلب إليه كلَّ ما يحتاج إليه من المنافع: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 – 3] فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته، فإن الله تعالى بالغ أمره، وقد جعل اللهُ لكلِّ شيء قدْرًا لا يتقدَّمُ عنه ولا يتأخَّرُ، ومن لم يَخَفْهُ أخافه من كل شيء، وما خاف أحدٌ غيْرَ الله إلا
__________
(1) المُصَلِّي ما يسبق من الفرس، وتأتي بعد المجلّي، أما الفساكل فجمع فُسْكُل، وهو: ما يجيء آخر الحلية من الخيل. انظر: “القاموس”: (ص/ 1681,1346).
(2) من (ق).
(3) الزيادة من (ق).
(4) (ظ ود): “مما”.
(2/763)
لنقص خوف من الله، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} [النحل: 98 – 100] وقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)} [آل عمران: 175]، أي: يخوفكم بأوليائه، ويعظِّمهم في صدوركم، فلا تخافوهم، وأفرِدوني بالمخافة أكْفِكمْ إيَّاهم.
فصل (1)
ويندفع شرُّ الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:
أحدها: التَّعَوُّذ بالله تعالى من شرِّه، والتَّحصُّن به، واللَّجَأ إليه، وهو المقصود بهذه السورة، والله تعالى سميع لاستعاذته (2)، عليمٌ بما يبستعيذُ منه، والسمعُ هنا المرادُ به سمع (3) الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله: “سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ”. وقول الخليل – صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}. ومرَّةً يقرنُهُ بالعلم، ومَرَّةً بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ بربه (4) من عدوٍّ يعلم أن الله تعالى يراهُ، ويعلم كيدَهُ وشرَّهُ، فأخبر. الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي: مجيب عليمٌ بكيد عدُوِّه يراه ويُبصِرُه لينبسطَ أملُ المستعيد ويُقْبِلَ قلبه (5) على الدعاء.
__________
(1) من هنا يبدأ الجؤء الموجود من النسخة العمرية وكُتِب عليه: “الجزء الثاني من بدائع الفوائد” ورمزنا له بـ “ع”. وفي أوله: “بسم الله الرحمن الرحيم، وبه الإعانة”.
وكتب في هامش (ظ) في هذا الموضع: “أول الجزء الثاني من البدائع”.
(2) ليست في (ق).
(3) ليست فِي (ع)، و (ظ ود): “سموع”.
(4) (ظ ود): “به”.
(5): “بقلبه”.
(2/764)
وتأملْ حكمة القرآن الكريم كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلمُ وجوده ولا نراه بلفظ: (السميع العليم) في (الأعراف) و (حم السجدة)، وجاءت الاستعاذةُ من شرِّ الإنس الذين يؤنَسُون ويُرَوْن بالأبصار بلفظ: (السميع البصير) في سورة (حم المؤمن) فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)} [غافر: 56]؛ لأن أفعال هؤلاء أفعال مُعَايَنة تُرَى بالبصر.
وأما نزْغُ الشَّيطان؛ فوساوسُ وخَطَراتٌ يُلقيها في القلب، يتعلَّقُ بها العلم، فأمَر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسَّميع البصير في باب ما يُرى بالبصر ويُدركُ بالرُّؤية، والله أعلم.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمرِه ونفِيه، فمن أتقى الله تولى الله حفظه، ولم يَكِلْه إلى غيره (1)، قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] وقال النبى – صلى الله عليه وسلم – لعبد الله بن عباس: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ” (2)، فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامَه أينما توجَّه، ومن
__________
(1) في هامش (ق) حاشية بخط العلامة ابن علان الصديقي نصُّها: “لكاتبه الفقير الحقير محمد على ابن علان البكري الصديقي الشافعي: … اتق اللهَ لا تخف من فلانٍ … ما فلانٌ -مع التُّقى- بفلانِ وأدْرِ أن المقضِيَّ حَتْم وما لم … يقضِهِ الله لا يكن بزمانِ
(2) أخرجه الترمذي رقم (2516)، وأحمد: (4/ 410 رقم 2669) وغيرهم من طرقٍ كثيرة عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-. قال الترمذي: “حديث حسن صحيح”. وقال الحافظ ابن رجب في “نور الاقتباس”: (ص/ 31): “وأجود أسانيده من رواية حَنَش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به” اهـ. ونحوه في “جامع العلوم والحكم”: (1/ 460 – 461).
(2/765)
كان الله حافِظَهُ وأمامَهُ فممن يخافُ ومَنْ يحذرُ؟.
السبب الثالث: الصَّبْر على عدوه، وأن لا يقابلَهُ ولا يشكوه، ولا يحدِّثُ نفسَه بأذاه أصلًا، فما نُصِرَ على حَاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتَّوَكّل على الله، ولا يَسْتَطِلْ تأخيرَهُ وبغيَهُ، فإنه كلما بغى عليه كان بغيُهُ جندًا وقوَّةً للمبغي عليه (1) المحسودِ، يقاتلُ به الباغي نفسه وهو لا يشعرُ، فبغيه سهامٌ يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغيُّ عليه ذلك لسَرَّه بغيُهُ عليه، ولكن لضعفِ بصيرته لا يرى إلا صورةَ البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60] فإذا كان اللهُ قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقَّهُ أولًا، فكيف بمن لم يستوفِ شيئًا من حقِّه؟ بل بُغِيَ عليه وهو صابر!؟ وما من الذنوب ذنبٌ أسرعُ عقوبةً من البغي وقطيعة الرَّحِم، وقد سبقت سُنَّةُ الله: أنه لو بَغَى جبلٌ على جبل جَعَلَ الباغِيَ منهما دَكًّا (2).
السبب الرابع: التوكل على الله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، والتوكل من (3) أقوى الأسباب التي يدفعُ بها العبد ما لا يُطيقُ من أذى الخلق وظلمهم وعدْوانهم، وهو من (4) أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبُهُ، أي: كافيه، ومن كان اللهُ كافِيَهُ وواقِيَهُ، فلا.
__________
(1) ليست فِي (ع).
(2) في هامش (ق)، ما نصه: “كما قال:
فلو بغى جبلٌ يومًا على جبلٍ … لاندك منه أعاليه وأسفَلُه” اهـ
أقول: انظر البيت في “الإيضاح لعلوم البلاغة”: (ص/ 387) للقزويني.
(3) من الآية إلى هنا ليست فى (ق)، وبدلًا منها: “وهو”.
(4) ليست في (ع).
(2/766)
مطمعَ فيه لعدوه (1)، ولا يضرُّه إلا أذىً لا بدَّ منه؛ كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يَضُرَّهُ بما يبلغُ منه مرادَه؛ فلا يكون أبدًا، وفَرْق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاءٌ له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يُتَشَّفى به منه.
قال بعض السلف: جعل اللهُ -تعالى- لكل عمل جزاءً من جنسه (2)، وجعل جزاءَ التَّوَكُّل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل: نُؤتِهِ كذا وكذا من الأجْرِ، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسَه سبحانه كافِيَ عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكَلَ العبدُ على الله تعالى حقَّ توكُّلِهِ، وكادَتْه السموات والأرض ومن فيهن، لجعل له مخرجًا من ذلك، وكفاه ونصره (3).
وقد ذكرنا حقيقةَ التَّوَكُّل وفوائده وعِظَمَ منفعته وشدَّةَ حاجة العبد إليه في كتاب: “الفتح القدسي”، وذكرنا هناك فسادَ من جعله من المقامات المعلولة، وأنه من مقامات العوامِّ، وأَبْطَلنا قولَه من وجوهٍ كثيرة، وبيّنا أنه من أجلِّ (4) مقامات العارفين، وأنه كلَّما علا مقامُ العبد كانت حاجته إلى التَّوَكُّل أعظمَ وأشدَّ، وأنه على قَدْر إيمان العبد يكون توكُّلُهُ، وإنما المقصود هنا ذكرُ الأسباب التي يندفع بها شرُّ الحاسد والعائن، والسَّاحر والباغي.
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن
__________
(1) (ق) زيادة: ” أبدًا”.
(2) (ظ ود): “نفسه”.
(3) انظر: “مدارج السالكين: (2/ 133).
(4) من قوله: “فساد من … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2/767)
يقصدَ أِن يمحوَهُ (1) في باله كما خطر [له] (2) فلا يَلْتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شرِّه، فإن هذا بمنزلة من يطلبُهُ عدوُّه ليُمْسِكَهُ ويؤذيه، فإذا لم يتعرَّضْ له ولا تماسك هو وإيَّاه، بل انعزل عنه لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلَّقَ كل منهما بصاحبه حصل الشَّرُّ.
وهكذا الأرواحُ سواءٌ، فإذا علّق روحَه به وشبَّثها به، وروح الحاسد الباغي متعلِّقةٌ به يقَظَةً ومنامًا لا يَفتُرُ عنه، وهو: يتمنَّى أن يتماسكَ الرُّوحان ويتشبَّثا، فإذا تعلَّقتْ كلُّ روح منهما بالأخرى عُدِمَ القرار ودام الشرُّ حتى: يهلِكَ أحدُهما.
فإذا جَبَذَ روحَه عنه، وصانها عن الفكر فيه والتَّعَلُّق به، وأن يُخْطِره بباله، فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفعُ له وأولى يه، بقي الحاسد الباغي يأكلُ بعضُه بعضًا، فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجدْ ما تأكلُهُ أكَلَ (3) بعضُها بعضًا.
وهذا باب عظيم النفع، لا يلقاه إلا أصحابُ النفوس الشريفة والهمم العَلِيَّة، وبين الكَيِّس الفَطِن وبينه حتى يذوقَ حلاوتَهُ وطيبَهُ ونعيمَهُ، كأنه (4) يرى من أعظم عذاب القلب والرُّوح اشتغاله بعدوه وتعلق روحه به، ولا يرى شيئًا آلَمَ لروحه من ذلك، ولا يصدِّق بهذا إلا النفوسُ المطمئنة: الوادعة اللَّيِّنة (5) التي رضيتْ بوكالة الله لها،
__________
(1) (ع): “محوه”.
(2) (ظ ود): “إليه”، وسقطت من (ق وع).
(3) (ق وظ ود): “أكلت”.
(4) (ع): “فإنه”.
(5) “الوادعة اللينة” ليست فى (ع).
(2/768)
وعلمتْ أن نصرَه لها خيرٌ من انتصارها هي لنفسها، فوثِقتْ بالله وسكَنَتْ إليه واطمأنَّتْ به، وعلِمَتْ أن ضمانَه حقٌّ ووعده صدقٌ، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلًا، فعلمت أن نصرَه لها أقوى وأثبتُ وأدومُ وأعظمُ فائدة من نصرها هي لنفسها، أو نصرِ مخلوقٍ مثلها لها، ولا يقوى على هذا إلا بـ:
السبب السادس: وهو الإقبالُ على الله والإخلاصُ له وجعلُ محبَّته وتَرَضِّيه والإنابة إليه في محلِّ خواطر نفسه وأمانيها، تدبُّ فيها دبيبَ تلك الخواطر شيئًا فشيئًا حتى يقهرَها ويغمرَها ويُذْهِبَها بالكلية، فتبقى خواطرُه وهواجسُه وأمانِيُّهُ كلُّها في محابِّ الرَّبِّ والتقرُّب إليه، وتملُّقه وتَرَضِّيه واستعطافه وذكره، كما يذكر المحبُّ التَّامُّ المحبة (1) لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأتْ جوانحُهُ من حبه، فلا يستطيعُ قلبُه انصرافًا عن ذكره، ولا روحُه انصرافًا عن محبَّتِهِ، فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيتَ أفكاره وقلبه معمورًا بالفكر في حاسده والباغي عليه، والطريقِ إلى الانتقام منه والتدبير عليه؟ هذا ما لا يتَّسَعُ له إلا قلبٌ خرابٌ لم تسكنْ فيه محبَّة الله وإجلالُه وطلبُ مرضاته؛ بل إذا مسَّه طيفٌ من ذلك واجتاز ببابه (2) من خارج ناداه حرس قلبه: إيَّاك وحِمى المَلِك، اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حَلَّ فيها ونزل بها، مالَك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليَزَكَ (3) وأدار عليه الحرس وأحاطه بالسور.
__________
(1) “التام المحبة” ليست في (ظ ود).
(2) (ق): “بذاته”.
(3) كلمة فارسية، معناها: طليعة الجيش. انظر: “معجم المصطلحات والألقاب التاريخية”: (ص / 446).
(2/769)
قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} [ص: 82 – 83] قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} [النحل: 99 – 100]، وقال في حق الصديق يوسف – صلى الله عليه وسلم -: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)} [يوسف: 24].
فما أعظمَ سعادةَ مَنْ دخل هذا الحِصْنَ وصار داخلَ اليَزَك، لقد أوى إلى حصْن لا خوفَ على مَن تحصَّن به، ولا ضيْعَةَ على من أوَي إليه، ولا مَطْمعَ للعدو في الدُّنُوِّ منه (1) و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة: 4].
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سَلَّطت عليه أعداءَه، فإن الله: تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، وقال لخير الخلق -وهم أصحاب نبيه- دونه – صلى الله عليه وسلم -: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] فما سُلِّط على العبد مَنْ يؤذيه إلا بذنب يعلمُه أو لا يعلمُه، وما لا يعلمُهُ العبدُ من ذنوبه أضعافُ ما يعلمه منها، وما ينساهُ مما عمله وعلمه أضعاف ما يذكره.
وفي الدعاء المشهور: “اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ أَنْ أُشْرِكَ بكَ وَأَنا أعْلَمُ، ْ وَأسْتَغْفِرُك لِمَا لا أعْلَمُ” (2)، فما يحتاج العبدُ إلى الاستغَفار منه
__________
(1) (ظ ود): “إليه”.
(2) أخرجه البخاري في “الأدب المفرد”: (ص / 214)، وأبو يعلى: (1/ 60 – 61)، =
(2/770)
مما لا يعلمُهُ أضعافُ أضعافِ ما يعلَمُهُ، فما سُلِّطَ عليه مُؤْذٍ إلّا بذنبٍ.
ولقي بعضَ السَّلَفِ رجلٌ فأغلظ له ونال منه، فقال له: قِفْ حتى أدخلَ البيت ثم أخرج إليك، فدخل فسجد لله وتضرَّع إليه، وتابَ وأنابَ إلى ربِّه، ثم خرج إليه فقال له: ما صنعتَ؟ فقال: تبتُ إلى الله من الذنبِ الذي سَلَّطَكَ به عَلَيَّ.
وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شرٌّ من الذنوبُ ومُوجباتُها، فإذا عُوفي من الذنوب عوفِيَ من مُوجباتها، فليس للعبد إذا بُغِيَ عليه وأُوذي، وتسلَّطَ عليه خصومُهُ شيءٌ أنفع له من التوبة النصوح، وعلامة سعادته: أن يعكسَ فِكْره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها، فلا يبقى فيه فراغٌ لتدبُّر ما نزل به، بل يتولَّى هو التوبة وإصلاح عيوبه، والله يتولَّى نُصْرَتَهُ وحفظه والدفع عنه ولا بُدَّ، فما أسعدَه من عبدٍ، وما أبْركَها من نازلة نزلتْ به، وما أحسنَ أثرَها عليه ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا مُعطيَ لما مَنَعَ، فما كلُّ أحدٍ يُوَفَّقُ لهذا، لا معرفةَ به، ولا إرادةً له، ولا قُدْرَةً عليه، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإنَّ لذلك تأثيرًا عجيبًا في دَفْع البلاء، ودفع العين، وشرِّ الحاسد، ولو لم يكنْ في هذا إلا تجاربُ الأُمم قديمًا وحديثًا لكفى به، فما يكادُ العينُ والحسد والأذى يتسلَّطُ على محسنٍ متصدِّقِ، وإن أصابه في شيءٌ ذلك كان
__________
= والضياء في “المختارة”: (1/ 150) من حديث أبي بكر -رضي الله عنه-. قال الضياء: “وسنده ضعيف”.
(2/771)
معاملًا فِيه باللُّطفِ والمعونة والتأييد، وكانت له فِيه العاقبةُ الحميدةُ.
فالمحسنُ المُتَصَدِّقُ في خَفَارة إحسانه وصَدَقته، عليه من الله جُنَّةٌ واقيةٌ وحِصنٌ حصينٌ، وبالجملة؛ فالشكرُ حارس النعمة من كلِّ ما يكونُ سببًا لزوالها.
ومن أقوى الأسباب حَسَد الحاسد والعائن، فإنه لا يفْتُرُ ولا يَنِي ولا يبردُ قلبهُ حتى تزولَ النعمةُ عن المحسود، فحينئذ يبردُ أنينُه وتنطفئُ نارُهُ -لا أطفأها اللهُ- فما حرس العيدُ نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها، ولا عَرَّضها للزَّوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كُفرانُ النعمة، وهو باب إلى كُفران المنعم.
فالمحسنُ المُتَصَدِّقُ يستخدمُ جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه، فمن لم يكن له جندٌ ولا عسكرٌ وله عدوٌّ فإنه يوشِكُ أن يَظْفَرَ به عدُوُّهُ، وإن تأخرت مدَّةُ الظَّفَرِ، والله المستعان.
السبب التاسع: -وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشَقِّها عليها، ولا يوفَّقُ له إلا من عَظُمَ حظُّه من الله- وهو: إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذىً وشرًّا وبغيًا وحسدًا ازددتَ إليه إحسانًا وله نَصِيحةً وعليه شفقة، وما أظنُّك تصدِّق بأن هذا يكون: فضلًا عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قولَه عز وجل: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)} (1) [فصلت: 34 – 36]، وقال: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا
__________
(1) هذه الآية ليست في (ع)، وكذا سقطت ونصف التي بعدها من (ق).
(2/772)
صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)} [القصص: 54].
وتأمَّلْ حال النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – الذي حكى عنه نبينا – صلى الله عليه وسلم – (1) أنه ضربه قومُه حتى أَدْمَوْه، فجعل يسلُتُ الدَّمَ عنه، ويقول: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ” (2) كيف جمع في هذه الكلمات أربَعَ مقاماتٍ من الإحسان، قابَلَ بها إساءَتهم العظيمةَ إليه:
أحدها: عفوه عنهم.
والثاني: استغفاره لهم.
الثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون.
الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه، فقال: “اغفرْ لِقَوْمِي”، كما يقولُ الرجلُ لمن يشفعُ عندَهُ فيمن يَتَّصِلُ به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي فَهَبْهُ لي.
واسمع الآن ما الذي يسهِّل هذا على النفس ويطيِّبُه لها وينعِّمها به: اعلمْ أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخافُ عَوَاقِبَها وترجوه أن يعفوَ عنها ويغفرَها لك ويَهَبَها لك، ومع هذا لا يقتصرُ على مجرَّد العفو والمسامحة حتى ينعمَ عليك ويكرمَكَ ويجلبَ إليك من المنافع والإحسان فوقَ ما تُؤَمِّلُه، فإذا كنت ترجو هذا من ربِّك أن يقابلَ به إساءَتك، فما أولاك وأجدرَكَ أن تعاملَ به خَلْقَهُ وتقابلَ به (3) إساءَتَهم، ليعامِلَكَ اللهُ هذه المعاملة، فإن الجزاءَ من جنس العمل،
__________
(1) “الذي حكى عنه نبينا – صلى الله عليه وسلم -” سقطت من (ق)، وفي (ع) بدلًا من “نبينا”: “النبي”.
(2) أخرجه البخاري رقم (3477)، ومسلم رقم (1792) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
(3) (ع): “بهم”.
(2/773)
فكما تعملُ مع الناس في إساءتهم في حقِّك يفعلُ اللهُ معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعْفُ، وأَحْسِنْ أو اترُكْ، فكما تَدِين تُدانُ، وكما تفعل مع عباده يُفْعَلُ معك.
فمن تصوَّرَ هذا المعنى وشَغَلَ به فكرَهُ، وإن عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعونته ومعِيَّته الخاصَّة، كما قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – للذي شكى إليه قرابَتَهُ وأنه يحْسِن إليهم وهم يسيئونَ إليه، فقال: “لا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ مَا دُمْت عَلَى ذلِكَ” (1)، هذا مع ما يتعجَّلُّهُ من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلُّهم معه علي خصمه، فإنَّ كل من سمع أنه يحسنُ إلى ذلك الغير وهو مُسِيءٌ إليه، وَجَدَ قلبَه ودعاءَه وهمَّتَه مع المحسن على المسيء، وذلك أمرٌ فطريٌّ فطر اللهُ عليه عباده، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفُهم ولا يعرفونه، وألا يريدون منه إقطاعًا ولا خبزًا، هذا مع أنه لا بُدَّ له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملِكَهُ بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويَدل له ويَبْقى من أحب الناس إليه، وإما أن يُفَتِّتَ كَبدَهُ ويقطعَ دابرهُ إن أقام على إساءته إليه، فإنه يُذيقه (2) بإحسانهَ أضعافَ ما ينالُ منه بانتقامه، ومن جرَّب هذا عَرَفَهُ حَق المعرفة، والله هو الموفقُ المعين، بيده الخير كلُّه، لا إله غيره (3)، وهو المسؤولُ أن يستعمِلَنا وإخواننا في ذلك بمَنِّه وكرمه.
وفي الجملة؛ ففي: هذا المقام من الفوائد ما يزيدُ على مئة منفعةٍ للعبد عاجلة وآجلة، سنذكرها فِي موضع آخرَ إن شاء الله تعالى.
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2558) من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه-.
(2) كذا في (ظ ود)، وفى (ع وق): “يذبحه”.
(3) (ق): “إلا هو”.
(2/774)
السبب العاشر: -وهو الجامعُ لذلك كُلِّه وعليه مدارُ هذه الأسباب- وهو: تجريدُ التوحيد والتَّرَحُّل بالفكر في الأسباب إلى المسبِّب العزيز الحكيم.
والعلم بأن هذه آلاتٌ بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محرِّكها وفاطرها وبارئها، ولا تضرُّ ولا تنفعُ إلا بإذنه، فهو الذي يمسّ (1) عبدَه بها، وهو الذي يصرفُها عنه وحدَه لا أحد سواه، قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ (107)} [يونس: 107].
وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “واعلمْ أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعوا على أنْ يَنْفَعُوك (2) لم يَنْفَعُوك إلا بشيءٍ كَتَبهُ اللهُ لك، ولو اجْتَمَعُوا على أن يَضرُّوكَ لمْ يَضُرُّوكَ إلا بشيءٍ كَتَبه اللهُ عَلَيْكَ” (3)، فإذا جرَّدَ العبدُ التوحيدَ فقد خرج من قلبه خوفُ ما سواه، وكان عدوُّهُ أهونَ عليه عن أن يخافَه مع الله تعالى، بل يفردُ اللهَ بالمخافة، وقد أمَّنه منه، وخرج عن قلبه (4) اهتمامُه به واشتغالُه به وفكره فيه، وتجرَّدَ لله محبَّةً وخشيةً وإنابةً وتوِكُّلًا واشتغالَهُ به عن غيره، فيرى أنَّ إعمالَهُ فكْرَهُ في أمر عدوِّهِ وخوفهُ منه واشتغالَهُ به من نقص توحيده، وإلا فلو جرَّدَ توحيدَه لكان له فيه شغلٌ شاغلٌ، والله يتولَّى حفظَه والدفعَ عنه، فإن اللهَ يدفعُ (5) عن الذين آمنوا، فإن كان
__________
(1) كذا في (ق وع)، و (ظ ود): “يحيى” وكتب في هامش (د): “لعله يمتحن”.
(2) (ع) زيادة: “بشيء”.
(3) تقدم تخريجه ص / 765.
(4) من قوله: “خوف ما سواه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(5) كذا في جميع النسخ.
(2/775)
مؤمنًا فاللهُ يدفعُ عنه ولا بُدَّ، وبحسب إيمانه يكون دفاعُ الله عنه، فإن كَمُلَ إيمانُهُ كان دفعُ الله عنه أتَمَّ دَفْعٍ، وإنْ مَزَجَ مُزِج له، وإن كان مرَّة ومرَّة فالله له مرَّة ومرَّة، كما قال بعضُ السلف: من أقبل على الله بكُلِّيَّته أقبل اللهُ عليه جملةً، ومن أعرض عن الله بكلِّيته أعرض الله عنه جملةً، ومن كان مرةَ ومرةً فاللهُ له مرةً ومرةً.
فالتوحيد حِصنُ إليه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنينَ، قال بعض السلف (1): من خاف الله خاف كلُّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه من كلِّ شيء.
فهذه عشرةُ أسباب يندفعُ بها شرُّ الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفعُ من التَّوَجُّه إلى الله وإقبالِهِ عليه وتَوَكُّلِهِ عليه وثقته به وأن لا يخاف معه غيرَه، بل يكون خوْفه منه وحدَه ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحدَه (2) فلا يعلقُ قلبَه بغيره، ولا يستغيثُ بسواه، ولا يرجو إلا إيَّاه ومتى علَّق قلبَه بغيره ورجاه وخافه وُكِلَ إليه وخُذِلَ من جهته، فمن: خاف شيئًا غير الله سُلِّط عليه، ومن رجا شيئًا سوى الله خُذِل من جهتِه (3) وحُرِمَ خَيْرَهُ، هذه سُنَّةُ الله فِي خلقة: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)} [الأحزاب: 62].
فصل
فقد عرفتَ بعص ما اشتملت عليه هذه السُّورةُ من القواعد النَّافعة المهمَّة، التي لا غِنى للعبد عنها في دينه ودنياه، ودلَّت على أن
__________
(1) هو يوسف بن أسباط، انظر “الحلية”: (8/ 240).
(2) من قوله: “وثقته به .. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) من قوله: “فمن خاف … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2/776)
نفوسَ الحاسدين وأعيُنَهم لها تأثيرٌ، وعلى أن الأرواحَ الشيطانيَّةَ لها تأثيرٌ بواسطة السحر والنفثِ في العقد، وقد افترق العالمُ في هذا المقام أربَعَ فِرَقٍ:
ففرقة: أنكرت تأثيرَ هذا وهذا (1)، وهم فرقتان: فرقةٌ اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجِنِّ، وأنكرت تأثيرهما أَلْبتةَ، وهذا قلُ طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقُوى والتأثيرات، وفرقة أنكرت وجودَهما بالكلية، وقالت: لا وجودَ لنفس الآدمِيِّ سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط، ولا وجود للجِنِّ والشياطين سوى أعراض قائمة به، وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائَعيين وغيرهم من الملاحدة المُنتسبين إلى الإسلام، وهو قولُ شذوذٍ من أهل الكلام الذين ذمَّهم السَّلَفُ وشهدوا عليهم بالبدعة والضَّلالة.
الفرقة الثانية: أنكرتْ وجودَ النفس الإنسانية المفارقة للبَدَن، وأقرَّت بوجود الجنِّ والشياطين، وهذا قولُ كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم.
الفرقة الثالثة: بالعكس أقرَّت بوجود النَّفس النَّاطقة المفارقة للبَدَن، وأنكرت وجودَ الجن والشياطين، وزعمتْ أنها غير خارجة عن قُوى النفس وصِفَاتها، وهذا قولُ كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم.
وهؤلاء يقولون: إن ما يوجدُ في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة، فهي من تأثيرات النفس، ويجعلون السِّحر والكهَانة كلَّهُ من تأثير النَّفس وحدها بغير واسطة شيطانٍ منفصل، وابنُ سينا وأتباعه على هذا القول، حتى إنهم يجعلونَ معجزاتِ الرسل من هذا
__________
(1) “هذا” الآية سقطت من (ع).
(2/777)
الباب، ويقولون (1): إنما هي من تأثيرات النَّفْس في هَيُولَى العالم، وهؤلاء كفَّارٌ بإجماع أهل المِلَل، ليسوا من اتباع الرُّسُل جملةً.
الفرقة الرابعة: وهم أتباعُ الرسل وأهل الحق أقَرُّوا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، وأقرُّو بوجود الجن والشياطين، وأثبتوا ما أثبتَهُ اللهُ تعالى من صفاتهما وشرهما، واستعاذوا بالله تعالى منه، وعلموا أنه لا يُعيذُهم منه ولا يُجيرُهم إلا الله تعالى، فهؤلاء أهلُ الحق، ومن عداهم مفْرِطٌ فِي الباطَل أو معه باطلٌ وحقُّ، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فهذا ما يَسَّرَ اللهُ تعالى من الكلام على سورة (الفلق).
* * *
__________
(1) من (ع) فقط.
(2/778)
وأما سورة (الناس)؛ فقد تضمَّنَتْ -أيضًا- استعاذة ومستعاذًا به ومستعاذًا (1) منه، فالاستعاذةُ قد (2) تقدَّمت. وأما المستعاذُ به فهو الله تعالى: {بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)}، فذكر ربوبيَّته للنَّاس، وملكَه إياهم، وإلاهيتَه لهم، ولا بُدَّ من مناسبة في ذكر ذلك في الاستعاذة من الشيطان، كما تقدم، فنذكر أولًا معنى هذه الإضافات الثلاث، ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة.
الإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمِّنة لخلفهم وتدبيرهم، وتربيتهم وإصلاحهم، وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه، ودفع الشَّرِّ عنهم وحفظهم مما يفسدُهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمَّن قدْرتَهُ التامَّة ورحمته الواسعة، وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم وإجابة دعواتهم وكشف كُرباتهم.
الإضافة الثانية: إضافة الملك فهو مَلِكُهم المُتَصَرِّفُ فيهم، وهم عبيدُه ومماليكه، وهو المتصرف لهم المدبِّرُ لهم كما يشاءُ، النافذُ القدرة فيهم، الذي له السلطانُ التَّامُّ (3) عليهم، فهو مَلِكُهم الحق الذي إليه مَفْزَعُهُم عند الشَّدائد والنَّوائب، وهو مُسْتَغَاثُهم ومَعَاذُهم ومَلْجَؤُهم، فلا صلاحَ لهم ولا قيامَ إلا به وبتدبيره، فليس لهم مَلِكٌ غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدوُّ، ويستنصرون (4) به إذا نزل العدوُّ بساحتهم.
__________
(1) “به ومستعاذًا” سقطت من (ظ ود)، و”به” وحدها سقطت من (ق).
(2) من (ع).
(3) ليست في (ظ ود).
(4) (ظ): “ويستصرخون”.
(2/779)
الإضافة الثالثة: إضافة الإلهية فهو إلههُم الحقُّ، ومعبودُهم الذي لا إله لهم سواه، ولا معبودَ لهم غيره. فكما أنه وحدَه هو ربُّهم ومليكهُم لم يشركْه في ربوبيَّته ولا فِي ملكه لهم (1) أحد، فكذلك هو وحده إلههم ومعبودُهم، فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكًا في إلهيّته، كما لا شريكَ معه فى ربوبيته ومُلْكِه.
وهذه طريقةُ القرآن الكريم يحتجُّ عليهم بإقرارهم بهذا التَّوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحدَه هو ربنا وملكنا وإلهنا فلا مَفْزَعَ لنا فى الشَّدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبودَ لنا غيره، فلا ينبغي أن يُدعى ولا يُخافَ ولا يزجى ولا يُحَبَّ سواه، وفي يُذَلَّ لغيره، ولا يُخْضَعَ لسواه، ولا يُتَوَكَّلَ إلا عليه؛ لأن من ترجوه ونخافُهُ وتدعوه وتتوكَّل عليه إما أن يكون مُربِّيَكَ: والقَيِّمَ بأمورِك ومتوليَ شأنِك، وهو ربُّك فلا ربَّ لك سواه، أو تكونَ مملوكه وعبدَه الحقَّ، فهو ملكُ الناس حقًّا، وكلُّهم عبيدُه ومماليكُه.
أو يكون معبودَك وإلهَك الذي لا تستغني عنه طَرْفةَ عينٍ، بل حاجتُكَ إليه أعظمُ من حاجتك إلى حياتك وروحك، وهو الإلهُ الحقُّ، إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجأوا إلى غير حماه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم، ووليُّهم ومتولِّي أمورهم جميعًا بربوبيته وملكه وإلاهيته لهم، فكيف لا يلتجئ العبدُ عند النوازل (2) ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه؟! فظهرت.
__________
(1) من (ع وق).
(2) (ق): “إلى ربه”.
(2/780)
مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء وأعظمهم عداوةً وأشدهم ضررًا وأبلغهم كيدًا.
ثم إنه سبحانه كرَّر الاسمَ الظَّاهرَ ولم يوقع المُضْمَرَ موقعَهُ، فيقولُ: ربُّ الناس وملكهم وإلههم، تحقيقًا لهذَا المعنى وتقويةً له، فأعاد ذكرَهم عند كلِّ اسم من أسمائه، ولم يعطفْ بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة.
والمقصود الاستعاذةُ بمجموع هذه الصِّفات حتى كأنها صفةٌ واحدةٌ، وقدم الربوبيَّةَ لعمومها وشمولها لكلِّ مربوب، وأخَّرَ الإلهيَّةَ لخصوصها؛ لأنه سبحانه إنما هو إلهُ مَنْ عَبَدَهُ ووحَّده، واتخذه دونَ غيره إلهًا، فمن لم يعبدْه ويوحِّده فليس بإلهه، وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه، ولكن تَرَكَ إلهه الحق واتخذ إلهًا غيره، ووسَّط صفةَ الملك بين الربوبية والإلهية؛ لأن الملك هو المتصرِّف بقوله وأمره، فهو المطاعُ إذا أمر، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم، فملكه من كمال ربوبيته، وكونه إلاهَهُم الحق من كمال ملكه، فى بربوبيَّتهُ تستلزمُ ملكَه وتقتضيه، وملكُهُ يستلزمُ إلهيته ويقتضيها، فهو الرَّبُّ الحق، الملك الحق، الإله الحقُّ، خلقهم بربوبيته، وقهرهم بملكه، استعبدهم بإلاهيته، فتأمَّل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمَّنَتْها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام وأحسن سياق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)}، وقد اشتملت هذه الإضافاتُ الثلاثُ على جميع قواعد الإيمان، وتضمَّنَتْ معاني أسمائه الحسنى.
أما تضمُّنها لمعاني أسمائه الحسنى؛ فإن الرَّبَّ هو: القادرُ الخالقُ البارئ المصوِّر الحيُّ القَيُّومُ العليمُ السميعُ البصيرُ المحسِنُ المُنعِمُ الجَوَادُ المُعطي المانعُ الضَّارُّ النافعُ المُقَدِّم المُؤَخِّر،
(2/781)
الذي يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ، ويُسعد من يشاءُ ويُشقِي من يشاء ويعرُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقُّه من الأسماء الحسنى.
وأما الملك؛ فهو الآمر الناهي المعزُّ المذِلُّ الذي يصرف أمورَ عباده كما يحِبُّ، ويقلبهم كما يشاءُ، وله من معنى الملك ما يستحقُّه من الأسماء الحسنى؛ كالعزيز الجبار المتكبِّر الحَكَم العَدْل الخافض الرافع المُعِز المُذِل العظيم الجَلِيل الكبير الحَسِيب المجيد الوالي (1) المُتَعالي مالك الملك المقسِط الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء: العائدة إلى الملك.
وأما الإله؛ فهو الجامعُ لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فِيدخلُ فِي هذا الاسم جميعُ الأسماء الحسنى، ولهذا كان القولُ الصحيح أن “الله” أصلُه “الإله” كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذَّ منهم (2)، وأن اسم الله تبارك وتعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصِّفات العُلى، فقد تضمَّنت (3) هذه الأسماءُ الثلاثةُ جميعَ معاني أسمائه الحسنى، فكان المستعيذ بها جديرًا بأن يُعَاذَ ويُحْفَظ ويُمْنَعَ من الوسواس الخنَّاس ولا يُسَلَّطَ عليه.
وأسرارُ كلام الله أجلُّ وأعظمُ من أن تدركهَا عقولُ البشر، وإنما غايةُ أولي العلمَ الاستدلال بما ظهر منها على ما وراءه، وإن بادِيَه إلى الخافي اليسير.
__________
(1) (ع): “الولى”
(2) انظر ما تقدم من هذا الكتاب (1/ 39 – 40).
(3) (ق): “شملت”.
(2/782)
فصل
وهذه السورة مشتملةٌ على الاستعاذة من الشر الذي هو سببُ الذنوب والمعاصي كلها، وهو الشرُّ الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة، فسورة (الفلق) تضمّنت الاستعاذة من الشَّرِّ الذي هو ظلمُ الغير له بالسحر والحسد، وهو شرٌّ من خارج، وسورة (الناس) تضمَّنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شرٌّ من داخل.
فالشر الأول: لا يدخلُ تحت التكليف، ولا يُطْلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كسبه، والشر الثاني في سورة (الناس): يدخل تحتَ التكليف، ويتعلَّق به النهيُ، فهذا شرُّ المعايب، والأول شرُّ المصائب، والشر كله يرجعُ إلى العيوب والمصائب، ولا ثالث لهما، فسورة (الفلق) تتضمَّنُ الاستعاذة من شر المصيبات (1)، وسورة (الناس) تتضمَّنُ الاستعاذةَ من شرِّ العيوب التي أصلُها كلها الوسوسةُ.
فصل
إذا عُرِف هذا فالوَسْواس: فَعْلالٌ (2)، من وَسْوَسَ، وأصل الوَسْوَسَةِ: الحَرَكَةُ، أو الصَّوتُ الخَفِيُّ الذي لا يُحَسُّ فيُحْتَرَزَ منه، فالوَسْوَاسُ: الإلقاءُ الخَفِيُّ في النفس، إما بصوتِ خفِىٍّ لا يسمعُه إلا من ألقِيَ إليه، وإما بغير صوت كما يُوَسْوِسُ الشيطانُ إلى العبد، ومن هذا “وَسْوَسَةُ الحَلْي”، وهو حركتُهُ الخَفِيَّةُ في الأذن، والظاهر -واللهُ أعلم- أنها سُمِّيَتْ: “وسوسةَ الحَلْي” (3) لقربها، وشدَّة مجاورتها
__________
(1) (ظ ود): “المصايب”.
(2) (ق وظ ود): “فعلان”.
(3) “الحلي” من (ع) فقط.
(2/783)
لمحل الوسوسة من شياطين الإنس وهو الأذن، فقيل “وَسْوَسة الحَلْي”؛ لأنه صوت مجاورٌ للأذن، كوسوسة الكلام الذي يُلقِيه الشيطانُ في أذن مَنْ يوسْوِسُ له.
ولما كانت الوسوسةُ كلامًا يكرِّرُه الموسوِسُ ويؤكِّدُه عند من يُلقيه إليه كرَّروا لفظها: بإزاء تكرير معناها، فقالوا: وَسوَسَ وَسْوَسَةً، فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه.
ونظير هذا ما تقدَّم (1) من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه كالدَّوَران والغَلَيَان والنَّزَوَان، وبابه، ونظير ذلك: “زلْزَلَ ودَكْدَكَ وقَلْقَلَ وكَبْكَبَ الشَّيءَ”؛ لأن الزَّلْزَلة: حركةٌ متكرِّرةٌ، وكذلك: “الدَّكْدَكة والقَلْقَلة”، وكذلك كبْكَبَ الشيءَ: إذا كبَّه في مكانٍ بعيد، فهو يكبُّ فيه كبًّا بعد كبٍّ، كقوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94)} [الشعراء: 94] ومثلُه رَضرَضَهُ: إذا كرَّر رَضَّهُ مرَّةً بعد مرة، ومثله ذَرْذَرَهُ: إذا ذرَّه شيئًا بعد شيء، ومثله: صَرْصَرَ البابُ: إذا تكرَّرَ صريرهُ، ومثله: مطْمَطَ الكلامَ: إذا مطَّهُ شيئًا بعد شيء، ومثله: كَفْكَفَ الشيءَ: إذا كرَّر كَفَّه، وهو كثير.
وقد عُلِمَ بهذا أن من جعل هذا الرباعي بمعنى الثلاثي المضاعف لم يصب؛ لأن الثلاثي لا يدل على تكرار، بخلاف الرُّباعي المكرر، فإذا قلت: (ذرَّ الشيء، وصَرَّ البابُ، وكَفَّ الثوبَ، ورضَّ الحبَّ) لم يَدُلَّ على تكرار الفعل بخلاف ذَرْذَرَه وصَرْصَرَ ورَضْرَضَ، ونحوه، فتأمله فإنه مطابق لقاعدة العربية فِي الحذو بالألفاظ حذوَ المعاني (2)،
__________
(1) (1/ 189) من هذا الكتاب.
(2) (ع): “لحذف بالألفاظ: حذف … “.
(2/784)
وقد تقدم التنبيه على ذلك فلا وجه لإعادته.
وكذلك قولهم: عَجَّ العِجْلُ (1): إذا صَوَّتَ، فإن تابع صوتَه قالوا: عَجعَجَ، وكذلك: ثَجَّ الماء: إذا ضُبَّ، فإن تكرر ذلك قيل: ثَجْثَجَ، والمقصود أن المُوَسْوِسَ لما كان يكرِّر وَسْوَسَتَهُ ويتابعها قيل: وَسْوَسَ.
فصل
إذا عُرِفَ هذا فاختلف النُّحاةُ في لفظ (الوَسْوَاس) هل هو وصفٌ أو مصدرٌ؟ على قولين، ونحن نذكر حُجَّةَ (2) كُلَّ قول ثم نُبَيِّنُ الصحبحَ من القولينِ بعون الله تعالى وفضله:
فأما من ذهبَ إلى أنه مصدر، فاحتجَّ بأن الفعل منه: فَعْلَلَ، والوصف من: فَعْلَلَ إنما هو: “ففَعْلِلٌ” كمُدَحْرِج ومُسَرْهِف ومُبَيْطِر ومُسَيْطِر، وكذلك هو من: فَعَلَ بوزن: “مَفْعِّل” كَمَقْطِّع ومَخْرِّج، وبابه، فلو كان الوَسْوَاسُ صِفَةً لقيل: موَسْوِس، ألا ترى أن اسم الفاعل من زَلْزَلَ: مُزَلْزِلٌ، لا زَلْزَال، وكذلك من دَكْدَكَ: مُدَكْدِكٌ، وهو مطَّرِد، فَدَلَّ على أن الوَسْوَاس مصدرٌ وُصِفَ به على وجه المبالغة، أو يكون على حذف مضاف تقديرُه: ذو الوَسْوَاس. قالوا: والدليل عليه أيضًا قول الشاعر (3):
* تَسْمَعُ للحَلْيِ بها وَسْوَاسًا *
__________
(1) (ق): “الفحل”.
(2) (ع): “حجةً على … “.
(3) هو الأعشى، من معلقته، والبيت:
تسمع للحَلْي وسواسًا إذا انصرفتْ … كما اسْتَعانَ بِرِبحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
“ديوانه”: (ص/ 300).
(2/785)
فإذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء.
قال أصحاب القول الآخر (1): الدليلُ على أنه وصف أن “فَعْلَلَ” ضَرْبَانِ: أحدهما: صحيح لا تكرارَ فيه؛ كَدَحْرَجَ وسَرْهَفَ (2) وبَيْطَرَ (3)، وقياس مصدر هذه: “الفَعْلَلَة”، كالَدَحْرَجَة والسَّرْهَفَة والبَيْطَرَة، و”الفِعْلال” -بكسر الفاء- كالسِّرهاف والدِّحْراج، والوصف منه “مفَعْلِلٌ” كمدَحْرِج ومبيْطِر.
والثاني: “فَعْلَل” الثنائي المكرر؛ كزَلْزَلَ ودَكْدَكَ ووَسْوَس، وهذا فرعٌ على “فَعْلَلَ” المجرد عن التَّكرار؛ لأن الأصل السلامةُ من التَّكرار، ومصدر هذا النوع والوصف منه مساوٍ لمصدر الأول ووصفه، فمصدره يأتي على “الفعللة”؛ كالوَسْوَسَةِ وَالزَّلْزَلَةِ، و”الفِعْلال” كالزِّلْزَال، وأَقْيَس المصدرين وأولاهما بنوعي فَعْلَلَ: “الفِعْلال” لأمرين:
أحدهما: أن “فَعْلَلَ” مشاكل لـ “أفْعَلَ” في عدد الحروف، وفتح الأول والثالث والرابعِ وسكون الثاني، فجُعِل “إفعال” مصدرْ “أفعل”، و”فِعْلال” مصدر “فَعْلك”، ليتشاكل المصدران، كما يتشاكل الفِعْلان، فكان “الفِعْلالُ” أولى بهذا الوزن من “الفعللة”.
الثاني: أن أصل المصدر أن يخالفَ وزنه وزن فعله، ومخالفة “فِعْلال” لـ “فَعْلَلَ” أشدُّ من مخالفة “فَعْلَلَة” له، فكان “فِعْلال” أحقَّ بالمصدرية من “فَعْلَلَة”، أو تساويا في الاطِّراد مع أن “فَعْلَلَة” أرجحُ في الاستعمال وأكثرُ، هذا هو الأصل.
__________
(1) النص من هنا إلى ص/789 من كلام ابن مالك، نقله السيوطي في “الأشباه والنظائر”: (4/ 51 – 54).
(2) السَّرْهفة: نعمة الغذاء. انظر “اللسان”: (9/ 151).
(3) أصل البَطْر: الشق، ومنه أخذ البَيْطار وهو: معالج الدواب. انظر: “اللسان”: (4/ 69).
(2/786)
وقد جاءوا بمصدر هذا الوزن المكرر مفتوح الفاء، فقالوا: “وَسْوَسِ الشيطان وَسْوَاسًا”، و”وَعْوعَ الكلبُ وَعْوَاعًا” إذا عوى، و”عَظْعَظ السَّهْمُ (1) عَظْعَاظًا”، والجاري على القياس: “فِعْلالٌ” بكسر الفاء، أو “فَعْلَلَة”، وهذا المفتوح نادر؛ لأن الرُّباعي الصحيحَ أصلٌ للمتكرِّر، ولم يأتِ مصدر الصحيح مع كونه أصلًا إلاّ على “فَعْلَلَة وفِعْلال” بالكسر، فلم يحسُن بالرباعي المكرّر لفرعيته أن يكونَ مصدَرُه إلا كذلك، لأن الفرعِ لا يخالف أصلَه، بل يحتذي فيه حذوَه، وهذا يقتضي أن لا يكونَ مصدرُه على “فَعْلال” بالفتح، فإن شذَّ حُفِظ ولم يُزَدْ عليه.
قالوا: وأيضًا فإن “فَعْلالًا” المفتوح الفاء قد كثر وقوعُه صفةً مصوغةً من “فَعْلَلَ” المكرر ليكون فيه نظير “فَعَّال” من الثلاثي لأنهما متشاركان وزنًا، فاقتضى ذلك أن لا يكون لـ “فَعْلال” من المصدرية نصيبٌ، كما لم يكن لـ “فَعال” فيها نصيبٌ، فلذلك اسْتندروا وقوع: (وَسْوَاس ووَعْوَاع وعَظْعَاظ) مصادر، وإنما حقُّها أن تكون صفاتٍ دالَّةً على المبالغة في مصادر هذه الأفعال.
قالوا: وإذا ثبت هذا فحقُّ ما وقع منها محتملًا للمصدرية والوصفية أن يُحمل على الوصفية، حَمْلًا على الأكثر الغالب وتجنبًا للشَّاذِّ، فمن زعم أن (الوَسْوَاس) مصدر مضاف إليه (ذو، تقديرًا، فقوله خارج عن القياس والاستعمال الغالب، ويدلُّ على فساد ما ذهب إليه أمران:
__________
(1) المعظعظ من السهام هو الذي يضطرب ويلتوي، “اللسان”: (7/ 447).
وذكر في “اللسان” أن عَظْعَاظًا -بفتح العين- محكية عن كراع وهي نادرة، والأشهر: عِظْعاظًا.
(2/787)
أحدهما: أن كلَّ مصدر أضيف إليه (ذو) تقديرًا فتجرُّدُهُ للمصدرية أكثرُ من الوصف به، كَرِضى وَصَوْم وفِطْر، و”فَعْلال” المفتوح لم يثبُتْ تجرُّدُه للمصدرية إلا فِي ثلاثة ألفاظ فقط (وَسْوَاسْ ووَعْوَاع وعَظْعَاظ)، على أن منع المصدرية في هذا ممكنٌ؛ لأن غاية ما يمكنُ أن يُستدَلَّ به على المصدرية قولهم: وَسْوَس إليه الشيطان وَسْواسًا، وهذا لا: يتعيَّنُ للمصدرية؛ لاحتمال أن يُرَادَ به الوصفية وينتصب: “وَسْواسًا” على الحال، ويكون حالًا مؤكِّدة، فإن الحال قد يؤكَّدُ بها عاملُها الموافق لها لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79] {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}، نعم إنما تتعيَّن مصدرية (الوَسْوَاس) إذا سُمِع: “أعوذ بالله من وَسْوَاس الشيطان”، ونحو ذلك مما يكون الوَسْوَاس فيه مضافًا إلى فاعله، كما سُمع ذلك في (الوَسْوَسَة) ولكن أين لكم ذلك؟ فهاتوا شاهده؟! فبذلك يتعيّن أن يكون (الوَسْوَاس) مصدرًا لا بانتصابِه (1) بعد الفعل.
الوجه الثاني: -من دلِيل فساد من زعم أن وسواسًا مصدرٌ مضافٌ إليه (ذو) تقديرًا-: أنَّ المصدر المضاف إليه (ذو) تقديرًا لا يؤنَّثُ ولا يُثنَّى ولا يُجمعُ، بل يلزمُ طريقةً واحدةً، ليعلمَ أصالته في المصدرية وأنه عارض: الوصفية، فيقال: امرأة صَوْمٌ، وامرأتان صَوْمٌ، ونساءٌ صَوْم، لأن المعنى: ذاتُ صَوْم، وذواتا صَوْم، وذوات صَوْمِ، و”فَعْلال” الموصوف به ليس كذلك، بل يثنَّى ويُجْمَعُ ويؤَنَّثُ فتقول: رجل ثَرْثار، وامرأة ثَرْثَارة، ورجالٌ ثَرْثارنَ.
__________
(1) من (د) و (ظ وق): “لانتصابه”.
(2/788)
وفي الحديث: “أبْغَضُكُمْ إلىَّ الثَّرْثَارُونَ المُتَفَيْهِقُون” (1) وقالوا: ريحٌ زَفْزَافةٌ، أي: تُحَرِّكُ الأشجار، وريح سَفْسَافة، أي: تنخِّلُ التُّرابَ، ودِرْعٌ فَضْفاضَةٌ، أىِ: مُتَّسِعَة. والفعل من ذلك كله: “فَعْلَلَ”، والمصدر: “فَعْللَةٌ وفِعْلال” بالكسر، ولم ينقلْ في شيء من ذلك: “فَعْلالٌ” بالفتح.
وكذلك قالوا: تَمْتَامٌ، وفَأْفَاءٌ، ولَضْلاضٌ، أي: ماهرٌ فى الدِّلالة، وفَجْفَاجٌ: كثيرُ الكلام، وهَزهارٌ، أي: ضَحَّاكٌ، وكَهْكاهٌ ووطْواطٌ، أي: ضعيفٌ، وحَشحَاشٌ وعَسْعاسٌ، أي: خفيف (2)، وهو كثير ومصدره كله “الفَعْلَلَة” والوصف “فَعْلال” بالفتح.
ومثله: هَفْهَافٌ أي: خَمِيصٌ، ومثله: دَحْدَاحٌ أي: قَصير، ومثله: بَجْبَاج أي: جَسِيم، وتَخْتَاخٌ أي: ألْكَن، وسَمْسَامٌ أي: سريع، وشيءٌ خَشْخَاش أي: مُصَوِّتٌ، وقَعْقَاعٌ مثله، وأسد قَضْقَاضٌ أي: كاسِر، وحيَّةٌ نَضْنَاضٌ: تُحَرِّكُ لسانها. فقد رأيت “فَعْلالًا” في هذا كله وصفًا لا مصدرًا، فما بال الوَسْوَاس أُخْرِج عن نظائره وقياس بابه؛ فثبت أن وَسْوَاسًا وصفٌ لا مصدر؛ كَثَرْثَار وتَمْتَام ودَحْدَاح، وبابه.
ويدلُّ عليه وجهٌ آخر وهو: أنه وصَفَه بما يستحيلُ أن يكون مصدرًا، بل هو متعيِّنُ الوصفيَّة وهو الخَنَّاس، فالوسواس والخَنَّاس
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (2018) من حديث جابر -رضي الله عنه- قال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب”.
وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني أخرجه أحمد: (29/ 267 رقم 17732)، وابن حبان “الإحسان “: (2/ 231)، وغيرهم، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا. وله شواهد أخرى يتقوَّى بها من حديث عبد الله بن عَمْرو وابن مسعود -رضي الله عنهم-.
(2) “وعَسْعاس، أي: خفيف” سقطت من (ظ ود).
(2/789)
وصفانِ لموصوف (1) محذوف وهو الشيطانُ، وحَسَّنَ حذفَ الموصوف هاهنا غلبةُ الوصف حتي صار كالعَلَم عليه، والموصوف إنما يَقْبُحُ حذفُهُ إذا كان الوصفُ مشتركًا فيقعُ اللَّبْسُ؛ كالطَّويل والقبيح والحَسَن، ونحوه، فيتعيَّن ذكرُ الموصوف ليعلم أن الصِّفة له لا لغيره، فأما إذا غلب الوصفُ واختصَّ ولم يعرضْ فيه اشتراك، فإنه يجري مجرى الاسم، ويحسُنُ حذف الموصوف؛ كالمسلم والكافى والبَرِّ والفاجر والقاصي والداني (2) والشاهد والوالي والأمير (3) ونحو ذلك، فحَذْف الموصوف هنا أحسن من ذكره، وهذا التفصيلُ أولى من إطلاق مَنْ منَعَ حذْفَ الموصوفِ ولم يفَصِّلْ.
ومما يدلُّ على أن الوسواس وصفٌ لا مصدرٌ: أن الوصفيَّة أغلبُ على “فَعْلال” من المصدرية كما تقدَّم، فلو أريد المصدرُ لأتي بـ: (ذو) المضافة إليه، ليزولَ اللَّبْسُ وتَتَعَيَّنَ المصدريَّةُ، فإن اللَّفظ إذا احتمل الأمرين على السواء، فلا بدَّ من قرينةٍ تدُلُّ على تعيينِ أحدهما، فكيف والوصفيةُ أغلبُ عليه من المصدرية!؟.
وهذا بخلاف صَوْم وفِطْر وبابهما، فإنها مصادرُ لا تلتبسُ يالأوصاف، فإذا جرت أوصافًا عُلِم أنها على حذف مضافٍ أو تنزيلًا للمصدر منزلةَ الوصف مبالغةً على الطريقتين في ذلك، فتعيَّنَ أن الوَسْواسَ هو الشَّيطَانُ نفسه، وأنَّه ذاتٌ لا مصدرٌ، والله أعلم.
__________
(1) (ق): “المصدر”.
(2) (ع): “العاصي”، و”الداني” من (ظ ود).
(3) ليست في (ظ ود).
(2/790)
فصل
وأما الخنَّاسُ: فهو “فَعَّال” من: خنَسَ يَخْنِسُ: إذا تَوَارى واخْتَفَى. ومنه قول أبي هريرة: “لَقِيَني النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – في بعض طرق المدينة وأنا جُنُبٌ فانخَنَسْتُ منه” (1). وحقيقة اللَّفظ اختفاءٌ بعد ظهور، فليست لمجرد الاختفاء؛ ولهذا وُصِفت بها الكواكبُ في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)} [التكوير: 15]، قال قتادة: هي النجوم تبدو باللَّيل وتخنِسُ بالنَّهار فتختفي ولا تُرَى. وكذلك قال عليٌّ رضي الله عنه: هي الكواكبُ تخنس بالنهار فلا (2) تُرى. وقالت طائفة: الخُنَّسُ: هي الرَّاجعةُ، التي ترجِعُ كلَّ ليلة إلى جهة المشرق، وهي السبعةُ السَّيَّارة، قالوا: وأصل الخُنُوس: الرُّجُوعُ إلى وراء (3).
والخَنَّاسُ هو مأخوذ من هذين المعنيين، فهو من الاختفاء والرجوع والتأخُّر، فإن العبدَ إذا غَفَلَ عن ذكر الله جَثَمَ على قلبه الشيطانُ، وانبسط عليه، وَبَذَرَ فيه أنواعَ الوساوس التي هي أصلُ الذنوب كلها، فإذا ذكر العبدُ ربَّهُ واستعاذ به انخنَسَ وانقبض كما ينخِنسُ الشيءُ يَتَوَارَى، وذلك الانخناسُ والانقباضُ هو -أيضًا- تَجَمُّعٌ ورجوع وتَأَخُّرٌ عن القلب إلى خارج، فهو تأخُّر ورجوعٌ معه اختفاءٌ.
وخَنَسَ وانْخَنَسَ يدُلُّ على الأمرين معًا. قال قتادة: الخَنَّاسُ له
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (283) ومسلم رقم (371).
(2) (ظ ود): “تخنس فلا … “.
(3) انظر أقوال السلف في “تفسير الطبري”: (12/ 467 – 469)، و”الدر المنثور”: (6/ 529).
(2/791)
خُرْطُوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَسَ (1).
ويقالُ: رأسُه كرأس الحيَّة وهو واضعٌ رأسَهُ على ثَمَرَة القلب يُمَنِّيه ويحدِّثُهُ، فإذا ذكر الله تعالى خَنَسَ، وإذا لم يَذْكرْه عادَ ووضَعَ رأسَهُ يوسوِسُ إليه ويُمَنِّيهِ (2).
وجيء من هذا الفعل بوزن: “فعَّال” الذي للمبالغة دون الخَانِس والمُنْخَنِس إيذانًا بشدة هروبه ورجوعه وعِظَم نفوره عندَ ذكر الله، وأن ذلك دأبُهُ ودَيْدَنُهُ، لا أنه يعرِضُ له عند ذكر الله أحيانًا، بل إذا ذُكِرَ اللهُ -عز وجل- هَرَبَ وانخنسَ وتأخَّرَ، فإنَّ ذِكْرَ اللهِ هو مِقْمَعَتُهُ التي يُقمعُ بها، كما يُقمعُ المفسدُ والشِّرِّيرُ بالمقامع التي تَرْدَعُهُ؛ من سِياطٍ وحديدٍ وعِصِيٍّ، ونحوها.
فذِكْر اللهِ تعالى يقمعُ الشيطانَ ويؤلمُهُ ويؤذيه، كالسِّياط والمقامع التي تؤذي من يُضْرَبُ بها. ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلًا ضئيلًا مضنًى مما يعذبهُ المؤمنُ ويقمعُه به من ذكر الله وطاعته.
وفِي أثرٍ عن بعض السلف: “إن المؤمن يُنْضِي شيطانَه، كما
__________
(1) ذكره البغوي في “تفسيره”: (4/ 548) بدون إسناد، وهو بنحوه مروي: عن معاوية أخرجه ابن أبي داود في “ذم الوسوسة” -كما في “الدر: 6/ 721″، ورُوِيَ مرفوعًا من حديث أنسٍ -رضي الله عنه- أخرجه أبو يعلى وابنُ شاهين والبيهقي في “الشعب”- كما في “الدر: 6/ 721″، قال الحافظ في “الفتح”: (8/ 614): “وإسناده ضعيف”، وروي عن ابن عباسِ وغيره نحوه.
(2) نقله المؤلف من “تفسير البغوي”: (4/ 548)، وأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابنُ المنذر عن عروة بن رُويم أن عيسى بن مريم دعا ربَّه أنْ يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلَّى له ذلك … فذكره، انظر: “فتح الباري”: (8/ 614)، و”الدر المنثور”: (6/ 722).
(2/792)
يُنْضِي الرَّجلُ بعيرَهُ في السَّفَر” (1)؛ لأنه كلما اعترضه صبَّ عليه سياطَ الذِّكر والتَّوجُّه والاستغفار والطاعة، فشيطانُه معه في عذاب شديد، ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحةٍ ودَعَة، ولهذا يكون قويًّا (2) عاتيًا شديدًا.
فمن لم يعذبْ شيطانَه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيدِه واستغفارِه وطاعته، عذبه شيطانُه في الآخرة بعذاب النار، فلا بُدَّ لكل أحدٍ أن يُعَذِّبَ شيطانَه أو يُعَذِّبُه شيطانُه.
وتأمل كيف جاء بناءُ الوسواس مكرَّرًا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارًا، حتى يعزمَ عليها العبد، وجاء بناء “الخناس” على وزن “الفَعَّال” الذي يتكرَّر منه نوع الفعل؛ لأنه كلَّما ذكر الله انخنسَ، ثم إذا غفل العبدُ عاوده بالوسوسة، فجاء بناءُ اللفظين مطابقًا لمعنييها.
فصل
وقوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)} [الناس: 5] صفةٌ ثالثة للشيطان، فذكر وسوستَه أولًا، ثم ذكر محلَّها ثانيًا، وأنها في صدور الناس، وقد جعل اللهُ للشّيطان دخولًا في جوف العبد، ونفوذًا إلى قلبه وصدره، فهو يجري منه مجرى الدَّمِ، وقد وُكِلَ بالعبد فلا يفارقُه إلى الممات.
__________
(1) جاء هذا في حديث مرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – من حديث أبى هريرة، أخرجه أحمد: (14/ 504 رقم 8940)، وابن أبى الدنيا في “مكايد الشيطان” والحكيم الترمذي -كما في “الجامع الصغير- مع الفيض”: 2/ 385 – وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف.
(2) ليست في (ع).
(2/793)
وفي “الصحيحين” (1) من حديث الزُّهْري، عن علي بن حسين، عن صَفِيَّة بنت حُيَيّ، قالت: “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – معتكفًا فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدَّثتُه، ثم قمت فانقلبتُ، فقام معي ليقلِبَني -وكان مسكنُها في دار أُسامة بن زيد- فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي – صلى الله عليه وسلم – أسرعا، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “عَلَى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ”، فقالا: سبحانَ اللهِ يا رسول: الله! فقال: “إنَّ الشَّيطانَ يجري من الإنسانِ مَجْرَى الدَّمِ، وإني خَشِيْتُ أن يَقْذَفَ في قلوبِكُما سواءً” -أو قال: “شيئًا”-.
وفي “الصحيح” أيضًا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: “قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إذا نُوْدِيَ بالصَّلاةِ أدْبرَ الشَّيْطَان وله ضُرَاطٌ، فإذا قُضِي أقْبَلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أَدْبَرَ، فإذا قُضِيَ أقْبَل حتى يَخْطرَ بين الإنسانِ وقلبه، فيقول: اذْكُرْ كذا اذْكُرْ كذا، حتَّى لا يَدْرِي أثَلاثا صَلَّى أم أربعًا، فَإذا لم يَدْر أثلاثا صَلَّى أم أرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتى السَّهْوِ” (2).
ومن وسوسته: ما ثبت في “الصحيح” عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “يأتي الشَّيْطانُ أحَدَكمْ فيقولُ مَنْ خَلَقَ كذا؟ مَنْ خَلَقَ كذا؟ حتى يقولَ: مَنْ خَلَقَ الله؟ فَمَنْ وَجَدَ ذَلكَ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ ولْيَنْتَهِ” (3).
وفي “الصحيح” (4) أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قالوا: يا رسول الله إن أحَدَنا ليجدُ فى نفسه ما لأَنْ يَخِرَّ من السماء إلى الأرض أحَبُّ إليه من أن
__________
(1) أخرجه البخاري رقم: (2035)، ومسلم رقم (2175).
(2) أخرجه البخاري رقم: (608)، ومسلم رقم (389).
(3) أخرجه البخاري رقم (3276)، ومسلم رقم (134).
(4) ليس هو فى الصحيحين ولا أحدهما، وسنده على شرطهما.
(2/794)
يَتكَلَّمَ به، قال: “الحمْدُ للهِ الذي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ” (1).
ومن وسوسته أيضًا: أن يَشغل (2) القلب بحديثه حتى يُنسِيَهُ ما يريدُ أن يفعلَه، ولهذا يضافُ النسيانُ إليه إضافتَه إلى سَبَبه، قال تعالى حكاية عن صاحب موسى إنه قال: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63].
وتأمَّلْ حكمةَ القرآن الكريم وجلالَتَهُ كيف أوْقَعَ الاستعاذةَ من شَرِّ الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخنَّاس، الذي يوسوسُ في صدور الناس، ولم يقلْ: من شرِّ وسوسته؛ لتعمَّ الاستعاذةُ شرَّه جميعَه، فإن قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)} [الناس: 4]، يعم كلَّ شره، ووصفه بأعظم صفاته وأشدِّها شرًّا، وأقواها تأثيرًا، وأعمِّها فسادًا، وهى الوسوسة التي هى مبادئُ الإرادة، فإن القلبَ يكونُ فارغًا من الشر والمعصية، فيوسوسُ إليه، ويُخْطِرُ الذنبَ بباله، فيصوِّرُهُ لنفسه ويُمَنِّيه، ويُشَهِّيه فيصير شهوة، ويُزَيِّنُها له ويُحَسِّنُها ويُخَيِّلُها له في خيالٍ تميلُ نفسه إليه، فيصيرُ إرادة ثم لا يزالُ يُمَثِّلُ ويُخَيِّلُ، ويُمَنِّي ويُشَهِّي، ويُنَسِّي علمه بضررها، ويَطْوي عنه سُوءَ عاقبتها، فيحُوْلُ بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورةَ المعصية والتذاذَه بها فقط وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادةُ عزيمةً جازمةً، فيشتدُّ الحرصُ عليها من القلب، فيبعثُ الجنودَ في الطَّلَب، فيبعثُ الشيطانُ معهم مَدَدًا لهم وعونًا، فإن فَتَروا حرَّكهم، وإن وَنَوْا (3) أزعجهم، كما قال تعالى:
__________
(1) أخرجه أحمد: (4/ 10 رقم 2097)، وأبو داود رقم (5112)، وابن حبان “الإحسان”: (1/ 360) وغيرهم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(2) (ع): “يشتغل”.
(3) أي: ضعفوا.
(2/795)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)} [مريم: 83] أي: تُزْعِجهم إلى المعاصي: إزعاجًا، كلَّما فتروا أو وَنَوْا أزعجتهم الشياطينُ، وأَزَّتْهُم وأثارتهم، فلا تزال بالعبد تقودُه إلى الذنب وتنظمُ شمل الاجتماع بألطف حيلة، وأتمِّ مَكِيدة. قد رضي لنفسه بالقيادة لفَجَرة بني آدم، وهو الذي استكبر وأبى أن يَسْجُدَ لأبيهم. فلا بتلك النَّخوة والكبر (1)، ولا برضاه أن يصيرَ قوَّادًا لكل من عصى الله! كما قال بعضُهم (2):
عجبتُ من إبليسَ فِي تِيهِهِ … وقبحِ ما أظهَرَ مِنْ نَخْوَتِهْ
تَاهَ على آدَمَ في سجْدَةٍ … وصارَ قوَّادًا لِذرِّيَّتهْ
فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا وصَفَه بها لتكون الاستعاذةُ من شرها أهمَّ من كل مستعاذ منه، وإلا فشرُّه بغير الوسوسة حاصل أيضًا.
فمن شرِّه: أنه لصٌّ سارقٌ لأموال الناس، فكل طعام أو شراب لم يذكرِ اسمُ الله تعالى عليه، فله فيه حظٌّ بالسَّرقة والخَطْف، وكذلك يبيتُ في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله تعالى، فيأكلُ طعامَ الإنس بغير إذنهم، ويبيتُ في بيوتهم بغير أمرهم، فيدخل سارقًا ويخرج مغِيْرًا. ويدلُّ على عوراتهم، فيأمر العبدَ بالمعصية، ثم يلقي فِي قلوب الناس (3) يَقظَةً ومنامًا: أنه فعل كذا وكذا.
ومن هذا: أن العبدَ يفعل الذنبَ لا يطَّلِع عليه أحدٌ من الناس،
__________
(1) “والكبر” ليست في (ظ ود).
(2) أنشدهما الجاحظ في “البيان والتبيُّن”: (3/ 152) بلا نسبةٍ، مع اختلاف يسير.
(3) (ظ ود): “أعدائه”.
(2/796)
فيصبحُ والناسُ يتحدثون به، وما ذاك إلا أن الشيطانَ زيَّنَة له، وألقاه في قلبه، ثم وسوس إلى الناس بما فعل، وألقاه إليهم، فأوقعه في الذنب، ثم فضحه به، فالرَّبُّ تعالى يسترُه، والشيطانُ (1) يَجْهَدُ في كشف ستره وفضيحته (2)، فيغترُّ العبدُ ويقول: هذا ذنبٌ لم يَرَهُ إلا اللهُ تعالى، ولم يشعرْ بأنَّ عدُوَّهُ ساعٍ في إذاعته وفضيحته، وَقلَّ من يتفطَّنُ (3) من الناس لهذه الدقيقة.
ومن شره: أنه إذا نام العبدُ عقد على رأسه عُقَدًا تمْنَعهُ من اليَقَظَة، كما في “صحيح البخاري” (4) عن سعيد بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كلِّ عُقْدَه مَكَانَها عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذَكرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيبَ النَّفْسِ، وَإلَّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَفْسِ كَسْلانَ”.
ومن شره: أنه يبولُ في أُذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه ذُكِر عنده رجل نام ليلة حتى أصبحَ، قال: “ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَان فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ” رواه البخاري (5).
ومن شره: أنه قد قعد لابن آدم بطرق الخير كلِّها، فما من طريق من طرق الخير إلا والشَّيْطَانُ مُرْصِدٌ عليه، يمنعُه بجَهْدِه أن يسلُكَهُ،
__________
(1) من قوله: “زينه له … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2) ليست في (ع).
(3) (ع): “ينظر”.
(4) رقم (1142)، وكذلك أخرجه مسلم رقم (776).
(5) رقم (1144)، وكذلك أخرجه مسلم رقم (774).
(2/797)
فإن خالفَه وسلكَه ثَبَّطَهُ فيه وعوَّقَهُ، وشوَّشَ عليه بالمُعارضات والقواطع، فإن عَمِله وفرغ منه، قيَّضَ له ما يُبْطِلُ أثَرَه وَيَرُدُّهُ على حافِرَته.
ويكفي من شرِّه: أنه أقسمَ بالله ليقعُدَنَّ لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم لَيَأتِيَّنهُمْ من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أَيْمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شرَّه أن أعملَ المكيدة، وبالغ فى الحِيلة، حتى أخرجَ آدَمَ من الجنة، ثم لم يَكْفِهِ ذلك حتى استقطعَ من أولاده شرطة للنَّار من كلِّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعين (1)، ثم: لم يكفِهِ ذلك حتى أعملَ الحيلةَ في إبطال دعوة الله من الأرض، وقصد أن تكون الدعوةُ له، وأن: يُعْبَدَ من دون الله فهو ساعٍ بأقصى جَهْده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الكفر والشرك، ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض.
ويكفي من شَرِّه: أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومُهُ بالمَنْجَنِيق فى النَّار، فردَّ اللهُ تعالى كيدَهُ عليه، وجعل النارَ على خليله بَرْدًا وسلامًا، وتصدَّى للمسيح – صلى الله عليه وسلم – حتى أراد اليهود قتلَه وصلبَه، فرد الله كَيْدَهُ، وصان المسيحَ ورفعه إليه، وتصدَّى لزكريا ويحيى حتى قُتِلا، واستثار (2) فرعون حتى زَيَّنَ له الفسادَ العظيم في الأرض ودعوى أنه ربُّهم الأعلى، وتصدَّى للنبي – صلى الله عليه وسلم – وظاهر الكفار على قتلة بجَهْده، والله تعالى يكبتُهُ ويَرُدُّهُ خاسئًا، وتفلَّتَ على النبي – صلى الله عليه وسلم – بشهاب من نار يُريد أن يَرمِيَهُ به وهو فى الصلاة، فجعل النبي – صلى الله عليه وسلم –
__________
(1) في جميع الأصول: “تسعون”.
والحديث في هذا المعنى أخرجه البخاري رقم (3348)، ومسلم رقم (222).
(2) (ع): “واستتاب”، و (ق): “واستبان”، ولعل الصواب ما أثبت.
(2/798)
يقول: “ألْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ” (1)، وأعان اليهودَ على سحرهم للنبي – صلى الله عليه وسلم-.
فإذا كان هذا شأنَهُ وهِمَّتَهُ في الشَّرِّ، فكيف الخلاصُ منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته! ولا يمكن حصرُ أجناس شَرِّه فضلًا عن آحادِها، إذ كلُّ شرٍّ في العالم فهو السبَبُ فيه، ولكن ينحصرُ شرُّهُ في ستة أجناس، لا يزالُ بابن آدم حتى ينالَ منه واحدًا منها أو أكثر:
* الشر الأول: شرُّ الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم بَرَد أنينُهُ، واستراح من تعبه معه، وهو أوَّلُ ما يُريده من العبد، فلا يزالُ به حتى ينالَهُ منه، فإذا نال ذلك منه صَيَّرَهُ من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليسَ ونوَّابه.
* فإن يَئِسَ منه من ذلك، وكان ممن سبق له الإسلامُ في بطن أُمه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبُّ إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضرَرَها في نفس الدين وهو ضرر متعدَّ، وهىِ ذنبٌ لا يتابُ منه، وهي مخالفةٌ لدعوة الرُّسُل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقيَ أيضًا نائِبَهُ وداعيًا من دعاتِهِ.
* فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سَبَقَتْ له من الله موهبةُ السُنَّة ومعاداة أهل البدَع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشَّرِّ، وهي الكبائرُ على اختَلاف أنواعها، فهو أشدُّ (2) حرصًا على أن يوقعَه فيها، ولا سيِّما إن كان عالمًا متبوعًا، فهو حريصٌ على ذلك لينفِّرَ الناس عنه، ثم يشيعُ من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستَنِيبُ
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (542) من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
(2) (ع وق): “أشد شيءٍ … “.
(2/799)
منهم من يشيعُها ويذيعُها تديُّنًا وتقرُّبًا بزعمه إلى الله تعالى، وهو نائب إبليسَ ولا يشعرُ، فإن الذين يُحِبُّون أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبُّوا إشاعَتَها وإذاعَتَها (1)، فكيف إذا تولَّوْا هم إشاعَتَها وإذاعَتَها [لا] نصيحة (2) منهم، ولكن طاعةً (3) لإبليس ونيابةً عنه؟! كل ذلك لينفِّرَ الناسَ عنه، وعن الانتفاع به، وذنوب هذا ولو بلغت عَنان السَّماء أهونُ عند الله من ذنوب هؤلاء، فإنها ظلمٌ منه لنفسه، إذا استغفرَ اللهَ وتابَ إليه قبل اللهُ وتوبَتَهُ، وبدَّلَ سيئاتِهِ حسنات، وأما ذنوبُ أولئك فظلم للمؤمنين وتَتَبُّعٌ لعورتهم وقصدٌ لفضيحتهم، والله -سبحانه- بالمرصاد لا تخفى عليه كمائنُ الصدور ودسائسُ النفوس.
* فإنْ أعْجَزَ الشيطانَ عن هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الرابعة وهي: الصَّغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إيَّاكُمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب، فإنَّ مَثَلَ ذلك مَثَلُ قَوْمٍ نزلوا بفَلاةٍ من الأرض … ” (4)، وذكر حديثًا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعُود
__________
(1) من (ع) فقط.
(2) زيادة يستقيم بها النص.
(3) ملحقة في هامش (ق).
(4) أخرجه أحمد: (5/ 331) وغيره من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- ولفظه: “إيَّاكم ومُحَقَّرَات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يُؤخَذ بها صاحبها تُهْلِكه”.
قال الحافظ فى “الفتح”: (11/ 337): “إسناده حسن”.
وله شاهد من حديث ابن مسعود، أخرجه أحمد: (6/ 367 رقم 3818). وفى سنده ضعف، ولفظه أقرب إلى ما ذكره المؤلِّف.
(2/800)
حَطَب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشْتَوَوْا، ولا يزال يُسَهِّلُ عليه أمرَ الصغائر حتى يستهينَ بها، فيكون صاحبُ الكبيرة الخائفُ منها أحسنَ حالًا منه.
* فإن أعجزه العبدُ من هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الخامسة، وهي إشغالُه بالمُبَاحات التي لا ثوابَ فيها ولا عِقَابَ، بل عقابها فَواتُ (1) الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها.
* فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به، يعلم مقدارَ أنفاسِهِ وانقطاعها وما يقابلُها من النعيم والعذاب، نقلَه إلى المرتبة السادسة، وهو: أن يشغَلَهُ بالعمل المفضول عما هو أفضل مه، ليزيحَ عنه الفضيلة (2) ويفوّته ثواب العمل الفاضل، فيأمرُهُ بفعل الخير المفضول، ويحضُّه عليه، ويحسّنه له، إذا تضمَّن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقلَّ من يَتنْبَّهُ لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًّا ومحرِّكًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكادُ يقول: إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمرُ بخير، ويرى أن هذا خيرٌ، فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذورٌ، ولم يصلْ علمُه إلى أن الشيطان يأمره بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما لِيَتَوَصَّلَ بها إلى باب واحد من الشَّرِّ، وإما ليُفَوِّتَ بها خيرًا أعظمَ من تلك السبعين بابًا وأجلَّ وأفضلَ.
وهذا لا يتوصلُ إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفهُ في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وشدَّة عنايته بمراتب الأعمال
__________
(1) (ظ ود): “عاقبتها فوت”.
(2) (ع وق): “عليه” وتحتمل في قراءة “ليزيح”. “ليربح”.
(2/801)
عند الله وأحبها إليه وأرضاها له، وأنفعها للعبد، وأعمها نصيحةً لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصَّتهم وعامَّتهم، ولا يعرفُ هذا إلا مَن كان من ورثة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم، والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده.
* فإذا أعجزه العبدُ من هذه المراتب السِّتِّ وأعيا عليه سَلَّطَ عليه حزبَهُ من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير له والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليُشَوِّشَ عليه قلبَهُ ويشغل بحربه فكره، وليمنعَ الناسَ من الانتفاع به، فِيبقى سعْيُهُ في تسليط المُبْطِلبنَ من شياطين الإنس والجن عليه، لا يَفْتُرُ ولا بَنِي، فحينئذٍ يلبَسُ المؤمن لأُمَةَ الحرب ولا يضعُها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أُسِرَ أو أصيب، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
فتأمَّل هذا الفصلَ وتدبَّرْ موقِعَهُ (1) وعظيمَ منفعته، واجعلْه ميزانًا لك تَزِنُ به الناسَ وتَزِنُ به الأعمال، فإنه يُطْلِعكَ على حقائق الوجود ومراتب الخلق، واللهُ المستعان، وعليه التُّكْلان، ولو لم يكنْ في هذا التعليق إلا هذا الفصلُ لكان نافعًا لمن تدبَّرَهُ ووعاه.
فصل
وتأمل السر في قوله تعالى: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)}، ولم يقل: في قلوبهم، والصدر هو ساحة القلب (2) وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه، فتجتمعُ فِي الصدر ثم تَلجُ في القلب، فهو بمنزلة
__________
(1) (ظ ود): “موضعه”.
(2) زيادة في (ظ ود): “فهو بمنزلة الدهليز”.
(2/802)
الدِّهْليز له، ومن القلب تخرجُ الأوامرُ والإرادات إلى الصدر ثم تتفرَّقُ على الجنود.
ومن فهم هذا فهم قولَه تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 154] فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيتِه، فيُلْقي ما يريدُ إلقاءه في القلب، فهو موسوِسٌ في الصدر، ووسوسته (1) واصلةٌ إلى القلب، ولهذا قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120]، ولم يقل: فيه؛ لأن المعنى: أنه ألقى إليه ذلك وأوصلَهُ إليه، فدخل في قلبه.
فصل
وقوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} اختلف المُفَسِّرونَ في هذا الجارِّ والمجرور: بمَ يتعلَّقُ؟.
فقال الفَرَّاءُ (2) وجماعة: هو بيانٌ للناسِ المُوَسْوَس في صدورهم، والمعنى: يوَسوِسُ في صدور الناس الذين هم من الجَن والإنس، أي المُوَسوَس في صدورهم قسمان: إنس وجن.
فالوسواسُ يُوَسوِسُ للجنِّيِّ كما يوسوسُ للإنسي، وعلى هذا القول فيكون “منَ الجنة والناس”: نصبًا على الحال؛ لأنه مجرورٌ بعد معرفة على قول البصريين، وعلى قول الكوفيين نصبًا بالخروج من المعرفة، هذه عبارتهم، ومعناها: أنه لما لم يصلحُ أن يكون نعتًا للمعرفة انقطع عنها، فكان موضعُهُ نصبًا، والبصريون
__________
(1) (ظ ود): “في الصدور وسوسةً”.
(2) في “معاني القرآن”: (3/ 302).
(2/803)
يقدِّرونه حالًا، أي: كائِنِيْنَ من الجِنَّة والنَّاس، وهذا القولُ ضعيفٌ جدًّا لوجوه:
أحدها: أنَّه لم يَقمْ دليلٌ على أن الجِنِّيَّ يوسوسُ في صدور الجنِّ، ويدخلُ فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإَنسي، فأيُّ دليل يدُلُّ على هذا حتى يصِحَّ حملُ الآية عليه؟.
الثاني: أنه فاسدٌ من جهة اللفظ أيضًا، فإنه قال: (الذي يوسوسُ في صدور الناس)، فكيف يبينُ الناس بالناس؟ فإن معنى الكلام على قوله: يوسوِسُ في صدور الناس (1) الذين هم -أو كائنين- من الجنة والناس، أفيجوزُ أن يقالَ: في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم؟ هذا ما لا يجوزُ، ولا هو استعمالٌ فصَيحٌ!.
الثالث: أن يكونَ قد قسم الناسَ إلى قسمين: جِنَّة وناس، وهذا غيرُ صحيح، فإن الشيء لا يكون قَسِيمَ نفسِهِ.
الرابع: أن الجنَّةَ لا يطلقُ عليهم اسمُ الناس بوجه، لا أصلًا ولا اشتقاقًا ولا استعمالًا، ولفظهما يأبى ذلك، فإن الجنَّ إنما سمُّوا جنًّا من الاجتنان، وهو الاستتارُ، فهم مستترون عن أعين البشر، فَسمُّوا جنًّا لذلك، من قولهم: جَنَّهُ الليلُ وأجنَّه: إذا سَتَرَهُ، وأجَنَّ المَيِّتَ: إذَا سَتَرَهُ في الأرض. قال:
ولا تَبْكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ … عَلِيٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بَكْرٍ
يريد النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -.
ومنه: الجَنِينُ لاستتاره في بطنِ أُمِّهِ، قال تعالى: {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي
__________
(1) من قوله: “فكيف يبين … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2/804)
بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم: 32] ومنه: المِجَنُّ لاستتار المُحَارِبِ به من سلاح خصمِهِ، ومنه: الجَنَّةُ لاستتار داخلها بالأشجار، ومنه: الجُنَّةُ بالضمِّ: لِمَا يَقِي الإنسانَ من السِّهام والسِّلاح، ومنه: المجنون لاستتار عقلِه.
وأما “الناسُ” فبينهُ وبينَ الإنس مناسبةٌ فى اللفظ والمعنى، وبينهما اشتقاق أوسط، وهو: عَقْد (1) تقاليب الكلمة على معنى واحد (2)، والإنس والإنسان مشتقٌ من الإيناس وهو الرؤية والإحساس، ومنه قوله: {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29] أي: رآها، ومنه: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] أي: أحسستموه ورأيتموه، فالإنسان سمِّيَ إنسانًا لأنه يُؤْنَسُ أي: يُرَى بالعين.
والناس فيه قولان:
أحدهما: أنه مقلوب من أنس وهو بعيد، والأصل عدم القلب.
والثاني: -وهو الصحيح- أنه من النَّوْس وهو الحَرَكة المتتابعة، فسُمِّيَ النَّاسُ ناسًا للحركة الظاهرة والباطنة، كما يسمَّى الرجلُ: حارثًا وهمَّامًا، وهما أصدقُ الأسماء كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – (3)؛ لأن كل أحدٍ له همٌّ وإرادةٌ هي مَبْدأ، وحرثٌ وعملٌ هو مُنتهى، فكلُّ أحدٍ حارثٌ وهَمَّام، والحَرْثُ والهّمُّ، حركتا الظاهر والباطن، وهو حقيقة
__________
(1) (ظ ود): “عند”.
(2) ويسميه ابن جنِّي الاشتقاق الأكبر، انظر “الخصائص”: (2/ 134 – 139).
(3) فيما أخرجه أحمد: (31/ 377 رقم 19032)، وأبو داود رقم (4950)، والبخاري في “الأدب المفرد”: (ص/ 243)، والنسائي: (6/ 218 – 219) وغيرهم من حديث أبي وهب الجُشمي -رضي الله عنه- وضعَّفه أبو حاتم في “العلل”: (2/ 312 – 313).
(2/805)
النَّوْس، وأصل نَاسَ: (نوَسَ) تحركت الواو وقبلها فتحة فصارت ألفًا، هذان هما القولان المشهوران في اشتقاق “الناس”.
وأما قول بعضهم: إنه من النِّسيان، وسُمِّي الإنسانُ إنسانًا لنسيانه، وكذلك الناس سُمُّوا ناسًا لنسيانهم؛ فليس هذا القولُ بشيءٍ! وأين النسيانُ الذي مادَّته (ن س ي) إلى الناس الذي مادَّتُهُ (ن وس)؟ وكذلك أين هو من الأُنس الذي مادته (أن س)؟ وأما إنسانٌ فهو “فِعْلان” من (أن س)؟ والألف والنون في آخره زائدتان، لا يجوزُ فيه غيرُ هذا ألبتَّةَ، إذ ليس في كلامهم أَنْسَنَ (1) حتى يكونَ إنْسَانٌ إفعالًا منه، ولا يجوزُ أن يكون الألفُ والنونُ في أوَّله زائدتينِ، إذ ليس في كلامهم “انْفَعْلٌ” فيتعيَّن أنه “فِعْلانٌ” من الإنس، ولو كان مشتقًّا من (نَسِيَ) لكان نِسْيانًا لا إنسانًا.
فإن قلت: فهلاَّ جعلته “إفْعِلالًا”، وأصله: إِنْسِيَان كـ “ليلة إِضْحِيَان”، ثم حذفتَ الياء تخفيفًا فصار إنسانًا؟
قلت: يأبى ذلك: عدمُ “إفْعِلال” فى كلامهم، وحذفُ الياء بغير سبب، ودعوى ما لا نظير له، وذلك كلُّه فاسد، على أن (الناس) قد قيلَ: إن أصله (الأُنَاسُ) فحُذفت الهمزة، فقيل: (النَّاسُ)، واستدل يقول الشاعر (2):
إنَّ المَنَايا يَطَّلِعْـ … نَ على الأُنَاسِ الغَافِلينا
ولا ريب أن (أُناسًا) فُعَالٌ، ولا يجوزُ فيه غير ذلك ألبَتَّةَ، فإن
__________
(1) (ق وظ ود): “أنس”.
(2) هو: ذو جدن الحميري، انظر: “الخزانة”: (2/ 280)، و”الخصائص”: (3/ 151) وفيها: “الآمنينا”.
(2/806)
كان أصلُ ناس أُناسًا (1)، فهو أقوى الأدلة على أنه من (أن س) ويكون الناسُ كالإنسان سواء في الاشتقاق، ويكون وزن ناس على هذا القول: (عال)؛ لأن المحذوفَ فاؤهُ، وعلى القول الأول يكونُ وزنه: “فَعْلٌ”؛ لأنه من النَّوْس، وعلى القول الضعيف يكون وزنه “فَلْع”، لأنه من (نَسِي)، فقلبت لامُه إلى موضع العين فصار ناسًا ووزنه “فَلْعًا”.
والمقصودُ أن الناسَ اسم لبني آدم، فلا يدخلُ الجنُ في مسمَّاهم، فلا يِصحُّ أن يكونَ {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} بيانًا لقوله: {فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)} هذا واضحٌ لا خفاءَ به.
فإن قيل: لا محذورَ فى ذلك، فقد أُطْلِق على الجن اسم الرجال، كما في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 6] فإذا أطلق عليهم اسم الرجال، لم يمتنع أن يُطْلَق عليهم اسم الناس.
قلت؛ هذا هو الذي غَرَّ من قال: إن الناس اسم للجن والإنس في هذه الآية. وجواب ذلك: أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعًا مقيَّدًا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس، ولا يلزمُ من هذا أن يقعَ اسمُ الناس والرجال عليهم مطلقًا، وأنت إذا قلت: “إنسانٌ من حجارة”، أو “رجلٌ من خشب”، ونحو ذلك، لم يلزمْ من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب.
وأيضًا: فلا يلزمُ من إطلاق اسم الرجل على الجنِّي أن يُطلقَ عليه اسم الناس، وذلك لأن الناسَ والجِنَّةَ متقابلان، وكذلك الإنس
__________
(1) (ع وظ ود): “إنسانا”.
(2/807)
والجن، فالله تعالى يقابلُ بين اللفظين، كقوله: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الرحمن: 33] وهو كثير في القرآن، وكذلك قوله: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} (1) [الناس: 6] يقتضي أنهما متقابلان، فلا يدخلُ أحدُهما في الآخر، بخلاف الرجال والجنِّ فإنهما لم يستعملا متقابلينِ، فلا: يقال: الجنُّ والرجال، كما يقال: الجن والإنس، وحينئذٍ فالآية أبْيَنُ حُجَّةٍ عليهَم في أن الجنِّ لا يدخلون في لفظ الناس؛ لأنه قَابَلَ بين الجنة والناس، فعُلِم أن أحدَهما لا يدخلُ فِي الآخر، فالصَّواب القولُ الثاني، وهو أن قوله: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} بيان للذي يوسوسُ، وأنهما نوعان: إنسٌ وجنٌّ، فالجِنِّيُّ يوسْوِسُ في صدور الإنس، والإنسي أيضًا يوسوسُ إلى الإنسي.
فالموسوِسُ نوعان: إنسٌ وجنٌّ، فإن الوسوسة هي الإلقاءُ الخفيُّ في القلب، وهذا مشترك بين الجن والإنس، وإن كان إلقاءُ الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأُذُن، والجِنِّيُّ لا يحتاج إلى تلك الواسطة؛ لأنه يدخل فِي ابن آدمْ ويجري منه مجرى الدم.
على أن الجنيَّ قد يتمثَّلُ له ويوسوسُ إليه في أذنه كالإنسيِّ، كما: في “البخاري” عن عُرْوَةَ، عن عائشة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “إِنَّ المَلائِكةَ تُحَدِّثُ فِي العَنَانِ، -والعَنَانُ: الغَمَامُ- بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ، فَتَسْتَمعُ الشَّيَاطينُ الكَلِمَةَ فَتَقُرُّها فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تَقُرُّ القَارُورَةُ فَيَريدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ” (2) فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن.
__________
(1) من قوله: “وهو كثير … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) أخرجه البخارى رقم (3210 و 3288)، ومسلم رقم (2228). وقوله: “من عند أنفسهم” ليست في (ق وع).
(2/808)
ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكُهما في الوحي الشيطاني قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] فالشيطانُ يوحي إلى الإنسي باطلَه، ويوحيه الإنسيُّ إلى إِنسي مثلِه، فشياطين الإنس والجن (1) تشترك في الوحي الشيطاني وتشترك فى الوسوسة، وعلى هذا فتزولُ تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحابُ القول الأول.
وتدلُّ الآيةُ على الاستعاذة من شرِّ نوعي الشياطين: شياطين الإنس والجن. وعلى القول الأول (2) إنما تكون الاستعاذةُ من شرِّ شياطين الجن فقط، فتأمله فإنه بديعٌ جدًّا.
فهذا ما منَّ الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين، وله الحمد والمنّة، وعسى أن يساعد بتفسير على هذا النَّمَط، فما ذلك على الله بعزيز، والحمد لله رب العالمين، ونختم الكلام على السورتين بذكر:
قاعدةٍ نافعةٍ
فيما يعتصمُ به العبدُ من الشيطان ويستدفعُ به شره ويحترز به منه
وذلك في عشرة أسباب:
أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)} [فصلت: 36]،
__________
(1) من قوله: “يوحي بعضهم … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2) قوله: “وتدل الآية … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2/809)
وفي موضع آخر: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} (1) [الأعراف: 200]، وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام.
وتأمل سرَّ القرآن الكريم كيف أكَّدَ الوصفَ بالسميع العليم بذكر صيغة “هو”: الدَّالِّ على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرَّفْ الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركَه في سورة (الأعراف) لاستغناء المقام عنه، فإن الأمر بالاستعاذة في سورة (حم) وقع بعد الأمر بأشقِّ الأشياءِ على النفس، وهو مقابلةُ إساءة المسيءِ بالإحسان إليه، وهذا أمرٌ لا يقدرُ عليه إلا الصابرونَ، ولا يُلَقَّاه إلا ذو حَظٍّ عظيم، كما قال الله تعالى.
والشيطانُ لا يدعُ العبدَ يفعل هذا، بل يُرِيه أن هذا ذُلٌّ وعَجْزٌ، ويسلِّطُ عليه عَدُوَّهُ، فيدعوه إلى الانتقام ويُزَيِّنُه له، فإن عَجَزَ عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وأن لا يسيءَ إليه ولا يُحْسِنَ، فلا يُؤثِر الإحسانَ إلى المسيء إلا من خالفَه وآثَر الله تعالى وما عندَهُ على حظِّه العاجل، فكان المقام مَقام تأكيد وتحريض، فقال فِيه: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)}.
وأما في سورة (الأعراف) فإنه أمره أن يُعْرِضَ عن الجاهلين، وليسَ فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض، وهذا سهلٌ على النُّفوس غير مُسْتعصٍ (2) عليها، فليس حرصُ الشيطان وسعيُه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان، فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
__________
(1) في (ق) تقدمت هذه الآية على التي قبلها.
(2) (ق): “مستصعبٍ”.
(2/810)
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}، وقد تقدَّم (1) ذكرُ الفرق بين هذين الموضعين، وبين قوله في (حم) المؤمن: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)} [غافر: 56].
وفي “صحيح البخاري” عن عَدِيِّ بن ثابت، عن سليمان بن صُرَد قال: كنت جالسًا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ورجلان يَسْتَبَّان، فأحدُهما احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُهُ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أني لأعْلَمُ كَلِمَةً لو قَالَها ذَهَبَ عنهُ ما يَجِدُ، لو قَالَ أعوذ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عنهُ ما يَجِدُ” (2).
الحرز الثاني: قراءةُ هاتين السورتين، فإن لهما تأثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله تعالى من شره ودفعه والتحصن منه، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أما تَعَوَّذَ المُتَعَوَّذُونَ بمِثْلِهِمَا” (3)، وقد تقدم أنه كان يتعوَّذ بهما كلَّ ليلة عند النوم (4)، وأمرَ عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة (5).
وتقدم قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنَّ مَنْ قَرَأَهُما مَعَ سُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثًا حِينَ يُمْسِي وثَلاثًا حِينَ يُصْبحُ كَفَتْهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ” (6).
الحرز الثالث: قراءةُ آية الكرسي: ففي “الصحيح” من حديث محمد بن سِيرين، عن أبى هريرة قال: وَكَّلَني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحفظ زكاة رمضان، فأتى آتٍ فجعلَ يحثُو من الطَّعام فأخذتُهُ
__________
(1) 2/ 765.
(2) أخرجه البخاري رقم (3282)، ومسلم رقم (2610) من حديث سليمان بن صُرَد -رضي الله عنه-. وقوله: “الرجيم” من (ق) فقط.
(3) تقدم 2/ 699.
(4) تقدم 2/ 700.
(5) تقدم 2/ 699.
(6) تقدم ص/ 700. ووقع في (ع): “من كل سوء”.
(2/811)
فقلت: لأرْفَعَنَّكَ إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذكر الحديث … ففال: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأْ آيةَ الكرسي، فإنه (1) لن يزالَ عليكَ مِنَ اللهِ حافظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شيطانٌ حتى تُصْبِحَ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “صَدَقَكَ، وَهو كَذُوبٌ، ذَاكَ الشَّيْطَانُ” (2).
وسنذكر -إن شاء الله تعالى- السرَّ الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله تعالى وتأييده.
الحرز الرابع: قراءةُ سورة البقرة، ففي الصحيح من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “لا تَجْعَلُوا: بُيُوتَكُم قُبُورًا، وإنَّ البَيْتَ الذي تُقْرَأُ فيه البَقَرَةُ لا يَدْخلُهُ الشّيْطَانُ” (3).
الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مسعود (4) الأنصاري قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ قرَأ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ” (5).
وفي الترمذي عن النُّعمان بن بَشير عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إنَّ الله كتَبَ كتَابًا قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ بألفي عام، أنْزَلَ منه آيتَيْن خَتَمَ بهما سُورَةَ البقَرَةِ، فَلا يقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ ليَالٍ فيقْرَبَهَا شَيْطَانٌ” (6).
__________
(1) من (ق).
(2) أخرجه البخاري رقم (2311) معلقًا مجزومًا به.
(3) أخرجه مسلم رقم (780) بنحوه. ووقع في (ظ ود): “من حديث سهل عن عبد الله عن … “.
(4) (ظ ود): “أبي موسى” وهو خطأ.
(5) أخرجه البخاري رقم (4008)، ومسلم رقم (807 و 808).
(6) أخرجه أحمد: (30/ 363 رقم 18414)، والترمذي رقم (2882)، والنسائي =
(2/812)
الحرز السادس: أول سورة (حم) المؤمن إلى قوله تعالى: {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} مع آية الكرسي: ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر ابن أبي مُلَيْكَةَ (1)، عن زُرَارةَ بن مُصْعَب، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة قال: “قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ قَرَأَ حم المُؤمنَ إلى: {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} وآيَةَ الكُرْسِيّ حِينَ يصْبحُ حُفِظَ بهما حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبحَ” (2). وعبد الرحمن المُليْكيُّ وإن كان قدْ تكُلِّمَ فيه من قبل حفظه، فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي، وهو محتمل على غرابته.
الحرز السابع: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” مائةَ مرَّة، ففي “الصحيحين” (3) من حديث سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “مَنْ قَالَ لا إلهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مائةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِئة حَسَنةٍ، وَمحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيطانِ يَوْمَهُ ذلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ
__________
= في “عمل اليوم والليلة” رقم (967)، والحاكم: (1/ 562) وغيرهم.
والحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: “حسن غريب”.
(1) (ظ ود): “ابن أبي ليلى”! وهو خطأ.
(2) أخرجه الترمذي رقم (2879) وقال: “حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي من قِبَل حفظه … “.
ورواه الدارقطني في غرائب مالك -كما في “اللسان”: (1/ 44) – من حديث ابن عمر، وقال: هو باطل.
(3) أخرجه البخاري رقم (3293)، ومسلم رقم (2691).
(2/813)
إلاّ رَجُلٌ (1) عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ”. فهذا حِرْز عظيم: النفع، جليل الفائدة، يسير سَهْل على من يسره الله تعالى عليه.
الحرز الثامن: -وهو من أنفع الحُروز من الشيطان- كثرةُ ذكر الله عز وجلّ، ففي التِّرمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “إنَّ اللهَ أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَريّا بخَمْسِ كلِمَاتٍ أنْ يَعْمَلَ بِها وَيأْمُرَ بنَي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، وَإنَّهُ كادَ يُبْطِئَ بِها، فَقَالَ عِيسَى: إنَّ اللهَ أمَرَكَ بِخَمْسِ كلمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِها وتَأْمُرَ بنِي إِسْرائيلَ أن يَعْمَلُوا بِهَا، فإمَّا أنْ يأْمرَهُمْ وَإِمّا أَنْ آمرَهُمْ.
فَقَالَ يَحْيَى: أخْشَى إِنْ سَبقَتَني بِهَاْ أنْ يخْسَفَ بي، أوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بيْتِ المَقْدِسِ فامْتَلأ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أمَرَنِي بخمْسِ كَلِمَاتٍ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ وَأمَرَكُمْ أن تَعَمَلُوا بِهِنَّ: أوَّلُهنَّ أنْ تَعبدوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أشْرَكَ بِالله, كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بذْهَبٍ أوْ وَرِقٍ فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذا عَمَلِي وَأدِّ إِليّ، فَكَانَ يَعْمَل ويُؤَدِّي إِلى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أنْ يكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِك؟.
وَإِنَّ اللهَ أمَرَكُمْ بالصَّلاةِ، فَإذَا صَلَّيتُمْ فَلا تَلْتَفِتُوا فَإنَّ اللهَ يَنْصُبُ وجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لمْ يَلْتَفِتْ.
وَأمَرَكمْ بالصِّيَام، فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كمَثلِ رَجُلٍ فِي عِصَابةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمَ يَعْجَبُ أو يُعْجِبُه رِيحُهَا، وَإنَّ رِيحَ الصَّائِم أطْيبُ عِنْ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ.
__________
(1) (ع وق): “أحد”.
(2/814)
وَأمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإنَّ مثَلَ ذَلِكَ كَمَثل رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبوا عُنُقَه فَقَالَ: أنَا أفْدِيهِ مِنكُمْ بالقَلِيل وَالكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنهمْ.
وأمَرَكُمْ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فإن مَثلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِرَاعًا، حَتّى أتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفسَهُ مِنهمْ كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إلاّ بِذِكرِ الله”.
قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “وَأنَا آمُرُكُمْ بخَمْسٍ اللهُ أمَرَنِي بِهِنَّ، السَّمْعِ، والطَّاعَةِ، والجِهَادِ, والهِجْرَةِ، والجَمَاعَةِ، فإنَّ مَنْ فارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلام مِنْ عُنُقِهِ إلاّ أنْ يُراجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِليَّة فَإنَّهُ مِنْ جُثَى جَهَنمَ”، فقالَ رجل: يا رسول الله: وإنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قال: “وَإنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بدَعْوَى اللهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المؤمنِينَ عِبادَ اللهِ” (1).
قال الترمذي: “هذا حديثٌ حسن غريب صحيح”. وقال البخاري: الحارثُ الأشْعَرِيُّ له صحبة وله غير هذا الحديث.
فقد أخبر النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث أن العبدَ لا يحرزُ نفسَه من الشيطان إلا بذكر الله، وهذا بعينه هو الذي دلَّت عليه سورةُ
__________
(1) أخرجه أحمد: (28/ 404 رقم 17170)، والترمذي رقم (2863)، وابن خزيمة رقم (1895)، وابن حبان “الإحسان”: (14/ 124)، والحاكم: (1/ 421)، وغيرهم.
قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح غريب” ثم ذكر كلام البخاري الذي نقله المصنف. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
ووقع في (ع،: “رِبَق” على الجمع، والجُثا: جمع جُثوة بضم الجيم وهو الشيء المجموع. انظر “النهاية فى غريب الحديث”: (1/ 239).
(2/815)
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)}، فإنه وصف الشيطانَ فيها بأنه الخناس، والخَنَّاسُ (1) الذي إذا ذكر العبدُ اللهَ انخنسَ وتجمَّعَ وانقَبَضَ، وإذا غَفَل عن ذكر الله التقم القلب، وألقى إليه الوساوسَ التي هي مبادئ الشَّرِّ كُلِّه، فما أحرزَ العبدُ نفسَهُ من الشَّيطان بمثل ذكر الله عز وجل.
الحرز التاسع: الوضوء والصلاة: وهذا من أعظم ما يتحرَّز به منه, ولا سيَّما عند ثَوَران (2) قوَّة الغضب والشهوة، فإنها نارٌ تغلي في قلب ابن آدم، كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “أَلا وإنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأيْتُمْ إلَى حُمْرَةِ عَيْنيهِ وانْتِفَاخِ أوْداجِهِ، فَمَنْ أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأرْضِ” (3).
وفي أثر آخر: “إنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وإنَّمَا تُطْفَأْ النَّارُ بالمَاءِ” (4)، فما أطفأْ (5) العبدُ جمرةَ الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاةَ، فإنها نارٌ والوضوء يُطفِئُها، والصَّلاةُ إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثَرَ ذلك كُلِّه، وهذا أمرٌ تجرِبته تُغْني عن إقامة الدليل عليه.
الحرز العاشر: إمساكُ فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة
__________
(1) (ظ ود): “الخانس”.
(2) (ظ ود): “توارد”.
(3) أخرجه أحمد: (18/ 132 رقم 11587)، والترمذي رقم (2191)، وغيرهم قال الترمذي: “حسن” -كما في “تحفة الأشراف” (3/ 468) – لكن فيه: علي ابن زيد بن جدعان فيه ضَعْف.
(4) أخرجه أحمد: (29/ 505 رقم 17985)، وأبو داود رقم (4784) وغيرهم من حديث عطية السعدي -رضي الله عنه-.
وفي سنده ضعف.
(5) (ق وظ ود): “طغى”.
(2/816)
الناس، فإنَّ الشيطانَ إنما يتسلَّطُ على ابن آدَمَ وينالُ منه غَرَضهُ من هذه الأبواب الأربعة، فإن فضولَ النظر يدعوه إلى الاستحسانِ، ووقوع صورةِ المنظور إليه في القلب، والاشتغالِ به، والفكرةِ في الظَّفَرِ به، فمبدأُ الفتنة من فضول النظر، كما في “المسند” عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُوٌم مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ للهِ أوْرَثَهُ اللهُ حَلاوَةً يَجِدُها في قَلْبهِ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ” (1)، أو كما قال – صلى الله عليه وسلم -. فالحوادث العِظَام إنما كلُّها من (2) فضول النظر، فكم نظرة أعقبت حَسَرات لا حَسْرة، كما قال الشاعر (3):
كلُّ الحوادثِ مَبْدَاها من النَّظَرِ … ومُعْظمُ النَّار من مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلب صاحِبها … فَتْكَ السِّهام بلا قَوْس ولا وَتَرِ
وقال الآخر (4):
وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَكَ رائدًا … لقلبِكَ يومًا أتعبتْكَ المناظرُ
__________
(1) أخرجه الحاكم: (4/ 313)، والقضاعي في “مسند الشهاب”: (1/ 195) من حديث حذيفة -رضي الله عنه-. ولم أجده في “المسند” بهذا اللفظ، ولكن فيه (5/ 264) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف ما يوافق شطره الأخير.
وصححه الحاكم، وتعقبه المنذري في “الترغيب: 3/ 23” بأن فيه عبد الرحمن ابن إسحاق الواسطي واهٍ.
وأخرجه الطبراني في “الكبير”: (10/ 173) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- وضعفه الهيثمي في “المجمع”: (8/ 66).
(2) “إنما كلها من” ليست في (ظ ود) ووقع في (ع): “جعلها” بدلًا من “كلها”.
(3) ذكره المؤلف في “روضة المحبين”: (ص / 97)، و”الداء والدواء”: (ص / 224) بلا نسبة مع زيادة بيتين.
وقد وقع في ترتيب الأبيات وقائليها اضطراب في نسخة (ع).
(4) البيتان بلا نسبة في “حماسة أبي تمام”: (2/ 15)، وذكرها المؤلف في “روضة المحبين”: (ص/97) على لسان جارية في حكاية للأصمعي.
(2/817)
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضِهِ أنتَ صابِرُ
وقال المتنبي (1):
وأنا الذي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُةُ … فمَنِ المُطَالبُ والقَتِيلُ القَاتِلُ
ولي من أبيات (2):
يا راميًا بسِهام اللَّحظ مجتهدًا … أنت القتيلُ بما تَرْمي فلا تُصِبِ
وباعثَ الطَّرْف يرتادُ الشِّفَاءَ له … توَفِّه إنَّه يَرْتَدُّ بالعَطَبِ
ترجو الشفاءَ بأحداقٍ بها مَرَضٌ … فهل سمعت ببُرْءٍ جاءَ من عَطَبِ
ومُفْنِيًا نفسَه في إثْرِ أقبحِهِمْ … وصفًا للطخ جمال فيه مستلبِ
وواهبًا عُمْرَه في مثل ذا سفهًا … لو كنتَ تعرفُ قدْر العمر لم تَهَبِ (3)
وبائعًا طيبَ عيشٍ ما له خَطَرٌ … بطيْف عيش من الآلام منتهبِ
غُبِنْتَ واللهِ غُبْنًا فاحشًا فلو اسـ … ـتَرْجَعْتَ ذا العقدَ لم تُغْبَنْ ولم تَخبِ
وواردًا صفوَ عيش كلُّه كَدَرٌ .. أمامَكُ الوِرْدُ صفوًا ليس بالكذب
وحاطبَ اللَّيلِ في الظَّلماء منتصبًا … لكلِّ داهيةٍ تُدْني من العَطَب
شاب الصِّبا والتَّصابي بَعْدُ لم يَشِبِ … وضاعَ وقتُك بين اللَّهوِ واللَّعِبِ
وشمسُ عمرك قد حان الغروبُ لها … والفيء في الأفق الشرقيِّ لم يغبِ
وفاز بالوصلِ من قد فازَ وانْقشعَتْ … عن أفقه ظُلُماتُ اللَّيلِ والسُّحُب
__________
(1) “ديوانه -مع الشرح المنسوب للعكبري”: (3/ 250).
(2) ذكرها المؤلف في “الفوائد”: (ص/ 145 – 146) دون الأول، مع اختلاف في بعضها، وذكر منها بيتين في “الروضة”: (ص/ 97) معزوَّة إليه.
(3) هذا البيت وما قبله متأخران في (ق) على قوله: “وبائعًا طيب … “.
(2/818)
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلتْ … ورسْلُ ربِّك قد وافتْكَ في الطَّلَبِ
ما في الديار وقد سارتْ ركائِبُ مَنْ … تهواه للصَّبِّ من سكنى ولا أَرَبِ
فأَفْرِش الخدَّ ذيَّاك التُّرَابَ وقل … ما قاله صاحبُ الأشواق في الحِقَبِ
ما رَبْعُ مَيَّةَ محفوفًا يطيف به … غَيْلان أشهى له من رَبْعِكَ الخرِب
ولا الخدودُ وإن أُدْمِينَ من ضَرَج … أشهى إلى ناظرِي من خدِّكَ التَّرِبِ (1)
منازلًا كان يهواها ويألفُها … أيامَ كان منالُ (2) الوصل عن كَثَبِ
وكلما جليت تلك الرُّبوعُ له … يهوي إليها هُوِيَّ الماءِ في صَبَبِ
أحيا له الشَّوْقُ تَذْكارَ العهودِ بها … فلو دعا القلبُ للسُّلْوانِ لم يُجِبِ
هذا وكم منزلٍ في الأرض يألفُهُ … وما له في سواها الدَّهْرَ مِنْ رَغَبِ
ما في الخيام أخو وجدٍ يريحُك إن … بَثَثْتَهُ بعضَ شأن الحبِّ فاغتربِ
وأَسْرِ في غَمَرَات الليلِ مهتديًا … بنفحةِ الطِّيب لا بالنَّار والحَطَبِ
وعادِ كلَّ أخي جُبْن ومَعْجَزَةٍ … وحارب النفسَ لا تُلْقِيكَ في الحَرَبِ
وخذ لنفسِكَ نورًا تستضيءُ به … يوم اقتسام الورى الأنوارَ بالرُّتَبِ
فالجسرُ ذو ظلماتٍ ليسَ تقطعُهُ … إلا بنور يُنَجِّي العبدَ في الكُرَبِ
والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء (3).
وأما فضول الكلام؛ فإنها تفتحُ للعبدِ أبوابًا من الشر، كلها مداخل
__________
(1) هذا والذي قبله لأبي تمام “ديوانه”: (1/ 99) ضمَّنهما المؤلف.
(2) (ظ ود): “مناك”.
(3) (ق): “كل بلاء”.
(2/819)
للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسُدُّ عنه تلك الأبوابَ كلَّها، وكم منْ حرب جرَّتها كلمةٌ واحدة، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ: “وَهَلْ يكُبُّ النّاسَ عَلَي مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ ألْسِنتَهِمْ” (1). وفي التِّرمذي أن رجلًا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “فَمَا يُدْرِيكَ فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخلَ بِمَا لا يَنْقُصُهُ” (2).
وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسعُ مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يَمَلَّانِ ولا يسأمان، بخلاف شَهْوة البطن، فإنه إذا امتلأ لم يَبْقَ فيه إرادةٌ للطعام، وأما العين واللِّسان فلو تُرِكا لم يفتُرا من النظر والكلام، فجنايتُهما مُتَّسِعَةُ الأطراف، كثيرةُ الشُّعَبِ، عظيمةُ الآفات، وكان السلف يحذِّرون من فضول النظر، كما يحَذِّرون من فضول الكلام (3)، وكانوا يقولون: “ما شيءٌ أحوجَ إلى طول السَّجن من اللِّسانٍ” (4).
وأما فضولُ الطعام، فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشَرِّ، فإنه يحَرِّكُ الجوارحَ إلى المعاصي، ويثقلُها عن الطاعات، وحسبُك بهذين شرًّا! فكم مِنْ مَعصيةٍ جلبها الشبعُ وفضولُ الطعام، وكم من طاعة حال
__________
(1) أخرجه أحمد: (5/ 231)، والترمذي رقم (2616)، وابن ماجه رقم (3973)، والحاكم: (2/ 413) وغيرهم.
قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، وصححه الحاكم.
(2) أخرجه الترمذي رقم: (2316)، وأبو نعيم في “الحلية”: (5/ 56) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-، وقال الترمذي: “غريب” مشيرًا إلى ضعفه.
(3) “كما يحذرون عن فضول الكلام” ليست في (ظ ود).
(4) جاء هذا عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أخرجه هنَّاد في “الزهد”: (2/ 532)، والطبراني في “الكبير”: (9/ 149)، وأبو نعيم في “الحلية”: (1/ 134).
(2/820)
دونها، فمن وقِيَ شرَّ بطْنِهِ فقد وُقِيَ شرًّا عظيمًا، والشيطانُ أعظمُ ما يتحكَّم من الإنسان إذا مَلأَ بطنَه من الطعام، ولهذا جاء في بعض الآثار: “ضَيِّقوا مجارِيَ الشيطان بالصَّوْم”، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ” (1)، ولو لم يكَنْ في التملِّي من الطَّعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل، وإذا غَفَل القلبُ عن الذكر ساعةً واحدةً جثم عليه الشيطانُ ووعدَهُ ومنَّاه وشهَّاه، وهام به في كل وادٍ، فإن النفسَ إذا شبعتْ تَحَرَّكَتْ وجالت وطافت على أبواب الشَّهَوَاتِ، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت.
وأما فضولُ المخالطةِ؛ فهي الدّاء العُضَالُ الجالبُ لكلِّ شرٍّ، وكم سلبت المخالطةُ والمعاشرةُ من نعمة، وكم زرعتْ من عداوة، وكم غرستْ في القلب من حَزَازات، تزولُ الجبالُ الراسيات وهي في القلوب لا تزول، ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة، وإنما ينبغي للعبد أن يأخذَ من المخالطة (2) بمقدار الحاجة، ويجعلَ الناسَ فيها أربعةَ أقسام، متى خلط أحدَ الأقسام بالآخر، ولم يميِّزْ بينهما دخل عليه الشر:
أحدهما: مَنْ مخالَطَتُهُ كالغذاء لا يُستغنى عنه في اليوم واللَّيلةِ، فإذا أخذ حاجَتَهُ منه ترك الخلطة (3)، ثم إذا احتاجَ إليه خالطه
__________
(1) أخرجه أحمد: (28/ 424 رقم 17187)، والترمذي رقم (2380)، وابن ماجه رقم (3349)، والحاكم: (4/ 331)، وابن حبان “الإحسان”: (12/ 41) وغيرهم من حديث المقدام بن معدي كَرِب، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم، وحسَّنه الحافظ في “الفتح”: (9/ 438).
(2) من قوله: “فيه خسارة … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(3) (ع): “المخالطة”.
(2/821)
هكذا على الدّوام، وهذا الضَّرْبُ أعزُّ من الكبريت الأحمر، وهم العلماء بالله وأمره ومكايد عدوه، وأمراض القلوب وأدويتها، الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه، فهذا الضَّرْبُ في مخالطتهم الربحُ كلُّه.
القسم الثاني: مَنْ مخالطتهُ كالدَّواء يُحْتَاجُ إليهْ عندَ المرضِ، فما دمتَ صحيحًا فلا حاجةَ لك في خلطته، وهم مَنْ لا يُسْتغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها، فإذا قضيتَ حاجَتك من مخالطة هذا الضَّرْب بقيَتْ مخالَطَتُهم من:
القسم الثالث: وهم مَنْ مخالطته كالدَّاء على اختلاف مراتبه وأنواعه، وقوته وضعفه، فمنهم من مخالطته كالدَّاء العُضَال، والمرض المزمن، وهو من لا تربحُ عليه في دين ولا دنيا، ومع ذلك فلا بدَّ من أن تخسرَ عليه الدِّين والدنيا أو أحدهما، فهذا إذا تمكَّنَت مخالطتُه واتصلت فهي مرض الموت المَخوْف.
ومنهم: مَنْ مخالطته كوجع الضرس يشتدَّ ضَرَبانه عليك، فإذا فارقَكَ سكن الألمُ.
ومنهم: مَنْ مخالطته حُمَّى الرُّوح وهو الثَّقيلُ البغيضُ العَثِل (1)، الذي لا يُحْسِنُ أن يتكلَّمَ فيفيدَك، ولا يُحسِنُ أن يُنصِتَ فيستفيدَ منك، ولا يعرف نفسَهُ فَيَضَعَها في منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعِصِيِّ
__________
(1) (ظ ود وق): “العقل”، والمثبت من (ع) والعَثل والعَئِل الكثير من كل شيءٍ، وقد عَثِل عَثَلًا، والعِثْوَلُ من الرجال: الجافي الغليظ، ورجل عِثْول أي: عَيي فدْم ثقيل مُسترخٍ. انظر “اللسان”: (11/ 424).
(2/822)
تنزلُ على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه، وفرحه به، فهو يُحْدِثُ من فيه كلما تحدَّث, ويظنُّ أنه مِسْكٌ يطيبُ به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرَّحَى العظيمة التي لا يُطاق حملُها ولا جَرُّها على الأرض.
ويُذْكر عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: ما جَلَسَ إلى جانبي ثقيلٌ إلا وجدتُ الجانبَ الذي هو فيه أنزلَ من الجانبَ الآخر.
ورأيت يومًا عند شيخنا (1) -قدَّس اللهُ رُوحَه- رجلاً من هذا الضَّرب، والشيخ يحتملُهُ (2)، وقد ضعُفَتِ القوى عن حمله، فالتفتَ إليَّ وقال: مُجالسة الثقيل حمَّى الرِّبْع, ثم قال: لكن قد أدْمَنَتْ أرواحُنا على الحُمَّى, فصارت لها عادةً أو كما قال. وبالجملة؛ فمخالطة كلِّ مخالف حمَّى للرُّوح فعَرَضِيَّه ولازمة.
ومن نكد الدنيا على العبد أن يُبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بُدُّ من معاشرته ومخالطته، فليعاشرْه بالمعروف حتى يجعلَ الله له فرجًا ومخرجًا.
القسم الرابع: من مخالطته الهُلْكُ كُلُّه، ومخالطته (3) بمنزلة أكل السُّم، فإن اتَّفقَ لآكله ترياقٌ، وإلا فأحسنَ اللهُ فيه العزاءَ, وما أكثرَ هذا الضَّرْبَ في الناس -لا كثَّرهم اللهُ- وهم أهلُ البدع والضلالة، والصَّادُّون عن سُنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، الدّاعون إلى خلافها، الذين يَصُدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا, فيجعلون البدعةَ سُنَّةً،
__________
(1) أي: ابن تيمية.
(2) (ظ ود): “يحمله”.
(3) من قوله: “فليعاشره … ” إلى هنا سقط من (ق).
(2/823)
والسُّنَّةَ بِدْعَةً، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، إن جرَّدت التوحيدَ بينهم قالوا: تنقَّصْتَ جنَابَ الأولياء والصالحين، وإن جَرَّدْتَ المتابعةَ لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – قالوا: أهدرتَ الأئمةَ المتبوعينَ.
وإن وصفت الله بما وصفَ به نفسَه، وبما وصفه به رسولُهْ من غير غُلُوٍّ ولا تقصيرٍ قالوا: أنت من المُشَبِّهين, وإن أَمَرتَ بما أَمَرَ اللهُ به ورسولُه من المعروف ونهيتَ عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر، قالوا: أنت من المُفَتِّنِينَ. وإن اتبعتَ السُّنَّة وتركتَ ما خالفها قالوا: أنتَ من أهل البدَع المُضِلِّين. وإن انقطعتَ إلى الله تعالى وخَلَّيْتَ بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنتَ من المُلَبِّسِين، وإن تركتَ ما أنتَ عليه، واتبعتَ أهواءَهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرينَ، وعندهم من المنافقين.
فالحزمُ كلُّ الحزمِ التماسُ مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغلَ بإعتابهم ولا باستعتابهم، ولا تبالِ بذَمِّهم ولا بُغضهم، فإنه عينُ كَمَالِكَ، كما قال المتنبي (1):.
وإذا أتتكَ مَذَمَّتِي مِنْ ناقصٍ … فهي الشَّهَادَةُ لي بأنيَ كاملُ
وقال آخر (2):
وقد زادني حُبًّا لنفسيَ أنَّني … بغيضٌ إلى كلِّ امْرِئٍ غيرِ طائلِ
فمن كان بوَّابَ قلبه وحارسَه من هذه المداخل الأربعة التي هي
__________
(1) “ديوانه -مع شرحه المنسوب للعكبري”: (3/ 260) – ولم تقع تسمية الشاعر إلا في (ق).
(2) هو: الطِّرِمَّاح الطائي، انظر “حماسة أبي تمام”: (1/ 130).
(2/824)
أصلُ بلاء العالم، وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة، واستعملَ ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرِّزه من الشيطان؛ فقد أخذ بنصيبه من التوفيق، وسَدَّ على نفسه أبوابَ جهنَّم، وفتح عليها أبواب الرحمة، وانعمر ظاهره وباطنه، ويوشكُ أن يحمَدَ (1) عند الممات عاقبةَ هذا الدواء، فعند الممات يحمَدُ القومُ التُّقى و (في الصباح يحْمَدُ القومُ السُّرَى)، والله الموفق لا ربَّ غيرُهُ، ولا إلهَ سواه.
* * *
__________
(1) (ع): “يجد”.
(2/825)
فصل (1)
قوله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: 55 – 56].
هاتان الآيتان مشتملتانِ على آداب نوعي الدُّعاء: دعاءِ (2) العبادة ودعاءِ المسألة، فإنَّ الدعاءَ في القرآن يُرادُ به هذا تارة وهذا تارةً، ويرادُ به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاءَ المسألة هو طلب ما ينفع الدَّاعيَ، وطلب كشف ما يضرُّه أو دَفْعه (3). وكُلُّ من يملكُ الضُّرَّ والنفع حقًّا (4) فإنه هو المعبودُ حقًّا، والمعبودُ لا بُدَّ وأن يكونَ مالكًا للنفع والضُّرِّ.
ولهذا أنكر اللهُ تعالى على من عَبَدَ من دونِه ما لا يملكُ (5) ضرًّا ولا نفعًا، وذلك كثيرٌ في القرآن، كقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [يونس: 18]، وقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 156]، وقوله تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} [المائدة: 76]، وقوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا
__________
(1) من (ع)، و (ق): “فوائد قوله … “. وهذا الفصل في تفسير الآيتين إلى آخره، منقول من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مع إضافات يسيرة من المؤلف، انظر “مجموع الفتاوى”: (15/ 10 – 28).
(2) “الدعاء: دعاء” سقط من (ق).
(3) (ع): “يدفعه”.
(4) ليست في (ظ).
(5) (ع): “لا يملك” و (ق): “لا يملك له”.
(3/835)
يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 66 – 67]، وقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)} [الشعراء: 69 – 73]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)} [الفرقان: 3]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)} [الفرقان: 55]، فنفى -سبحانه- عن هؤلاء المعبودين من دونه النفعَ والضرَّ، القاصر والمتعدي، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم.
وهذا في القرآن كثيرٌ بَيِّن = أن المعبودَ لا بُدَّ أن يكون مالكًا للنَّفع والضُّرِّ، فهو يُدْعَى للنفع والضر دعاءَ المسألة، ويُدعى خوفًا ورجاءً دعاءَ العبادة، فعُلِم أن النوعين متلازمانِ، فكلُّ دعاء عبادة مستلزمٌ لدعاء المسألة، وكلُّ دعاءِ مسألة متضمن لدعاء العبادة، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] يتناول نوعَي الدعاء، وبكلٍّ منهما فُسِّرتْ الآية، قيل: أُعْطِيه إذا سألني، وقيل: أُثِيبه إذا عبدني، والقولان متلازمانِ، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمالٌ له في حقيقته الواحدة المتضمِّنة للأمرين جميعًا، فتأمَّلْه فإنه موضعٌ عظيم النفع، قَلَّ مَنْ يفطَنُ له.
وأكثر ألفاظ القرآن الدّالَّة على معنيين فصاعدًا هي من هذا القبيل، ومثال ذلك قوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78]
(3/836)
فُسِّر الدلوك بالزوال، وفُسِّرَ بالغروب، وحُكيت قولان في كتب التفسير (1)، وليسا بقولين، بل اللفظ يتناولُهُما معًا، فإن الدُّلوكِ هو المَيْل، ودلوكُ الشمس مَيْلُها، ولهذا الميل مَبْدأ ومُنْتَهى، فمبدَؤه الزَّوال ومنتهاه الغُروب، فاللَّفظ متناولٌ لهما بهذا الاعتبار، لا بتناولِ المشتركِ لمعنييه، ولا اللفظ لحقيقته ومجازه.
ومثالُه -أيضًا- ما تقدَّم (2) من تفسير (الغاسق) باللَّيل والقمر، وأن ذلك ليس باختلاف، بل يتناولُهما لتلازمهما، فإنَّ القمرَ آيةُ الليل، ونظائرهُ كثيرةٌ.
ومن ذلك: قوله عز وجل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرفان: 77]، قيل: لولا دعاؤُكم إياه، وقيل: دعاؤُه (3) إيَّاكم إلى عبادته، فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول، وعلى (4) الأول مضافًا إلى الفاعل، وهو الأرجحُ من القولينِ، وعلى هذا فالمُرادُ به نوعا الدعاء، وهو في دعاء العبادة أظهرُ، أي: ما يعبأُ بكم لولا أنكم تعبدونه، وعبادتُهُ تستلزمُ مسألَتَهُ، فالنوعانِ داخلان فيه.
ومن ذلك: قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] فالدعاءُ هاهنا يتضمَّنُ النوعين، وهو في دعاء العبادة أظهرُ، ولهذا عقَّبه بقوله (5): {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)}، وفُسِّر الدعاء في الآية بهذا وبهذا،
__________
(1) انظر “تفسير الطبري”: (8/ 122 – 125).
(2) (2/ 729).
(3) العبارة مضطربة في النسخ، والمثبت من (ع).
(4) (ق وظ ود): “ومحل”.
(5) من قوله: “فالدعاء … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3/837)
وقد روى سفيان، عن منصور، عن ذر، عن يُسَيْع الكِنْدي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول على المنبر: “إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبادةُ”، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وأما قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73]، وقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117] , وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ} [فصلت: 48] وكلُّ موضعٍ ذُكِرَ فيه دُعاء المشركين لأصنامِهم وآلهتِهم، فالمُرادُ به دعاءُ العبادةَ المتضمِّن دعاءَ المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهرُ لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فاعترفوا بأن دعاءهم إيَّاهم هو عبادتهم لهم.
الثاني: أن الله تعالى فَسَّر هذا الدُّعاء في مواضعَ أُخَرَ بأنه العبادةُ، كقوله: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)} [الشعراء: 92 – 93]، وقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]، وقوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)} [الكافرون: 1 – 2]، وهو كثير في القرآن، فدعاؤُهم لآلهتهم هو عبادتُهم لها.
__________
(1) أخرجه أبو داود رقم (1479)، والترمذي رقم (2969)، وابن ماجه رقم (3828)، وابن حبان “الإحسان”: (3/ 172)، والحاكم: (1/ 491)، وغيرهم.
قال الترمذي: “حديث حسن صحيح”. وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الحافظ في “الفتح”: (1/ 64): “سنده جيِّد”.
(3/838)
الثالث: أنهم إنما كانوا يعبُدُونها ويتقرَّبون بها إلى الله، فإذا جاءتهم الحاجاتُ والكُرباتُ والشدائدُ دَعَوُا اللهَ وحدَه وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعضَ حوائجهم، ويطلبون منها، فكان دعاؤُهم لها دعاءَ عبادةٍ ودعاءَ مسألة.
وقوله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] هو دعاءُ العبادة، والمعنى: اعبدوه وحدَه وأخلصوا عبادَتَهُ، لا تعبُدوا معه غيرَهُ.
وأما قول إبراهيمَ الخليل – صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)} [إبراهيم: 39] فالمرادُ بالسمع هنا السمع الخاص، وهو سمعُ الإجابة والقبول (1) لا السَّمع العام، لأنه سميعٌ لكلِّ مسموع، وإذا كان كذلك فالدّعاء هنا يتناولُ دعاءَ الثنَّاء (2) ودعاءَ الطَّلَب، وسَمْع الرَّب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب، فهو سميعٌ لهذا ولهذا.
وأما قول زكريا: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)} [مريم: 4] فقد قيل: إنه دعاءُ المسألة، والمعنى: أنك عَوَّدتني إجابتكَ وإسعافَك، ولم تُشْقِني بالرَّدِّ والحِرْمان، فهو توسُّلٌ إليه تعالى بما سلف من إجابته له وإحسانه إليه، كما حُكي أن رجلًا سأل رجلًا وقال: أنا الذي أحسنتَ إليَّ وقْتَ كذا وكذا، فقال: مرحبًا بمَنْ تَوَسَّلَ إلينا بنا، وقضى حاجَتَه (3). وهذا ظاهر هاهنا، ويدلُّ عليه: أنه قدَّم ذلك أمام طلبه الولدَ وجعله وسيلةً إلى ربه، فطلب منه أن يُجْرِيَه على عادته التى عوَّده؛ من قضاء حوائجه وإجابته إلى ما سأله.
__________
(1) ليست في (ق).
(2) (ظ ود): “العبادة”.
(3) ذكر نحوًا منها ابن خلكان في “وفيات الأعيان”: (2/ 122)، والأبْشيهي في “المستطرف”: (2/ 109) على الحسن بن سهل.
(3/839)
أما قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] فهذا الدعاء المشهور أنه (1) دعاء المسألة، وهو سبب النزول، قالوا: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو ربَّه فيقول مرة: “يا الله” ومرة: “يا رحمنُ”، فظن الجاهلون من المشركينَ أنه يدعوْ إلهين، فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ.
قال ابن عباس: سمع المشركون النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – يدعو في سجوده: “يا رَحْمنُ يا رَحِيمُ”، فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله هذه الآية: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} (2).
وقيل: إن الدعاء هاهنا بمعنى التَّسمية كقولهم: “دعَوْتُ ولدي سَعِيدًا وادْعُهُ بعَبْدِ الله” ونحوه، والمعنى: سمُّوا الله أو سمُّوا الرحمن، فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية، وهذا قول الزمخشريِّ (3).
والذي حمله على هذا قوله: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، فإنَّ المرادَ بتعدُّدِ معنى “أيِّ” وعمومِها هاهنا تعدُّدُ الأسماء ليس إلا، والمعنى: أيُّ اسم سمَّيتموه به من أسماء الله تعالى، إما الله وإما الرحمن، فله الأسماءُ الحسنى، أي: فللمُسمَّى سبحانه الأسماءُ الحسنى، والضمير في “فله” يعودُ إلى المُسمَّى. فهذا الذي أوجبَ له
__________
(1) من (ع)، و (ق): “بأنه”، و (ظ ود): “وأنه”.
(2) أخرجه الطبري: (8/ 165)، وابن مردويه -كما في “الفتح”: (13/ 372) – عنه. قال الحافظ: بسندٍ ضعيف.
وأخرجه البخاري في “خلق أفعال العباد”: (ص / 100) وابن مردويه -كما في الفتح: 13/ 372 – عن عائشة -رضي الله عنها- نحوه.
وأخرجه الطبرى: (8/ 165) عن مكحول مرسلًا.
(3) في “الكشاف”: (2/ 378).
(3/840)
أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التَّسمية، وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المُراد بالدّعاء في الآية، وليس هو عينَ المراد، بل المُرادُ بالدعاء معناه المعهود المُطَّرِد في القرآن، وهو دعاءُ السؤال ودعاء الثَّناء، ولكنه متضمِّنٌ معنى التَّسمية، فليس المُرادُ مجرَّدَ التسمية الخالية عن العبادة والطَّلَب، بل التَّسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب، فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في (تَدْعو) معنى (تُسَمُّوا)، فتأمَّلْه.
والمعنى: أيًّا ما تُسَمُّوا في ثنائكم ودعائكم (1) وسؤالكم، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)} [الطور: 28] فهذا دعاء العبادة المتضمِّن للسؤال رغبةً ورهبةً، والمعنى: إنا كنا من قبل نخلِصُ له العبادةَ، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذابَ السَّمُوم، لا بمجرَّد السُّؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانَهُ يسأله من في السَّموات ومن في الأرض. والفوز والنجاةُ إنما هي بإخلاص العيادة لا بمجرَّد السُّؤال والطَّلَب.
وكذلك قولُ الفِتْية أصحابِ الكهف: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} [الكهف: 14] أي: لن نعبدَ غيرَه، وكذلك قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125)} [الصافات: 125].
وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64)} [القصص: 64] فهذا من دعاء المسألة، يُبَكِّتُهم الله عز وجل، ويُخزيهم يوم القيامة بإراءتهم أن شركاءَهم لا
__________
(1) من (ظ ود).
(3/841)
يستجيبون لدعوتهم (1)، وليس المُرادُ: اعبدوهم، وهو نظير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [الكهف: 52].
وهذا التقريرُ نافعٌ في مسألة الصلاة، وأنها هل نُقِلت عن مسمَّاها في اللّغة فصارت حقيقةً شرعيةً منقولةً، أو استُعْمِلت في هذه العبادة مجازًا، للعلاقة بينها وبين المسمَّى اللُّغوي، أو هي باقية على الوضع اللُّغوي وضُمَّ إليها أركانٌ وشرائطُ، وعلى ما قررناه لا حاجةَ إلى شيءٍ من ذلك، فإن المُصلِّي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفكُّ عن دعاء عبادةٍ وثناء، أو دعاءِ طلب ومسألة، وهو في الحالين داعٍ، فما خرجتِ الصلاةُ عن حقيقة الدُّعاء، فتأمَّلْه.
إذا عُرِفَ هذا فقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] يتناول نوعَي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمِّنٌ لدعاء العبادة، ولهذا أَمَر بإخفائه وإسراره، قال الحسن: “بين دعوة السِّرِّ ودعوة العلانيةِ سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمونَ يجتهدونَ في الدُّعاء، وما يُسمعُ لهم صوتٌ، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}، وأن الله تعالى ذَكَر عبدًا صالحًا ورضي بفعلِهِ فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} ” (2) [مريم: 3].
وفي إخفاء الدُّعاء فوائدُ عديدة:
أحدها: أنه أعظمُ إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمعُ
__________
(1) (ظ ود): “لهم دعوتهم”.
(2) أخرجه ابن المبارك في “الزهد”: (ص/45)، والطبري: (5/ 514). وسنده حسن.
(3/842)
دعاءَه الخَفِيَّ، وليس كالذي قال: “إن الله يسمَعُ إن جَهَرْنا، ولا يسمعُ إن أخفينا” (1).
وثانيها: أنه أعظمُ في الأدب والتعظيم، ولهذا لا تُخاطبُ الملوِكُ ولا تُسألُ برفع الأصوات، وإنما تُخفضُ عندَهم الأصواتُ, ويُخْفى عندَهم الكلامُ بمقدار ما يسمعوه، ومن رفع صوته لديهم مَقَتُوهُ، ولله المثلُ الأعلى، فإذا كان يسمعُ الدّعاء الخَفِيَّ فلا يليقُ بالأدب بين يديه إلاّ خفض الصوت به.
وثالثها: أنه أبلغُ في التَّضَرُّع والخُشوع الذي هو رُوحُ الدعاء وَلُبُّهُ ومقصودُهُ، فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسألُ مسألةَ مسكين ذليل، قد انكسر قلبه، وذلَّت جوارحُه، وخشع صوتُه، حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته، وكسرته (2) وضراعته، إلى أن ينكسر لسانُه، فلا يُطاوعه بالنطق, فقلبُه سائل طالب مبتهل (3)، ولسانُه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت، وهذه الحال لا يتأتَّى معها رفع (4) الصوت بالدُّعاء أصلًا.
ورابعها: أنه أبلغُ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغُ في جمعِيَّة القلب على الله تعالى في الدعاء، فإن رَفْع الصوت يُفَرِّقه ويشتِّته، فكلما خفضَ صوتَه كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعوِّ سبحانه وتعالى.
__________
(1) في حديث الثلاثة الذين اجتمعوا عند البيت، أخرجه البخاري رقم (4817) , ومسلم رقم (2775) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
(2) (ظ ود): “كسره”. ويمكن أن تقرأ: “يبلغ به ذله ومسكنته، وكسره وضراعته”.
(3) (ظ ود): “وقلبه يسأل طالبًا مبتهلًا”. و”طالبًا” ليست في (ع).
(4) (ظ ود): “وهذه الحالة لا تأتي مع رفع .. “.
(3/843)
وسادسها -وهو من النكت السرِيَّة البديعة جدًّا-: أنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأل مسألةَ: أقربَ شيءٍ إليه، فيسأله مسألةَ مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.
ولهذا أثنى الله سبحانه على عبده زكريا بقوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)}، فكلما استحضرَ القلبُ قربَ الله تعالى منه، وأنه أقربُ إليه من كلِّ قريبٍ، وتصوَّر ذلك = أخفى دعاءَه ما أمكنه، ولم يَتَأَتَّ له رفعُ الصوتِ به، بل يراه غيرَ مستحسن، كما أن من خاطبَ جليسًا له يسمع خَفِيَّ كلامه، فبالغ في رفع الصوتِ استهجن ذلك منه -ولله المثل الأعلى سبحانه (1) – وقد أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح، لما رفِع الصحابةُ أصواتَهم بالتكبير وهم معه في السفر، فقال: “ارْبعوا عَلى أنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، أَقْرَبَ إلىَ أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُق راحِلتِهِ” (2)، وقد قال: تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
وقد جاء أن سببَ نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله رَبُّنا قريبٌ فَنُنَاجِيَهُ، أم بعيدٌ فنُنَادِيَهُ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (3) [البقرة: 186].
__________
(1) من قوله: “ولم يتأت …. ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2) أخرجه البخاري رقم (2992)، ومسلم رقم (2704) من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
(3) أخرجه عبد الله بن أحمد في “السنة”: (1/ 277)، وسفيان بن عيينة في “تفسيره” – كما في الدر المنثور: 1/ 352 – عن أُبي، بسندٍ منقطع. =
(3/844)
وهذا يدلُّ على إرشادهم للمناجاة في الدعاء لا للنداء الذي هو رفع الصوت، فإنهم عن هذا سألوا، فأُجيبوا بأنَّ ربَّهم تبارك وتعالى قريبٌ لا يحتاجُ في دعائه وسؤاله إلى النداء، وإنما يُسْأَلُ مسألةَ القريب المُنَاجَى لا مسألةَ البعيد المنَادَى، وهذا القربُ من الدَّاعي هو قربٌ خاصٌ ليس قُرْبًا عامًّا من كلِّ أحدٍ، فهو قريبٌ من داعيه وقريبٌ من عابده، وأقرب ما يكون العبدُ من رَبِّه وهو ساجِدٌ (1)، وهو أخصُّ من قربِ الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يُثْبِتْ أكثرُ المتكلمينَ سواه، بل هو قُرْبٌ خاصٌّ من الدَّاعى والعابد، كمَا قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – راويًا عن ربِّه تبارك وتعالى: “مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا” (2)، فهذا قربُهُ من عابدِه.
وأما قربُهُ من داعيه وسائلِهِ، فكما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، وقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}، فيه الإشارةُ (3) والإعلامُ بهذا القُرْب.
وأما قربُهُ -تبارك وتعالى- من مُحِبِّهِ فنوعٌ آخَرُ، وبناءٌ آخر (4)، وشأنٌ آخر، كما قد ذكرناه في كتاب “التحفة المكية”، على أن العبارةَ تَنْبو عنه، ولا تحصلُ في القلب حقيقةُ معناه أبدًا، لكن بحسب قوَّة المحبَّةِ وضعفِها يكونُ تصديق العبد بهذا القرب، وإيَّاكَ
__________
= وأخرجه ابن جرير: (2/ 164)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ -كما في الدر: 1/ 352 – من طريق الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال … الحديث. والصلتُ ضعيف.
(1) أخرجه مسلم رقم (482) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه مسلم رقم (2687) من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
(3) (ظ ود): “الإرشاد”.
(4) “وبناء آخر” ليست في (ظ ود).
(3/845)
ثم إيَّاكَ أن تعبِّرَ عنه بغير العبارة النبوِية، أوْ يَقَعَ في قلبِك غيرُ معناها ومرادها، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بعد ثبُوتِها. وقد ضعُفَ تمييزُ خلائِقَ في هذا المقام، وساء تعبيرُهم، فوقعوا في أنواع من الطَّامَّاتِ والشطح، وقابلهم من غَلُظ حجابُه فأنكر محبَّةَ العبدِ لربِّه جملةً، وقربَهُ منه، وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوق، فهو عنده المحبوب القريب ليس إلاّ (1).
وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب “التحفة” أكثر من مائة طريق (2)، والمقصود هاهنا الكلام على هذه الآية.
وسابعها: أنَّه أَدْعَى إلى دوام الطلب والسؤال، فإنَّ اللِّسان لا يَمَلُّ والجوارحُ لا تتعبُ، بخلاف ما إذا رفع صوتَهُ به، فإنه قد يَكِلُّ لسانُه وتضعفُ بعضُ قواه، وهذا نظيرُ من يقرأُ ويُكَرِّر رافعًا صوتَهُ، فإنه (3) لا يطولُ له ذلك بخلاف من يخفضُ صوتَه.
وثامنها: أن إخفاءَ الدُّعاء أبعد له من القواطع والمشَوِّشاتِ والمُضعِّفَاتِ، فإن الدَّاعِيَ إدْا أخفى دعاءَهُ لم يَدْرِ به أحدٌ، فلا يحصلُ هناك تشويشٌ ولا غيرُه، وإذا جَهَرَ به تفطَّنتْ له الأرواحُ الشِّرِّيرةُ (4) والباطوليَّةُ (5) والخبيثة من الجِنِّ والإنس، فشوَّشت عليه ولا بُدَّ، ومانَعَتْهُ وعارضتْه، ولو لم يكن إلا أن تعلُّقَها به يفَرِّقُ عليه
__________
(1) وانظر: “مدارج السالكين”: (2/ 107).
(2) وانظر: “مدارج السالكين”: (3/ 20)، و”روضة المحبين” مفرد في المحبّة.
(3) من قوله: “فإنه قد … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) (ظ ود): “البشرية”.
(5) المنسوبة إلى الباطل، وهي نسبة غريبة استعملها ابن القيم في مواضع من كتبة، انظر: “مفتاح دار السعادة”: (1/ 197، 547) و”تهذيب السنن”: (1/ 416 – بهامش المختصر).
(3/846)
هِمَّتَه فيضعفُ أثرَ الدعاءِ، ومن له تجرِبَةٌ يعرفُ هذا، فإذا أَسَرَّ الدعاءَ وأخفاه أَمِنَ هذه المفسدةَ.
وتاسعها: أن أعظمَ النِّعَمِ: الإقبالُ على الله، والتَّعَبُّد له، والانقطاعُ إليه، والتَّبتُّل إليه، ولكلِّ نعمةٍ حاسدٌ على قَدْرِها دقَّتْ أو جَلَّتْ، ولا نعمةَ أعظمُ من هذه النعمة، فأَنفُسُ الحاسدينَ المنقطعينَ متعلِّقَةٌ بها، وليس للمحسودِ أسلمُ من إخفاء نعمتِهِ عن الحاسد، وأن لا يقصدَ إظهارَها له.
وقد قال يعقوب ليوسف: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)} [يوسف: 5] وكم من صاحب قلب وجمعية وحال معِ الله قد تحدَّثَ بها وأخبر بها، فسلبه إيَّاها الأغيارُ، فأصبح يقلِّبُ كفَّيه، ولهذا يوصي العارفون والشيوخُ بحفظ السِّرِّ مع الله، وأن لا يُطْلِعوا عليه أحدًا، ويتكتَّمون به غايةَ التَّكَتُّم، كما أنشد بعضُهم في ذلك:
من سَارَرُوه فأبدى (1) السِّرَّ مجتهدًا … لم يأمَنْوه على الأسرارِ ما عاشا
وأبعدوه فلم يظفرْ بِقُرْبِهمُ … وأبدلوه مكانَ الأُنْسِ إيحَاشا
لا يأمنونَ مُذِيعًا بَعْضَ سِرِّهِمُ … حاشا وِدادِهِمُ من ذلكمْ حاشا
والقومُ أعظمُ شيءٍ كِتمانًا لأحوالهم مع الله، وما وهب الله لهم من محبَّته، والأنس به، وجمعيَّة القلبِ عليه، ولا سيَّما للمبتدئ والسالك، فإذا تمكَّن أحدُهم وقوِيَ وثبتَتْ أصولُ تلك الشجرة الطيِّبة، التي أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء في قلبه، بحيث لا يُخشى
__________
(1) (ظ): “فأفشى”.
(3/847)
عليه من العواصف، فإنه إذا أبدى حالَه وشأنه مع الله لِيُقْتَدَى به ويُؤْتَمَّ به لم يُبَالِ. وهذا بابٌ عظيمُ النفع إنما يعرفُهُ أهله.
وإذا كان الدُّعاء المأمورُ بإخفائه يتضمَّن دعاءَ الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله، فهو عن أعظم الكنوز التي هي أحقُّ بالإخفاء والسِّتْر عن أعين الحاسدين، وهذه فائدةٌ شريفة نافعة.
وعاشرها: أن الدعاء هو ذكرٌ للمدعوِّ سبحانه، متضمِّنٌ للطَّلَب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه، فهو ذِكْر وزيادة، كما أن الذكر يسمَّى دعاءً لتضمُّنه الطَّلَبَ، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمدُ للهِ” (1) فسمَّى “الحمدُ لله” دعاءً، وهو ثناء محضٌ؛ لأن الحمد يتضمَّنُ الحبَّ والثناء، والحبُّ أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامدُ طالب لمحبوبه، فهو أحقُّ أن يسمَّى داعيًا من السائل الطالب من ربِّه حاجةً ما، فتأمَّلْ هذا الموضعَ ولا تحتاج إلى ما قيل: إن الذاكرَ متعرِّضٌ للنوال، وإن لم يكن مصرِّحًا بالسؤال، فهو داعٍ بما تضمَّنَهُ ثناؤُه من التَّعَرُّض، كما قال أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت (2):
أَأَذْكُرُ حاجَتِي أمْ قدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إنَّ شِيْمَتَكَ الحَيَاءُ
إذا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا (3) … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (3383)، والنسائي في “عمل اليوم والليلة” رقم (837)، وابن ماجه رقم (3800)، وابن حبان “الإحسان”: (3/ 126)، والحاكم: (1/ 498) وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
قال الترمذي: “حسن غريب” كما في “التحفة”: (2/ 190)، وصححه ابن حبان والحاكم، وأقره الذهبي.
(2) البيتان في “حماسة أبي تمام”: (2/ 395).
(3) في “الحماسة”: (2/ 396): “خيرًا”.
(3/848)
وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها فنفسُ الحمد والثناء متضمِّنٌ لأعظم الطَّلَب، وهو طلب المحب، فهو دعاءٌ حقيقة، بل أحقُّ أن يسمَّى دعاءً من غيره من أنواع الطَّلَب الذي هو دونه، والمقصود أنَّ كلَّ واحد من الدُّعاء والذكر يتضمَّنُ الآخرَ ويدخلُ فيه، وقد قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205] فأمر تعالى نَبيَّهُ أن يذكَرَهُ في نفسه.
قال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت والصياح (1). وقد تقدم (2) حديث أبي موسى: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: “يا أيّها النَّاسُ ارْبَعُوا على أنفُسِكُمْ، فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غَائِبًا، إنما تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، أقْرَبَ إلى أحدِكُمْ من عُنُق راحلتِهِ”. وتأمل كيف قال في آية الذكر: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}، وفي آية الدعاء: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}، فذكر التَّضَرُّعَ فيهما معًا وهو التَّذَلُل والتَّمَسْكُن والانكسار، وهو روح الذِّكر والدُّعاء.
وخصَّ الدُّعاءَ بالخِفْية لِمَا ذكرنا من الحكم وغيرها (3)، وخصَّ
__________
(1) أسنده عنهما ابن جرير: (6/ 165).
(2) (3/ 844).
(3) في هامش (ع) حاشية طويلة نصُّها: “قال الشيخ تقي الدين فى “المقترح”: أخبرنا بسنده روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أفضل الذكر الخفيّ” قال جماعة من أهل الحديث: هذا إشارة إلى ذكر الله تعالى سِرًّا. قال أرباب التصوّف: ذلك خفيّ بالنسبة إلى السامع لا بالنسبة إلى الذاكر، فشرطه أن يتمكن الذكر من القلب حتى يتمكن إلى حالة يستغرق عن الذكر، فيكون خفيًا بالنسبة إليه. وفيه اشكال، ويحتمل احتمالًا آخر وهو: الفكر والاستدلال بعجائب المصنوعات على مبدعها، والله أعلم بالمراد”. =
(3/849)
الذكر بالخِيفة لحاجة الذاكر (1) إلى الخوف، فإن الذكرَ يستلزمُ المحبَّة ويثمرُها ولا بُدَّ، فمن أكثرَ من ذكر الله تعالى أثمرَ له ذلك محبته، والمحبَّةُ ما لم تَقْترن بالخوف فإنها لا تنفعُ صاحِبها بل قد تضرُّه؛ لأنها توجبُ الإدلالَ والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهَّال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادةُ القلب وإقبالُه على الله ومحبَّته له، وتألُّهُه له (2)، فإذا حصلَ المقصودُ فالاشتغالُ بالوسيلة باطلٌ.
ولقد حدثني رجلٌ: إنه أنكر على رجلٍ من هؤلاء في خَلْوَةٍ (3) له ترك فيها حضور الجُمُعَةِ، فقال له الشيخُ: أليس الفقهاءُ يقولون: إذا
__________
= ثم كتب بعدها: “قال رحمه الله: مقصودنا الآن: أن ذكر الله باللسان دون الجَنان أصوات وأجراس، والكثرة فيه وسواس، بل اللسان خادم، أجرى اللَه عادته أن يرق القلب ويصلح عند مداومة العارف الذكر به فأمرنا به، ولكن لا ينبغي أن يكون القلب غافلًا غير عارف، والمعرفة لا تحصل إلا بالذكر، ولهذا قرنه بذكر الآيات، فقال تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}، وهذا يدل ظاهرًا على أن كل ذكر يحصل من غير فكر في الآيات سلوك المضيعة والمتاهات” انتهى.
أقول: لعل الشيخ تقي الدين صاحب شرح المقترح هو: مظفّر بن عبد الله بن علي تقي الدين المصري المعروف بالمقترح لحفظه إياه ت (612). انظر: “طبقات الشافعية”: (8/ 372)، و”المقترح في المصطلح” كتاب في الجدل كثر اشتغال الفقهاء به للبروي، وشرحه الشيخ تقي الدين. انظر: “وفيات الأعيان”: (4/ 225)، و”كشف الظنون”: (ص/1793).
والحديث الذي ذكره أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
(1) (ع): “الراكب”.
(2) و”تألهه له” ليست في (ق).
(3) (ظ ود): “أنكر على هؤلاء خلوة”.
(3/850)
خافَ على شيءٍ من مالهِ فإن الجُمُعَةَ تسقطُ عنه؟ فقال له: بلى، فقال له: فقلبُ المُريدِ أعزُّ عليه من ضَيَاعِ عشرة دراهِمَ -أو كما قال- وهو إذا خرج ضاع قلبُه، فحِفْظُه لقلبِه عذرٌ مُسْقِطٌ للجمعة في حقِّه، فقال له: هذا غُرورٌ، بل الواجبُ عليه الخروجُ إلى أمر الله وحفظ قلبه مع الله، فالشيخُ المُرَبِّي العارف يأمر المُريدَ بأن يخرجَ إلى الأمر ويُراعي حفظَ قلبه، أو كما قال.
فتأمَّل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام جملةً، فإنَّ من سلك هذا المسلكَ انسلخَ عن الإسلام العام، كانسلاخ الحَيَّة من قِشْرها، وهو يظنُّ أنه من خاصَّة الخاصَّة.
وسبب هذا عَدَمُ اقتران الخوف من الله تعالى بحبه وإرادته (1)، ولهذا قال بعضُ السَّلَف: “مَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى بالحُبِّ وحدَه فهو زنديقٌ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَرُوري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مُرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمنٌ (2).
وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاث بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] فابتغاءُ الوسيلة هو محبَّتُه الدَّاعيةُ إلى التَّقَرُّب إليه، ثم ذكر بعدَها الرجاء والخوف، فهذه طريقةُ عباده وأوليائه، وربما آل الأمرُ بمن عَبَدَهُ بالحب المجرد إلى استحلال المحرَّمات، ويقول: المُحِبُّ لا يَضُرُّه ذنبٌ.
__________
(1) من قوله: “وهو يظن …. ” إلى هنا سقط من (ق).
(2) نسبه ابن تيمية إلى بعض السلف -أيضًا- كما في “مجموع الفتاوى”: (10/ 81، 207 وغيرها) وكذا ابن أبي العز في “شرح الطحاوية”: (ص/ 458)، وابن رجب في “التخويف من النار”: (ص/ 17).
(3/851)
وصنَّف بعضُهم في ذلك مصنفًا، وذكر فيه أثرًا مكذوبًا: “إذا أحَبَّ اللهُ العبدَ لم تَضْرَّهُ الذُّنوبُ” (1) , وهذا كذِبٌ قطعًا مُنَافٍ للإسلام، فالذنوبُ تضُرُّ بالذَّات لكل أحدٍ كضَرَرِ السُّمِّ للبَدَن.
ولو قدر أنّ هذا الكلامَ صحَّ عن بعض الشيوخ -وأما عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فمعاذَ الله من ذلك- فله مَحْمَلٌ، وهو أنه إذا أحبَّه لم يدعْه حبُّه إياه إلى (2) أن يُصِرَّ على ذنب؛ لأن الإصرارَ على الذنب مُنَافٍ لكونه محبًّا (3) لله، وإذا لم يُصِرَّ على الذنب بل بادر إلى التَّوبةَ النَّصوح منه، فإنه يمحو أثَرَهُ ولا يَضرُّهُ الذنبُ، وكلما أذنب وتاب إلى الله زالَ عنه أثرُ الذنب وضررُه، فهذا المعنى صحيحٌ، والمقصودُ أن تجريدَ الحُبِّ والذكر عن الخوف يوقعُ في هذه المعاطب.
فإذا اقترن بالخوف جَمَعه على الطريق، وردَّهُ إليها كلما شَرَدَ، كأن (4) الخوفَ سوطٌ يضربُ به مَطِيَّتَهُ لئلا تخرج عن الدَّرْب، والرجاءُ حادٍ يحدوها يُطِيْبُ لها السيرَ، والحبُّ قائدُها وزِمامُها الذي يسوقها، فإذا لم يكن للمَطِيَّةِ سوطٌ ولا عصا يردُّها إذا حادتْ (5) عن الطريق وتُرِكَت تركبُ التعاسيفَ، خرجتْ (6) عن الطريق وضلَّتْ عنها، فما حُفِظَتْ حدودُ الله ومحارمُه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه
__________
(1) لم أجده، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في “الفتاوى” (11/ 256) ولم يعزه حديثًا ولا أثرًا، لكن نسبه لقائل مجهول، وذكر تخريج العبارة الذي ذكره ابن القيم هنا.
(2) من (ق).
(3) (ق وع): “محبوبًا”.
(4) (ع): “فإن”.
(5) (ع): “جارت”.
(6) (ق): “حردت” أي: مالت وخرجت.
(3/852)
ومحبته، فمتى خلا القلبُ عن هذه الثلاثة فسد فسادًا لا يُرجى صلاحُه أبدًا، ومتى ضعُفَ فيه شيءٌ من هذه ضعُفَ إيمانُه بحسبه.
فتأملْ أسرارَ القرآن وحكمَتَهُ في اقتران الخِيفة بالذِّكر والخُفْية بالدُّعاء، مع دِلالته على اقتران الخِيفة بالدُّعاء والخُفْية بالذكر أيضًا، فإنه قال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205]، فلم يحتجْ بعدها أن يقول: خُفية، وقال في الدعاء: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]، فلم يحتج أن يقول في الأول: ادعوا ربكم تضرُّعًا وخيفة، فانتظمتْ كلُّ واحدة من الآيتين للخِيفة والخُفْية والتَّضَرُّع أحسنَ انتظام، ودلَّتْ على ذلك أكملَ دلالةٍ.
وذَكَر الطمعَ الذي هو الرَّجاءُ في آية الدُّعاء؛ لأن الدعاءَ مبنيٌّ عليه، فإن الداعيَ ما لم يطمعْ في سؤاله ومطلوبه لِم تتحرك نفسُه لطلبه، إذ طلبُ ما لا يُطْمَعُ فيه ممتنع، وذكَر الخوفَ في آية الذكر؛ لشدَّة حاجةِ الخائفِ إليه كما تقدَّمَ، فذكر في كلِّ آية ما هو اللائقُ (1) بها والأوْلَى بها من الخوف والطمع، فتبارك من أنزلَ كلامَهُ شفاء لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين.
فصل
وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55] قيل: المراد أنه لا يحبُّ المعتدينَ (2) في الدَّعاء، كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك، وقد روى أبو داود في “سننه” (3) من
__________
(1) (ع): “الأليق”.
(2) “قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين” سقطت من (ق).
(3) رقم (96).
(3/853)
حديث حماد بنَ سَلَمة، عن سعيد الجُرَيْري، عن أبي نَعَامَة، أن عبدَ الله بن مغَفَّلٍ سمع ابنَه يقولْ اللَّهُمَّ إني أسألُك القصرَ الأبيضَ عن يمين الجنة إذا دخلتُها، فقال: يا بُني سلِ اللهَ الجنةَ وتعوَّذ به من النار، فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “إنَّهُ سَيَكُونُ في هذهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الطُّهورِ والدُّعَاءِ” (1).
وعلى هذا فالاعتداءُ في الدُّعاء تارةً بأن يسألَ ما لا يجوزُ له سؤاله من الإعانة على المُحَرَّمات، وتارةً بأن يسألَ ما لا يفعلُه الله، مثلَ أن يسألَهُ تخليدَه إلى يوم القيامة، أو يسألَه أن يرفعَ عنه لوازم البشريَّة من الحاجة إلى الطعام والشَّراب، أو يسألَه أن يُطْلِعَهُ على غيبه، أو يسألَهُ أن يجعلَهُ من المعصومينَ، أو يسأله أن يَهَبَ له ولدًا من غير زوجةٍ ولا أَمةٍ، ونحو ذلك مما سؤالُه اعتداءٌ، فكلُّ سؤالٍ يُناقضُ حكمةَ الله أو يتضمَّنُ مناقضةَ شرعِهِ وأمرِهِ، أو يتضمَّنُ خلافَ ما أخبرَ به، فهو اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائِلَهُ، وفُسِّرَ الاعتداءُ برفع الصوت أيضًا في الدعاء، قال ابن جُرَيج: من الاعتداء رفعُ الصوت والنداء بالدُّعاء والصياح (2).
وبعدُ؛ فالآية أعمُّ من ذلك كلِّه، وإن كان الاعتداءُ في الدُّعاء مرادًا بها، فهو من جملة المُراد، والله لا يحب المعتدين في كلِّ شيء، دعاءً كان أو غيرَه، كما قال تعالى {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ
__________
(1) وأخرجه أحمد: (27/ 351 رقم 16796) وابن ماجه رقم (3864)، وابن حبان “الإحسان”: (15/ 166)، والحاكم: (1/ 162)، وغيرهم.
وصححه ابن حبان والحاكم، وقال ابن كثير في “التفسير”: (3/ 1440): “إسناد حسن لا بأس به”.
(2) أسنده عنه ابن جرير: (6/ 165).
(3/854)
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} [البقرة: 190]، وعلى هذا فيكون قد أمرَ بدعائه وعبادته وأخبرَ أنه لا يحِبُّ أهلَ العُدوان، وهم الذين يدعونَ معه غيرَه، فهؤلاء أعظمُ المعتدينَ عُدوانًا، فإن أعظمَ العُدوان الشِّرْك, وهو وضعُ العبادة في غير موضعها، فهذا العُدوان لا بُدَّ أن يكونَ داخلًا في قوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55].
ومن العُدوان أن يدعوَهُ غيرَ مُتَضَرِّع، بل دعاءَ مدِلٍّ، كالمستغني بما عندَهُ، المُدِلِّ على ربِّه به، وهذا من أعظم الاعتداء المُنافي لدعاء الضَّارع الذليل الفقير المِسكين مِنْ كُلِّ جهة في مجموع حالاته، فما لم يسألْ مسألةَ مسكينٍ متضرِّعٍ خائفٍ فهو معتدٍ.
ومن الاعتداء أن تعبدَهُ بما لم يشرعْهُ، وتُثني عليه بما لم يُثْنِ به على نفسه ولا أَذِنَ فيه، فإن هذا اعتداءٌ في دعاء الثّنَاء والعبادة، وهو نظيرُ الاعتداء في دعاء المسألة والطَّلَب، وعلى هذا فتكون الآية دالَّةً على شيئين:
أحدهما: محبوبٌ للرَّبِّ تعالى، مُرْضٍ له، وهو الدُّعاء تَضَرُّعًا وخُفية.
والثاني: مكروهٌ له مبغوض مسخوطٌ وهو الاعتداء، فأمر بما يحِبُّهُ وندبَ إليه، وحذَّر مما يُبْغِضُه وزَجَر عنه بما هو من (1) أبلغ طرق الزجر والتحذير، وهو أنه لا يحبُّ فَاعلَه، ومن لم يحبَّهُ الله فأيّ خير يناله، وفي قوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} عقب قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، دليل على أن من لم يدعُهُ تضرُّعًا وخُفْيَةً فهو من المُعتدينَ الذين لا يُحِبُّهم، فقسمتِ الآيةُ الناسَ إلى
__________
(1) من (ع).
(3/855)
قسمين: داعٍ لله تَضَرُّعًا وخُفْية، ومُعْتدٍّ (1) بترك ذلك.
فصل
وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]، قال أكثرُ المفسرين: لا تُفسدوا فيها بالمعاصي والدُّعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إيَّاها ببعث الرُّسُل وبيان الشريعة والدُّعاء إلى طاعة الله، فإن عبادةَ غير الله، والدَّعوة إلى غيره، والشِّرك به هو أعظمُ (2) فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشِّرك به ومخالفة أمره، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي} [الروم: 41] وقال عطيّة: في الآية: “ولا تعصُوا في الأرض، فيُمْسِكَ الله المطر، ويُهْلِكَ الحرثَ بمعاصيكم” (3)، وقال غيرُ واحد من السَّلَف: “إذا قحط المطر فإن الدَّوابَّ تلعِنُ عُصاةَ بني آدم وتقول: اللَّهُمَّ العنْهم فبسببهم أجدبتِ الأرضُ، وقحط المطرُ” (4).
وبالجملة فالشِّرْكْ والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسوله = هو أعظمُ الفساد في الأرض ولا صلاحَ لها ولا لأهلها إلاّ بأن يكون: الله وحدَه هو المعبودَ، والدَّعوة له لا لغيره، والطاعةُ والاتِّباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجبُ طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شرعِه فلا سَمْعَ له ولا طاعةَ, فالله تعالى أصلحَ الأرضَ برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده،
__________
(1) (ظ): “متعد”.
(2) من قوله: “طاعة الله ….. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) ذكره البغوي في “تفسيره”: (2/ 166).
(4) أخرجه الطبري: (2/ 59) عن مجاهد بنحوه، وذكره البغوي في “تفسيره”: (1/ 134).
(3/856)
ونهى عبادَه عن إفسادها بالشِّرك به وبمخالفة رسوله.
ومن تدَّبَر أحوال العالم وجدَ كلَّ صلاحٍ في الأرض فسببُهُ توحيد الله وعبادتُهُ وطاعة رسوله، وكل شرٍّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدُوٍّ وغير ذلك، فسببهُ (1) مخالفةُ رسوله والدَّعوة إلى غير الله ورسوله.
ومن تدبَّرَ حقَّ التَّدَبُّرِ، وتأمَّلَ أحوالَ العالم منذ قامَ إلى الآنَ، وإلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها = وجَدَ هذا الأمرَ كذلك في خاصَّة نفسه، وفي حقِّ غيره عمومًا وخصوصًا، ولا قوَّة إلا بالله.
فصل
وقوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]، إنما كرر الأمر (2) بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع، فأمر أولًا بدعائه تضرعًا وخفية، ثم أمر بأن يكونَ الدُّعاءُ أيضًا خوفًا وطمعًا، وفصَل بين الجملتين بجملتين:
أحدهما: خبرية ومتضمِّنة للنَّهْي، وهي قوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55].
والثانية: طلبية، وهي قوله: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}، والجملتانِ مقرِّرتانِ مُقويتان (3) للجملة الأولى مُؤَكِّدتانِ لمضمونِها.
ثم لما تمَّ تقريرها وبيان ما يضادّها ويناقضها أمر بدعائه خوفًا
__________
(1) سقطت من (ع).
(2) (ظ ود): “ذكر”.
(3) (ظ ود): “مقرونتان” بدلًا من “مقررتان مقويتان”.
(3/857)
وطمعًا، ثم قرَّرَ ذلك، وأكد مضمونه بجملة خبرية، وهي قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: 56]، فتعَلُّق هذه: الجملة (1) بقوله: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} كتعلق قوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} بقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}.
ولما كان قوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان, وهي: الحب والخوف والرجاء عقَّبها بقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: 56]، أي: إنما ينال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسِنُ والرحمة قريبٌ منه؛ لأن مدارَ الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.
ولما كان دعاءُ التَّضَرُّع والخُفية يقابلُه الاعتداء بعدم التَّضَرُّع (2) والخُفية، عَقَّب ذلك بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}.
وانتصابُ قوله: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} و {خَوْفًا وَطَمَعًا}، قيل: هو على الحال، أي: ادعوه متَضَرِّعِنَ مُخْتَفِين خائفينَ طامعينَ، وهذا هو الذي يُرَجِّحه السُّهَيْلِيُّ وغيره (3). وقيل: هو نصبٌ على المفعول به، وهذا قولُ كثير من النُّحاة، وقيل: هو نصبٌ على المصدر، وفيه على هذا تقديران؛ أحدهُما: أنهْ منصوبٌ بفعل مقدَّر من لفظ المصدر، والمعنى: تَضَرَّعوا إليه تَضَرُّعًا واخفوا خُفْيَةً، والثاني: أنه منصوبٌ بالفعلِ المذكور نفسه؛ لأنه في معنى المصدر، فإن الدَّاعي متَضرِّعٌ طامعٌ في حصول مطلوبه خائفٌ من فواتِهِ، فكأنه قال: تَضَرَّعوا تضرُّعًا.
__________
(1) من قوله: “بجملة خبرية … ” إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(2) “يقابله الاعتداء بعدم التضرع” سقطت من (ع).
(3) انظر: “مشكل إعراب القرآن”: (ص/ 279)، و”الكشاف”: (2/ 65).
(3/858)
والصحيحُ في هذا: أنه منصوبٌ على الحال، والمعنى عليه، فإن المعنى: ادعوا ربَّكُمْ متضرِّعين إليه خائفينَ طامعينَ (1). ويكونُ وقوعُ المصدر موقعَ الاسم على حد قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، وقولهم: رجل عَدْل، ورجل صَوْمٌ، قال الشاعر (2):
* فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ *
وهو أحسن من أن يقال: ادعوه مُتَضَرِّعينَ خائفينَ وأَبْلَغُ، والذي حسَّنه أن المأمور به هنا شيئان: الدعاء الموصوف المقيَّد بصفة معيَّنة، وهي صفة التَّضَرُّع والخوف والطمع، فالمقصودُ تقييد المأمور به بتلك الصفة، وتقييد الموصوف الذي هو صاحِبُها بها، فأتى بالحالِ على لفظ المصدر لصلاحِيَّتِهِ لأن يكون صفةً للفاعل وصفةً للفعل المأمور به.
فتأمَّل هذه النكتةَ، فإنك إذا قلت: اذكر ربَّك تَضَرُّعًا، فإنك تريد: اذكره متَضَرِّعًا إليه، واذكره ذكر تضرُّع، فأنت مريدٌ للأمرين معًا، ولذلك إذا قلتْ ادْعُهُ طَمعًا، أي: ادعُهُ دعاءَ طمع (3)، وادعُهُ طامعًا في فضله، وكذلك إذا قلت: ادعُهُ رغْبَةً ورهْبَةً، كقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] كان المرادُ: ادعُهُ راغبًا وراهبًا، وادعُه دعاءَ رغبة ورهبة.
فتأمَّلْ هذا الباب تجدْه كذلك، فأتى فيه بالمصدر الدَّالِّ على وصف المأمور به بتلك الصفة، وعلى تقييد الفاعل بها تقييدَ صاحب
__________
(1) (ظ ود): “مطيعين”.
(2) عجز بيت للخنساء من قصيدة ترثيِ أخاها صخرًا “الديوان”: (ص/ 383).
وصدره:
* ترتَعُ ما رَتَعت حتى إذا ادَّكَرَتْ *
(3) من قوله: “إليه واذكره … ” ساقط من (ظ ود).
(3/859)
الحال بالحال، ومما يدُلُّك على هذا أنك تجدُ مثلِ هذا صالحًا وقوعُه جوابًا لـ (كيف)، فإذا قيل: كيفَ أدعوه؟ قيل: تَضرُّعًا وخُفْيةً، وتجد اقتضاءَ (كيف) لهذا أشدَّ من اقتضاء: (لِمَ) (1)، ولو كان مفعولًا له لكان جوابًا لـ: (لِمَ)، ولا تحسنُ هنا، ألا ترى أن المعنى ليس عليه، فإنه لا يصِحُّ أن يقال: لمَ أدعوه؟ فيقول: تضرُّعًا وخُفية، وهذا واضحٌ، ولا هو انتصابٌ على المصدر المبيِّن للنَّوع الذي لا يتقيَّدُ به الفاعلُ لما ذكرنا من صلاحيَّته، جوابًا لـ (كيف).
وبالجملة؛ فالمصدريَّة في هذا الباب لا تُنافي الحالَ، بل الإتيانُ بالحال هاهنا بلفظ المصدر يُفيد ما يُفيده المصدرُ مع زيادة فائدة الحال، فهو أتمُّ معنىً ولا تنَافِيَ بينهما، والله أعلم.
فصل
وقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، فيه تنبيهٌ ظاهرٌ على أن فعلَ هذا المأمور به هو الإحسانُ المطلوبُ منكم، ومطلوبُكم أنتم من الله هو رحمته (2)، ورحمتُه قريبٌ من المحسنين، الذين فعلوا ما أُمِروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فقربُ (3) مطلوبكم منكم وهو الرَّحمةُ، بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان، الذي هو في الحقيقة إحسانٌ إلى أنفسكم، فإن الله تعالى هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم.
وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، له دلالة ٌبمنطوقه،
__________
(1) وقع في (ع) في جميع المواضع: “كم” وفي الموضع: الثاني وحده وقع “كم” فى (ق وع وظ) وهو خطأ.
(2) هذه الجملة سقطت من (ق).
(3) (ق وظ ود): “يقرب”.
(3/860)
ودلالةٌ بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه؛ فدلالتُه بمنطوقه (1) على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القربَ مستحقٌّ بالإحسان، فهو السببُ في قربِ الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين، فهذه ثلاثُ دلالات لهذه الجملة.
وإنما اختصَّ أهلُ الإحسان بقرب الرحمة منهم؛ لأنها إحسانٌ من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاءَ من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحْسَنَ إليهم برحمته.
وأما من لم يكنْ من أهل الإحسان فإنه لما بَعدَ عن الإحسان بعدَتْ عنه الرحمةُ بُعدًا ببعدٍ، وقُربًا بقرب، فمن تقرَّب بالإحسان تقرَّب اللهُ إليه برحمته، ومن تباعَدَ عن الإحسان، تباعَدَ اللهُ عنه برحمته، واللهُ سبحانه يحبُّ المحسنينَ، ويبْغِضُ من ليس من المُحسنينَ، ومن أحبَّه الله فرحمته أقربُ شيءٍ منه، ومن أبغضَهُ فرحمته أبعدُ شيءٍ منه.
والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به، سواء كان إحسانًا إلى الناس أو إلى نفسه، فأعظمُ الإحسان الإيمان والتوحيدُ (2) والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتَّوَكُّل عليه، وأن يعبدَ اللهَ كأنه يراهُ إجلالًا ومهابةً وحياءً ومحبةً وخشيةً، فهذا هو مقامُ الإحسان، كما قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: “أنْ تَعْبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَرَاهُ” (3)، وإذا كان هذا هو الإحسانَ فرحمةُ الله قريبٌ من صاحبه، فإن الله إنما يرحمُ أهل توحيده المؤمنين به.
__________
(1) من قوله: “ودلالة بإيمائه … ” إلى هنا سقط من (ع).
(2) “الإيمان” سقطت من (ق)، و”التوحيد” مقدمة في (ع).
(3) أخرجه البخاري رقم (50)، ومسلم رقم (9) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ومسلم رقم (8) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
(3/861)
وإنما كتب رحْمَتَهُ للذين يَتَّقون ويؤتونَ الزَّكاةَ، والذين هم بآياته مؤمنونَ (1)، والذين يَتَّبِعون رسولَهُ، فهؤلاء هم أهلُ الرحمةِ، كما أنهم هم المُحسنونَ.
وكما أحسنوا جُوزوا بالإحسان، و {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)} [الرحمن: 60] يعني: هل جزاءُ من أحسن عبادَةَ ربِّه إلّا أن يُحْسِنَ ربُّه إليه؟.
قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – إلا الجنَّةُ (2).
وقد ذكر ابنُ أبي شيبة وغيرُه من حديث الزُّبير بن عَدِي، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] ثم قال: “هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ”؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: “يَقولُ هَلْ جَزَاءُ مَنْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلاّ الجَنَةُ” (3).
فصل (4)
وأما الإخبار عن الرَّحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله: (قريبٌ) وهو
__________
(1) (ظ وع): “بآياتنا يؤمنون”.
(2) ذكره البغوي في “تفسيره”: (4/ 276).
(3) أخرجه الحكيم الترمذي في “نوادر الأصول”: (2/ 266)، والبغوي في “تفسيره”: (2/ 276)، والديلمي في “مسند الفردوس”: (4/ 337) وابن النجار في “تاريخه” كما في “الدر المنثور”: (6/ 207). وفي سنده بشر بن الحسين الأصبهاني الراوي عن الزبير بن عدي متهم بالكذب، بل اتهمه أبو حاتم بالكذب على الزبير. انظر “الميزان”: (2/ 26) وغيره.
(4) انظر للمسألة: “الإنصاف في مسائل الخلاف”: (2/ 758 – 782) لابن الأنباري، وساق السيوطي في “الأشباه والنظائر”: (3/ 173 – 187) ملخَّص مناظرة بين ابن مالك ومجد الدين الروذراوي في هذه الآية. وساق بعدها (3/ 187 – 195) رسالة لابن هشام في هذه الآية.
(3/862)
مذكَّر، ففيه اثنا عَشَرَ مسلكًا نذكرها، ونبيِّنُ ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب:
المسلك الأول: أن فَعِيلًا على ضَرْبين:
أحدهما: يأتي بمعنى فاعل، كقَدِير وسَمِيع وعليم.
والثاني: يأتي بمعنى مفعول، كقَتِيل وجَرِيح، وكفٍّ خَضِيب، وطَرْف كَحِيل، وشعر دَهِين، كله بمعنى مفعول.
فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة، وشَرِيف وشَرِيفة، وصَبِيح وصَبِيحة، ووضيء ووضيئة (1)، ومَلِيح ومَلِيحة، وطويل وطويلة، ونحوه.
وإذا أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن (2) يصحب الموصوف، كرجل قَتِيل وامرأة قَتِيل، أو يفرد عنه، فإن صحبَ الموصوف استوى فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، كـ”رجُلٍ قَتِيلٍ وامرَأَةٍ قَتِيلٍ” وإن لم يصحبِ الموصوفَ، فإنه يؤنَّثُ إذا جرى على المؤنَّث نحو “قَتِيلَةُ بني فُلانٍ”، ومنه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ … } إلى قوله: {وَالنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3]، هذا حكم فعيل. وفعولٌ قريب منه لفظًا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدّلالة على المبالغة وورودهما بمعنى فاعل ومفعول.
ولما كان (فعِيلٌ) أخفَّ استُغْنِيَ به عن (فاعل) في المضاعَف، كـ “جَلِيل وعَزِيز وذَلِيل”، كراهِيَةً منهم لثقل التضعيف إذا قالوا:
__________
(1) (ظ): “وصَبي وصَبيَّة”.
(2) (ظ) زيادة: “يكون”.
(3/863)
“جالِل وعازِز وذالِل”، فأتوا بفَعِيل مفصولًا فيه بين المِثْلَين بالياء الساكنة، ولمْ يأتوا في هذا بفعول؛ لأن فعيلًا أخف منه، ولِخفَّتِهِ أيضًا اطَّرد بناؤُه من “فَعُلَ” كشريف وظريف، وجميل ونَبِيل، وليس لـ “فعوِل” بناءٌ يطَّرِدُ منْه، ولخفَّته أيضًا كان في أسماء اللهَ تعالى أكْثَرُ من “فَعُول” فإن الرحيم والقَدير والحَسيب والجَليل والرَّقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرَّؤوف والغَفور والشَّكور والصَّبور والوَدود والعَفُوُّ، ولا يُعرفُ إلا هذه الألفاظ الستة.
وإذا ثبتَ التشابُهُ بين “فَعِيل وفَعُول” فيما ذكرنا، وكانوا قد خَصُّوا “فعولًا” الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث، وشرَّكوا بينهما في لفظ المذكر، فقالوا: “رجل صبورٌ وشَكور”، و”امرأة صَبُورٌ وشكور” ونظائرهما، وأما “عدوٌّ وعدوَّةٌ” فشاذٌّ.
فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كـ: “رَجُلٍ مَلُولَةٍ وفَروقَةٍ” وامرأة كذلك: وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كـ: “حَلُوبة ورَكُوبة”.
فإذا تقرَّر ذلك فـ “قريب” في الآية هو فعيل بمعنى فاعل، وليس المرادُ أنه بمعنى قارب، بل بمعنى اسم الفاعل العام، فكان حقَّه أن يكون بالتاء، ولكنهم أجْرَوْه مجرى: فَعِيل بمعنى مفعول، فلم يُلحقوه التاء، كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء، كما قالوا: “خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ وفَعْلَة ذَمِيمَةٌ”، بمعنى: محمُودة ومَذْمُومة، فحملًا على: “جَمِيِلة وشَرِيفة” في لحاق التاء فحملوا “قريبًا” على: “امرأة قتِيلٍ وكفٍّ خَضِيب وعين كَحِيل” في عدم لحاق التاء، حمْلًا لكل من البابينِ على الآخر.
ونظيره قوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)} [يس: 78]
(3/864)
فحمل رَمِيمًا وهي بمعنى فاعل على “امرأة قتيلٍ” وبابه، فهذا المسلكُ هو من أقوى مسالك النُّحاة، وعليه يعتمدونَ، وقد اعترضَ عليه بثلاثة اعتراضات:
أحدها: أن ذلك يستلزمُ التَّسْوِيَةَ بين اللاَّزم والمتعدِّىِ، فإن “فَعيلًا” بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي، و”فَعِيلًا” بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم؛ لأنه غالبُ ما يأتي من “فَعُل” المضموم العين, فلو جرى على أحدهما حكم الآخر، لكان ذلك تسوية بين اللازم والمتعدِّي وهو ممتنعٌ.
الاعتراض الثاني: أنّ هذا إنِ ادُّعِيَ على وجه العموم فباطل، وإن ادُّعِيَ على سبيل الخُصوص فما الضابطُ وما الفرقُ بين ما يسوغُ فيه هذا الاستعمالُ وما لا يسوغُ؟.
الاعتراض الثالث: أن العربَ قد نَطَقَتْ في “فَعِيل” بالتاء وهو بمعنى مفعول، وجرَّدَتْهُ من التاء وهو بمعنى فاعل، قال جرير (1) يرثي خالدة (2):
نِعْمَ القَرِينُ وكنتِ عِلْقَ مَضِنَّةٍ … وأرى بِنَعْفِ بُلَيَّةَ الأحجارُ
فجرَّدَ “القرين” من التاء وهو بمعنى فاعل، وقال (3): فسَقَاكِ حيثُ حَلَلْتِ غيْرَ فَقِيْدةٍ … هَزِجُ الرَّوَاحِ ودِيمَةٌ لا تُقْلِعُ فقرن “فقيدة” بالتاء، وهو فعيل، بمعنى مفعول أي: غير مفقودة.
__________
(1) “ديوانه”: (ص/ 154).
(2) (ع): “خالته” و (ق): “والده” والمثبت من (ظ) وهو الصواب، وهي زوجته وأم ابنه حَزْرة.
والنعف: أعلى الوادي، وبُلَيَّة: اسم موضع.
(3) أي: جرير, “ديوانه”: (ص/ 268).
(3/865)
وقال الفرزدق (1):
فَدَاوَيْتُهُ عَامَيْنِ وهي قَريبةٌ … أَرَاها وتَدْنو لي مِرارًا وأَرْشُفُ
ويقولون: “امرأَةٌ فَتِينٌ وسَرِيحٌ وهَرِيتٌ” (2)، فجرَّدوه من التاء وهو بمعنى فاعل، وقالوا: “امْرَأَةٌ فَروكٌ، وهَلُوكٌ، ورَشُوفٌ، وأَنُوفٌ، وَرَصوفٌ” (3)، فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور، وقالوا: “امْرأَةٌ عَرُوبٌ” (4)، فجردوه أيضًا، ثم قالوا: “امرَأَةٌ مَلُولَةٌ وفُرُوقَةٌ”، فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضًا، ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها، فقد رأيتَ اشتراكَ فَعُول وفَعِيل في الاقتران بالتاء والتجرُّد منها، فدعوى أصالةِ المجرَّد منهما، وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها، ومع مقابِلِها قياسُ اللغة في اقتران المؤنَّث وتجريد المذكَّر.
وأما ما استشهدتم به من قوله تعالى: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)}، فهو على وَفْق قياس العربية، فإن العظامَ جمع عَظْم، وهو مذكَّر، ولكن جمعه جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز أن يُرَاعَى فيه تأنيثُ الجماعة، وباعتباره قال: (وهي)، ولم يقلْ: (وهو)، ويُرَاعى فيه معنى الواحد، وباعتباره قال: “رَمِيم”، كما يقال: “عظمٌ رَمِيم”، مع أن رَمِيمًا يطلقُ على (5) المذكر مفردًا
__________
(1) “ديوانه”: (ص/ 432).
(2) فَتِين من الفتنة، والسريح: المطلقة التي لا زوج لها، والهريت: المرأة المفضاة. انظر “القاموس”.
(3) الفروك: المبغضة لزوجها، والهلوك: الفاجرة أو الحسنة التبعُّل، من الأضداد، والرشوف: طيبة الفم، والأنوف: طيبة رائحة الأنف، ورصوف: ضيِّقة المكان.
(4) العروب: المتحببة إلى زوجها.
(5) (ق وظ) زيادة: “جمع”.
(3/866)
وجمعًا، قال جرير (1):
آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ … أَمْسَوا رَمِيمًا فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ
فهذا الاعتراضُ على هذا المسلكِ.
فصل
المسلك الثاني: أن “قريبًا” في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر (2):
أرى رجلاً منهم أَسِيفًا كأنَّما … يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًا مُخَضَّبا
فكفٌّ مؤنَّثٌ، ولكن تأوَّلَه بمعنى عُضْو وطَرَف، فذكر صفتَه، فكذلك تُتأوَّلُ الرحمة وهى مؤنثة بالإحسان، فيذكر خبرها. قالوا: وتأويلُ الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكفِّ بعضوٍ لوجهين:
أحدهما: أن الرحمةَ معنًى قائمٌ بالرَّاحم، والإحسان هو بِرُّ المرحوم، ومعنى القُرْب في البر من المحسنين أظهرُ منه في الرحمة.
الثاني: أن ملاحظة الإحسان في الرَّحمة الموصوفة بالقُرْب من المحسنين، هو مقابل الإحسان (3) الذي صدر منهم، وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قُوَّةً، واللفظُ جزالةً، حتى كأنه قال: إن إحسان الله قريبٌ من أهل الإحسان، كما قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)} [الرحمن: 60] فذكر “قريبًا” ليفهم منه أنه صفةٌ
__________
(1) “ديوانه”: (ص / 308)، وفيه: “أمسو رمادًا”.
(2) هو: الأعشى “ديوانه”: (ص/ 60).
(3) من قوله.”في الرحمة الموصوفة … ” إلى هنا سقط من (ظ)، وفي (ع): “بالرحمة … هو مقابلة للإحسان”.
(3/867)
لمذكَّر، وهو الإحسانُ، فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل المؤنث بمذكَّر ما أنشده الفَرَّاء (1):
وَقَائِعُ في مُضَرٍ تِسْعَةٌ … وفي وائِلٍ كانَتِ العاشِرَهْ
فتأوَّلَ الوقائعَ وهي مؤنَّثَةٌ بأيام الحرب المذكَّرة، فأَنَّث العَدَدَ الجاري عليها، فقال: تسعة، ولولا هذا التأويل لقال: تِسْعٌ؛ لأن الوقائع مؤنثة، قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: “جاءَتْهُ كِتابي”، أي: صَحِيفتي، وفي قول الشاعر (2):
يا أيُّها الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ … سَائِلْ بني أسَدٍ ما هذهِ الصَّوْتُ
أي: ما هذه (3) الصيحَة؟ مع أنه حَمْل أصلٍ على فرع، فَلأَنْ يجوزَ تأويل مؤنث بمذكر، لكونه حَمْل فرع على أصل أولى وأحرى، وهذا وجهٌ جيد، وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين:
أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه، لجاز أن يقال: “كَلَّمَتْنِي زَيدٌ، وَأَكْرَمَتْنِي عَمْرٌو، وكَلَّمَنِي هِنْدٌ، وأكْرَمَنِي زَيْنَبُ” تأويلًا لزيْدٍ وعمْرٍو بالنفس والجثة، وتأويلاً لهندٍ وزينبَ بالشخص والشَّبَح، وهذا باطلٌ (4).
وهذا الاعتراضُ غيرُ لازم، فإنهم لم يدَّعواْ اطّرادَ ذلك، وإنما ادَّعوا أنه مما يَسُوغ أن يستعملَ، وفَرْق، بين ما يَسُوغُ في بعض الأحيان
__________
(1) أنشده ابن الأنباري في “الإنصاف”: (2/ 769) بلا نسبةٍ.
(2) هو: رُوَيشد بن كثير الطائي، كما في “حماسة أبي تمام”: (1/ 102).
(3) “ما هذه” من (ع) فقط.
(4) من قوله: “زينب، تأويلًا … ” سقط من (ق) وبياض في (ظ).
(3/868)
وبين ما يَطَّرِد كرفع الفاعل ونصب المفعول، وهم لم يدَّعوا أنه من القسم الثاني.
ثم إن هذا الاعتراضَ مردودٌ بكلِّ ما يسوغُ استعمالُه بمُسَوِّغٍ وهو غير مُطَّرِد، وهو أكثرُ من أن يذكر هاهنا، ولا ينكرُه نحْوِيٌّ أصلًا، وهل هذا إلا اعتراضٌ (1) على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات؟! وأهلُ العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك، فلو أنهم قالوا: يجوزُ تأويلُ كلِّ مؤنَّث بمذكَّر يوافقه وبالعكس لصحَّ النقض، وإنما قالوا: يسُوغ أحيانًا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمَّنُها (2) التأويل، كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرَّحمة بالإحسان.
الاعتراض الثاني: أن حَمْل الرحمة على الإحسان؛ إما أن يكونَ حملًا على حقيقته أو مجازه، وهما ممتنعان، فإن الرحمة والإحسان مُتَغَايرَانِ، لا يلزمُ من أحدهما وجود الآخر؛ لأن الرحمة قد توجدُ وافرةً في حقِّ من لا يتمكَّنُ من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها (3)، وقد يوجدُ الإحسان ممَّن لا رحمةَ في طباعه كالمَلِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائِهِ وغيرهم لمصلحة مُلْكِهِ مع أنه لا رحمةَ عندَهُ، وإذا تبَيَّنَ انفكاكُ أحدهما عن الآخر لم يَجُزْ إطلاقُه عليه لا حقيقةً ولا مجازًا.
أما الحقيقةُ فظاهرٌ، وأما المجازُ فإن شرطهُ خطورُ (4) المعنى المجاري بالبال ليَصِحَّ انتقالُ الذهن إليه، فإذا كان منفكًّا عن الحقيقة
__________
(1) (ق وظ): “الاعتراض”!.
(2) (ق وع): “يتضمنه”.
(3) (ظ): “كالوالد العاجز ونحوه” و (ق): “كالوالدة العاجز”.
(4) (ع): “حضور”.
(3/869)
لم يخطرْ بالبال (1)، وهذا الاعتراضُ أفسدُ من الذي قبلَه، وهو من باب التَّعَنُّت والمناكدة.
وأين هذا من قول أكثر المتكلمين -ولعل هذا المعترض منهم-: إنه لا معنى للرحمة غالبًا إلا الإحسانُ المحضُ، وأما الرِّقَّةُ والحِنَّة (2) التي في الشاهد فلا يوصفُ الله تعالى بها، وإنما رحمتُه مجرَّدُ إحسانه، ومع أنَّا لا نرتضي هذا القولَ، بل نثبتُ لله تعالى الرحمةَ حقيقةً، كما أثبتها لنفسه منزَّهَةً مبرَّأَةً عن خواصِّ صفاتِ المخلوقين، كما نقوله في سائر صفاته، من إرادتِهِ وسمعِهِ وبصرِهِ وعلمِهِ وحياتِهِ وسائرِ صفات كماله، فلم نذكره إلا لِنُبَيَّنَ فسادَ اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقوله من المُتَكَلِّمينَ.
ثم نقول: الرحمةُ لا تنفكُّ عن إرادة الإحسان، فهي مستلزمةٌ للإحسان أو إرادته استلزامَ الخاصِّ للعام، فكما يستحيلُ وجودُ الخاص بدون العام، فكذلك الرحمة بدون الإحسانِ أو إرادتِه يستحيلُ وجودُها.
وأما قضيّةُ الأم العاجزة فإنها وإن لم (3) تقدِر على الإحسان بالفعل فهي محسِنةٌ بالإرادة، فرحمتها لا تنفكُّ عن إرادتها التامَّة للإحسان، التي يقترنُ بها مقدورها إمَّا بدُعاء وإمَّا بإيثار بما تقدر عليه، ونحو ذلك، فتخلُّف بعض الإحسان التي لا تقدرُ عليه عن رحمتها لا يخرجُ رحمتَها عن استلزامها للإحسان المقدور، وهذا واضحٌ.
وأما المَلِكُ القاسي إذا أحسَنَ فإن إحسانه لا يكون رحمةً، فهذا
__________
(1) (ظ): “بالذهن”.
(2) الحِنَّة: هي رقة القلب. “اللسان”: (13/ 129).
(3) (ظ): “وإن لم تكن … “.
(3/870)
لأن الإحسانَ أعمُّ من الرحمة، والأعمُّ لا يستلزمُ الأخصَّ، وهم لم يدَّعوا ذلك فلا يلزمهم، وأيضًا فإن الإحسان قد يقالُ: إنه يستلزمُ الرحمةَ، وما فعلى المَلِكُ المذكور فليس بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورتُهُ صورةَ الإحسان، وبالجملة؛ فالعنتُ والمناكدةُ على هذا الاعتراض أَبْيَنُ من أن (ق/ 213 ب) يتُكَلَّفَ معه رَدّهُ وإبْطَالُه.
فصل
المسلك الثالث: أن (قريبًا) في الآية من باب حذف المُضَاف وإقامة المُضَاف إليه مقامَه، مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: “إنَّ مكانَ رحمة الله (1) قريبٌ من المُحسنينَ”، ثم حذفَ المكان وأعطى الرحمة إعرابَهُ وتذكيرَهُ. ومن ذلك قولٌ الشاعر -حسَّان (2) -.
يَسْقُون من وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ … برَدَىَ يُصَفَّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
فقال: يُصَفَّقُ بالياء، وبَرَدَى: مؤنَث؛ لأنه أراد ماءَ بردى، ومنه قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد أخذ بيديه ذهبًا وحريرًا فقال-: “هذان حَرَامٌ على ذكورِ أمتِي” (3)، فقال: “حَرَامٌ” بالإفراد والمخبَرُ عنه مثنَّى، كأنه قال: “استعمالُ هذينِ حَرَامٌ”، وهذا المسلك ضعيفٌ جدًّا؛ لأن حذفَ المُضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، يُسوغُ ادِّعاؤه مطلقًا، وإلا لالتبسَ الخطاب وفَسَد التَّفاهم وتعطَّلَتِ الأدلَّةُ، إذ ما من لفظِ
__________
(1) ظ: “الرحمة”.
(2) “ديوانه”: (1/ 74).
(3) أخرجه أحمد: (2/ 164 رقم 750)، وأبو داود رقم (4057)، والنسائي: (8/ 160)، وابن ماجه رقم (3595) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو صحيح بشواهده الكثيرة.
(3/871)
أمرٍ أو نهي أو خبرٍ يتضمِّن مأمورًا به (1) ومنهيًّا عنه ومخبَرًا، إلا ويمكنُ على هذا أن يُقَدَّر له لفظ (2) مضاف يُخرجه عن تعلُّق الأمر والنهي والخبرية.
فيقول الملحدُ في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] أ، أي: معرفة حج البيت، و {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أي: معرفة الصيام، وإذا فُتِحَ هذا الباب فسَدَ التَّخَاطُبُ وتعطَّلَتِ الأدلَّةُ، وإنما يضمَرُ المضافُ حيث يتعيَّنُ ولا يصِحُّ الكلامُ إلا بتقديره للضرورة، كما إذا قيل: “أكَلْتُ الشَّاةَ” فإن المفهوم من ذلك: “أكَلْت لَحْمَها”، فحَذف المضاف لا يُلْبس، وكذلك إذا قلت: “أكَلَ فُلانٌ كَبدَ فُلانٍ”: إذا أكل مالَهُ، فإِن المفهوم: أكل ثَمَرَةَ كَبدِه، فحَذْف المضاف هنا لا يُلْبس (3)، ونظائره كثيرة.
وليس منه: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وإن كان أكثر الأصوليين يمثِّلون به، فإن القوية اسمٌ للسكان في مسكن مجتمع، فإنما تطلقُ القريةُ باعتبار الأمرين، كالكأسِ: لمأ فيه الشَّراب. والذَّنُوب: للدَّلْوِ الملآنِ ماءً، والنهرِ (4). والخِوان: للمائدةِ إذا كان عليها طعامٌ ونظائره.
ثم إنهم لكثرة استعمالهم هذه اللَّفظةَ ودورانِها في كلامهم أطلقوها على السُّكَّان تارَةً، وعلى المسكن تارة، بحسب سياق الكلام وبساطه (5)، وإنما يفعلونَ هذا حيث لا لَبْسَ فيه (6)، فلا إضمارَ (ظ /561 ب) في
__________
(1) من (ع).
(2) (ق وع): “لفظه”.
(3) من قوله: “وكذلك إذا … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) “النهر” ليست في (ق).
(5) معناها هو مضى السياق، واستعملها ابن القيم في “البدائع”: (3/ 1130) أيضًا.
(6) من (ع).
(3/872)
ذلك ولا حَذْف، فتأمَّلْ هذا الموضعَ الذي خَفِيَ على القومِ مع وضوحه.
وإذا عُرِف هذا فقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ليس في اللَّفظ ما يدُلُّ على إرادة (ق /214 أ)، موضع ولا مكانٍ أصلًا، فلا يجوزُ دعوى إضماره، بل دعوى إضماره خطأ قطعًا؛ لأنه يتضمَّنُ الإخبارَ بأن المتكلِّم أرَاد المحذوفَ ولم ينصبْ على إرادته دليلًا لا صريحًا ولا لزومًا، فدعوى المُدَّعي أنه أراده (1) دعوى باطلةٌ.
وأما قوله: “بَرَدَى يُصَفَّقُ” فليس أيضًا من باب حذف المُضاف، بل أراد “ببَرَدَى” النهر وهو مُذَكَّرٌ، فوصفه بصفة المذكَّر فقال: يُصَفَّقُ (2)، فلم يُذَكَّرَ بناء على حذف مضاف، وإنما ذُكَر بناءً على أن بَرَدَى المُرادُ به النهرُ.
فإن قلتَ: فلابُدَّ من حذف مضاف؛ لأنهم إنما يَسقُونَ ماءَ بَرَدَى لا نفسَ النهر.
قلتُ: هذا وإن كان مرادَ الشاعر فلم يلزمْ منه صحَّةُ ما ادَّعاه من أنه ذكر “يُصَفَّقُ” باعتبار الماء المحذوف، فإن تذكيره إنما يكونُ باعتبار إرادة النهر وهو مذكَّرٌ، فلا يدلُّ على ما ادَّعَوْه.
وأما قولة – صلى الله عليه وسلم -: “هذانِ حَرامٌ”؛ ففي إفراد الخبر سِرٌ بديعٌ جدًّا، وهو التنبيهُ والإشارةُ على أن كلَّ واحدٍ منهما بمفرده موصوفٌ بأنه حرامٌ، فلو ثَنَّى الخبر لم يكن فيه تنبيهٌ على هذا المعنى، فلهذا أفْرَدَ الخبر، فكأنه قال: “كلُّ واحدٍ من هذين حرامٌ”، فدلَّ إفرادُ الخبر على إرادة الإخبار عن كل واحدٍ واحدٍ بمفرده، فتأمَّلْه فإنه من بديع
__________
(1) من قوله: “إرادته … ” إلى هنا سقط من (ع).
(2) من قوله: “فليس أيضًا … ” إلى هنا سقط من (ق).
(3/873)
اللُّغة، وقد تقدَّم بيانهُ في هذا التعليق في مسألة (كِلا وكِلْتا) (1)، وإن قولهم: “كلاهما قائمٌ” بالإفراد لا يدُلُّ على أن (كلا) مفردٌ كما ذهب إليه البصريون، بل هو مثنّى حقيقة، وإنما أفردوا الخبرَ للدلالة على أن الإخبار عن كلِّ واحد منهما بالقيام، وقد قرَّرنا ذلك هناك بما فيه كفاية.
فصل
المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصِّفَة مقامَهُ، كأنه قال: “إن رحمةَ الله شيءٌ قريبٌ من المحسنين”، أو “لطفٌ قريبٌ”، أو “بِرٌّ قريبٌ”، ونحو ذلك، وحَذْف الموصوف كثير، فمنه قول الشاعر (2):
فامت تُبَكِّيْه على قَبْرِهِ … مَنْ لِيَ مِنْ بَعْدِكَ يا عامرُ
تَرَكْتَنِي في الدَّار ذا عُرْبَةٍ … قَدْ ذلَّ من ليس له ناصِرُ
المعنى: تَرَكتَنِي شَخْصًا أو إنسانًا ذا غُرْبَةٍ، ولولا ذلك لقالت: تَرَكْتَنِي ذَاتَ غُرْبَةٍ. ومنه قول الآخر (3):
فلو أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي … فِرَاقَكِ لم أبخَلْ وأنتِ صَدِيقُ
أراد: وأنت شخصٌ أو إنسان صديقٌ، وعلى هذا المسلك حَمَل سيبويه قولَهم للمرأة: حَائِضٌ وطَامِث وطَالِقٌ، فقال: “كأنهم قالوا:
__________
(1) انظر: (1/ 376).
(2) أنشده ابن الأنباري في “الإنصاف”: (2/ 507) وابن منظور في “اللسان”: (4/ 608) بلا نسبة.
(3) أنشده الفراء كما ذكر ابن منظور في “اللسان”: (13/ 30) بلا نسبةٍ، وهو من شواهد الزمخشري في “المفصل”: (ص/ 395)، وابن هشام في “المغني” رقم (38)، وابن عقيل رقم (105).
(3/874)
شيء حائِضٌ وشيء طامِثٌ” (1) وهذا المسلك -أيضًا- ضعيف لثلاثة أوجه:
أحدها: أن حذفَ الموصوف وإقامةَ الصِّفة مقامَهُ إنما يحسُنُ بشرطين: أن تكونَ الصِّفَةُ خاصَّةً يُعْلَمُ ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. الثاني: أن تكونَ الصِّفَةُ قد غلب استعمالها مفردةً على الموصوف (2)، كالبَرِّ والفاجر والعالم والجاهل والمتِّقي والرسول والنبي، ونحو ذلك مما غلب استعمالُ الصِّفَة فيه مجرَّدَةً عن الموصوف، فلا يكاد يجيءُ ذكر الموصوف معها، كقوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)} [الانفطار: 13، 14] وقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)} [الحجر: 45] وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] وقوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: 254] وهو كثير جدًّا في القرآن وكلام العرب وبدون ذلك لا يحسُنُ الاقتصار على الصِّفَة، فلا يحسُنُ أن تقول: “جاءَني طَويلٌ ورأيْتُ جميلًا أو قَبيحًا” وأنت تريد: “جَاءَنِي رجُلٌ طَويلٌ، وَرأيْتُ رَجُلًا جَمِيلًا أو قبيحًا” ولا تقول: “سَكَنْتُ في قَرِيبٍ” تريد: “في مكانٍ قريبٍ” مع دلالة السكنى على المكان.
الثاني: أن الشيءَ أعمُّ المعلومات، فإنه يشملُ الواجب والممكنَ، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلامُ بها فصيحًا بليغًا، فضلًا عن أن يكونَ بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأيُّ فَصَاحةٍ وبَلَاغةٍ في قول القائل في “حائِضٌ وطامِثٌ وطالِقٌ”:
__________
(1) “الكتاب”: (3/ 383).
(2) من قوله: “بعينه لا … ” إلى هنا سقط من (ظ).
(3/875)
“شيءٌ حائِضٌ وشيءٌ طامث وشيءٌ طالقٌ”، وهو لو صرَّح (ظ / 157 أ)، بهذا لاستهجَنَهُ السامعُ، فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمَّنُ فائدةً أصلًا؟! إذ كونه شيئًا أمرٌ معلومٌ عامٌّ لا يدُلُّ على مَدْح ولا ذمٍّ، ولا كمال ولا نقصان.
وينبغي أن يُتَفَطَّنَ هاهنا لأمر لابُدَّ منه، وهو أنه لا يجوزُ أن يُحْمَلَ كلام الله عز وجل ويُفَسر بمجرد الاحتمال النَّحْوي الإعرابي الذي يحتملُه تركيبُ الكلام (1)، ويكونُ به الكلام له معنًى ما، فإنَّ هذا مقامٌ (2) غَلِطَ فيه أكثرُ المعربين للقرآن، فإنهم يفسِّرون الآية ويعربونها بما يحتملُهِ تركيب تلك الجملة، ويُفْهَم من ذلك الترِكيبِ أي معنًى اتَّفَقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطع السامعُ بأن مرادَ القرآن غيْرُهُ، وإن احتملَ ذلكَ التركيبُ هذا المعنى في سياقٍ آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزمُ أن يحتملَهُ القرآن.
مثل قول (ق/215 أ) بعضهم في قراءة من قرأ: {وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] بالجرِّ (3): إنه قَسَمٌ (4).
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217]: إن المسجدَ مجرور بالعطف على الضمير المجرور في (به) (5).
__________
(1) وانظر “مجموع الفتاوى”: (15/ 94)، و”قواعد التفسير”: (1/ 235) للسبت.
(2) (ق): “مقام عظيم”.
(3) وهي قراءة حمزة.
(4) ذكره القُشَيري عن بعضهم وقال: “وهذا تكلُّف”، وأجاب القرطبي بأنه، لا تكلف فيه. انظر “الجامع لأحكام القرآن”: (5/ 5).
(5) انظر “الجامع لأحكام القرآن”: (3/ 31 – 32)، و”البحر المحيط”: (2/ 155 – 156) لأبي حيان.
(3/876)
ومثلُ قول بعضهم في قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُم وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]: إن (المقيمين) مجرور بواو القسم (1).
ونظائر ذلك أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه، وأَوْهَى بكثير، بل للقرآنِ عرفٌ خاصٌ ومَعَانٍ معهودةٌ لا يناسبُهُ تفسيره بغيرها، ولا يجوزُ تفسيره بغير عُرْفه والمعهودِ من معانيه، فإنَّ نسبةَ معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظَهُ ملوكُ الألفاظ وأجلُّها وأفصحُها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي تعجَزُ عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجلُّ المعاني (2) وأعظمُها وأفخمُها، فلا يجوزُ تفسيرُه بغيرها من المعاني التي لا تَلِيقُ به، بل غيرُها أعظمُ منها وأجلُّ وأفخمُ، فلا يجوز حملهُ على المعاني القاصرة، بمجرَّدِ الاحتمال النَّحْوي الإعرابي، فتدبَّرْ هذه القاعدةَ، ولْتَكُنْ منك على بال، فإنك تنتفعُ بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزَيْفها، وتقطعُ أنها ليست مُرَادَ المتكلم تعالى بكلامه، وسنزيد هذا إن شاء الله بيانًا وبسطًا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصلٌ من أصوله بل من (3) أهمِّ أصولِهِ.
الوجه الثالث: أن “طالِقًا وحائضًا وطامِثًا” إنما حُذِفَتْ تاؤُه لعدم الحاجة إليها، فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكَّر والمؤنث في محل اللَّبْس، فإذا كانت الصِّفَة خاصَّة بالمؤنَّث فلا لَبْس، فلا حاجة إلى التاء، هذا هو الصَّوَابُ في ذلك، وهو المذهبُ الكوفيُّ.
فإن قلت: هذا خلافُ مذهب سيبويه.
__________
(1) لم أر من ذكر هذا القول.
(2) من قوله “وأفصحها … ” إلى هنا سقط من (ظ).
(3) من (ع).
(3/877)
قلت: فكان ماذا؟ وهل يرتضي محصِّل بردِّ موجب الدليل الصحيح لكونه خلافَ قول عالم معيَّن، هذه طريقةُ الخفافيش، فأما أهلُ: البصائر فإنهم لا يردُّون الدليلَ وموجبه يقول مُعَيَّنٍ أبدًا، وقليلٌ ما هم.
ولا ريْبَ أن أبا بشر (1) -رحمه الله- ضَرَبَ في هذا العلمِ بالقِدْح المُعَلَّى، وأَحْرَزَ من قَصَبَات سَبْقِهِ، واستولى من أمدِهِ (2) على ما لم يَسْتَوْلِ عليه غيرُهُ، فهو المُصَلِّي في هذا المضمار، ولكن لا يوجبُ ذلك أن يُعْتَقَدَ أنه أحاطَ بجميع كلامِ العرب، وأنه لا حقَّ إلا ما قالَهُ، وكم (ق/215 ب) لسيبويه من نَصٍّ قد خالفه جمهورُ أصحابه فيه، والمُبَرِّزونَ منهم، ولو ذهبنا نذكرُ ذلك لطال الكلام به.
ولا تنسَ قولَه في باب الصِّفة المُشَبَّهَةِ (3): “مَرَرْتُ برَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهُهُ” بإضافة حسن إلى الوجه، والوجه إلى الضمير، ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك، فسيبويه رحمه اللهُ ممن يُؤْخَذُ من قوله ويترك، وأما أن نعتقدَ صحَّة قوله في كلِّ شيءٍ فكلاَّ، وسنفردُ إن شاء الله كتابًا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا فيه، وبيان الراجح من ذلك، وباللهِ التوفيق والتَّأْييد.
فإن قلت: يكفي في رد ما اخترتموه في “حَائِض وطامِث وطَالِق” من المذهب الكوفي قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] فهذا وصف يختصُّ به الإناث، وقد جاء بالتاء.
__________
(1) يعني: سيبويه.
(2) (ع): “أصله”، والأمد: الغاية.
(3) “الكتاب”: (1/ 194 – 195).
(3/878)
قلت: ليس في هذا -ولله الحمد- ردٌّ لهذا المذهب ولا إبطال له، فإن دخولَ (ظ / 157 ب) التاء هاهنا يتضمَّنُ فائدةً لا تحصلُ بدونها فتعيَّنَ الإتيانُ بها، وهي: أن المراد بالمرضعة فاعِلَةُ الرَّضَاع، فالمرادُ الفعل لا مجرد الوصف، ولو أُرِيْدَ الوصفُ المجرَّد بكونها من أهل الإرضاع لقيل: “مُرْضِعٌ” كحَائِض وطَامِث.
ألا ترى إلى قوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يَقْبلُ الله صَلاةَ حَائِضٍ إلاّ بِخِمَارٍ” (1) فإن المرادَ به الموصوفة بكونها من أهل الحَيْض لا من يجري دمُها، فالحائضُ والمُرْضِعُ وَصْف عامّ، يقالُ (2) على من لها ذلك وصفًا، وإن لم يكنْ قائِمٌا بها، ويقال على مَنْ قام بها الفعلُ، فأُدْخِلت التاءُ هاهنا إيذانًا بأن المُرَادَ: مَنْ تفعل الرَّضَاع، فإنها تذهلُ عمَّا تُرْضِعُهُ لشدَّة قوله زلزلة الساعة، وأكَّدَ هذا المعنى بقوله: {عَمَّا أَرْضَعَتْ} فعُلِم أن المُرادَ: المُرضِعَةُ التي تُرْضِعُ بالفعل لا بالقوَّة والتَّهَيُّؤ، وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا.
فصل
المسلك الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه، إذا كان صالحًا للحذف والاستغناء عنه بالثاني، كقول الشاعر (3):
لمَّا أتى خَبَر الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجَبِالُ الخُشَّعُ
__________
(1) أخرجه أحمد: (6/ 150)، وأبو داود رقم (641)، والترمذي رقم (377)، وابن ماجه رقم (655)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 612)، والحاكم: (1/ 251).
والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم على شرط مسلم. وأعله الدارقطني بالوقف. انظر: “نصب الراية”: (1/ 295).
(2) (ق وظ): “فقال”.
(3) البيت لجرير “ديوانه” (ص / 270).
(3/879)
وقال الآخر (1):
مَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ … أَعَالِيَها مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ
وقال الآخر:
بَغْيُ النُّفُوسِ مُعِيدَةٌ نَعْمَاءَهَا … نِقَمًا، وإنْ عَمِهَتْ، وطالَ غُرُورُها
فأنَّثَ الأوَّلُ: “السُّورَ” المضاف إلى المدينة، والثاني: “المَرَّ” المُضَافَ إلى الرِّياح، (ق/216 أ) والثالثُ: “البَغْيَ” المُضاف إلى النفوس، لتأنيث المُضاف إليه مع أن التذكير أصلٌ والتأنيث فرع، فحُمِل الأصل على الفرع، فَلأَنْ يجوزَ تذكيرُ المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى؛ لأنه حَمْل للفرعِ (2) على الأصل.
ومنْ الأول أيضًا قول الشاعر (3):
وتَشْرَقُ بالأَمْرِ الذي قد أَذَعْتَهُ … كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ منَ الدَّمِ
فأنث “الصَّدْرَ” لإضافته إلى القناة.
وأنشدني بعضُ أصحابنا لأبي محمد بن حزم، في هذا المعنى بإسناد لا يحضرُني:
تجنَّب صديقًا مثل ما، واحذرِ لذي … تراه كعَمْرو بين عُرْبِ وأعجمِ
فإن صديقَ السَّوْءِ يُرْدِي وشاهدي … كما شَرِقَتْ صدْرُ القناةِ من الدَّمِ
__________
(1) البيت لذي الرمة “ديوانه”: (2/ 754)، والرواية فيه:
*رويدًا كما اهتزت ….. *
(2) (ع وظ): “حَمَل الفرعَ”.
(3) البيت للأعشى “ديوانه”: (ص/183).
(3/880)
ومنه قول النابغة الذبياني (1):
حتى اسْتَغَاثَتْ بأهلِ المِلْحِ ضَاحِيَةً … يَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ عقد الأطانيبِ
ومنه قول لبيد (2):
فمضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً … منهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُهَا
وهذا المسلكُ وإن كان قد ارتضاه غيرُ واحد من الفضلاء فليس بقَويٍّ؛ لأنه إنما يُعْرَفُ مجيئهُ في الشعر، ولا يُعرفُ في الكلام الفصيح منه إلا النَّادر، كقولهم: “ذَهبَتْ بعضُ أَصابِعِهِ” والذي قوَّاه هاهنا شدَّةُ اتِّصال المُضاف بالمضاف إليه، وكونُه جزؤُه حقيقة، فكأنه قال: “ذَهبَتْ إصْبَعٌ أو إصْبَعَانِ مِنْ أصَابعِهِ”، وحَمْل القرآن على المكثور الذي خلافُهُ أفصحُ منه ليس بسهل.
فصل
المسلك السادس: إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر؛ لكونه تَبعًا له ومعنًى من معانيه، فإذا ذُكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يُفهم منه.
ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)} [الشعراء: 4] فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها، ومنه في أحدِ الوجوه قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ} [التوبة: 62]، المعنى: واللهُ أحقُّ أن يُرضوه
__________
(1) “ديوانه”: (ص/ 50) لكن الرواية فيه:
حتى استغاثت بأهل الملح ما طَعِمَت … في منزلٍ طَعْم نومِ غيرَ تأويبِ
(2) من معلقته انظر “شرح المعلقات”: (ص/ 550) لابن الأنباري.
(3/881)
ورسولهُ كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله، إذ إرضاؤُه هو أرضاءُ رسولِهِ، فلم يحتجْ أن يقول: يرضوهما، فعلى هذا يكون الأصل في الآية: “إنَّ الله قَرِيبٌ من المُحْسِنينَ، وإن رحمةَ اللهِ قريبةٌ من المُحْسِنين”، فاستغنى بخبرِ المحذوف عن خبر الموجود، وسَوَّغَ ذلك ظهورُ المعنى، وهذا المسلكُ مسلكٌ حَسَنٌ إذا كُسِي تعبيرًا أحسنَ من هذا، وهو مسلكٌ لطيفٌ المَنْزِع دقيقٌ على الأفهام، وهو من أسرار القرآن.
والذي ينبغي أن يعَبَّرَ عنه به: أن الرحمة صِفَةٌ من صِفَات الرب تبارك وتعالى، والصِّفَةُ قائمة بالموصوف (ظ / 158 أ) لا تفارِقُهُ؛ لأن الصفة لا تفارقُ موصوفَها، فإذا كانت قريبةً من المُحسنين (ق / 216 ب) فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قربُ رحمته منه تَبَعٌ لقُرْبه هو تبارك وتعالى من المُحسنينَ.
وقد تقدَّم في أوَّل الآية أن الله تبارك وتعالى قريبٌ من أهل الإحسان بإثابته، ومن أهل سؤاله بإجابته، وذكرنا شواهدَ ذلك، وأن الإحسانَ يقتضي قربَ الرَّبِّ من عبده، كما أن العبدَ قرُبَ من ربِّه بالإحسان، وأن من تَقَرَّبَ منه شِبرًا تقرَّب اللهُ منه ذراعًا، ومن تَقَرَّبَ منه ذراعًا تَقَرَّبَ منه باعًا، فالربُّ تبارك وتعالى قريبٌ من المحسنين، ورحمتُه قريبةٌ منهم، وقربُهُ يستلزمُ قربَ رحمته، ففي حذف التاء هاهنا تنبيهٌ على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريبٌ من المحسنين، وذلك يستلزمُ القُربين: قربَه وقربَ رحمته، ولو قال: “إن رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين”، لم يدُلَّ على قربه تعالى منهم؛ لأن قربَهُ تعالى أخصُّ من قرب رحمته، والأعمُّ لا يستلزمُ الأخصَّ، بخلاف قربه، فإنه لما أكان أخصَّ استلزمَ الأعمَّ، وهو قرب رحمته،
(3/882)
فلا تستهِنْ بهذا المسلك، فإنَّ له شأنًا، وهو متضمِّنٌ لسِرٍّ بديع من أسرار الكتاب، وما أظنُّ صاحبَ هذا المسلكِ قَصَدَ هذا المعنىَ ولا أَلَمَّ به، وإنما أراد أن الإخبار عن قُرْبِه تعالى من المحسنين كافٍ عن الإخبار عن (1) قُرْب رحمته منهم.
فهو مسلك سابع في الآية، وهو المختار، وهو من أَلْيَقِ ما قيلَ فيها، وإن شئتَ قلت: فُرْبُهُ تبارك وتعالى من المحسنين، وقُرْب رحمته منهم متلازمانِ، لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر، فإذا كانت رحمتُه قريبةً منهم فهو أيضًا قريبٌ منهم، وإذا كان المعنيانِ متلازمينِ صحَّ إرادةُ كلِّ واحد منهما (2)، فكان في بيان قُرْبه سبحانه من المُحسنينَ من التَّحريض على الإحسان، واستدعائه من النفوس، وترغيبها فيه [غايةُ] (3) حظٍّ لها وأشرفُه وأجلُّه على الإطلاق، وهو أفضلُ عطاءٍ أُعْطِيَهُ العبدُ، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غايةُ الأماني، ونهاية الآمال، وقرَّة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها، فكان في العدولِ عن “قريبة” إلى “قريب” من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلَّفُ بعده إلا من غَلَبَتْ عليه شقاوَتُهُ، ولا قُوَّة إلا بالله تعالى.
فصل
المسلك الثامن: أن الرحمة مصدرٌ، (ق/217 أ) والمصادر كما لا تثنَّى ولا تجمع، فحقها أن لا تؤنث، وهذا المسلك ضعيف جدًّا،
__________
(1) (ع وظ): “من”.
(2) من قوله: “فهو أيضًا … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3) في النسخ: “بعامة” وغير بينّة في (ع) والمثبت من “المنيرية”.
(3/883)
فإنَّ الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] وقوله فيما حكى عنه رسوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ، أَوْ سَبَقَتْ غَضَبِي” (1)، ولو كان حذفُ “التاء” من الرحمة لكونها مصدرًا، والمصادرُ لا حظَّ للتأنيث فيها، لم يَعُدْ عليها الضمير إلا مذكَّرًا، وكذلك ما كان من المصادر بالتاء، كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها، وفي بطلان ذلك دليلٌ على بطلان هذا المسلك.
فصل
المسلك التاسع: أن “القريب” يراد به شيئان:
أحدهما: النَّسَب في القرابة، فهذا بالتاء، تقول: “فُلانَةٌ قَريبةٌ لي”.
والثاني: قرب المكان وهذا بلا “تاء”، تقول: “جَلَسَتْ (2) فُلانَةٌ قَرِيبًا منِّي”، ولا تقول: “قَريبةً مني” وهذا مسلك الفَرَّاء وجماعة، وهو أيضًا ضعيفٌ، فإن هذا إنما هو إذا كان لفظُ القريب ظرفًا فإنه يذكَّر كما قال، تقول: “جَلَسَتِ المَرْأَةُ مني قَرِيبًا” فأما إذا كان اسمًا محضًا فلا.
فصل (3)
المسلك العاشر: أن تأنيثَ الرحمة لما كان غيرَ حقيقيٍّ سَاغَ فيه حذف “التاء”، كما تقول “طَلَعَ الشَّمْسُ وَطَلَعتْ”، وهذا المسلكُ.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3694)، ومسلم رقم (2751) من حديث أبى هريرة – رضى الله عنه -.
(2) من (ظ).
(3) سقط من (ق وظ).
(3/884)
أيضًا فاسدُ، فإن هذا إنما يكون إذا أُسْنِد الفعل (ظ / 158 ب) إلى ظاهر المؤنث.
فأما إذا أُسْنِد إلى (1) ضميره فلابُدَّ من التاء كقولك: “الشَّمْسُ طَلَعَتْ”، وتقول: “الشَّمْسُ طَالِعةٌ” ولا تقول: “طالع”؛ لأن في الصفة ضميرها، فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء.
فصل (2)
المسلك الحادي عشر: أن “قريبًا” مصدرٌ لا وصفٌ، وهو بمنزلة النقيض، فجُرِّد من “التاء”؛ لأنك إذا أخبرتَ عن المؤنث بالمصدر لم تَلْحَقْهُ “التاءُ”، ولهذا تقول: “امْرَأَةٌ عَدْلٌ” ولا تقول: “عَدْلَةٌ” و”امرأةٌ صَوْمٌ، وصَلاةٌ، وصِدْقٌ، وبِرٌّ” ونظائره، وهذا المسلكُ من أفسد ما قيل عن “القريب”، فإن “القريب” (3) لا يُعْرَفُ استعمالُه مصدرًا أبدًا، وإنما هو وصف، والمصدرُ هو القُرْب لا القريب.
[فصل]
المسلك الثاني عشر: أن “فَعِيلًا وفَعُولًا” مطلقًا يستوي فيهما المذكَّرُ والمؤنث، حقيقيًّا كان أو غير حقيقي، كما قال امرؤُ القيسِ (4):
بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ … كَخُرْعُوبَةِ البَانَةِ المُنْفَطِرْ
__________
(1) (ع): “إليه”.
(2) سقط من (ق وظ)
(3) “فإن القريب” من (ع).
(4) “ديوانه”: (ص/ 157).
البَرَهْرَهة: الرقيقة الجلد، والرؤدة والرَّخصة: الناعمة اللينة، وخرعوبة البانة: القضيب الغض الطري.
(3/885)
فَتُوْرُ القيام قطيعُ الكلام … تَفْتَرُّ عن ذي غُروبٍ خَصرْ
وقال أيضًا (1):
له الوَيْلُ إن أمسى ولا أمُّ هاشمٍ … قريبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنةُ يَشْكُرا
وقال جرير (2):
أَتَنْفَعُكَ الحَيَاةُ وأُمُّ عمرٍو … قَرِيبٌ لا تَزُورُ ولا تُزَارُ
وقال جرير أيضًا (3):
كأْن لم نُحَارِبْ يا بُثَيْنُ لو انَّهَا … تَكَشَّفُ غُمَّاهَا، وأَنْتِ صَدِيقُ
وقال أيضًا (4).
دَعَوْنَ الهَوَى ثم ارْتَهَنَّ قُلوبَنَا … بِأَسهمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صديقُ
قالوا: وشواهدُ ذلك كثيرةٌ، وفي هذا المسلك غُنْيَةٌ عن تلك التَّعَسُّفات والتَّأويلات.
وهذا المسلكُ ضعيفٌ أيضًا، وممَّن ردَّه أبو عبد الله بن مالك فقال (5): هذا القولُ ضعيف؛ لأن قائِلَهُ إما أن يُريدَ أن “فَعِيلًا” في هذا الموضع وغيره يستحِقُّ ما يستحِقُّه “فَعُولٌ” من الجَرْي على المذكَّر والمؤنَّث بلفظٍ واحد، وإما أن يريدَ أن “فَعِيلًا” في هذا
__________
(1) “ديوانه”: (ص/68).
(2) “ديوانه”: (ص/ 182).
(3) كذا في الأصول، والصواب أن البيت لجميل بن معمر، انظر “ديوانه”: (ص/144).
(4) “ديوان جرير”: (ص/ 315)، والرواية فيه:
دعونَ الهوى ثمَّ ارتمينَ قلوبنا ………….
(5) في رسالته في تذكير (قريب) من هذه الآية، منشورة في (مجلة الإكليل، السنة السابعة 1409) تحقيق الحموز.
(3/886)
الموضع خاصَّةً محمول على “فَعُول”.
فالأوَّلُ مردودٌ؛ لإجماع أهل العربية على التزام التاء في “ظريفة وشريفة” وأشباههما وَزْنًا ودلالة، ولذلك احتاج علماؤُهم أن يقولوا في قوله تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]، وقوله: {وَلَم أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20]: أن أصل “بَغُوي” على فَعول، فلذلك لم تلحقه التاءُ، ثم أُعِلَّ بإبدال الواو ياء، والضمة كسرة، فصار لفظُه كلفظ “فَعِيل”، ولو كان فَعِيلًا أصلًا للحقته التاءُ، فقيل: “لم أكُ بغيَّةً”.
والثانى أيضًا مردودٌ؛ لأن لـ “فَعِيل” على “فَعُول” من المزايا ما لا يليقُ به أن يكون تَبَعًا له، بل العكس أولى أن يكونَ “فعولٌ” تبعًا لـ”فَعِيل”؛ ولأنه يتضمَّن حَمْل “فَعِيل” على “فَعُول” وهما مختلفان لفظًا ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنَّ “قريبًا” لا مُبَالغةَ فيه، لأنه يوصفُ به كلُّ ذي قُرْب وإن قلَّ، و”فَعُول” لابدّ فيه من المبالغة.
وأيضًا فإن الدَّالَّ على المبالغة لابُدَّ أن يكونَ له بِنَيَةٌ لا مبالغَةَ فيها، ثم يُقْصدُ به المبالغةَ، فتُغيَّر بنيته كـ “ضَارِب وضَرُوب، وعَالِم وعَلِيم”، و”قريبٌ” ليس كذلك، فلا مبالغةَ فيه.
وأما بيت امرئ القيس فلا حجَّة فيه لوجوه:
أحدها: أنه نادرٌ فلا حكمَ له، فلا كَثُرَتْ صُوَرُهُ، ولا جاءَ على الأصل، كـ “اسْتَحْوَذَ، واسْتَنْوق البعيرُ، وأغْيَمَتِ السَّمَاءُ، واعْوَرَّ واحْوَلَّ” وما كان كذلك فلا حكمَ له.
الثاني: أن يكونَ أراد قطيعةَ القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها تجوزُ بحذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى:
(3/887)
{وَإِقَامَ الصَّلَاةِ} [الأنبياء: 73] أي: إقامتها؛ لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظُ الإقامة، ولا يقال: “إقام” دون إضافة، كما لا يقال: (ق/218 أ) “إرادُ” في إرَادَة، ولا: “إقَالُ” في إقالة؛ لأنهم جعلوا هذه التاء عِوَضًا عن ألف “إفعال” أو عينه؛ لأن أصل: “إقَامَة: إقْوَام” فنقلت حركة العين إلى “الفاء فانقلبت ألفًا، فالتقتْ ألِفان، فحُذِفت إحداهما، فجاءوا بالتاء عوضًا، فلزمتْ إلاّ مع الإضافة، فإن حذفها جائزٌ عند قوم قياسًا، وعند آخرين سماعًا، ومثلها في اللَّزوم تاء: “عِدَة وزِنَة” وأصلهما “وَعَدَ ووَزَنَ”، فحُذِفت الواو، وجُعِلَتِ التاء عِوَضًا منها فلزمتْ. وقد تُحْذَفُ للإضافة (ظ / 159 أ) كقول الشاعر (1):
إنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ وانْجَرَدُوا … وأَخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الذي وَعَدوا
أي: أخلفوك عِدَة الأمر، فحذف التاء، وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء (2): {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] بالهاء أي: عُدَّتَهُ فحذف التاء (3).
الثالث: أن يكونَ “فَعيل” في قوله: “قَطِيع القيامٍ” بمعنى مفعول؛ لأن صاحبَ “المحكم” (4) حكى أنه يقالَ: قَطْعَهُ وأقْطَعَهُ: إذا بَكَّتَهُ، وقُطِعَ هو فهو قَطِيع القول، فقَطِيع على هذا بمعنى مَقْطُوع، أي: مُبَكَّتٌ، فحَذْف التاء على هذا التَّوجيه ليس مخالفًا للقِياس، وإن
__________
(1) هو: العباس بن الفضل، ذكره الجوهري في “الصحاح”: (2/ 551)، منسوبًا لزهير وهو من شواهد ابن عقيل: (4/ 285) في شرحه.
(2) قال ابن جني: سُمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، انظر: “المحتسب”: (1/ 293)، و”روح المعاني”: (10/ 111).
(3) من قوله: “وعلى هذه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) (1/ 90).
(3/888)
جعل قَطِيعًا مبنيًّا على: قَطُع، كسريع من سَرُع، فحقُّه على ذلك أن يلحقَهُ التاءُ عند جَرْيه على المؤنَّث، إلا أنه شُبِّهَ بفعيل الذي بمعنى مفعول، فأُجْريَ مجراه.
فهذا تمامُ اثني عشر مسلكًا في هذه الآية، أصحُّها المسلكُ المركَّبُ من السادس والسابع، وباقيها (1) ضعيفٌ وواهٍ ومحتمل.
والمبتدئُ والمقلِّدُ لا يدركُ هذه الدقائق، والفاضل المنصف لا يخفى عليه قَوِتُّها من ضعيفها، وَلْيكنْ هذا آخِرَ الكلام على الآية، والله أعلم.
فائدة (2)
خبرُ المبتدإ إما مفرد وإما جملة، فإن كان جملةً؛ فإما أن تكونَ هي نفس المبتدإ أو غيره، فإن كانت نفس المبتدإ لم تحْتَجْ إلى رابط يربطُها به، إذ لا رابطَ أقوى من اتحادهما نحو قولي (3): “الحمد لله”.
وإن كانت غيرَ المبتدإ (4)؛ فلابدَّ فيها من رابط يربطُها بالمبتدإ لئلا يُتَوَهَّمَ استقلالُها وانقطاعُها عن المبتدإ؛ لأن الجملة كلامٌ قائمٌ تامٌّ بنفسه، وذلك الرابط لا يتعيَّنُ أن يكونَ ضميرًا، بل يجوزُ أن يكونَ ضميرًا، وهو الأكثرُ، واسم إشارة كقوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ}
__________
(1) (ق): “وباقيها فيها”، و (ظ): “وباقيها فيه”.
(2) (ق): “فصل”، وليست في (ع) والمثبت من (ظ)، وهذه الفائدة بنحوها في “نتائج الفكر”: (ص/418 – 420) للسهيلي.
(3) (ق وظ): “قولك”.
(4) “وإن كانت غير المبتدأ” سقطت من (ق).
(3/889)
أَصحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] .. ونظائره كثيرة.
أو اسمًا ظاهرًا قائمًا مقامَ المُضْمَر، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصلِحِينَ (170)} [الأعراف: 170].
وقد يُستغنى عن الضمير إذا عُلم الرابطُ (1) وعدم الاستقلال بالسياق، وباب هذا التفصيل بعد الجملة، ففيه يقعُ الاستغناءُ عن الضمير (2) كثيرًا كقولك: “المَالُ لِهؤُلاءِ: لِزَيْدٍ درْهَمٌ، ولِعَمْرٍو دِرْهْمَانِ، ولخَالدٍ (ق/ 218 ب) ثَلاثَةٌ”، ومثله: “النَّاسُ واحِدٌ في الجَنَّةِ، ووَاحِدٌ في النَّارِ”، ولا حاجة بنا إلى تقدير ضمير رابط محذوف تقديره: “لِزَيْدٍ منه درْهَمٌ، وواحِدٌ منهم في الجَنَّةِ”، فإنَّ تفصيل المبتدإ بالجملة بعدَه رابطٌ أغنى عن الضمير فتأمَّلْهُ. ومثلُه: “السَّمْنُ مَنَوَان بدِرْهَمٍ”، وهذا (3) بخلاف قولك: “زَيْدٌ عَمْروٌ مُسَافِرٌ” فإنه لا رابطَ بينهما بوجه، فلذلك يحتاجُ أن يقولَ: “في حاجته” ونحو ذلك ليفيدَ الإخبار. هذا حكمُ الجملة.
وأمَّا المفرد؛ فقد اشتهر على ألسنة النُّحاة: أنه إنْ كان مشتقًّا فلابُدَّ من ضمير يربطُه بالمبتدإ، وإن كان جامدًا لم يَحَتَجْ إلى ضمير، وبعضُهم يَتكَلَّفُ تأويلَه بالمشتقِّ.
وهذا موضع لابُدَّ من تحريره، فنقول: الخبر المفرد لما كان نفسَ المبتدإ كان اتِّحَادُهما أعظمَ رابطٍ يمكنُ، فلا وجهَ لاشتراط الرَّابط بعد هذا أصلًا، فإن المخاطَب يعرفُ أن الخبرَ مسندٌ إلى المبتدإ -وأنه هو نفسُه، ومن هنا يُعْلمُ غلط المنطقيِّين في قولهم: “إنه لابُدَّ من الرَّابط،
__________
(1) (ع): “الربط”.
(2) من قوله: “إذا علم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) من قوله: “منهم في الجنة … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/890)
إما مضمَرًا وإما مظهَرًا” وهذا كلامُ مَنْ هو بعيد من تصوُّر المعاني وارتباطها بالألفاظ، ولا تَسْتنكِرْ (1) هذه العبارةَ في حقِّ المنطقيينَ فإنهم من أفسدِ الناس تَصَوُّرًا، ولا يُصَدِّقُ بهذا إلا مَنْ عَرَف قوانينَ القوم، وعَرَفَ ما فيها من التَّخبيط والفساد.
وأما إن كان الخبرُ اسمًا مشتقًّا مفردًا فلابُدَّ فيه من الضمير، ولكن ليس الجالب لذلك الضمير ربطه بالمبتدإ بل الجالبُ له أن المشتقَّ كالفعل في المعنى، فلابُدَّ له من فاعل ظاهر أو مضمر.
فإن قيل: وما الذي يدُلُّ على أن في الفعل ضميرًا حتى يكونَ في ثانيه ضمير؟. فإذا قلت: “زَيْدٌ قَائم” فإن هذا اللَّفظ (ظ / 159 ب) لا ضميرَ فيه يُسمع، فدعوى تحمُّله للضمير دعوى محضة.
قيل: الذي يدلُّ على أن فيه الضمير: تأكيدُهم له وعطفُهم عليه وإبدالُهم منه، كقولك في التأكيد: “إنَّ زَيْدًا سَيَقُومُ نَفْسُهُ” برفع “نفس”، وفي العطف كقوله تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ} [المسد: 3، 4] فـ “امرأتُه” رُفِعَ عطفًا على الضمير في “سَيَصْلى”، وفي البدل قولك: “إنَّ زَيْدًا يُعْجِبُنِي عِلْمُهُ”، على أن يكونَ “علمُه” بَدَلَ اشتمال لا فاعل، فإذا كان المشتَقُّ مفرَدًا كان الضميرُ الذي فيه اسمًا، فعلًا كان أو اسمًا، نحو: “زَيْدٌ ذَهبَ (2) وزيْدٌ ذَاهِبٌ”.
وأما في التثنية والجمع؛ فلا يكونُ ضميرًا إلا في الأفعال، نحو: “يَذْهَبَانِ ويَذْهَبُونَ” وأما في الأسماء؛ فإنه لا يكون فيها إذا ظهر، إلا علامةً لا ضميرًا، نحو: “ذاهبانِ (ق/219 أ) وذَاهِبُونَ” فهما في الاسم
__________
(1) (ق): “تستكثر”.
(2) (ق): “يذهب”.
(3/891)
حرفان، وفي الفعل اسمان، برهانُ ذلكْ انقلابُهما في الاسم “ياء” في التثنية والجمع، كما ينقلبان فيما لا يتحمل ضميرًا كالـ “زَّيْدَيْنِ والزَّيْدِينَ” ولو كانا ضميرًا كـ “هما” في الفعل لبقِيا على لفظ واحد، كما تقول في الفعل: “هؤُلاءِ رِجَالٌ يَذْهَبُونَ”، و”مَرَرْتُ بِرِجَالٍ يَذْهَبُون”، و”رَأَيْتُ رِجَالًا يَذْهَبُونَ”، وكذلك في التثنية سواء، فلا يتغيَّر لفظ “الواو”؛ لأنها فاعلٌ، وليست علامةَ إعراب الفعل، فثبتَ بهذا صحَّةُ دعوى النُّحاة على العرب: أن الضميرَ المستتر في الاسم المشتقِّ لا يظهرُ في تثنيةٍ ولا جمع، وأن الضميرَ المستترَ في الفعل يظهرُ في التَّثنية والجمع.
ولولا الدليلُ الذي ذكرناه لما عُرِفَ هذا أبدًا؛ لأن العرب لم تُشَافِهْنا بهذا مشافهةً، ولا أفصحتْ عن هذا القَدْر في هذا ونحوه، إلا باستقراء كلامها والتَّتَبُّع لأنحائها ومقاصدها المُوصل إلى غرائب هذه اللُّغة وأسرارها وحِكَمِها.
فإن قيل: فقد عَرَفنا صِحَّةَ ذلك، فما هي الحكمةُ التي من أجلها فرَّقوا بين المَوْطِنَيْنِ فجعلوها ضمائرَ في الأفعال، وحروفًا في الأسماء؟.
قيل: في ذلك حكمةٌ بديعةٌ، وهي: أن الأسماءَ لما كان أصلها الإعراب كانت أحوجَ إلى علامة إعراب منها إلى علامة إضمار. والأفعال أصلُها البناءُ، ولم يكنْ لها بُدٌّ من الفاعل ضَرورة، فكانت أحوجَ إلى علامة إضمار الفاعلين منها إلى علامة إعراب، مع أن هذهِ العلامةَ في الأسماء علامةُ تثنية وجَمْع، وحَرْف إعراب أيضًا، والأفعالُ لا تُثَّنى ولا تُجمع إذ هي مشتَقَّةٌ من المصدر، وهو لا يُثَّنْى ولا يُجمعُ؛ لأنه يدُلُّ على القليل والكثير يلفظ واحد، هذه عِلَّةُ النُّحاة.
(3/892)
وفيه علَّةٌ أخرى أصَحُّ من هذه وألطفُ وأدَقُّ، قد تَقَدَّمَتْ في أول هذا التعليق (1).
وإذ ثبت أن الأفعال لا تُثَّنى ولا تُجمع، وعلامة التَّثْنِيَةِ والجمع حروفُ إعراب، فلا يكونُ “الواو والألف” إلا علامةَ إضمار، ولا يكونُ في الأسماء -وإن احتملتِ الضمائرَ- إلا علامةُ تثنية وجمع و (2) حروف إعراب على قول سيبويه (3)، أي: محل الإعراب، أو هى الإعراب نفسها على قول قُطْرُب وغيره، بمنزلة الحَرَكات في المفرد، أو دليل إعراب على قول (4) الأخفش وأبي العباس المُبَرِّد (5).
فصل (6)
هذا حكم الخبر إذا كان مفردًا أو جملة، فأما إذا (ق/219 ب) كان واقعًا موقعَ الخبر، وليس هو نفسُهُ خبرًا، كالظَّرْف والمجرور، فإنه وأقعٌ موقِعَ مُشْتَقٍّ متَحَمِّلٍ للضَّمير، وهو إما مفردٌ وإما جملة.
وأكثر النُّحاة يقدَّرُونه بمفرد مشتَقٍّ، نظرًا إلى أن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا، فتقديرُه كذلك موافقٌ للأصل، وأيضًا فإنما قُدِّرَ لضَرورة صِحَّة الكلام، فإن الظرفَ والمجرورَ ليس هو نفس المبتدأ، وما قُدِّرَ للضَّرُورة لا يُتَعَدَّى به ما تقتضيه الضَّرورةُ، وهي تزولُ بالمفرد، فتقديرُ الجملة مستغنى عنه مع أنه خلافُ الأصلِ.
__________
(1) (1/ 47 – 51). وانظر المسألة العاشرة في “نتائج الفكر”.
(2) “النتائج”: “أو”.
(3) “الكتاب” (1/ 13).
(4) سقطت من (ع).
(5) انظر: “المقتضب”: (2/ 153).
(6) انظر أصل المسألة في “نتائج الفكر”: (ص/ 421 – 425).
(3/893)
وأيضًا: فإنه قُدِّر للتَّعلُّق، وهذا التَّعلُّق يكفي فيه المفردُ، وأيضًا فإنه يقعُ في موضع لا يصحُّ فيه تقدير الجملة، كقولك: “أمَّا عِنْدَكَ فَزَيْدٌ، وأمَّا في الدَّار فعَمْرٌو” فإن “أمَّا” لا يليها إلا اسمٌ مفرد، فإذا تعيَّنَ المفردُ هاهنا، يرجحُ في (ظ/ 160 أ) الباقي، ليجريَ البابُ على سَنَن واحد، ولا ينتقض هذا بوقوعه في صِلَةِ الموصول، كقولك: “جَاءَنِي الَّذي في الدَّارِ”، إذ يتعيَّنُ تقديرُ الجملة؛ لأن كلامنا في التقدير في باب الخبر، لا في التقدير في سائر الأبواب، كالصِّلَة والصِّفَة والحال، ولا يلزمُ من تعين الجملة في التَّقدير في الصِّلَة تعيُّنُها ولا ترجيحها في باب المبتدإ.
وسأل أبو الفتح ابن جِنِّي أبا عليٍّ (1) عن هذه المسألة، فلم يراجعه بجواب شافٍ أكثرَ من أن قال له: تقدير الاسم هاهنا أولي؛ لأن خبرَ المبتدأ في أغلبِ أحواله اسم.
وكَشْفُ الغطاء عن هذه المسألة أن يقالَ: الجار هنا لا يُتَصَوَّر تعلُّقه بفعل محض؛ إذ الفعل المحضُ ما دَلَّ على حَدَث وزمان، ودلالته على الزمان بِبِنْيته، فإذا لم يكن له وجود في اللَّفظ، لم يكن له بنيَةٌ تَدُلُّ على الزَّمَان، مع أن الجارَّ لا تعلُّقَ له بالزَّمانِ، ولا يَدُلُّ عليَه، إنما هو في أصل وضعِهِ لتقييد الحَدَث وجرِّه إلى الاسم على وجهٍ مَّا من الإضافة، فلا تعلُّقَ له إلا بالحَدَث، والحدث الذي هو المصدرُ لا يمكن تقديرُه هاهنا لأنه خبرُ المبتدإ، والمبتدأُ ليس هو الحَدَثَ، فَبَطَلَ أن يكون التقدير: “زَيْدٌ اسْتِقْرارُ (2) في الدَّارِ”، وبطَلَ -أيضًا بما تقدَّم- أن يكون التقدير: “زَيْدٌ اسْتَقَرَّ في الدَّارِ”، ألا ترى
__________
(1) أي: الفارسي شيخه.
(2) (ق): “استقر”!.
(3/894)
أنه يقبُحُ أن يقال: “زَيْدٌ في الدَّارِ أمْسِ، أو: أوَّلَ مِنْ أَمْسِ”.
وإذا بطل القسمان -أعني إضمار المصدر والفعل- لم يبق إلا القسم الثالث وهو: إضمار اسم الفاعل فتصِحّ (1) الفائدتانِ:
إحداهما: (ق / 220 أ)، أن يكون خبرًا عن المبتدإ، ويُضمرُ فيه ما يعودُ عليه، إذ لا يمكنُ ذلك في المصدر.
والثانية: أن يصِحَّ تَعَلُّق الجارِّ به، إذ مطلوبه الحَدَث، واسم الفاعل متضمِّنٌ للحَدَث لا للزمان.
إذا (2) عُرِف هذا فلا يَصِحُّ ارتفاع الاسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضعِ خبر أو نعت (3)، وإنما يرتفعُ بالابتداء كما يرتفعُ في قولك: “قَائِم زَيْدٌ” بالابتداء لا بـ “قائم” خلافًا للأخفش، فإذا قلت: “في الدَّارِ زيْدٌ”، فارتفاع “زَيْد” بالابتداء لا بالاستقرار (4).
فإن قلت: أليس إذا قلت: “زَيْدٌ قَائِمٌ أَبُوهُ” و”رَأَيْتُ رَجُلًا قَائِمًا أَبُوه” و”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ” فيرتفع الاسمَ بـ “قائم” إذا كان معتمدًا على مبتدإ أو مَنعوت أو ذي حال، وكذلك إذا كان قبله استفهام أو نفي، نحو: “أَقَائِمٌ زيْدٌ” و”مَا قَائِمٌ زَيْدٌ”.
قيل: اسم الفاعل مشتقٌّ، وفيه لفظ الفعل ومعناه، فإذا اقترن به ألف الاستفهام أو قرينة من القرائن التي ذكرتَ، التي يَقْوَى بها معنى
__________
(1) (ظ): “فتتضح”.
(2) هنا في “النتائج”: (ص/422) بداية فصلٍ جديد.
(3) (ع): “ارتفعت”.
(4) انظر “شرح المفصَّل”: (6/ 79) لابن يعيش.
(3/895)
الفعل، عَمِلَ عَمَلَ الفعل، بخلاف: “قَائِمٌ زيْدٌ” فإنه لا قرينةَ معه تقتضي أن يعملَ عَملَ الفعل، فحُمِل على أصلِهِ من الابتداء والخبر.
فإن قبل: فهلاَّ قلت: إن الظرفَ والمجرورَ إذا اعتُمِدَ كما يُعْتَمدُ اسم الفاعل، أنه يرفع: الاسم كما هو مَعْزِيٌّ إلى سيبويه، فإذا قلتَ: “زَيْدٌ في الدَّارِ أَبُوه” كان “أبوه” مرفوعًا بالظرف، كما إذا قلت: “زَيْدٌ قَائِمٌ أَبُوهُ”.
قلتُ: قد توهَّم قوم أن هذا مذهبُ سيبويهْ، وأنَّكَ إذا قلت: “مَرَرْتُ بِرَجُلٍ معه صَقْرٌ” أنَّ “صقرًا” مرفوعٌ بالظرف لاعتماده على الموصوف، وكنا نظنُّ: ذلك زمانًا حتى تَبَيَّنَ أن هذا ليس بمذهبه، وأنه غَلَطٌ عليه، وقد بيَّن أبو سعيد السِّيرافي مرادَ سيبويه من كلامه، وشَرَح وجْهَ الغلط عليه بما فيه كفاية فراجعْه في كتابه (1).
والفرقُ بين الظرف وبين اسم الفاعل ما تقدَّم: أن اسم الفاعل: مشتقٌّ وفيه لفظ الفعل: ومعناه، فإذا اعتُمِد أو اقترنَتْ به قرينةٌ، قَوِيَ جانب الفعليَّة فيه فعَمِلَ عَمَلَ الفعل، وأما الظرفُ فلا لفظَ للفعل فيه، إنما هو معنًى يتعلَّقُ به الفعلُ وبدُلُّ عليه، ولم يكنْ في قوَّة القرينة التي يعتمدُ عليها أن تجعلَه كالفعل، كما لم يكنْ في قُوَّته إذا كان ملفوظًا به دون قرينة أن يكونَ كالفعل، فإذا اجتمعَ (ظ / 160 ب) الاعتمادُ المُقَوِّي لمعنى الفعل مع اللَّفظ المشتقِّ من الفعل عَمِلَ الاسمُ حينئذٍ عَمَلَ الفعلِ.
ووجه آخر (ق / 220 ب)، من الفرقِ بين المسألتينِ: أنك إذا قلت: “مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ” فالقيامُ -لا مَحَالَةَ- مسنَدٌ إلى الأب في
__________
(1) شرح السيرافى على كتاب سيبويه طبع جزء منه ولم يطبع كاملًا.
(3/896)
المعنى، وهو في اللَّفظ جار (1) على “رجل”، والكلامُ له لفظ ومعنى، فـ “قائمٌ” في اللفظ جارٍ على ما قبلَهُ وفي المعنى مسنَدٌ إلى ما بعدَهُ، وأما الظرف والمجرور فليس كذلك، إنما هو معنى يتعلَّقُ به الجار، وذلك المعنى مسنَدٌ إلى الاسم المرفوع وخبَرٌ عنه، فصحَّ أنه مبتدأ والمجرور خبر عنه، والجملةُ في موضع نعتٍ أو خبر.
فإن قيل: فيلزمكم إذا قدَّمتم الظرفَ في موضع الخبر، وقدَّرتم فيه ضميرًا يعودُ على المبتدإ، أن تُجيزوا: “في الدَّارِ نَفْسُهُ زَيْدٌ”، و”فيها أَجْمَعُونَ إِخْوَتُكَ”، وهذا لا يُجَوِّزُهُ أحدٌ، وفي هذا حُجَّةٌ للأخفش، ولمن قال بقوله في أن رفع الاسم بالظرف.
قيل: إنما قَبُحَ توكيد المضمَر إذا كان الظرفُ خبرًا مقدَّمًا؛ لأن الظرفَ في الحقيقة ليس هو الحاملَ للضمير، إنما هو متعلِّقٌ بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غيرُ موجود في اللَّفظ حتى يقالَ: إنه مقدَّمٌ في اللفظ مؤخَّرٌ في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرُّتبة بعد المبتدإ، والمجرورُ المقدَّمُ قبل المبتدإ دالٌّ عليه، والدالُّ (2) على الشيء غيرُ الشيء، فلذلك قَبُحَ: “فيها أجْمَعُونَ الزَّيْدُونَ” (1)؛ لأن التوكيد لا يتقدَّم على المؤكد، ولذلك صحَّ تقديمُ خبرِ “إن” على اسمها إذا كان ظرفُا، لأن الظرف ليس هو الخيرَ في الحقيقة، إنما هو متعلِّقٌ بالخبر، والخبر منوِيٌّ في موضعه مقدَّرٌ في مكانه؛ ولذلك لم ينكسرْ أصلُ الخليل في منعه تقديمَ خبر المبتدإ مع كثرة هذا النحو في الكلام، أعني: “في الدَّارِ زَيْدٌ” ولذلك عَدَل
__________
(1) (ق): “جار ومجرور”! ثم سقط من هنا إلى قوله: “ما بعده”.
(2) “عليه، والدال” سقطت من (ق).
(3/897)
سيبويه في قولهم: “فيها قَائِمًا رَجُلٌ”، و: “لِمَيَّة مُوحِشًا طَلَلُ” (1) إلى أن جَعَل الحالَ من النكرة، ولم يجعلْها حالًا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخَّر في النية، وهو العامل فى الحال وهو منوِيٌّ (2)، والحال لا يتقدَّمُ على العامل المَنْوِيِّ، فهذا كلُّه مما يبيِّنُ أن الظرفَ والمجرور ليس هو الخبرَ في الحقيقة، ولا الحاملَ للضمير، ولا العاملَ في شيءٍ من الأشياء، لا في حال ولا في ظرف ولا في فاعل.
ومن جهة المفعول أن “الدَّار” إذا انفردت بلفظها، لم يَصِحَّ أن تكون خَبَرًا عن “زيْد”، ولا عاملة ولا حاملة للضمير، وكذلك “في” و”من” وسائر حروف الجر لو انفردت لم يكن فيها شيءٌ من ذلك، فقد وضَحَ أن الخبرَ غيرُها، وأنها واقعةٌ موقِعَه، والله أعلم.
فإن قيل: فما تقول فيما حكاه الزَّجَّاجي (3) عن بعض النُّحاة أنك إذا قلت: “قَائِم زيْدٌ” أن “قائمًا” مبتدأ و”زيد” فاعل به سدَّ مسَدَّ الخبر؟.
قيل: هذا وإن كان قد جَوَّزَهُ بعضُ (ق/221 أ) النُّحاة فهو فاسدٌ في القياس؛ لأن أسمَ الفاعل اسمٌ محضٌ، واشتقاقُه من الفعل لا يوجبُ له عمل الفعل كـ “مَسْجِد ومَرْقَد ومِرْوَحَة ومِغْرَفة”، ولكن إنما يعَملُ
__________
(1) صدر بيت منسوب لكُثَيِّر عزَّة “ديوانه”: (2/ 210)، وهو من شواهد سيبويه في “الكتاب”: (2/ 123).
وعجزه: *يلوح كأنه خلل*
(2) (ق) و”النتائج”: “معنوي” وكذا ما بعدها.
(3) في “الجمل”: (ص 49 – 50)، وهو: عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي النحوي صاحب “الجمل” وغيره ت (339).
والزجاجي: نسبةً إلى شيخه الذي تخرج به: أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري الزجاج ت (321). انظر: “بغية الوعاة”: (2/ 77)، (1/ 411 – 413).
(3/898)
إذا تقدَّم ما يطلبُ الفعل، أو كان في موضع لا تدخلُ عليه العواملُ اللَّفظيةُ نحو: النعت والخبر والحال، فيقْوَى حينئذٍ معنى الفعل فيه، ويعضدُ هذا من السماع أنهم لم يحكوا: “قَائِمٌ الزَّيْدَانِ”، و”ذَاهِبٌ إخْوَتُكَ” عن العرب، إلاّ على الشرط الذي ذكرنا، ولو وَجَد الأخفشُ ومن قال بقوله سماعًا لاحتجُّوا به على الخليل وسيبويه، فإذا لم يكنْ مسموعًا وكان بالقياس مدفوعًا؛ فأَحْرِ به أن يكونَ باطلًا ممنوعًا!!.
فإن قلت: فما تصنعُ في قول الشاعر (1):
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فلا تَكُ مُلْغِيًا … مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذا الطَّيْرُ مَرَّتِ
فهذا صريح في أن “خبير” مبتدأ، و”بنو لهب” فاعل به. وفي قول الآخر (2):
فَخَيْرٌ نحنُ عندَ النَّاسِ مِنْكُم … إذا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قَالَ: يَالا
قلت: أما البيتُ الأوَّلُ فعلى شذوذه ونُدْرته لا يُعْرَفُ قائلُه، ولم يُعْرَفْ أن متقدِّمي النُّحاة وأئمَّتَهم استشهدوا به، وما كان كذلك فإنه لا يُحتجُّ به باتفاق، على أنه لو صَحَّ أن قائله حُجَّةٌ عند العرب، لاحتملَ أن يكون المبتدأُ محذوفًا مضافًا إلى بني لِهْب، وأصلُه: “كُلُّ بَني لِهْبٍ خَبِيرٌ” و”كلُّ” يخبَرُ عنها بالمفرد كما تقدم في أول التعليق (3)، ثم
__________
(1) هذا الشاهد منسوب لرجلٍ من طيء ولم يُعيَّن كما ذكر المؤلف، وقد أنشده ابن هشام في عدد من كتبه، وابن عقيل في شرحه: رقم (42).
(2) هو: زهير بن مسعود الضبي.
انظر: “نوادر أبي زيد”: (ص / 21)، و”الخصائص”: (1/ 276 و 2/ 375) وأنشده ابن عقيل في شرحه: (1/ 194).
(3) (1/ 376).
(3/899)
حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه فاستحقَّ إعرابَه.
ويدلُّ على إرادة العموم عجزُ البيت وهو قوله:
… فلا تَكُ مُلغَيا … مقالةَ لِهْبِيٍّ …
أفلا ترى كيف يُعطي هذا الكلامُ أن كلَّ واحدٍ من بني لِهْبٍ خَبِيرٌ فلا تَلْغِ مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ (1).
وكذلك البيت الثاني فلا متعلّق فيه أصلًا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا وقع خَبَرًا عن غيرِه، وكان مقترِنًا بمن كان مفردًا على كلِّ حال، نحو: “الزَّيْدُونَ خَيْرٌ مِنَ العَمْرِينَ” (2).
فصل (3)
إذا ثبت هذا؛ فيجوزُ في اسم الفاعل إذا اعْتُمِد على ما قبلَه، أو: كان معه قرينةٌ مقتضيةٌ للفعل وبعده اسم مرفوع وجهانِ:
أحدها: أن يكون خَبَرًا مقدَّمًا، والاسمُ بعدَهُ مبتدأٌ، وأن يكونَ مبتدأً والمرفوعُ بعدَه فاعلٌ به (4). نحو: “أَقَائِمٌ زيدٌ”، و”ما قَائِمٌ عَمْروٌ” ونحوه، إلا أن يمنعَ مانعٌ من ذلك، وذلك في ثلاث مسائل:
أحدها: قولك: “زَيْدٌ قَائِمٌ أَخوَاهُ” فإنَّ هذا يتعيَّنُ فيه أن يكونَ
__________
(1) وأجاب ابن هشام في “شرح القطر”: (ص / 273) بأنّا نحمله على التقديم والتأخير، فـ “بنو لهب” مبتدأ، و”خبير” خبره؛ لأن فعيلًا قد يستعمل للجماعة، كقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].
(2) وانظر ما أجاب به في “مغني اللبيب”: (1/ 219).
(3) ليست في (ق)، وانظر “نتائج الفكر”: (ص/425 – 426) مع زيادات هنا مهمة.
(4) من (ق).
(3/900)
“أَخَوَاهُ” فاعلًا بِـ “قَائِم”، ولا يجوزُ أن يكون “أخواه” مبتدأً و”قائم” الخبر؛ لعدم المطابقة.
الثانية: قولُك: “زَيْدٌ قَائِمَانِ أَخَوَاهُ”، فإنَّ هذا يتعتَّنُ فيه على الأفصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، ولو كان من باب الفعل والفاعل لقلت: “قَائِم أَخَوَاهُ” كما تقول: “قَامَ أَخوَاهُ”.
الثالثة: قولك: “زَيْدٌ قَائِمٌ أنْتَ إليه”، و”زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ” إذا كان الفاعلُ ضميرًا منفصلًا، فإنَّ هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرًا؛ لأن الضميرَ المنفصلَ لا يكونُ فاعلًا مع اتِّصاله بعامله، إنما يكون فاعلًا إذا لم يمكن اتِّصاله نحو: “ما قَائِمٌ (1) إلا أنْتَ” ونحو: “الضَّارِبُهُ هو”.
فإذا عرفتَ هذا؛ فقوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث المبعث: “أَوَ مُخْرجِيَّ هُم” (2)؛ “مُخْرِجِيَّ” يتعينُ أن يكون خبرًا مقدَّمًا، و”هم” مبتدأ (3)؛ لأنَّ الرواية اتَّفَقَتْ على تشديد “مُخْرِجِيَّ” (4) وكان أصلَه: “مُخْرِجُونَ لِي” فحذف اللام وأُضيف “مُخْرِجُونَ” إلى الياء، فسقطت نون الجمع؛ لأنها تسقط للإضافة فصار: “مُخْرِجُوْي” (5)، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكنٌ، فقُلِبَت الواو ياءً فصار (6) مِثْلان، فأُدْغِم أحدهما في الآخر فجاء: “مُخْرِجِيَّ”.
ومثله: “ضَارِبيَّ ومُكْرِميَّ”، ولو أن الصِّفَةُ هاهنا رافعةٌ للضمير
__________
(1) (ع وق): “قام”.
(2) أخرجه البخاري رقم (3)، ومسلم رقم (160) من حديث عائشة – رضي الله عنها-.
(3) وانظر “فتح الباري”: (1/ 36).
(4) من قوله: “هم، مخرجيّ … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(5) (ع): “مخرجون لي” و (ق): “مخرجوني” وكلاهما تحريف.
(6) (ق): “فصارا”.
(3/901)
لكانت مفردةً، وكان يُقَالُ: “أو مُخْرِجيْ هُم”؟ بالتخفيف، كما تقول: “أَضَاربِي إِخْوَتُكَ”؟ ولو جعلتَه مبتدأً وخَبرًا لقلت: “أَضَارِبيَّ” بالتشديد، والله أعلم.
فإن قلت: “ما هُم بمُخْرِجيَّ” تعيَّن التشديد ليس إلا؛ لأن الفاعل لا يتقدَّمُ، فلو خفَّفْتَ لكانت المسألة في باب الفعل والفاعل. والفاعلُ لا يتقدَّمُ عاملَه، كان أخَّرْتَ الضميرَ جاز لك الوجهانِ كما تقدم.
فصل (1)
قولهم: “ظروفُ الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث” (2) ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل يُعْرَف من العلة في منع ذلك، والعلَّةُ: أن الزمان لما كان عبارة عن أوقات الحوادث، وكانوا محتاجينَ إلى تقييد حوادثهم وتأريخها بأزمنة تقارنُها معلومة عند المتكلِّم والمخاطب، كما يقدرونها بالأماكن التي تقعُ فيها، جعل (3) اللهُ سبحانه وتعالى حَرَكات الشَّمس والقمر، وما يحدثُ بسببهما من الليل والنَّهار والشهور والأعوام، معيارًا يَعْلَم به العِبَادُ مقاديرَ حوادثِ أفعالها وتأريخها ومعيارها، لشدَّة حاجتهم إلى ذلك في الآجال، كالعِدَد والإجارات والسَّلَم والديون المؤجَّلة، ومعرفة مواقيت الحجِّ والصِّيام وغيرها، فصارت حركةُ الشمس والقمر تأريخًا وتقييدًا ومعيارًا للأفعال والحياة والموت والمولد، وغير ذلك.
فالزمانُ إذًا عبارةٌ عن مقارنة حادثٍ لحادث، مقارنة الحادث
__________
(1) ليست في (ظ)، و (ق): “فائدة”. وانظر: “نتائج الفكر”: (ص/426 – 428).
(2) انظر “الجمل”: (ص/ 50)، و”اللمع”: (1/ 28)، و”الإنصاف”: (1/ 61).
(3) (ظ وع): “جعله”.
(3/902)
(ق/222 أ) من الحركة العُلْوية (1) للحادث من حركات العباد ومعيارًا له (2)، ولهذا سمَّاه النُّحاة ظرفًا؛ لأنه مكيالٌ ومِعْيَارٌ يعلم به مقدار الحركة (3) والفعل وتقدُّمه وتأخره، وقربه وبعده، وطوله وقصره، وانقطاعه ودوامه.
فإذا أخبرتَ أن فعلَكَ قارَنَ ذلك الحادثَ المعلومَ من حركة الشمس والقمر، يُوَقَّتُ له ويُقَيَّدُ به فسمِّي وقتًا، وهو في الأصل مصدرُ: وقَّتُّ الشَّيءَ أُوَقِّتُهُ (4): إذا حدَّدته وقَدَّرْته، حتى لو أمكن أن يقيَّدَ ويؤرَّخ بما يقارنُ الفعل من (ظ / 161 ب)، الحوادث غير الزمان استَغْنى عن الزمان، نحو: “قُمْتُ عِنْدَ خُرُوجِ الأَمِيرِ”، و”عِنْدَ قُدُوْمِ الحَاجِّ”، و”عنْدَ مَوْتِ فُلانٍ”، لكن ذلك لا يشتركُ علمه ومعرفته كالاشتراك في معرفة يوم الجمعة وشهر رمضانَ ونحوه، ولا يطَّرد مع أنه أيضًا توقيتٌ وتاريخ بالزمان في الحقيقة، فإن قولك: “عِنْدَ خُرُوج الأَمِيرِ وقُدُومِ الحَاجِّ” إنما تريدُ يه هذه الأوقاتَ والأزمنةَ، ولكن المعلوم عند جميع المخاطبين (5) إنما هى أجزاءُ الزمان كالشهر والسنة واليوم وأبعاض ذلك.
وإذا عُرِف هذا فلا معنى لقولك: “زَيْدٌ اليَوْمَ وعَمْروٌ غَدًا”؛ لأن
__________
(1) (ق): “المعلومة”!.
(2) وانظر في تعريفه: “بيان تلبيس الجهمية”: (1/ 562)، و”مدارج السالكين”: (3/ 133).
(3) من قوله: “العلوية للحادث … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) يقال: وقَّتَ الشيءَ يُوَقِّته، ووَقَتَه تَقِتُه، من باب وعَدَ يَعِد، انظر: “اللسان”: (2/ 107).
(5) (ع): “المتخاطبين”.
(3/903)
الجُثَثَ ليست بأحداث فتحتاجَ إلى تقييدها بما يقارنُها وإلى تأريخها بما يحدث معها، فما ليس بَحَدَث فلا معنى لتقييده بالحَدَث الذي هو الزمان.
وعلى هذا فإذا أردتَ حدوثَ الجثة ووجودها، فهو أيضًا حادثٌ، فيجوزُ أن يخبرَ عنه بالزمان إذا كان الزمانُ يَسَعُ مُدَّتَها، تقول: “نحن في المائة الثامنة”، و”كان الأَوْزاعي في المائة الثانية”، و”الإمام أحمد في المائة الثالثة”، ونحو هذا.
وعلى هذا فإذا قلت: “اللَّيْلَةَ الهِلالُ” صَحَّ، ولا حاجة بك إلى تكلُّف إضمار “الليلة طلوع الهلال”، فإن المرادَ حدوثُ هلال ذلك الشهر، فَجَرى مَجْرى الأحداث، وكذلك تقول: “الوَرْدُ في أَيَّارَ” وتقول: “الرُّطَبُ في شَهْرِ كَذَا وكَذَا” ومنه قول الشاعر (1):
أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَخوُونَهُ … يُلْقِحُه قَوْمُ وتَنْتِجُونَهُ
ومثله قولك: “البَدْرُ لَيْلَةُ أرْبَعَ عَشْرَةَ” ولا حاجةَ إلى تكلُّف: “طلوع البدر”، بل لا يصِحُّ هذا التقدير؛ لأن السائل إذا سألك: “أَيُّ وَقْتٍ البَدْرُ” فإنه لم يسألْك عن الطُّلوع، إذ هو لا يجهلُه، وإنما يسألُك عن ذات البدر ونفسه، فقولك: “هو لَيْلَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ” تريد به، أن ليلة أربع عشرة هي ليلة كونه بدرًا لا ليلةَ طلوعه، فتأمَّلْه.
وعلى هذا فلا يسوغُ هذا الاستعمالُ حتى يكونَ الزَّمانُ يسَعُ ما قيَّدْتَهُ به من الحَدَث (ق/222 ب) والجثة التي في معناه، فلو كان الزَّمانُ أضيقَ من ذلك لم يَجُزِ التقييدُ به؛ لأن الوقت لا يكون أقلَّ من
__________
(1) نسبه البغدادي في “الخزانة”: (1/ 407) لقيس بن حُصين الحارثي، وهو من شواهد سيبويه: (1/ 65)، وأنشده ابن الأنباري في “الإنصاف”: (1/ 62).
(3/904)
المؤقَّت، فلا تقول: “نَحْنُ في يَوْم السَّبْتِ” وإن صحَّ أن تقول: “نحن في المِائَةِ الثَّامِنَةِ” ولا تقول: “الَحجَّاجُ في يوم الخَمِيسِ” وتقول: “الحجَّاجُ في زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ” والله أعلم.
فصلٌ (1)
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6]، وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)} [الأعراف: 193] مما أشكل إعرابُه على فحول العربية، واختلفت أقوالهم في ذلك.
فقال صاحب “الكشاف” (2): “سواء اسم بمعنى الاستواء، وُصِف به كما يوصفُ بالمصادر، ومنه قوله تعالى: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكم} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)} [فصلت: 10] بمعنى: مُسْتَوِيَةٌ، وارتفاعُه على أنه خبرٌ لـ “إِنَّ” و”أَنْذَرْتَهُمْ أم لم تُنْذِرْهُم” في موضع رفع (3) على الفاعلية، كأنَّه قيل: “إنَّ الذين كفروا مُسْتَوٍ عليهم إنذارُك وعَدَمُهُ”، كما تقول: “إنَّ زيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابنُ عَمِّهِ”، أو (4) يكون: “أنْذَرْتَهم أم لم تُنْذِرْهم” في موضع الابتداء، و”سواءٌ” خبرًا مقدَّمًا، بمعنى: “سواء عليهم إنذارك وعدمه”، والجملةُ خبر لـ”إنَّ”.
__________
(1) ليست في (ظ)، و (ق): “فائدة” بدلًا من “قوله عز وجل”، وانظر: “نتائج الفكر”: (ص/ 428 – وما بعدها).
(2) (1/ 25 – 26).
(3) في “الكشاف”: “المرتفع به”.
(4) في الأصول: “و” والمثبت من “الكشاف”.
(3/905)
قال: “فإن قلتَ: الفعلُ أبدًا خبرٌ لا مخبَرٌ عنه، فكيف صحَّ الإخبارُ عنه في هذا الكلام؟.
قلتُ: هو من جنس الكلامِ المهجورِ فيه جانبُ اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلَونَ في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلًا بيِّنًا، من ذلك قولهم: “لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ” معناه: لا يكنْ منكَ أكلُ السمكِ وشربُ اللَبن، وإن كان ظاهرُ اللفظ على ما لا يَصحُّ من عَطْفِ الاسم على الفعل، و”الهمزة وأَمْ” مجردتان بمعنى (1) الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسًا.
قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام، كما جرى على حرف النِّداء في قولك: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا أَيَّتُها العِصَابَة”، يعني: أن هذا جرى على صُورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على سورة النِّداء ولا نداء، ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المُستفهم عنهما؛ لأنه قد عَلِمَ أن أحد (ظ / 162 أ) الأمرين كائنٌ؛ إما الإنذارُ وإما عدمُهُ، ولكن لا بعينه، وكلاهما معلومٌ بعلم غير معيَّن.
قلت: هذا قولُه وقولُ طائفة من النحاة، وقد اعْتُرِض على ما ذكره بأنه يلزمُ القائل به أن يجيز: “سَوَاءٌ أَقُمْتَ أم قَعَدْتَ” دون أن تقول: “عَلَيَّ أو عَلَيْكَ”، وأنه يجيزُ: “سِيَّانِ أَذَهَبَ زَيْدٌ أمْ جَلَسَ” و”متفقان أقَامَ زَيْدٌ أم (ق/223 أ)، قَعَدَ”، وما كان نَحْوَ هذا مما لا يجوزُ في الكلام ولا روي عن أحد؛ لأن التقدير الذي قدَّروه منطبقٌ على هذا.
وقالت طائفةٌ أخرى (2): “سَوَاءٌ” هاهنا مبتدأ، والجملة الاستفهامية
__________
(1) “الكشاف”: “لمعنى”.
(2) انظر: “الحجة”: (1/ 200) لأبي علي الفارسي.
(3/906)
في موضع الخبر، وإنما قالوا هذا، وإن كان “سواء” نَكِرةً؛ لأن الجُمَل لا تكون في موضع المبتدإ أبدًا، ولا في موضع الفاعلِ، وأُوْرِد عليهم: أن الجملةَ إذا وقعتْ خبرًا فلابُدَّ فيها من ضَمير يعودُ على المبتدأ، فأين الضمير العائد على “سواء” هاهنا؟ فأجابوا عن هذا: بأنَّ “سَوَاءٌ” وإن كان مبتدأً في اللّفظِ فهو في المعنى خبرٌ؛ لأن المعنى: “سَوَاءٌ عَلَيْهم الإنْذَار وتركُهُ”، قالوا: ولا يلزمُ أن يعودَ من المبتدأ ضميرٌ على الخبر، فلما كان “سواءٌ” خبرًا في المعنى دون اللفظ رُوْعي المعنى.
ونظير هذا قولهم: “ضَرْبي زَيْدًا قائِمًا”، فإنه لم يعُدْ على “ضربي” ضميرٌ من الحال التي سدَّت مَسَدَّ الخبر؛ لأنّ معناه: “أَضْرِبُ زَيْدًا أو ضَرَبْتُ زَيْدًا” والفعلُ لا يعودُ عليه ضميرٌ، فكذلك ما هو في معناه وقوَّته.
ونظيره أيضًا: “أقائم أَخُوكَ”؛ لأن: “أخوك” وإن سدَّ مسَدَّ الخبر، فإنه فاعلٌ في المعنى، و”قائِمٌ” معناه معنى الفعل الرافع للفاعل (1)، فرُوْعيت هذه المعانى في هذه المواضع وهُجِر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وبقي حكم الابتداء مقتضيًا للرَّفع لفظًا، والمبتدأ متضمِّنٌ لمعنى يخالف معنى الابتداء، فحُكم لذلك المعنى فلم يعُدْ على اللفظ ضمير، وحُكِم للفظ المبتدأ بحكم الابتداء فارتفع.
فهذا قول هذه الطائفة الأخرى، واعترض عليه -بعد الاعتراف بحُسْنه وقوَّته-: بأن العرب لم تَنْطِقْ بمثل هذا في “سواء” حتى قَرَنَتْهُ بالضمير المجرور بـ “على” نحو: “سَوَاءٌ علَيْهم وسَوَاءٌ عليكم وسواء
__________
(1) (ع وق): “للفعل”.
(3/907)
عَلَيَّ” فإن طَرَدوا ما أصَّلوه في “سَوَاء”، سواء (1) قُرِن بـ “على” أم لم يُقْرَن فليس كذلك، وإن خصُّوه بالمقرون بـ “على” فلم يُبَيِّنُوا سِرَّ اختصاصه بذلك.
وقالت طائفةٌ ثالثةٌ -منهم السُّهَيْليُّ (2) وهذا لفظُه-: “لما كانتِ العربُ لا تقول: “سِيَّانِ أَقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ” ولا: “مِثْلانِ” ولا “شِبْهَان”، ولا يقولون ذلك إلا في “سواء” مع المجرور بـ”عَلَى” وجبَ البحثُ عن السِّرِّ في ذلك وعن مقصد القوم في هذا الكلام، وعن المُساواة بَيْنَ أيِّ شيءٍ هي؟ وفي أيِّ الصِّفات هي من الاسمين الموصوفين بالتَّساوي؟ فوجدنا معنى الكلام ومقصودَهُ إنما هو تَسَاوٍ في عدم المبالاة بقيامٍ أو قعود إو إنذار أو ترك إنذار، ولو أرادوا المساواةَ في صِفَة موجودةً في الذات لقالوا: “سَوَاءٌ الإقَامَة والشُّخُوصُ” كما يقولون: “سَوَاءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو”، و”سِيَّانِ” و”مِثْلانِ” يعني (ق/223 ب) استهواءَهما في صفة لذاتهما، فإذا أردتَ أن تسوِّيَ بين أمرين في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما، وأنهما قد هانا عليك، وخفَّا عليك (3)، قلت: “سَوَاءٌ عَلَيَّ أَفَعَلَ أمْ لم يَفْعَلْ”، كما تقول: “لا أُبَالِي أَفَعَلَ أمْ لم يَفْعَلْ”؛ لأن المبالاة فعل من أفعال القلب، وأفعال القلب تُلْغَى إذا وقعتْ بعدها الجملُ المستفْهَم عنها أو المؤكَّدة باللام، تقول: “لا أَدْرِي أَقَامَ زَيْدٌ أمْ قَعَد”، و”قَدْ عَلِمْتُ لَيَقُومَنَّ زيْدٌ”، ولكن لا تُلْغى هذه الأفعال القلبية حتى يُذْكَر فاعلها في اللفظ أو في المعنى، فتكون حينئذٍ في موضع المفعول بالعلم.
__________
(1) من (ظ).
(2) في “نتائج الفكر” كما تقدم.
(3) “وخفا عليك” سقطت من (ق).
(3/908)
ثم قال:
فصل (1)
فإذا ثَبَتَ هذا فـ “سواء” مبتدأ في اللفظ، و”عَلَيَّ وعَلَيْكُمْ أو عَلَيْهِمْ” مجرورٌ في اللفظ، وهو فاعل في المعنى المضمون من (2) مقصود الكلام، إذْ قولك: “سَوَاءٌ عَلَيَّ” في معنى: “لا أُبَالِي”، وفي “أُبَالي” فاعل، وذلك الضمير الفاعلُ هو المجرورُ بـ “على” في المعنى؛ لأن الأمرينِ إنما استويا عليك في عدم المبالاة، فإذا لم تبالٍ بهما لم تَلْتَفِتْ بقلبك إليهما، (ظ/162 ب)، وإذا لم تلتفتْ فكأنك قلت: “لا أَدْرِي أَقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ”.
فلما صارتِ الجملةُ الاستفهاميةُ في معنى المفعول لفعل (3) من أفعال القَلْب، لم يلزمْ أن يكونَ فيها ضميرٌ يعود على ما قبلَها؛ إذ ليس قبلَها في الحقيقة إلا معنى فعل يعملُ فيها، وكيف يعودُ من المفعول ضميرٌ على عامله؟! ولولا قولك: “عَلَيَّ وعَلَيْكُمْ” ما قَوِي ذلك المعنى، ولا عمل في الجملة، ولكن لما تعلَّقَ الجارُّ به صار في حكم المنطوق به، وصار المجرورُ هو الفاعلَ في المعنى، كالفاعل في: “عَلِمْتُ، ودَرَيْتُ، وبَالَيْتُ”.
ألا ترى كيف صار المجرورُ في قولهم: “له صَوْتٌ صَوْتَ غُرَابٍ” بمنزلة الفاعل في يصوت، حتى كأنك نطقت بـ: “يُصَوِّتُ” فنصبت “صوتَ غراب لذلك”.
__________
(1) “نتائج الفكر”: (ص/ 430). و (ق): “فائدة”.
(2) “النتائج”: “المتضمن في”.
(3) “النتائج”: “بفعل”.
(3/909)
وإذ قلت: “عليهِ نَوْحٌ نوحَ الحَمَامِ” رفعت: “نوحَ الحَمَام”؛ لأن الضمير المخفوض بـ “على” ليس هو الفاعل الذي ينوحُ، كما كان في قولك: “له صَوْتٌ صَوْتَ غُرَابٍ”، وكذلك المجرور في “سَوَاءٌ عَلَيْهِم” هو الفاعل الذي في قولك: “لا يُبَالُون ولا يَلْتَفِتُونَ”، إذ المساواةُ إنما هي في عدم المبالاة والالتفات، والمتكلِّمُ لا يريدُ غيرَ هذا بوجه، فصار الفاعلُ مذكورًا والمبالاةُ مفعولةً مقصودةً (1)، فوقعت الجملةُ الاستفهاميةُ مفعولًا لها”.
قال: “ونظير هذه المسألة -حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ- قوله تعالى.
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] فـ “بدا”: فعل ماض، فلابُدَّ له من فاعل، والجملةُ المؤكَّدةُ باللام لا تكونُ في موضع فاعل أبدًا، وإنما تكونُ في موضع المفعول بـ”علمت” [أو “علموا” فهي هاهنا في موضع المفعول،] (2) وإن لم يكن (ق / 224 أ) في اللفظ: “علموا” ففي اللَّفظ ما هو في معناه؛ لأن قوله: “بَدَا”: ظَهرَ للقلب لا للعين.
وإذا ظهر الشيءُ للقلب وقد عُلِمَ، والمجرور من قوله: “لهم” هو الفاعلُ، فلما حصل معنى العلم وفاعله مقدَّمًا على الجملة المؤكَّدة باللام، صارت الجملة مفعولًا لذلك العلم، كما تقول: “عَلِمْتُ لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ”، ولام الابتداء وألف الاستفهام يكون قبلهما أفعال القلب ملغاةً، فكذلك: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ}، وقعت (3) الجملة الاستفهامية في المعنى بعد فعل من أفعال القلب وبعد فاعله، كما تقدَّم بيانُ ذلك
__________
(1) “النتائج”: “معقولة متصوَّرة”.
(2) ما بينهما من “النتائج”.
(3) (ظ): “رفعت”.
(3/910)
حين قدرناه بقولك: “لا يُبَالُونَ” فالواو في: “يُبَالُونَ” هو الفاعل، والضمير في “عليهم” هو الفاعل في المعنى.
ألا ترى كيف اخْتُصَّ بـ “على” من بين حروف الجر؛ لأن المعنى إذا كان يرجعُ إلى عدم المبالاة فقد هان عليك الأمرانِ، وصارا أخفَّ شيء على من لا يُبَاليهما ويلتفتُ إليهما، فتأملْه تجدْ المعانيَ صحيحةً، والفوائدَ كثيرةً مزدحمةً تحتَ هذا اللَّفظ الوجيز.
فلذلك نبَتْ عنه كثيرٌ من الأفهام حتى تناقضتْ عليهم الأصولُ التي أَصَّلوها، واضطربوا في الجواب عن الاعتراضات التي أُلْزِمُوها (1)، مع ما غابَ عنهم من فوائدِ هذه الآيات وإعجازها وسَمَانة (2) هذه الكلمات على إيجازها.
ثم قال:
“فصل (3)
فإن قيل: ما بالُ الاستفهامٍ في هذه الجملة والكلام خبرٌ محضٌ؟.
قلنا: الاستفهامُ مع “أمْ” يُعطي معنى التَّسوية، فإذا قلت: “أَقَامَ زَيْدٌ أمْ قَعَدَ”؟ فقد سوَّيت بينهما في علمك. فهذا جوابٌ فيه مَقْنَعٌ.
وأما التحقيق في الجواب فأَن تقول: ألفُ الاستفهام لم يُخْلَعْ منها ما وُضعت له، ولا عزلت عنه، وإنما معناه: “عَلِمْتُ أقَامُ زَيْدٌ أم قَعَدَ”، أي: علمتُ ما كنتُ أقول فيه هذا القول، وأستفهم عنه بهذا
__________
(1) (ع وظ): “التزموها”.
(2) (ع): “وسمات”.
(3) بياض في (ق)، وانظر: “النتائج”: (ص/432).
(3/911)
اللفظ، فحكيت الكلام كما كان، ليعلم المخاطب أنّ ما كان مستفهَمًا عنه معلومٌ، كما تقول: “قَامَ زَيْدٌ” فترفعه لأنه فاعل، ثم تقول: “ما قَامَ زَيْدٌ” فيبقى الكلامُ كما كان (1)، وتبقى الجملة محكيَّةً على لفظها لتدُلَّ على أنَّ (2) ما كان خبرًا متوهَّمًا عند المخاطب فهو الذي نفي بحرف النفي، ولهذا نظائرُ يطولُ ذكرُها.
فكذلك قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]، لما لم يُبالوا بالإنذار ولا نفعهم، ولا دخل في قلوبهم منه شيءٌ صار في حكم المستفهَمْ عنه، أكان أم لم يكن، فلا تسمَّى الألفُ ألفَ التَّسوية كما فعل بعضُهم، ولكن ألف الاستفهام، بالمعنى الذي وضعتْ له ولم تَزُل عنه”.
ثم قال (3) “فإن قيل: فلمَ جاء بلفظ الماضي (ق/224 ب) أعني {أَأَنْذَرْتَهُمْ} وكذلك {أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)} [الأعراف: 193]، و”أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ قَعَدَ”؟ ولم يجيءْ بلفظ الحال ولا المستقبل؟.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أن في الكلام معنى الشرط، والشرطُ يقعُ [بعده] (4).
المستقبل بلفظ الماضي، تقول: “إنْ قَامَ زَيْدٌ غَدًا قُمْتُ”، وها هنا يتقدَّر ذلك المعنى، كأنك قلت: “إنْ قَامَ زيدٌ أو قعدَ لم أبالِهِ”
__________
(1) من قوله: “ليعلم المخاطب … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) في الأصول: “أنه” والتصويب من “النتائج”.
(3) في “النتائج” هنا: “فصلٌ”.
(4) الأصول: “بعد”.
(3/912)
و”لا ينتفعُ القوم إنْ أنذرتَهم أم لم تُنْذِرْهم” فلذلك جاءَ بلفظ الماضي.
وقد قال الفارسيُّ قولًا غير هذا (1)؛ ولكنه قريبٌ منه في اللَّفظ، قال: إن ألف الاستفهام تضارعُ “إن” التي للجزاء؛ لأن الاستفهامَ غيرُ واجب، كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عُدِمَ المشروطُ، وهذه العبارة فاسدةٌ من وجوه يطولُ ذكرها، ولو رأى المعنى الذي قدمناه لكان أشبَهَ.
على أنه عندي مدخول أيضًا؛ لأن معنى الشرط يطلب الاستقبال خاصَّة دونَ الحال والماضي، وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهمْ}، و {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} لا تختصُّ بالاستقبال، بل المساواة في عدم المبالاة موجودةٌ في كلِّ حال، بل هي أظهرُ في فعل الحال، ولا يقعُ بعد حرف الشرط فعل حالٍ بوجه.
والتحقيقُ في الجواب أن نقولَ: قد أَصَّلنا في “نتائج الفكر” (2) أصلًا، وهو أن الفعل لم يُشْتَقَّ من المصدر مضافًا إلا ليدُلَّ على كون الاسم مخبَرًا عنه -أعني الفاعل الذي كان المصدرُ مضافًا إليه- ولم (3) تختلف أبنيتُه بعدما اشتقَّ عن المصدر إلا لاختلاف أحوال الحَدَث عن مُضِيٍّ أو استقبال، فإن كان قصدُ المتكلِّم أن لا يُقَيِّدُ الحَدَثَ بزمان دونَ زمان، ولا بحالِ استقبال دونَ حالِ مُضِي فليجعلُه (4) مطلقًا بلفظ الماضي الذي لا زوائدَ فيه، ليكونَ أخَفَّ على اللسان وأقربَ إلى لفظ الحَدَث المشتقِّ منه، ألا ترى أنهم يقولون: “لا أَفْعَلُهُ ما لاحَ بَرْقٌ وما طَارَ طَائِرٌ”، بلفظ الماضي خاصَّة لما أرادوا مدَّةً مطلقة غيرَ
__________
(1) انظر “الحجة”: (1/ 202 – 203) للفارسي.
(2) انظر المسألة رقم (10) في “النتائج”: (ص/ 66).
(3) في الأصول: “لم” بدون الواو، والمثبت عن “النتائج”.
(4) في الأصول: “بل يجعله” والمثبت من “النتائج”.
(3/913)
مقيَّدة، وأنه لا يفعل هذا الشيء في مدة لوْح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك، فلم يجاوزوا لفظَ الماضي؛ لأنهم لا يريدون استقبالًا ولا حالًا على الخُصوص.
فإن قلت: ولا يُريدونَ أيضًا ماضيًا، فكيف جاء بلفظ الماضي؟.
قلنا: قد قرن معه: لا أُكَلِّمُهُ ولا أفعلُه، فدلَّ على أن قوله: “ما لاحَ بَرْقٌ” لا يريدُ به لَوْحًا قد انقضى وانقطع، إنما يريدُ مقارنة الفعل المنفي (ق/225 أ) للفعل الآخر في المدَّة على الإطلاق والدوام، فليس في قوله: “ما لاحَ بَرْقٌ” إلا معنى اللَّوْح خاصَّة، غير أنه تُرك لفظ المصدر ليكون البرقُ مخبرًا عنه كما تقدم، فمتى أردت هذا ولم تُرِدْ تقييدًا بزمان فلفظ الماضي أحقُّ (1) وأولى.
وكذلك قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه به، فاشتقَّ من الإنذار الفعل ليدلَّ على أن المخاطَب فاعلُ الإنذار، وترك الفعل بلفظ الماضي؛ لأنه مطلقٌ في الزمان كُلِّه، وأن القومَ لم يُبالوا بهذا ولا يبالون ولا هم في حال مبالاة، فلم يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى، إذ ليس المرادُ تقييدَ الفعل بوقت ولا تخصيصَه بحال.
فإن قلت: لفظ الماضي يخصِّصُه بالانقطاع.
قطنا: “حَدِّثْ حديثينِ امرأةً” (2)، وفيما قدمناه ما يغني عن الجواب مع ما في قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} من ثبوت هذه الصِّفة فيهم وحصولها في الحال وفي المال، فلا تقول: “سَوَاءٌ ثَوْبَاكَ أو غُلامَاكَ”،
__________
(1) (ق) و”النتائج”: “أخف”.
(2) انظر “مجمع الأمثال”: (1/ 192).
(3/914)
إذا كان الاستواءُ فيما مضى، وهما الآن مختلفان، فهذه القرينةُ تنفي الانقطاعَ الذي يُتَوَهَّمُ في لفظ المُضِيِّ، كما كان لفظ الحال في قولك: “لا أُكَلِّمُهُ ما دَامَتِ السَّمواتُ والأرْضُ”، ينفي الانقطاعَ المتوهَّمَ في “دام”، وإذا انتفى الانقطاعُ، وانتفتِ الزوائدُ الأربعُ، بقي الحَدَيث (1) مطلقًا غيْرَ مقيّد في المسألتين جميعًا، فتأمَّلْ هذا تَجِدْه صحيحًا.
فصل (2)
الكلام على واو الثمانية
قولهم: إن الواوَ تأتي للثَّمانية، ليس عليه دليلٌ مستقيمٌ، وقد ذكروا ذلك في مواضعَ فَلْنَتَكَلَّمْ عليها واحدًا واحدًا:
الموضع الأول: قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 112] فقيل الواو في “والناهون” واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة، وذُكِر في الآية وجوهًا أُخَرَ:
منها: أن هذا من التَّفَنُّنِ في الكلام أن (3) يُعْطَفَ بعضُه، ويتركَ عطفُ بعضٍ.
ومنها: أن الصَّفات التي قبل هاتين (ظ / 163 ب)، الصفتين صفاتٌ لازمةٌ متعلِّقَةٌ بالعامل، وهاتان الصفتان مُتَعَدِّيتان متعلِّقتان بالغير فَقُطِعَتا عما قبلَهما بالعطف.
__________
(1) الأصول: “الحدث” والمثبت من “النتائج”.
(2) انظر ما تقدم في الكتاب (2/ 664)، وإحالة المؤلف في استيفاء الكلام على واو الثمانية على كتابه “الفتح المكيّ”، وانظر “حادي الأرواح”: (ص/ 49).
(3) ليست في (ع).
(3/915)
ومنها: أن المُرَادَ التنبيهُ على أن الموصوفين بالصِّفات المتقدِّمة هم (الآمرون بالمعروف والناهونَ عن المنكر).
وكلُّ هذه الأجوبة غيرُ سديدة، وأحسنُ ما يقال فيها: (ق / 225 ب) إن الصِّفاتِ إذا ذُكِرتْ في مَقامِ التَّعداد، فتارة يتوسَّطُ بينها حرفُ العطف لتغايُرها في نفسها، وللإيذان بأن المُرادَ ذكرُ كُلِّ صفة بمفردها، وتارةً لا يتوسَّطُها العاطفُ لاتحاد موصوفها وتلازُمِها في نفسها، وللإيذان بأنها فى تلازُمها كالصفة الواحدة، وتارةً يتوسَّطُ العاطفُ بين بعضها ويُحذفُ مع بعض ٍبحسْب هذين المقامين.
فإذا كان المقامُ مقامَ تَعداد الصِّفات، من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسُنَ إسقاطُ حرف العطف، وإن أريدَ الجمعُ بين الصِّفاتْ أو التَّنبيه على تغايُرها حسُنَ إدخالُ حرف العطف.
فمثال الأول: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} وقول: {مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ} [التحريم: 5].
ومثال الثاني: قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]، وتأمَّل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 1 – 3] فأتى بالواو في الوصفين الأولَين، وحذفها في الوصفين الأخيرين؛ لأن غفرانَ الذنب وقبولَ التَّوْب قد يُظَنُّ أنهما مجريانِ مجرى الوصف الواحد لتلازُمِهِما، فمَنْ غفر الذنبَ قبِلَ التوب، فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدلُّ على أنهما صفتانِ وفِعلانِ مُتغايرانِ ومفهومانِ مختلفانِ لكلِّ منهما حُكْمُهُ:
أحدهما: يتعلَّق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة.
(3/916)
والثاني: يتعلَّقُ بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرُّجوع إليه، وهو التوبة، فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة.
وحَسَّنَ العطفَ هاهنا هذا التَّغايُرُ الظاهرُ، وكلَّما كان التغايرُ أَبْيَنَ كان العطفُ أحسنَ؛ ولهذا جاء العطفُ في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] وترك في وقوله: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [الحشر 23] وقوله: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] وأما: {شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] فترك العطف بينهما لنكتة بديعة، وهي الدلالة على اجتماع هذينِ الأمرينِ في ذاته سبحانه، وأنه حال كونِه شديدَ العقاب، فهو ذو الطَّوْل، فطَوْله لا يُنافي شدَّةَ عقابه بل هما مجتمعانِ له، بخلاف الأول والآخر، فإن الأوَّليَّة لا تجامعُ الآخريَّة، ولهذا فسَّرها النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بقوله: “أنتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قبلَكَ شَيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ” (1) فأوَّلِيَّتُهُ أزليَّتُهُ، وآخريَّتُهُ أبَدِيَّتُهُ.
فإن قلت: فما تصنعُ بقوله: (ق/226 أ) {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} فإن ظهوره تعالى ثابتٌ مع بطونه، فيجتمع في حقه الظهور والبطون، والنبي – صلى الله عليه وسلم – فسَّر الظاهرَ بأنه الذي ليس فوقَه شيء، والباطنَ بأنه الذي ليس دونَه شيء، وهذا العُلُوُّ والفوقيَّةُ مجامع لهذا القرب والدُّنُوِّ والإحاطة.
قلت: هذا سؤالٌ حَسَن، والذي حسَّنَ دخولَ “الواو” هاهنا: أن هذه الصِّفات متقابلةٌ مُتَضَادَّةٌ، وقد عُطِف الثانى منهما على الأول للمقابلة التي بينهما، والصِّفَتَانِ الأخْرَيَانِ كالُأولَيَيْنِ في المُقابلة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخر إلى الأوَّلِ، فكما حَسُن العطفُ
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2713) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(3/917)
بين الأوليين حسن بين الأخريين.
فإذا عُرِفَ (1) هذا؛ فالآيةُ التي نحن فيها يَتَّضِحُ بما ذكرناه معنى العطف وتركُه فيها؛ لأن كلَّ صفةٍ لم تُعْطفْ على ما قبلَها فيها كان فيه تنبيهٌ على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد فلم يحتجْ إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمانِ مستمدَّانِ من مادَّةٍ واحدة، حسُنَ العطفُ ليَبِيْنَ أنَّ كلَّ وصف منهما قائمٌ على حِدَتِهِ مطلوبٌ بتعيينه، لا يُكتفى فيه بحصول الوصفِ الآخر، بل لابدَّ أن يظهر أمرُه بالمعروف بصريحه، ونهيه عن المنكر بصريحه، (ظ / 164 أ) وأيضًا فحَسَّنَ العطفَ هاهنا ما تقدَّمَ من التَّضَادِّ، فلما كان الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر ضِدَّيْنِ؛ أحدُهما طلب الإيجاد، والآخرُ طلبُ الإعدام كانا كالنَّوْعين المُتَغَايِرَيْنِ المُتَضَادَّيْنِ، فحَسُن لذلك العطف.
الموضع الثاني: قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ} [التحريم: 5]، إلى قوله {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}، فقيل: هذه واو الثمانية لمجيئِها بعد الوصف السابع. وليس كذلك، ودخولُ “الواو” هاهنا متعيِّنٌ؛ لأن الأوصاف التي قبلَها المرادُ اجتماعُها في النساء، وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكنُ اجتماعُهما، فتعيَّنَ العطف؛ لأن المقصودَ أنه يُزَوِّجُهُ بالنَّوعينِ: الثَّيِّباتِ والأبكار.
الموضع الثالث: قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] قيل: إدخال “الواو” هاهنا لأجل الثمانية، وهذا يحتملُ
__________
(1) (ق): “عطف”.
(3/918)
أمرين؛ أحدهما هذا، والثاني أن يكون دخول “الواو” هاهنا إيذانًا بتمام كلامهم عند قولهم: (سَبْعَة) ثم ابتدأ قوله: (ق/226 ب) {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}، وذلك يتضمَّن تقريرَ قولهم: (سَبْعَةٌ) كما إذا قال لك “زَيْدٌ فَقِيهٌ”، فقلت: “ونَحْوِيٌّ” وهذا اختيار السهيلي (1).
وقد تقدَّم الكلام عليه (2)، وأن هذا إنما يَتِمُّ إذا كان قوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} ليس داخلًا في المحكيِّ بالقول، والظاهر خلافه، والله أعلم.
الموضع الرابع: قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] فأتى بـ”الواو” لما كانتْ أبوابُ الجنَّة ثمانيةً، وقال في النار: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71]، لما كانتْ سبعةً، وهذا في غاية البُعد، ولا دلالةَ في اللَّفظ على الثمانية حتى تدخل “الواو” لأجلِها، بل هذا من باب حذف الجوابِ لنكتة بديعة، وهي: أن تَفتيحَ أبواب النار كان حالَ موافاة أهلها، ففتحتْ في وجوههم؛ لأنه أبلغ في مفاجَأة المكروه.
وأما الجنَّةُ فلما كانت دارَ الكرامة وهي مأدبةُ (3) الله، وكان الكريمُ إذا دعا أضيافَهُ إلى داره شرع لهم أبوابَها ثم استدعاهم إليها مُفَتَّحَةَ الأبوابِ، أتى بـ “الواو” العاطفة هاهنا الدَّالَّة على أنهم جاءوها بعدما فُتحتْ أبوابُها (4)، وحَذَفَ الجوابَ تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لقدْره، كعادتهم في حذف الأجوبة وقد أشْبَعْنا الكلامَ على هذا فيما تقدَّمَ والله أعلم.
__________
(1) كما في “نتائج الفكر”: (ص/ 264).
(2) 2/ 666.
(3) (ق وظ): “مائدة”.
(4) انظر: “الفصول المفيدة في الواو المزيدة”: (ص/ 158 – 159).
(3/919)
فصل (1)
مذهب سيبويه أن (لولا) إذا اتصل بها الضمير المتصل نحو: “لَوْلاهُ” و”لَوْلاكَ” كان مجرورًا (2)، وخالفه الأخفش، وقال الأخفشُ والكوفيُّونَ: هذه الضمائر مما وقع المضمَرُ المتَّصِلُ موقعَ المنفصل، كما وقع المنفصل موقعَ المُتَّصِلِ في قولهم: “ما أنَا كأنْتَ ولا أَنْتَ كأَنا” وقد وقع المتَّصِلُ موقعَ المنفصل في قوله:
وما نُبَالي إذا ما كُنْتِ جارتَنَا … أنْ لا يُجَاوِرَنا إلاَّكِ دَيَّارُ (3)
وقال المُبَرِّد يقول الكوفيين:
فأما حجَّةُ سيبويهْ فهي الاستعمال، قال الشاعر (4):
وكم مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْت كَمَا هَوَى … بأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيْقِ مُنْهَوِي
وقال الآخر (5):
* لوْلاكِ في ذا العَامِ لَمْ أَحْجُجِ *
__________
(1) انظر للمسألة: “الإنصاف في مسائل الخلاف”: (2/ 687 – 695) لابن الأنباري.
(2) “الكتاب”: (1/ 388).
(3) لا يُعرف قائله، وأنشده ابن جني في “الخصائص”: (1/ 307)، وابن هشام في “المعني”: (1/ 577). و”الأوضح”: (1/ 83).
(4) هو: يزيد بن الحكم الثقفي، من قصيدة له، والبيت من شواهد سيبويه في “الكتاب”: (1/ 388)، وابن جني في “الخصائص”: (2/ 259)، وابن الأنباري في “الإنصاف”: (2/ 691).
(5) هو: عمر بن أبي ربيعة، “ديوانه – الملحقات”: (ص/487). والبيت في “المفصَّل”: (ص/ 175)، و”الإنصاف”: (ص/ 693) وصدره:
* أوْمَت بِعَيْنيها من الهَوْدَجِ *
(3/920)
وقال آخر (1):
* ولَوْلاكَ لَمْ يَعْرِضْ لأحْسَابِنَا حَسَنْ *
واحتجَّ سيبويه على أن الضميرَ هنا مجرور بأَنَّ هذه الضمائر التي هي (الهاء والكاف والياء) إما أن تكونَ ضمائرَ نصب أو ضمائرَ جرٍّ، ومُحالٌ أن تكونَ ضمائرَ رَفع، ولا يجوز أن تكون ضمائر نصب؛ لأن الحروف إذا اتَّصَلَ بها ياء المُتكلم وكانت في موضع نصب اتَّصَلَ بها نون الوقاية، نحو: “إنى وإنني وكأَنى وكأنني” فإن أدَّى ذلك إلى اجتماع مِثْلين جاز حذف نون الوقاية، فيقال: “إنى وكأنِّي ولكنِّي “، فلو كانت “الياءُ” ضميرَ نصب لقالوا: “لولانى” كما قالوا. “ليتني” ولم يأتِ ذلك، فتعيَّنَ أن تكود ضميرَ جرٍّ، فإذا ثبتَ هذا في (الياء) فكذلك في (الكاف والهاء).
وأما الكوفيون فاحتجُّوا بأن الظاهرَ لا يقعُ بعد هذه الحروف إلاّ مرفوعًا، فكذلك المضمَرُ، وقد وُجد ذلك في المنفصل، فيكون المُتَّصِلُ كذلك، ولكن هذه الضمائرَ المتَّصِلة وقعتْ موقعَ الضمائر المنفصلة، كما يقعُ المنفصل موقعَ المتَّصل، فهما يتعاقبانِ ويتعاوَضانِ، فقالوا: “ما أنا كَأنْتَ “، فأوقعوا ضميرَ الرفع موقعَ ضمير الجر، فلذلك قالوا: “لَوْلاك ” فأوقعوا ضميرَ الجرِّ موقعَ ضميرِ الرَّفع، فالتغيير وقع فى الصِّفة، لا في الإعراب، قالوا: وقد ثبت أنَّ (لولا) لا تعملُ في الظّاهر، فكيف تعمل في المضمَر؟.
__________
(1) هو -فيما قيل-: عَمرو بن العاص -رضي الله عنه- والبيت في “الإنصاف “: (2/ 693)، و”شرح ابن عقيل “: (3/ 7) وصدره:
* أنُطمع فينا من أراق دِمَاءَنا *
(3/921)
وأجاب البصريون عن هذا: بأنَّ الأصلَ أن الضمائرَ لا يقعُ بعضُها موقعَ بعض ألا للضَّرورة في الشِّعر، وبأنه يستلزمُ مخالفةَ الأصل من وجهينِ:
أحدهما: إيقاعُ المتَّصل موقع (1) المنفصلِ.
والثاني: إيقاعُ المجرور موقعَ المرفوع، وهذا تغييرٌ مرتين، فالتغييرُ في (لولا) (2) بكونها حرف جرٍّ في هذا الموضع أسهلُ، قالوا: وأما عملُها في المضْمَر خاصَّةً فليس بمستنْكَرٍ عملُ العامل في بعض الأسماء دون بعض، فهذه “لَدُنْ” لا تعمل إلا في “غُدْوَةٍ” وحدها، فإذا كان العاملُ يعملُ في بعض الظاهرات دونَ بعض، وهي جنسٌ واحد، فَلأَنْ يعملَ في المضمَر دونَ الظاهر وهما جنسانِ أولى، وقد ردَّ بعضُ النحاة هذا الاستعمالَ جملةً وقال: هو لحنٌ، واختلف على المُبَرِّد، فقيل: إن هذا مذهبُهُ، وقيل: إن مذهبَهُ قولُ الكوفيين. والله أعلم.
فصل (3)
اختلف في المستثنى، من أيِّ شيءٍ هو مخرَجٌ؟.
فذهب الكسائىُّ إلى أنه مخرَجٌ من المستثنى منه، وهو المحكومُ عليه فقط. فإذا قلت: “جَاءَ القَوْمُ إلاّ زَيْدًا” فزيد مخرَجٌ من القوم، فكأنك أخبرتَ عن القومِ الذين ليس فيهم (4) بالمجيء، وأما هو فلم تخبرْ عنه بشيء، بل سَلَبْتَ الإخبارَ عنه، لا أنك أخبرتَ عنه بسلب
__________
(1) (ع): “موضع “.
(2) “في لولا” ليست في (ع).
(3) من (ع) وحدها.
(4) (ظ) زيادة: “زيد”.
(3/922)
المجيء؛ والفرقُ بين الأمرين واضحٌ، وعلى قوله فالإسناد (1) وقعَ بعدَ الإخراج.
وذهب الفَرَّاء إلى أنه مخرَجٌ من الحُكم نفسِهِ.
وذهب الأكثرون إلى أنه مخرَج منهما معًا، فله اعتباران؛ أحدُهما: كونُه مستثنى، وبهذا الاعتبار هو مخرَجٌ من الاسم المستثنى منه، والثاني: كونه محكومًا عليه بضِدِّ حكم المستثنى منه، وبهذا الاعتبار هو مخرَج من (2) حكمه.
والتحقيقُ في ذلك أنه مخرَجٌ من الاسم المقيَّد بالحكم، فهو خرَج من اسم مقيَّد لا مطلَق.
ونذكرُ ما احْتَجَّ به لهذه المذاهب، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [البقرة: 34] ووجهُ الاستدلال: أن الاستثناءَ لو كان مخرَجًا من الحكم لكان قوله: “أبَى” تكرارًا؛ لأنه قد علم بالاستثناء، وأجيبَ عن هذا بأنه تأكيدٌ، واعْتُرِض على هذا الجواب بأن المعانيَ المستفادةَ من الحروف لا تُؤَكَّدُ، فلا يقال: “مَا قَامَ زَيْدٌ نفيًا” و”هلْ قَامَ عَمروٌ استفهامًا” و”لكن قَامَ زَيْدٌ استدراكًا” ونحوه؛ لأن الحرف وُضِعَ على الاختصار، ولهذا عُدِلَ عن الفعل إليه، فتأكيدُه بالفعل ينافي المقصودَ بوضعه.
والتحقيقُ في الجواب: أن “أَبَى” أفاد معنىً زائدًا وهو: أن عدم
__________
(1) (ق): “فالاستثناء”.
(2) من قوله: “الاسم المستثنى … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/923)
سجوده استند إلى إبائه، وهو أمرٌ وُجُودي اتَّصف به , نشأ عنه الذنبُ، فلم يكن تركُ سجوده لعَجْزٍ ولا لسَهْوٍ ولا لغفلةٍ، بل كان إباءً واستكبارًا.
ومعلومٌ أن هذا لا يُفْهَم من مجرَّد الاستثناء، وإنما المفهوم منه عدم سجوده، وأما الحاملُ على عدم السجود فلا يدلُّ الاستثناء عليه فصرَّح بذكره.
ونظير هذا الاحتجاج والاعتراض والتقدير سواء قوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)} [الأعراف: 11] فإنَّ نفىَ كونه من السَّاجدين أخصُّ من نفي السُّجود عنه؛ لأن نفي الكون يقتضي نفى الأهليَّةِ والاستعداد، فهو أبلغُ في الذَّمِّ من أن يقال: “لم يَسْجُدْ”.
ثم الذي يدلُّ على بُطلان هذا المذهب وجوهٌ:
منها: أنه لو كان ما بعدَ “إلاّ” مسكوتًا عن حكمِهِ لم يكن قولُنا: لا إله إلاّ الله توحيدًا واللازم باطلُ, فالملزومُ مثلُه, والمقدِّمتانِ ظاهرتان.
ومنها: أن الاستثناء المنقطع لا يُتَصور الإخراجُ فيه من الاسم لعدم دخولِه فيه , فكذلك المتَّصلُ.
ومنها: أنه لو كان الإخراجُ من الاسم وحده لما صحَّ الاستثناء من مضمون الجملة كقولك: “زَيْدٌ أَخوكَ إلاّ أنَّهُ ناءٍ عَنْكَ”، و”عَمْرٌو صّديقُكَ إلاَّ أنَّهُ يُوادُّ عَدُوَّكَ” ونحو هذا.
ومنها: أنه لا يوجدُ في كلام العرب: “قامَ القومُ إلاّ زَيدًا فإنَّهُ قَامَ” ولو كان الإخراجُ من الاسم وحدَه والمستثنى مسكوتٌ عنه لجاز
(3/924)
إثباتُ القيام له؛ كما جاز نفيُهُ عنه، فإن السكوتَ عن حكمه لا يفيدُ نفيَ القيام عنه ولا إثباته، فلا يكونُ واحدٌ منهما مناقضًا للاستثناء.
واحتجَّ الفَرَّاءُ بأن المُنقطعَ مخرَجٌ من الحُكم لا من الاسمِ، وكذلك البابُ كلُّه، وأجيبَ عن ذلك بأن المستثنى داخلٌ مع الاسمِ المحكوم عليه تقديرًا, إذ يقدَّرُ الأوَّلُ شاملاً بوجه ليصِحَّ الاستثناءُ، ولمن نصر قول الكسائي أيضًا أن يُجِيبَ له بهذا الجواب.
وإذا تبين بطلانُ المذهبين صحَّ مذهبُ الجمهور: أن الإخراج من الاسم والحكم معًا، فالاسم المستثنى مخرَجٌ من المستثنى منه، وحكمُه مخرَجٌ من حكمه، ومن الممتنع إخراجُ الاسم المستثنى من المستثنى منه مع دخوله تحتَهُ في الحكم, فإنه لا يُعقل الإخراجُ حينئذٍ ألْبتةَ, فإنه لو شاركه في حكمه لدخلَ معه في الحكم والاسم جميعًا، فكان استثناؤُه غيرَ معقول، ولا يقالُ, إن معنى الاستثناء أن المتكلِّمَ تاركٌ للإخبار عنه بنفىٍ أو إثباتٍ، مع احتمال كلِّ واحدٍ منهما، لأنَّا نقولُ: هذا باطلٌ من وجوه عديدة:
منها: أنَّكَ إذا قلتَ: “ما قَامَ إلا زَيْدٌ” “مَا ضَرَبْتُ إلاّ عَمْرًا” و”مَا مَرَرْتُ إلاّ بِزَيْدٍ”، ونحوه من الاستثناءات المفرَغات لم يَشُكَّ أحدٌ في أنك أثبتَّ هذه الأحكامَ لما بعد “إلاّ” كما أنك سلبتها عن غيره، بل إثباتُها للمستثنى أقوى من سلبها عن غيره (1).
ويلزمُ من قال: إن حكم المستثنى مسكوتٌ عنه، أن لا يفهمَ من هذا إثباتَ القيام والضَّرب والمرور لزيدٍ، وهو باطلٌ قطعًا.
ومنها: أنه لو كان مسكوتًا عنه لم يدخلِ الرجلُ في الإسلام
__________
(1) من قوله: ” بل إثباتها … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/925)
بقوله: “لا إلهَ إلاّ الله”، لأنه على هذا التقدير الباطل لم يُثبِت الإلهيَّةَ لله، وهذه أعظمُ كلمةٍ تضمَّنت بالوضع نفيَ الإلهيَّة عما سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاصِ، فدلالتها على إثبات إلاهيَّته أعظمُ من دلالة قولنا: “الله إلهٌ”، ولا يستريبُ أحدٌ في هذا ألْبتَّة.
ومنها: أنه لو ادُّعِيَ عليه بمائَةِ دِرهَمٍ، فقال: “له عِنْدي مِائَةٌ إلاّ ثلاثَة دَراهِمَ “، فإنه نافٍ لثبوت المستثنى في ذِمَّته، ولو كان ساكتًا عنه لكان قد أقرَّ بالبعض ونكل عن الجواب عن البعض، وهذا لم يقلْهُ عاقلٌ، ولو كان حكم المستثنى السُّكوتَ لكان هذا ناكلاً (1).
ومنها: أن المفهوم من هذا عندَ أهل التخَاطُب نَفيُ الحكم عن المستثنى وإثباته للمستثنى منه، ولا فرقَ عندَهم بين فهم هذا النَّفي وذلك الإثبات ألْبتة، وذلك جارٍ عندَهم مجرى فهم الأمر والنهي والنَّفي والاستفهام وسائر معانى الكلام، فلا يفهمُ سامعٌ من قول الله عز وجل: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] أنه أخبر عن لبْثِهِ تسع مائة عام وخمسين عامًا، وسَكَتَ عن خمسين فلم يُخْبِرْ عنها بشيء، ولا يفهمُ أحدٌ قطّ إلا أن الخمسينَ لم يَلْبَثْها فيهم.
وكذلك قوله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} [ص: 82, 83] لا يفهم منها إلا أن المخْلَصينَ لا يتمَكَّنُ من إغوائهم، وكذلك سائر الاستثناءات.
ومنها: أن القائل إذا قال: “قَامَ القَوْمُ إلاّ زَيْدًا” لم يكن كلامه صدقًا إلا بقيامِهم وعدم قيام زيد، ولهذا من أراد تكذيبه قال له: “كَذَبْتَ بلْ قامَ زَيْدٌ”، ولو كان زيدٌ مسكوتًا عنه لم يكن هذا تكذيبًا
__________
(1) (ق وظ): “باطلاً”.
(3/926)
له، والعقلاءُ قاطبةً يعدونه تكذيبًا، ويعدُّون خبَرَهُ كاذبًا، حيث يعدُّون الإخبار بخلاف ما الشيء عليه كَذِبًا (1).
إذا عُرِفَ هذا؛ فَبِهِ يَنْحَلُّ الإشكال الذي أورده بعضُ المتأخرين على الاستثناء، وقال: الاستثناء مشْكِل التَّعَقُّلِ، قال: لأنك إذا قلت: “جاءَ القَوْم إلا زيْدًا” فإما أن يكون زيدٌ داخلاً في القوم أو لا، فإن كان غيرَ داخل لم يستقمِ الاستثناءُ لأنه إخراجٌ، وإخراجُ ما لم يدخلْ غير معقول، وإن كان داخلاً فيهم لم يستقمْ إخراجه للتناقض, لأنك تحكمُ عليه بحكمين متناقضين.
ولهذه الشبهة قال القاضي (2) وموافقوه: “إن عشرة إلا ثلاثة” مرادفٌ لسبعة، فهما اسمان رُكِّبا مع الحرف وجُعِلا بإزاء هذا العدد، فإن أراد القاضي أن المفهومَ منهما واحدٌ فصحيحٌ، وإن أراد التركيبَ النَّحْوِيَّ فباطلٌ.
والجواب عن هذا الإشكال: أنه لا يُحكم بالنِّسب إلا بعد كمال ذكر المفردات، فالإسناد إنما وقع بعد الإخراج، فالقائلُ إذا قال: “قامَ القَوْمُ إلا زيْدًا” فهاهنا خمسة أمور:
أحدها: القيامُ بمفرده.
الثاني: القَوْمُ بمفرده.
الثالث: زَيْدٌ بمفرده.
الرابع: النسبة بين المفردَين.
__________
(1) هذه الجملة ساقطة من (ق) ومكانها: “وإن كان قبل الحكم عليه “!.
(2) لعله: أبو يعلى ابن الفرَّاء الحنبلي.
(3/927)
الخامس: الأدلة الدَّالَّة على سلب النسبة عن زيد. فـ “زيدٌ” دخل في القوم على تقدير عدم الإسناد، وخرج منهم على تقدير الإسناد، ثم أُسْندَ بعد إخراجِه, فدخولُه وخروجُه باعتبارين غير متنافيين، فإنه دخلَ باعتبار الإفراد وخرج باعتبار النسبة، فهو من القوم غيرِ المحكوم عليهم، وليس من القوم المقيَّدين بالحُكم عليهم، هذا إيضاحُ هذا الإشكال وحَلُّه، واللهُ الموفِّقُ.
فصل
المستثنى إذا جُعِل تابعًا لما قبلَه، فمذهب البصريين أنه بَدَلٌ، وقد نصَّ عليه سيبويه (1)، ومذهب الكوفيين أنه عطفٌ، فأما القول بالبَدَلِ فعليه إشكالان (2):
أحدهما: أنه لو كان بَدَلاً لكان بَدَلَ بعضٍ، إذ يمتنع أن يكون بَدَلَ كُلٍّ من كُل، وبدل البعض لابُدَّ فيه من ضمير يعود على المبدَل منه، نحو: “قَبَضتُ المَالَ نصفهُ”.
الثاني: أن حكمَ البَدَل حكمُ المبدَل منه؛ لأنه تابع يشارك متبوعَه في حكمه، وحكم المستثنى هاهنا مخالفٌ لحكم المستثنى منه، فكيف يكون بَدَلاً.
وأجيب عن الأوَّل بأن “إلاَّ” وما بعدَها من تمام الكلام: الأوَّل، و”إلاَّ” قرينةٌ مُفْهمة أن الثاني قد كان تناولَهُ (3) الأوَّلُ، فمعلوم أنه بعضُ الأول، فلا يحتاجُ فيه إلى رابط بخلاف: “قَبَضْتُ المَالَ نِصْفَهُ”.
__________
(1) في “الكتاب”: (2/ 311).
(2) (ع): “إشكالات”.
(3) (ع): “يتناوله “، و (ق): “تداوله”.
(3/928)
وأُجيب عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء قسم على حِدَتِهِ، ليس من تلك الأبدال التي تثبت (1) في غير الاستثناء.
وأُجيبَ عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء إنما المُراعَى فيه وقوعُه مكان المبدَل منه، فإذا قلت: “ما قَامَ أَحَدٌ إِلاَّ زَيْدٌ” فـ “إِلاَّ زَيْدٌ” هو البَدَل، وهو الذي يقعُ موقعَ “أحدٍ”، فليس “زيدٌ” وحدَه بَدَلاً من “أحد”، فـ”إلا زيْد” هو الأحد الذي نَفَيْت عنه القيامَ، فقولُك: “إِلاَّ زَيْدٌ” هو بيان الأحد (2) الذي عَنَيْتَ، وعلى هذا فالبَدَلُ في الاستثناء أشبهُ ببَدَل الشيء من الشيء، من بَدَلِ البعضِ من الكلِّ.
وأما الإشكالُ الثاني فقال السِّيرافيُّ مجيبًا عنه: هو بَدَلٌ منه في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البَدَلِيَّة؛ لأن مذهب البَدَل فيه أن يجعل الأوَّل كأنه لم يُذْكَر، والثاني في موضعه.
وقد تتخالفُ الصِّفةُ والموصوفُ نفيًا وإثباتًا، نحو: “مررتُ بِرَجُلٍ لا كَرِيمٍ ولا لَبيبِ “.
ومعنى هذا الجواب: أنه إنما يشترطُ في البَدَل أن يحلَّ محل الأوَّلِ في العامل خاصَّة، وأما أن يكون حكمُهما واحدًا فلا.
وأما القولُ الكوفيُّ: إنه عطف، فإنهم جعلوا “إلاَّ” من حروف العطف في هذا الباب خاصَّة، والحاملُ لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة.
قال ثعلب: كيف يكون بَدَلاً وهو موجبٌ ومتبوعه منفىٌّ، والعطفُ
__________
(1) غير بيّنة في (ظ)، وفي (ع): “تبينت” والمثبت من (ق).
(2) كذا في (ق وظ)، وفي (ع): “مقويتان للأخذ … “!.
(3/929)
توجدُ فيه المخالفةُ فى المعنى كالمعطوف بـ “بَلْ” و”لكِنْ “، وهذا ممكنٌ خالٍ من التكَلُّف، ولا يقال: إنه يستلزم الاشتراك في الحروف، وهو مذهب ضعيفٌ؛ لأنا نقول: ليس هذا من الاشتراك في الحروف، فإن “إلاَّ” للإخراج على بابها، وإنما سمّوا هذا النوعَ من الإخراج عطفًا على نحو تسميتهم الإخراجَ بـ”بَلْ ” و”لكن” عطفًا، والاشتراك المردود قول من يقول: إن “إلاَّ” تكون بمعنى الواو، لكن قد رُدَّ قولُهم بالعطف بأن “إلاَّ” لو كانت عاطفةً لم تباشر العاملَ في نحو: “مَا قَامَ إلاَّ زيْدٌ”؛ لأن حروف العطف لا تلي العواملَ, ويجابُ عن هذا بأن “إلا” التي باشرتِ العاملَ ليست هي العاطفة, فليس هاهنا عطفٌ ولا بدلٌ ألبَتَّةَ، وإنما الكلامُ فيما إذا كان ما بعد “إلاَّ” تابعًا لما قبلها.
قال ابن مالك (1): ولمقوِّى العطف أن يقول: تخالفُ الصِّفة والموصوف كَلا تَخَالُف، لأنَّ نفي الصِّفتين إثباتٌ لضِدَّيهما، فإذا قلت: “مرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كرِيم ولا شجاع” فكأنك قلت: “بَخيل جَبَان” وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإنَّ جَعْلَ “زيْدٍ” بدلاً من “أحد” إذا قيل: “ما فيها أحدٌ إلا زيدٌ” يلزمُ منه عدم النَّظير، إذ لا بَدَلَ في غير محل النّزاع إلا وتَعَلُّقُ العاملِ به مُسَاوٍ لتَعَلُّقِهِ بالمبْدَل منه, والأمرُ في “ما قَامَ أَحَدٌ إلاّ زَيْدٌ” بخلاف ذلك، فيضعفُ كونه بَدَلاً، إذ ليس في الأبدال ما يشبهه، وإن جُعِل معطوفًا لم يلزمْ من ذلك مخالفة المعطوفات، بل يكون نظيرَ المعطوف بـ”لا” و”بَلْ ” و”لكِنْ ” فكان جعلُه معطوفًا أولى من جعله بَدَلاً.
قلت: ويقوِّي العطفَ أيضًا أنك تقول: “لا أحَدَ في الدَّارِ إلاّ
__________
(1) لم أعثر على كلامه.
(3/930)
عَبْدُ الله “، فـ “عبدُ الله” لا يصحُّ أن يكون بدَلاً من “أحدٍ”، فإنه لا يَحِلُّ مَحَلَّة.
فإن قيل: هذا جائزٌ على توهُّم “ما فيها أحدٌ إلا عَبْدُ اللهِ” إذ المعنى واحدٌ، فأمكنَ أن يَحِلَّ أحدُهما محلَّ الآخرِ، قيل: هذا كاسمه وَهْم، والحقائقُ لا تُبنى على الأوهام.
وأجاب ابنُ عُصفور عن هذا بأن قال: لا يلزمُ أن يَحِلَّ “عبدُ الله” محِلَّ “أحدٍ” الواقع بعد “لا” لأنَّ المُبْدَلَ إنما يلزمُ أن يكونَ على نِيَّةِ تكْرار العاملِ، وقد حصل ذلك كلُّه (1) في هذه المسألة وأمثالها، ألا ترى أن “عبدَ الله” بَدَلٌ من موضع “لا أحَدَ”، فيلزمُ أن يكونَ العاملُ فيه الابتداءَ، كما أن العاملَ في موضع “لا أحَدَ” الابتداء، بلاشكٍّ أنَّك إذا أبدلْتَهُ منه كان مبتدأً في التقدير وخبرُه محذوف، وكذلك حرفُ النَّفيِ لدلالة ما قَبْلَه عليه، والتقدير: “لا أحَدَ فِيها لا فِيها إلاّ عَبْدُ اللهِ ” ثم حذف واختص.
وهذا الجوابُ غيرُ قَوِيٍّ؛ إذ لو كان الأمرُ كما زعم لصحَّ البدل مع الإيجاب، نحو: “قَامَ القَوْمُ إلاّ زَيْدٌ” لصحَّة تقدير العامل في الثاني، وهم قد منعوا ذلك وعَلَّلوه بعدم صِحَّة حلول الثاني مَحَلَّ الأوَّل، فدلَّ على أنه مشترطٌ.
فصل (2)
قوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]__________
(1) من (ق).
(2) ليس في (ع).
(3/931)
قال الزمخشري (1): هو استثناء منقطعٌ جاء على لغة تميم، لأن الله تعالى وإن صحَّ الإخبار عنه بأنه في السماوات والأرض، فإنما ذلك على المجاز؛ لأنه مقدَّس عن الكون في مكان بخلاف غيره، فإنَّ الإخبار عنه بأنه في السماء أو في الأرض ليس مجازًا، وإنما هو حقيقة، ولا يَصِحُّ حملُ اللَّفظِ فى حالٍ واحدٍ على الحقيقة والمجاز.
قلت: وقولُه “على لغة تميم” يريدُ أن من لغتهم: أن الاستثناءَ المنقطعَ يجوزُ إتباعُهُ كالمتَّصِل إن صحَّ الاستغناءُ به عن المستثنى منه، وقد صحَّ هاهنا، إذ يَصِحُّ أن يقالَ: لا يعلمُ الغيبَ إلا الله.
قال ابن مالك (2): والصحيحُ عندي أن الاستثناءَ في الآية متَّصِلٌ، وفي متعلقه بفعل غير (استقر) من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين كـ: “ذكَرَ ويذْكُرُ” ونحوه، فكأنه قيل: “لا يعلمُ مَنْ يُذكَرُ فى السَّماواتِ والأرض الغيبَ إلا الله”.
قال: ويجوزُ تعليقُ “في” بـ “اسْتَقَرَّ” مستندًا (3) إلى مضاف حُذِف، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، والأصل: “لا يعلمُ من استَقَرَّ ذكره في السَّماوات والأرضِ الغيبَ إلا الله” ثم حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر (4) لكونه مرفوعًا. هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حال واحد، وليس عندي ممتنعًا لقولهم: ” القَلَم أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ” و” الخَالُ أَحَدُ الأبَوَيْنِ” وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] في قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “الأيْدِي ثَلاثَةٌ: يَدُ اللهِ، ويَدُ
__________
(1) انظر “الكشاف”: (3/ 149).
(2) انظر الصفحة السابقة.
(3) (ق, ظ): “مسندًا”.
(4) (ق): “الضمير”.
(3/932)
المُعْطِي، ويَدُ السَّائلِ” (1) ” تم كلامُه.
فهذا كلام هذين الفاضلين في هذه الآية، وأنت ترى ما فيه من التكَلُّف الظاهر الذي لا حاجة بالآية إليه، بل الأمرُ فيها أوضحُ من ذلك (2).
والصوابُ: أن الاستثناءَ مُتَّصِلٌ، وليس في الآية استعمالُ اللَّفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن “من في السَّماوات والأرض” هاهنا أبلغُ صيغ العمومِ، وليس المُراد بها مُعَيَّنًا، فهي في قوَّة “أحد” المنفي بقولك: “لا يَعْلمُ أَحَدٌ الغَيْبَ إلاّ الله”، وأتى في هذا بذكر السموات والأرض تحقيقًا لإرادة العموم والإحاطة فالكلام مُؤدٍّ معنى: “لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلاّ الله” (3).
وإنما نشأ الوهمُ مِن ظَنِّهم أن الظرفَ هاهنا للتَّخصِيص والتَّقييد، وليس كذلك، بل هو لتحقيق الاستغراق والإحاطة، فهو نظيرُ الصِّفة في قوله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] فإنها ليست للتخصيص والتَّقييد، بل لتحقيق الطَّيران المدلول عليه بـ”طائر”، فهكذا قوله: {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لتحقيق الاستغراق المقصود بالنفي.
__________
(1) أخرجه أحمد: (7/ 295 رقم 4261)، وابن خزيمة رقم (2435) والحاكم: (1/ 408) من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وأخرجه أحمد: (25/ 225 رقم 15890)، وأبو داود رقم (1649) والحاكم: (1/ 408) -كلاهما من طريق أحمد- من حديث مالك بن نضلة -رضي الله عنه- بنحوه.
والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(2) وذكر كلامهما ابن هشام فى “المغني”: (2/ 449 – 450) ثم قال: “وفى الآية وجه آخر، وهو أن يُقدِّر “من” مفعولاً به، و” الغيب” بدل اشتمال، و”الله” فاعل، والاستثناء مفرَّغ” اهـ.
(3) من قوله: “وأتى في هذا … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/933)
ومن تأمَّلَ الآية عَلِم أنه لم يقصدْ بها إلاّ ذلك، وقد قيل: إنه لا يمتنعُ أن يطلقَ عليه تعالى أنه في السموات كما أطلقَه على نفسه، وأطلقَه عليه رسولُهُ، قالوا: ولا يلزم أن يكون هذا الإطلاقُ مجازًا بل له منه الحقيقة التي تليقُ بجلاله ولا يشابهُهُ فيها شيءٌ من مخلوقاته، وهذا كما يطلق عليه أنه سميعٌ بصيرٌ عليمٌ قديرٌ حيٌّ مريدٌ حقيقةً، ويطلقُ ذلك على خلقِهِ حقيقةً، والحقيقَةُ المختصَّةُ به لا تُماثِلُ الحقيقةَ التي لخَلْقِهِ، فتناوُلُ الإطلاقِ بطريق الحقيقة لهما لا يستلزمُ تماثُلاً حتى يُفَرَّ من نفيه إلى المجاز.
وأما قوله: “إن الظرفَ متعلّقٌ بفعل غير “استقر”، من الأفعال المنسوبة إلى الله وإلى المخلوقين حقيقة كـ “ذَكَرَ ويَذْكُرُ” إلى آخره”.
فيقال: حذف عامل الظَّرف لا يجوزُ إلا إذا كان كونًا عامًا أو استقرارًا عامًا، فإذا كان استقرارًا أو كَوْنًا خاصًّا مُقَيَّدًا لم يَجُز حذفُهُ، وعلى هذا جاء مصرَّحًا به في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} [النمل: 40] لأن المُرَادَ به الاستقرارُ الذي هو الثبات واللُّزومُ، لا مطلق الحصول عنده، فكيف يسوغُ ادّعاء [حذفِ] (1) عامل الظرفِ في موضع ليس بمعهودٍ حذفُه فيه؟! وأبعدُ من هذا التقدير: ما ذكره في التقدير الثاني أن عاملَ الظرف استقرار مضاف إلى ذكر محذوف استغني به عن المُضاف إليه، والتقديرُ: “استقرَّ ذكرُه “، فإن هذا لا نظيرَ له، وهو حذفٌ لا دليلَ عليه، والمضافُ يجوز أن يُستغنى به عن المُضاف إليه (2) بشرطينِ: أن يكون مذكورًا، وأن يكونَ معلومَ الوضع مدلولاً عليه لئلا يلزمَ اللَّبْسُ.
__________
(1) من (ظ).
(2) من قوله: “والتقدير: استقر … ” إلى هنا ساقط من (ق)، وهو انتقال نظر.
(3/934)
وأما ادعاءُ إضافة شيءٍ محذوف إلى شيء محذوف، ثم يضافُ المُضاف إليه إلى شيءٍ آخر محذوف، من غير دلالة في اللَّفظ عليه، فهذا مما يُصَانُ عنه الكلام الفصيح فضلاً عن كلام ربِّ العالمينَ!.
وأما قولُه: “على أنه لا يمتنعُ إرادةُ الحقيقة والمجاز معًا” واستدلالُه على ذلك بقولهم: “القَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ “، فلا حُجَّةَ فيه! لأن اللَّسانينِ اسم مثنَّى، فهو قائمٌ مقامَ النُّطق باسمين أُريدَ بأحدهما الحقيقة وبالآخر المجاز، وكذلك: “الخَالُ أَحَدُ الأبَوَيْنِ” وكذلك “الأَيْدِي ثَلاثَةٌ”.
وأما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] فالاستدلال به أبعدُ من هذا كلِّه، فإنَّ الصلاةَ على النبى – صلى الله عليه وسلم – من الله وملائكته حقيقةٌ بلا رَيْب، والحقيقةُ المضافة إلى الله من ذلك لا تُماثِلُ الحقيقةَ المُضافةَ إلى الملائكة، كما إذا قيل: “الله ورسولُهُ والمؤمنونَ يعلمونَ أن القرآنَ كلامُ الله “، لم يَجُزْ أن يُقَالَ: إن هذا استعمالُ اللَّفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان العِلْمُ المضافُ إلى الله غيرَ مماثِل للعِلْم المُضافِ إلى الرسول والمؤمنين، فتأمَّلْ هذه النُّكَت البديعة. ولله الحمد والمنّة.
فصل
المعروفُ عند النُّحاة أن الاستثناءَ المنقطعَ هو: أن لا يكونَ المستثنى داخلاً في المُستثنى منه، وربما عبَّروا عنه بأن لا يكونَ المستثنى من جنس المستثنى منه، وهذا يحتمل شيئينِ:
أحدهما: أن لا يكون المستثنى فردًا من أفراد المستثنى منه.
والثاني: أن لا يكونَ داخلاً في ماهِيَّتِهِ ومُسَمَّاه، فنحو: “جَاءَ
(3/935)
القَوْمُ إلاَّ فَرَسًا” منقطعٌ اتفاقًا، و”جَاءوا إلاَّ زَيْدًا” متَّصل، و”رأَيْتُ زَيدًا إلاَّ وَجْهَهُ” منقطعٌ على الاعتبار الأوَّل؛ لأن الوجهَ ليس فردًا من أفراد المستثنى منه، ولكن لا أعلمُ أحدًا من النُّحاة يقولُ ذلك، ويلزمُ من ذلك أن يكون استثناءُ كلِّ جزءٍ من كُلٍّ منقطعًا. ونحو قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} منقطع على التفسير الأول لعدم دخولِ الموتة الأولى في المستثنى منه، ومتَّصل على التفسير الثانى؛ لأنها من جنس الموت في الجملة.
وفي الاستثناء المنقطع عبارةٌ أخرى، وهي: أن يكون منقطعًا مما قبلَه، إما في العمل، وإما في تناوله له، فالمنقطع تناولاً: “جَاءَ القَوْمُ إلا حِمَارًا” والمنقطع عملاً نحو قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)} [الغاشية: 22 – 24] فهذا استثناء منقطِعٌ بجملة، كذا قاله ابن خروف (1) وغيره، وجعلوا “مَنْ” مبتدأ و”يُعَذِّبُه” خبره، ودخلت الفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط.
وجعل الفرَّاء من هذا قوله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [البقرة: 249] على قراءة الرَّفع (2)، وقدَّره: “إلا قليلٌ منهم لم يشربوا”، وقواه ابن خروف واستحسنه.
ومن هذا قولهم: “ما للشَّيَاطِين مِنْ سِلاحٍ أبْلَغَ في الصَّالحِينَ مِنَ ْالنِّسَاءِ إلاَّ المُتزوِّجون، أُولئكَ المطَهَّرُون المُبرَّؤونَ مِنَ الخَنَاء”.
__________
(1) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن خروف الإشبيلي النحوي ت (610) انظر “السير”: (22/ 26).
(2) وهي قراءة أُبي والأعمش، “البحر المحيط”: (2/ 275).
(3/936)
وقيل: إنّ من هذا قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: 81] في قراءة الرفع (1)، ويكون “امرأتُك” مبتدأ وخبره ما بعده.
وهذا التوجيهُ أولى من أن يجعلَ الاستثناء في قراءة من نَصَبَ من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}، وفي قراءة من رفع من قوله: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} , ويكون الاستثناءُ على هذا من (2): “فَأَسرِ بأهْلِكَ “، رفعًا ونصبًا، وإنما قلنا: إنه أوْلى؛ لأنَّ المعنى عليه، فإن الله تعالى أمرَه أن يَسْرِيَ بأهلِه إلا امرأته.
ولو كان الاستثناء من الالتفات؛ لكان قد نهى المُسْرَى بهم عن الالتفات وأذِنَ فيه لامرأته، وهذا ممتنعٌ لوجهين:
أحدُهما: أنه لم يأمرْه أن يَسْرِيَ بامرأتِهِ، ولا دخلت في أهله الذين وُعِد بنجاتهم.
والثاني: أنه لم يكَلِّفْهُمْ بعدم الالتفات، ويأذَنَ فيه للمرأة.
إذا عُرِفَ هذا؛ فاختلف النُّحاة: هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثنى منه بوجه أو ليس ذلك بشرط؟.
فكثيرٌ من النُّحاة لم يشترط فيه ذلك، واشترطه آخرون، قال ابن السَرَّاج (3): “إذا كان الاستثناء منقطعًا فلابدَّ من أن يكونَ الكلامُ الذي قبل “إلاَّ” قد دلَّ على ما يُستثنى [منه] “. فعلى الأوَّل لا يُحتاج
__________
(1) وهى قراءة ابن كثير وأبى عَمرو، انظر: “المبسوط”: لابن مِهران.
(2) من قوله: “من قوله: فأسر … ” إلى هنا ساقط من (ق)، و”من” سقطت من (ع).
(3) في “الأصول”: (1/ 291).
(3/937)
إلى تقدير، وعلى الثاني فلابُدَّ من تقدير الرَّدِّ، ولنذكر لذلك أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] فمَنْ لم يشترطِ التقديرَ أجراه مجرى المُفْرَّغ، والمعنى: “ما عندَهم، أو: ما لَهُمْ إلاَّ اتِّباع الظَّنِّ “، وليس اتِّباعُ الظَّنِّ متعلِّقًا بالعلم أصلاً.
ومن اشترطَ التقديرَ قال (1): المعنى: “ما لَهُمْ مِنْ شعورٍ إلاَّ إتِّباع الظَّنِّ “، والظن وإن لم يدخلْ في العلم تحقيقًا فهو داخل فيه تقديرًا، إذ هو مستحضرٌ بذكره، وقائمٌ مقامَهُ في كثير من المواضع، فكان في اللّفظ إشعار به صَحَّ به دخولُه وإخراجُه.
وهذا بعد تقريره (2) فيه ما فيه، فإن المستثنى هو اتِّباع الظَّنِّ لا الظَّنُّ نفسُه، فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقًا ولا تقديرًا، فالأحسن فيه عندي أن يكونَ التقديرُ: “ما لَهمْ به مِنْ عِلْم فَيَتَّبعُونَهُ ويأتمُّون (3) به، إن يتَّبعُونَ إلاَّ الظَّنَّ” فليس اتباع الظن مستثنى من العلم، وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم، والمراد به وهو اتِّباعه، فتأمله.
هذا على تقدير اشتراط التَّنَاول لفظًا أو تقديرًا، وأما إذا لم يشترط -وهو الأظهرُ- فتكونُ فائدةُ الاستثناء هاهنا كفائدة الاستدراك، ويكون الكلامُ قد تضمَّنَ نفيَ العلم عنهم وإثبات ضدِّه لهم، وهو الظَنُّ الذي لا يُغني من العلم شيئًا (4).
__________
(1) (ع): “فإن “.
(2) (ع): “تقديره “.
(3) (ظ): “وينمون” و (ق): ” ويلقون “!.
(4) (ق): “وهذا الظن الذى لا يغني من الحق شيئًا”.
(3/938)
ومثله قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] ليس المُرَادُ به نفيَ الحكم الجازم وإثبات الحكم الرَّاجح، بل المرادُ نفيُ العلمِ وإثباتُ ضِدِّه، وهو الشَكُّ الذي لا يُغني عن صاحبه شيئًا، وستزيد الأمثلة هذا وضوحًا (1).
المثال الثاني: قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)} [الحجر: 42] فهذا استثناءٌ منقطعٌ؛ لأن أَتباعَهُ الغَاوِينَ لم يدخلوا في عبادِه المضافين إليه، وإن دخلوا في مُطلق العِباد، فإن الإضافةَ فيها معنى التَّخصيص والتَّشريف، كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] إلى آخر الآيات، وقال: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} فعبادُه المضافونَ إليه هم الذين آمنوا، وعلى ربَهم يتوكَّلون، قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)} [النحل: 99] {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)} [الزخرف: 68 – 69].
ومن هذا قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] فعباده هاهنا الذين يغفرُ ذنوبهم جميعًا هم المؤمنون التائبون، والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصَّوابُ.
وقال الزمخشريُّ (2): هو مُتَّصِلٌ، وجعل لفظ العباد عامًّا، وقد عرفتَ غَلَطَهُ، وعلى تقدير الانقطاع فإن لم يُقَدَّرْ دخولُه في الأول
__________
(1) (ظ): “والمذكور من الأمثلة يزيد هذا وضوحًا”.
(2) “الكشاف”: (2/ 314).
(3/939)
فظاهر، وإن قدَّرْنا دخولَه فقالوا: تقديرُه: “إن عبَادِي ليسَ لك عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، ولا على غَيْرِهِمْ، إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ” ولا يخفى التَّكَلُّفُ الظاهرُ عليه، فالأحسن أن يُقال: لما ذكر العباد وأضافهم إليه، والإضافةُ يحتملُ أن تكونَ إلى ربوبيَّتِهِ العامَّة، فتكونُ إضافة ملك، وأن تكون إلى إلهيته فتكون إضافةَ اختصاص ومحبَّة. والغاوونَ داخلون فى العباد عند التعميم والإطلاق، لقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] فالأوَّلُ متناوِلٌ له بوجه فصحَّ إخراجُه.
المثال الثالث: قوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43] على أصحِّ الوجوه في الآية، فإنه تعالى لما ذَكَر العاصمَ استدعى معصومًا مفهومًا من السياق، فكأنه قيل: لا مَعْصُومَ اليومَ مِن أَمْرِهِ إلا مَنْ رَحِمَهُ، فإنه لما قال: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} بقي الذهنُ طالبًا للمعصوم، فكأنه قيل: فمن الذي يُعصَمُ؛ فأجيب: “لا يُعصمُ إلا من رَحَمَهُ اللهُ”، ودلَّ هذا اللفظ باختصاره وجلالته وفصاحته على نفي كلِّ عاصمٍ سواه، وعلى نفي كلِّ معصوم سوى من رحمه الله، فدلّ الاستثناءُ على أمرين: على المَعصوم مَن هو، وعلى عاصمه (1) وهو ذو الرَّحمة، وهذا من أبلغِ الكلام وأفصحِه وأوجزِه، ولا يُلتفتُ إلى ما قيل فى الآية بعد ذلك، وقد قالوا فيها ثلاثةَ أقاويل أُخَر:
أحدها: أن “عاصمًا” بمعنى معصوم، كـ {مَاءٍ دَافِقٍ (6)} و {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)} والمعنى: “لا معصومَ إلا من رَحِمَهُ الله”.
وهذا فاسدٌ؛ لأن كلَّ واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوعٌ لمعناه الخاصِّ به،
__________
(1) (ظ): “العاصم”.
(3/940)
فلا يشاركُهُ فيه المعنى الآخرُ، وليس الماءُ الدافقُ بمعنى المدفوق، بل هو فاعلٌ على بابه، كما يقال: “مَاءٌ جَارٍ” فـ”دافقٌ ” كـ”جارٍ ” فما الموجب للتكلُّف البارد؟! وأما “عيشة راضية”، فهي عند سيبويه على النسب، كـ” تامِرٍ ولابِنٍ” أي: ذات رضى، وعند غيره كـ “نهارٍ صَائِمٍ وليْلٍ قَائِمٍ” على المبالغة.
والقول الثاني: إنَّ: “مَنْ رَحِمَ” فاعلٌ لا مفعول، والمعنى: “لا يَعْصِمُ اليومَ مِنْ أمْرِ الله إلا الراحمُ، فهو (1) استثناءُ فاعل من فاعل، وهذا وإن كان أقلَّ تكلُّفًا، فهو أيضًا ضعيف جدًّا، وجزالة الكلام وبلاغتُه تأباه بأوّل نظر.
والقول الثالث: إن في الكلام مضافًا محذوفًا قام المضافُ إليه مقامَهُ، والتقدير: “لا معصومَ عاصمٍ اليومَ مِنْ أمر الله إلا مَنْ رحِمَهُ الله” وهذا من أنكر الأقوال وأشدِّها منافاة للفصاحة والبلاغة (2)، ولو صرّح به لكان مستغثًّا!.
المثال الرابع: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فهذا من الاستثناء السَّابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه، فهو غيرُ داخل فيه، فمن لم يشترطِ الدُّخولَ فلا يقدِّر شيئًا، ومن قال: لابُدَّ من دخوله قَدَّر دخولَهُ في مضمون الجملة الطَّلَبيَّة بالنَّهي، لأن مضمونَ قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] الإثم والمؤاخذة، أي أنَّ الناكِحَ ما نكحَ أبُوهُ آثِمٌ مُؤَاخَذٌ، إلا ما قد سَلَفَ قبلَ النَّهيِ وإقامَةِ الحُجَّة، فإنه لا
__________
(1) (ق وظ): “فهذا”.
(2) (ظ): “مناقضة للفصحاء والبلغاء”.
(3/941)
تتعلَّقُ به المؤاخذةُ.
وأحسن من هذا -عندي- أن يقال: لما نهى -سبحانه- عن نِكاح مَنْكوحاتِ الآباءِ، أفادَ ذلك أن وَطْئَهنَّ بعد التحريم لا يكون نكاحًا أَلْبتة، بل لا يكون إلا سفاحًا, فلا يترتب عليه أحكامُ النكاح من ثُبوت الفراش ولحوق النسب، بل الوَلَدُ فيه يكونُ وَلَدَ زنْيَةٍ، وليس هذا حكمَ ما سلف قبل التحريم, فإن الفراشَ كان ثابتًا فيه، والنسب لاحق، فأفاد الاستثناءُ فائدةً جليلةً عظيمةً، وهي: أن وَلَدَ مَنْ نكَحَ ما نكح (1) أبُوه قبلَ التحريم ثابتُ النسبِ، وليس ولدَ زِنا، والله أعلم.
المثال الخامس: قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] ومعلوم أن التقاة ليستْ بموالاة، ولكن لما نهاهم عن مُوالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتَهم والبراءةَ منهم ومجاهَرَتَهُم بالعداوة في كلِّ حال، إلاَّ إذا خافوا من شرِّهم، فأباح لهم التَّقيَّةَ، وليست التَّقِيَّةُ موالاةً لهم.
والدخولُ هاهنا ظاهر، فهو إخراجٌ من مُتَوَهَّمٍ غيرِ مُرادٍ.
المثال السادس: قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)} (2) فهذا من المنقطع لا بالاعتبار الذي ذكره ابنُ خروف؛ من كون المستثنى جملةً مستقلةً، بل باعتبار آخر, وهو: أنه ليس المرادُ إثباتَ المسيطرية (3) على الكفار, فإن اللهَ
__________
(1) “ما نكح” ليست فى (ع).
(2) الآية الثالثة من (ع) وحدها.
(3) كذا بالأصول.
(3/942)
سبحانه بعثَهُ نذيرًا مبلغًا لرسالات ربِّهِ، فَمَنْ أطاعه فله الجَنَّة، ومن عصاه فله النَّارُ، قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)} [يونس: 108] قال المفسِّرونَ: المعنى: أنك لم تُرْسَلْ مُسَلَّطًا (1) عليهم، قاهِرًا لهم جبَّارًا كالملوك، بل أنت عبدي ورسولي المُبِّلِّغُ رسالاتي، فمن أطاعَكَ فله الجنَّةُ، ومَنْ عصاك فله النَّارُ، ويوضحُ هذا أن المخاطبينَ بهذا الخطاب هم الكفَّارُ، فلا يَصِحُّ أن يكونوا هم المُسْتَثنيْنَ.
المثال السابع: قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} [الواقعة: 25 – 26] وهذا فيه نفيٌ لسماع اللَّغو والتأثيم وإثبات لضده، وهو السَّلامُ المُنافي لهما، فالمقصودُ به نفيُ شيء وإثباتُ ضدِّه، وعلى هذا فلا حاجةَ إلى تكلُّفِ دخوله تحتَ المستثنى منه؛ لأنه يتضمَّنُ زوالَ هذه الفائدةِ من الكلام، ومن ردَّه (2) إلى الأوَّل قال: لما نفى عنهم سماعَ اللَّغو والتأثيمِ وهما مما يقال، فكأن النفسَ تشوّفَتْ إلى أنه هل يسمعُ فيها شيء غيره، فقال: “إلا قيلاً سلامًا سلامًا” فعاد المعنى إلى: “لا يسمعونَ فيها شيئًا {إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} “، وأنت إذا تأملتَ هذين التقديرينِ رأيتَ الأوّل أصوبَ، فإنه نَفَى سماعَ شيء وأثبتَ ضِدَّهُ، وعلى الثانى نفى سماعَ كلِّ شيء إلا السَّلام، وليس المعنى عليه، فإنهم يسمعون السَّلامَ وغيْرَهُ فتأمله.
__________
(1) (ق): “سلطانًا”، و”الملوك” بعدها ليست في (ق).
(2) (ع): “قدر”، و (ق): “قد رده “.
(3/943)
المثال الثامن: قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: 56] وهذا من الاستثناءِ السابق زمانُه زمان المستثنى منه، ولمّا كانت الموتَةُ الأولى من جنس الموت المنفي، زعم بعضُهم أنه مُتَّصِلٌ، وقال بعضهم: “إلاَّ” بمعنى: “بَعْدَ”، والمعنى: لا يَذُوقون بعدَ المَوْتَةِ الأولى مَوْتًا في الجَنَّةِ، وهذا معنى حسنٌ جدًّا يفتقرُ إلى مساعدة اللَّفظ عليه، ويُوضحُه أنه ليس المرادُ إخراج الموتةِ الأولى من الموتِ المنفي، ولا ثَمَّ شيءٌ مُتَوَهَّمٌ يُحتاجُ لأجله إلى الاستثناء، وإنما المُراد الإخبار بأنهم بعد موتَتِهم الأولى التي كَتبَها الله عليهم لا يذوقون غيْرَها.
وعلى هذا فيقالُ: لما كان ما بعدَ “إلاَّ” حكمه مخالفٌ لحكم ما قبلَها، والحياةُ الدائمة في الجنَّة إنّما تكونُ بعد الموتة الأولى، كانت أداةُ “إلاَّ” مفهمةً هذه البَعْدِيَّة، وقد أُمِن اللَّبْس لعدم دخولها في الموت المَنفي في الجنة، فتجرَّدَتْ لهذا المعنى، فهذا من أحسنِ ما يُقَالُ فْي الآية، فتأمله.
المثال التاسع: قوله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} [النبأ: 23 – 25] فهذا على عَدَم تقدير التّنَاول يكونُ فيه نفى الشئ وإثباتُ ضِدِّه، وهو أظهرُ، وعلى تقدير التّناول لما نفى ذوْق البَرْد والشَّرَاب، فربما تُوهِّمَ أنهم لا يذوقون غيرهما فقال: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} فيكون الاستثناءُ من عامل (1) مقدَّرٍ.
المثال العاشر: قوله تعالى: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل: 10 – 11] فعلى تقدير عدم الدُّخول، نفى
__________
(1) (ع): “تمامٍ “، و (ظ): “عام “.
(3/944)
الخوفَ عن المُرسلين وأثبته لمن ظَلَمَ ثم تاب، وعلى تقدير الدخول يكون المعنى: “ولا غيرهم إلا من ظلم”.
وأما قول بعض الناس: إنَّ “إلاّ” بمعنى الواو، والمعنى: “ولا مَنْ ظلمَ ” فَخَبْطٌ منه، فإن هذا يرفع الأمانَ عن اللُّغة ويُوقِعُ اللَّبْسَ في الخطاب، و”الواو”، و”إلاّ” متنافيان، فأحدُهُما يثبتُ للثاني نظيرَ حكم الَأول، والآخر (1) ينفي عن الثاني ذلك، فدعوى تَعاقبهما دعوى باطلة لغةً وعرفًا، والقاعدةُ: أن الحروف لا ينوبُ بعضُها عن بعض خوفًا من اللَّبْسِ وذهاب المعنى الذي قُصِدَ بالحرف، وإنما يُضَمَّنُ الفعل ويُشْرَبُ معنى فعلٍ آخَرَ يقتضي ذلك الحرفَ، فيكونُ ذكرُ الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائمًا (2) مقامَ ذكر الفعلين، وهذا من بديع اللغة وكمالها، ولو قُدِّر تعاقُب الحروف، ونيابة بعضها عن بعض، فإنما يكونُ ذلك إذا كان المعنى مكشوفًا واللَّبْسُ مأمونًا، فيكون من باب التفنّن في الخِطاب والتَّوَسّع فيه، فإما أن يُدَّعَى ذلك من غير قرينة في اللَّفظ فلا يَصِحُّ، وسنُشْبعُ الكلامَ على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى.
والذي حملَهم على دعوى ذلك أنهم لما رَأَوا الخوفَ مُنتفيًا عن المذكور بعد “إلاّ” ظنُّوا أنها بمعنى الواو لكون المعنى عليه، وغلِطوا في ذلك، فإن الخوفَ ثابت له حالَ ظلمِهِ وحالَ تبديلِهِ الحُسْنَ بعدَ السُّوءِ؛ أما حالُ ظلمِهِ فظاهِرٌ، وأما حالُ التَّبديل فلأَنَّه يخافُ أنه لم يَقُمْ بالواجب، وأنه لم يقبلْ منه ما أتى به، كما في التِّرمذي عن
__________
(1) (ع وظ): “الأخرى”.
(2) في الأصول: “قائم” بالرفع!.
(3/945)
عائشةَ قالت: “قلت: يا رسول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] هو الرجلُ يزني ويسرقُ ويخافُ؟ قال: “لا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ هُوَ الرَّجُل يَصُومُ وَيُصَّلِّي وَيَخَافُ أنْ لا يُقْبلَ مِنْهُ” (1) فمن ظَلَمَ ثمَّ تابَ فهو أولى بالخَوْفِ، وإنْ لمْ يكنْ عليه خَوْف.
وقد يجيء الانقطاعُ في هذا الاستثناء من وجهٍ آخَرَ، وهو أن ما بعد “إلاَّ” جملة مستقلّةٌ بنفسها، فهي منقطعة مما قبلَها لانقطاع (2) ألجُمَل بعضِها عن بعض، فيُسَمَّى منقطعًا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيرُه، والله اعلم.
المثال الحادي عشر: قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)} [الانشقاق: 22 – 25] فهذا يبعُدُ تقدير دخوله فيما تقدَّم قبلَه جدًّا، وإنما هو أخبارٌ عن مآل الفريقين (3)، فلما بشَّر الكافرينَ بالعذاب بشَّر المؤمنينَ بالأجر غيرِ الممنون، فهذا من باب المثاني الذى يذكرُ فيه الشئ وضِدُّه , كقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)} [الانفطار: 13 – 14] فليس هناك مقدَّرٌ يخرج منه هذا المستثنى, والله أعلم.
__________
(1) أخرجه الترمذى رقم (3175) , وابن ماجة رقم (4198) وأحمد: (6/ 159 و 205) والحاكم فى “المستدرك”: (2/ 393) وصحح إسناده! إلا أن الراوى عن عائشة -وهو عبد الرحمن بن سعيد بن وهب- لم يلقها, قاله أبو حاتم كما فى “المراسيل”: (ص/ 127) لابنه.
وللحديث شاهد من حديث أبى هريرة أخرجه الطبرانى فى “الأوسط”: (4/ 198).
(2) (ع): “انقطاع الجمل”, و (ظ): “مما قبلها داخلة فى انقطاع … “.
(3) (ق): “عما للفريقين”.
(3/946)
المثال الثانى عشر: قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37] فمن آمنَ ليس داخلاً في الأموال والأولاد، ولكنَّه من الكلام المحمول على المعنى؛ لأنه تعالى أخبَرَ أن أموالَ العبادِ وأولادَهم لا تُقَرِّبُهمْ إليه، وذلك يتضمَّنُ أن أربابَها ليسوا هم القريبين (1) إليه، فاستثنى منهم من آمَنَ وعَمِل صالحًا، أي: لا قريبَ عندَه إلا مَنْ آمن وعَمِل صالحًا، سواء كان له مالٌ ووَلَدٌ، أو لم يكنْ له، والانقطاعُ فيه أظهرُ، فإنه تعالى نفى قرْبَ الناس إليه بأموالهم وأولادهم، وأثبتَ قُربَهُمْ عندَه بإِيمانهم وعملِهِم الصالح، فتقديرُ “لكِنْ” هاهنا أظهرُ من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء.
وإذا تأمَّلْتَ الكلامَ العَرَبيَّ رأيت كثيرًا منه واردًا على المعنى لوضوحِهِ، فلو وَرَدَ على قياس اللَّفظ مع وضوح المعنى لكان عِيًّا، وبهذه القاعدة تزولُ عنك إشكالاتٌ كثيرةٌ، ولا تحتاجُ إلى تكلُّف التَّقديرات، التي إنما عَدَلَ عنها المتكلِّمُ لما في ذِكْرها من التكَلُّفِ، فقدَّر المُتكَلِّفون لنطقه ما فَرَّ منه، وألزموه بما رَغِبَ عنه، وهذا كثيرٌ في تقديرات النُّحاة التي لا تخطرُ ببال المتكلِّم أصلاً، ولا تقع في تراكيب الفصحاء، ولو سمعوها لاستهجنوها، وسنعقدُ -إن شاء الله- لهذا فصلاً مستقلاً (2).
المثال الثالث عشر: قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111] وتقديرُ الدُّخول في هذا أظهر؛ إذ المعنى: “لن يَنَالوا مِنْكمْ إلا أَذىً، وأما الضَّرَرُ فإنهم لن ينالوه منكم، وإن تَصْبِروا وَتتقوا
__________
(1) (ظ): “من المقربين”.
(2) (ظ): “وسنعقد لها إن شاء الله تعالى فصلاً مستقلاً”.
(3/947)
لا يَصرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا”، فنفى لحوقَ ضَررِ كيدِهم بهم، مع أنهم لا يَسْلَمون من أذىً يلحقُهم بكيدهم، ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربَتِهم وما ينالُهم بها من الأذى والتعب، ولكن ليس ذلك بضارٍّ لهم، ففرَّق بين الأذى والضَرَر.
المثال الرابع عشر: قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] المشهور “ظُلِمَ” مبني للمفعول، وعلى هذا ففي الاستثناء قولان:
أحدهما: أنه منقطعٌ، أي: “لكنْ مَنْ ظُلِمَ “، فإنه إذا شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكنْ آثمًا، وتقدير الدُّخول في الأول على هذا القول ظاهر، فإنَّ مضمونَ “لا يُحِبُّ كذا” أنه يُبْغِضُهُ ويُبْغِضُ فاعلهُ، إلا من ظُلِمَ فإن جَهْرَهُ وشكايتهُ لظالمه حلالٌ له، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ليُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقوبتهُ” (1).
فعِرْضُهُ: شِكَايَةُ صاحب الحق له، وقولُه: ظَلَمَني ومَطلنِي ومَنعَني حقِّي، وعقوبته: ضَرْبُ الإمامِ له حتى يؤدِّيَ ما عليه في أصحِّ القولين في مذهب أحمد، وهو مذهبُ (2) مالك، وقيل: هو حبسه.
وقيل: هو استثناءٌ مُتَصِل، والجهرُ بالسوء هو جهره بالدُّعاء، أن يكشفَ اللهُ عنه ويأخذ له حَقَّهُ، أو يشكو ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحقِّه.
__________
(1) أخرجه أحمد: (29/ 465 رقم 19746)، وأبو داود رقم (3628)، والنسائي: (7/ 316)، وابن ماجه رقم (2427)، وابن حبان “الإحسان”: (11/ 486)، والحاكم: (4/ 102) وغيرهم من حديث الشريد بن سويد – رضى الله عنه -.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم، وحسَّنه الحافظ في “الفتح “: (5/ 76).
(2) “أحمد، وهو مذهب” سقطت من (ق).
(3/948)
وعلى هذا التقدير فيجوزُ فيه الرَّفعُ بدلاً من “أَحَد” المدلول عليه بالجهر، أي: “لا يُحِبُّ الله أن يَجْهَرَ أحَدٌ بالسُّوء إلا المظْلومُ” ويجوزُ فيه النصبُ بَدَلاً من الجهر، والمعنى: “إلاَّ جَهْرَ مَنْ ظُلِمَ”.
وقُرِئ: “مَنْ ظَلَمَ” (1) بالفتح، وعلى هذه القراءة فمنقطع ليس إلا، أي: “لكنِ الظالِمُ يَجْهَرُ بالسُّوءِ من القَوْل”.
المثال الخامس عشر: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] فهذا استثناء منقطعٌ تضمَّنَ نفيَ الأكل بالباطل، وإباحةَ الأكل بالتِّجارة الحقِّ، ومن قدَّر دخولَه في الأوَّل قدَّر مستثنىً منه عامًّا، أي: “لا تأكلُوا أموالَكمْ بَيْنَكم بسبب من الأسباب، إلا أن تكونَ تِجَارةً” أو يقدَّرُ: بـ “البَاطلِ ولا بغيرِهِ إلا بالتجَارة”، ولا يخفى التكَلُّف على هذا التقدير بل هو فاسدٌ، إذ المُرادُ بالنهي الأكل (2) بالباطل وحدَه، وقُرِئَ برفعِ التجارة ونصبها، فالرَّفعُ على التَّمام، والنَّصب على أنها خبرُ كان النَّاقصة، وفي اسمها على هذا وجهان:
أحدهما: التقدير: إلا أن يَكونَ سببُ الأكل أو المعاملة تجارةً (3).
والثاني: إلا أن تكونَ الأموالُ (4) تجارةً (5).
__________
(1) وهب قراءة زيد بن أسلم وابن أبى إسحاق. انظر: “الجامع لأحكام القرآن”: (6/ 3).
(2) (ق): “لا تأكل”.
(3) فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مكانه.
(4) كذا في (ع)، و (ق): “المعاملة”، و (ظ): “أموال الناس”.
(5) فيكون اسمها مضمرًا فيها.
(3/949)
المثال السادس عشر: قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] وهذا من أشكل مواضع الاستثناء، لأنَّ مملوكَتَهُ إذا كانت محصَنَةً إحصانَ التَّزويجِ فهي حرامٌ عليه، والإحصان هنا إحصانُ التَّزويج بلا ريْب، إذ لا يَصِحُّ أن يُرادَ به: إحصانُ العِفَّة، ولا إحصان الحُرِيَّة, ولا إحصان الإسلام، فهو إحصانُ التَّزويج قطعًا، فكيف يُستثنى من المحرَّمات به المملوكة؟! فقال كثير من الناس: الاستثناء هاهنا منقطع، والمعنى: “لكنْ ما مَلَكَتْ أيمانكم فهو لَكم حَلالٌ”.
ورُدَّ هذا بأنه استثناءٌ من مُوْجب، والانقطاعُ إنما يقع حيث يقعُ التفريغُ، ورُدَّ هذا الرَّد بأن الانقطَاعَ يقعُ في الموْجب وغيره، قال تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الانشقاق: 24 – 25].
وقالت طائفةٌ: الاستثناءُ على بابه متَّصِل، وما مَلَكَتْ أيماننا مستثنى من المُزَوَّجات، ثم اختلفوا:
فقالت طائفة من الصَّحابة، منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين: إنه إذا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها، كان بيعُها طلاقًا، وتَحِلُّ للسَّيد لأنها ملكُ يمينه، واحتجَّ لهم بالآية، ورُدَّ هذا المذهب بأمور:
أحدها: أنه لو كان صحيحًا؛ لكان وطؤُها حلالاً لسيِّدها إذا زَوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمعَ ملكُ سيِّدها لها وحِلُّها للزوج، فكذلك يجتمعُ ملك مشتريها لها وحِلُّها للزَّوج، وتناول اللفظ لهما واحد.
الثاني: أن المشتريَ خليفَةُ البائعِ، فانتقل إليه بعقد الشِّراء ما كان
(3/950)
يملكُه بائعُها, وهو كان يملك رقَبَتَها مسلوبة منفعةِ البُضع ما دامت مُزَوَّجَةً، ونُقِلَ إلى المشتري ما كان يملكهُ، فملكها (1) المشتري مسلوبةَ منفعةِ البُضع، فإذا فارقها زوجها رجع إليه البُضع، كما كان يرجِعُ إلى بائعها كذلك، فهذا مَحْض الفقه والقياس.
الثالث: أنه قد ثبت في “الصحيحين” (2) أن عائشة رضي الله عنها اشترت بَرِيرَةَ وكانت مُزَوَّجَةً فعتقَتْها وخَيَّرَها النبي – صلى الله عليه وسلم – , ولو بَطلَ النكاح بالشِّراء لم يخيِّرْها، وهذا مما أَخذ الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيَهُ، فإنه راوي الحديث، وهو ممن يقول: بيعُ الأمَةِ طَلاقُها.
وقالت طائفة أخرى: الآية مختصَّة بالسَّبايا، قال أبو سعيد الخُدْري: نزلت في سبايا أوْطَاس (3). قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطءَ ما ملكوه من السَّبي، وإن كنَّ محصَنَاتٍ، ثم اختلف هؤلاء: متى يُبَاحُ وطءُ المَسْبيَّة؛ فقال الشافعي وأبو الخطَّاب (4) وغيرُهما: يُبَاحُ وطؤُها إذا تم استبراؤها، سواء كان زوجُها موجودًا أو مفقودًا، واحتجُّوا بثلاث حُجَج:
أحدها: أن الله سبحانه أباح وَطْءَ المَسْبِيَّات بمُلك اليمين مستثنيا لهن من المحْصَنات.
الثانية: ما رواه مسلم في “صحيحه” (5) من حديث أبي سعيد
__________
(1) (ق): “المشتري بملكه فيما ملكها”.
(2) البخاري رقم (2536)، ومسلم رقم (1504).
(3) أخرجه مسلم رقم (1456).
(4) الكلوذاني الحنبلي ت (510).
(5) تقدم.
(3/951)
الخُدْري: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم حُنَيْن بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقي عدُوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سَبَايا، فكأن ناسًا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – تحرَّجوا من غِشْيانهنْ من أجل أزواجهنَّ من المُشركينَ، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضتْ عِدَّتُهُن.
وفي التِّرمْذي (1) عن أبي سعيد: أَصَبْنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواجٌ في قومهنَّ، فذكروا ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – , فنزلت: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهذا صريح في إباحتهنَّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ.
وفى التِّرمذي (2) و”مسند أحمد” (3) من حديث العِرْبَاض بن سَارِيَةَ: “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حَرَّمَ وطْءَ السَّبايا حتى يضعنَ ما في بطونهن”، فهذا التحريمُ إلى غاية, وهي: وَضْعُ الحمل، فلابُدَّ أن يحصلَ الحِلُّ بعد الغاية، ولو كان وجودُ أزواجهنَّ مانعًا من الوطء لكان له غايتان؛ إحداهما: عدمُ الزوج. والثانية: وضعُ الحمْل، وهو خلاف ظاهر الحديث.
قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البُضْعَ، لم يبقِ له حُرْمَةٌ ولا عِصْمة؛ إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكُهُ، فملكوا رقبةَ زوجته، فكيف يقال ببقاء (4) العِصمة فى ملك البُضع، لا سيَّما والمسلم يستحق
__________
(1) رقم (1132) وقال عَقِبه: “هذا حديث حسن”.
(2) رقم (1564) واستغربه.
(3) (28/ 384 رقم 17153). وفى سند حديث العرباض مقال، لكن له شواهد يقوّى بها تقدم بعضها.
(4) (ع): “بقاء”.
(3/952)
ملك رقبته وأولاده وسائرَ أملاكه، فما بال ملكِ البُضع وحدَه باقيًا على العِصمة؟! فهذا لا نصَّ ولا قياس ولا معنى، قالوا: فقد أذِنَ النبي – صلى الله عليه وسلم – فى وطء السَّبايا بعد انقضاءِ عِدَّتِهنَّ مُطْلقًا، ولو كان بقاءُ الزوج مانعًا لم يأذَنْ فى وطْئِهِنَّ إلا بعدَ العلم بموته، وهذا المذهبُ كما تراه قوَّة وصحَّة.
وقال أصحابنا -القاضي وغيره-: إنما يباح وطؤُها إذا سُبيت وحدَها، فلو سُبيتْ مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤهَا، قالوا: لأنها إذا (1) سُبيتْ وحدَها فبقاء الزوج مجهولٌ، والمجهول كالمعدوم، فنُزِّلت منزلةَ من لا زوجَ لها، فحَلَّ وطؤُها، ولا كذلك إذا كان زوجُها معها.
ثم أوردوا على أنفسهم سؤالاً وهو: إذا سُبيتْ وحدَها وعُلِمَ بقاءُ زوجها فى دار الحرب؛ وهذا سؤال لا محيدَ لهَم عنه ولا يُنجيهم منه إلاّ قولُهم بالحِلّ، وإن عُلِمَ بقاء الزوج استنادًا إلى زوال عِصمة النكاح بالسِّباء، فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم، خالفوا النصوص خلافًا بيِّنًا، وإن أجابوا بالحِل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلَهم، حيث أسندوا الحِلَّ إلى كون المسبِية خالية من الأزواج تنزيلاً للمجهول منزلةَ المعدوم.
فقول أبي الخطاب أفقهُ وأصحُّ وعليه تتنزَّلُ الآية والأحاديث، ويظهرُ به أنَّ الاستثناءَ متَّصِلٌ، وأن الله تعالى أباحَ من المحصَناتِ مَنْ سباها المسلمون.
فإن قيل: فعلى ما قرَّرتموه يزول الإحصان بالسِّباء، فلا تدخلُ
__________
(1) من قوله: ” سبيت مع … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3/953)
في المحصنات، فيجيء الانقطاعُ في الاستثناء.
قيل: لما كانت محصنة قبل السِّباء، صحَّ شمول الاسم: لها فأخرجت بالاستثناء.
فإن قيل: فما تقولون في الأمَة المزوَّجة إذا بيعتْ فإنها محصَنَةٌ قد ملكتْ نفسَها (1)، فهل هي مخصوصةٌ من هذا العموم أو غير داخلة فيه؟.
قيل: هاهنا مسلكان للناس:
أحدهما: أنها خُصَّت من العموم بالأدِلَّة الدَّالة على أن البيعَ لا يفسخُ النِّكاح، وأن الفرج لا يكون حلالاً لشخصين في وقت واحد.
والمسلك الثاني: أنها لم تدخلْ في المستثنى منه؛ لأن السَّيَد إذا زَوَّجَها فقد أخرج منفعة البُضْع عن ملكه، فإذا باعها فقد انتقلَ إلى المشتري ما كان للبائع، فملكها المشترى مسلوبةً منفعةَ البُضْع، فلم تدخل هذه المنفعةُ في ملكه بعقد البيع، فلم تتناوَلْها الآيةُ، وهذا المسلك ألطفُ وأدقُّ من الأول، والله أعلم.
* * **
__________
(1) من (ق).
(3/954)
فوائد شتى منقولة من خط القاضى أبي يعلى -رحمه الله تعالى-
فائدة
إسماعيل بن سعيد (1) عن أحمد: لا يجهرُ بالقراءة في صلاة الاستسقاء، ويصلِّي صلاةَ النَّاس، ليس فيها تكبيرٌ مثل تكبير العيدين.
وعنه محمد بن الحكم (2) والكَوْسج (3) والمرُّوْذِي (4): يجهر بالقراءة فيها لحديث عبد الله بن زيد (5)، قال أبو حفص (6): يحتملُ أن هذا القولَ هو المتأخرُ لأنه قد قيل: إن إسماعيل بن سعيد سماعه قديمٌ.
فائدة
قال أحمد: لا تعجبُني صلاةُ الخوفِ ركعةً لما روى أبو عياش
__________
(1) أبو إسحاق الشالنجى من أصحاب الإمام أحمد ت (230) عنده مسائل كثيرة حسنة مُشبعة. “طبقات الحنابلة”: (1/ 273).
(2) أبو بكر الأحول، من خواص أصحاب أحمد، ومات قبله سنة (223). “طبقات الحنابلة”: (2/ 295).
(3) هو: إسحاق بن منصور أبو يعقوب ت (251) ومسائله طبع أكثرها. “طبقات الحنابلة”: (1/ 303).
(4) هو: أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المرُّوذي -نسبة إلى مَرْو الرُّوْذ- وهو المقدَّم من أصحاب أحمد، ولازمه حتى مات وتولى إغماضه وغسله ت (275). “طبقات الحنابلة”: (1/ 137).
(5) “أن النبى – صلى الله عليه وسلم – خرج يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو, وحوّل رداءَه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة” أخرجه البخاري رقم (1022)، ومسلم رقم (893) وليس في رواية مسلم ذِكْر للجهر بالقراءة.
(6) هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو حفص البَرْمكي ت (387) , له تصانيف وفتيا واسعة. “طبقات الحنابلة”: (3/ 273).
(3/955)
الزُّرَقِيُّ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه صلى بعُسْفان ويوم بنى سُلَيْم (1)، وكذا روى جابر (2) وابن عباس (3) وابن أبي حَثْمَة (4) في ذات الرقاع، وكذلك أبو هريرة (5) في عام نجد أنه صلى ركعتين، وكذا روت عائشة (6) وابنُ عُمر (7) وأبو موسى (8) (9).
فائدة
ابن بختان (10) عن أحمد في القوم إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يُبادِرَهُم العدُوُّ يصلُّونَ على دوابِّهم، أو يؤخرون الصَّلاةَ إلى طلوع الشَّمس؟
قال: أيّ ذلك شاءوا فعلوا، والحجَّةُ فيه تأخير النبى – صلى الله عليه وسلم – أربع صَلَوات يومَ الخندق (11).
__________
(1) أخرجه أحمد: (27/ 120 رقم 16580)، وأبو داود رقم (1236)، والنسائي: (3/ 176)، وابن حبان “الإحسان”: (7/ 128) والحاكم: (1/ 337).
وصححه ابن حبان والحاكم، وجوَّد إسناده الحافظ في “الإصابة”: (4/ 143).
(2) أخرجه البخاري رقم (4136)، ومسلم رقم (843).
(3) أخرجه البخاري رقم (944).
(4) أخرجه البخاري رقم (4131)، ومسلم رقم (841).
(5) أخرجه أبو داود رقم: (1240)، والترمذي رقم (3035)، والنسائى: (3/ 173 – 174).
(6) أخرجه أبو داود رقم (1242).
(7) أخرجه البخاري رقم (943)، ومسلم (839).
(8) أخرجه ابن أبى شيبة في “المصنف”: (2/ 215) من فعله.
(9) وانظر “المغني”: (3/ 315).
(10) هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان أبو يوسف، من أصحاب أحمد. “طبقات الحنابلة”: (2/ 554)، وتحرف الاسم في (ق وظ) إلى: “حبان ولحيان”!.
(11) أخرجه أحمد: (6/ 17 رقم 3555)، والترمذي رقم (179) والنسائي: =
(3/956)
وعنه أبو طالب (1): إن كانوا منهزمينَ يصلُّون رُكبانًا، يومِئُونَ ولا يُؤَخِّروُنَ الصَّلاةَ على ما صلَّى النبِي – صلى الله عليه وسلم -، هذه الآيةُ نزلتْ بعدما صلَّى النَّبِى – صلى الله عليه وسلم -، والحجَّةُ قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} (2) [البقرة: 239].
فائدة
نقل محمد بن الحكم (3) عن أحمد في رجل صلَّى ركعتينِ من فرض، ثم أقيمتِ الصَّلاةُ.
قال: إن شاءَ دَخَلَ مع الإمام، فإذا صلَّى معه ركعتينِ سَلَّم، وأَعْجَبُ إليَ أن يقطعَ الصَّلاةَ ويدخلَ مع الإمام، قال القاضي: وظاهرُ هذا: الدخولُ من غير تحريمة، غير أنه اختار القطعَ والدخولَ بتحريمةٍ.
فائدة
أبو طالب: سألتُ أحمد عن الرجل يدخلُ المسجدَ يظنُّ أنهم قد صلُّوا، فيصلِّي ركعتين، ثم تُقَامُ الصَّلاةُ. قال: قد اختلفوا فيها؛ بعضٌ قال: يمضِي لا يَدْخُلُ فرضٌ في فرضٍ، وبعضُهم قال: يُسَلِّمُ.
قلت: ما تقولُ؟ قال: ما يُبالي كيف، قلت: يُسَلِّمُ ويدخلُ معه؟ قال: نعم.
__________
= (2/ 17) وغيرهم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- وفيه انقطاع، وله شواهد يتقوَّى بها.
(1) هو: أحمد بن حميد أبو طالب المُشكاني من خواص أصحاب أحمد ت (244). “طبقات الحنابلة”: (1/ 81).
(2) الآية ساقطة من (ظ).
(3) (ق): “عبد الحكم” وهو خطأ وقد تكرر في (ق).
(3/957)
قال القاضي: وظاهرُ هذا أنه منع من الدخول لأنه قال: يستأنفُ، فإذا قلنا: لا يدخل معه فهل يمضي في صلاتِهِ أو يقطعُ؟. على روايتين: محمد بن الحكم عنه: إن شاءَ دخلَ معه وأعجبُ إليَّ أن يَقْطَعَ، وأبو طالب: يُسَلَّمُ ويدخل معه، والثانية: يمضي.
فعنه أبو الحارث (1) -وقد سُئلَ عن رجل دخل في مسجد فافتتحَ صلاة مكتوبة، وهو يرى أن قد صلّوا، فلما صلَّى ركعة أو ركعَتينِ أقيمتِ الصَّلاةُ – قال: يُتم الصَّلاةَ التي افتتحها، ثم إن شاء صلَّى مع القوم، وإن شاء لم يدخلْ معهم.
قال أبو حفص: وكذا يقولُ فيمن افتتحَ تطوُّعًا ثم أقيمتِ الصَّلاةُ: إنه لا يقطعُها ولكن يتمُّها، ووجهه قوله – صلى الله عليه وسلم -: “تَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ ” (2) فوجب أن لا يخرجَ منها بغير التَّسليم الذي بعد التَّمام.
ابن مسعود: من دَخلَ فى صلاة فلا يَقطَعْ حتى يَفْرُغَ.
ووجه الأخرى، وأنه يخرجُ منها: أن صلاة الجماعة واجبةٌ، فإن قلنا: يمضي في صلاتِه، فَفَرَغ، ثم أدركَ الجماعةَ في المسجد، فهل يدخلُ معهم، أو يكونُ مخيَّرًا فى الدُّخول والانصراف؟
على روايتين:
__________
(1) هو: أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، من أصحاب الإمام أحمد له عنه مسائل كثيرة. “طبقات الحنابلة”: (1/ 177).
(2) أخرجه أحمد: (2/ 292 رقم 1006)، وأبو داود رقم (61)، والترمذى رقم (3)، وابن ماجه رقم (275) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
قال الترمذي: “هذا الحديث أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن” وصحح الحديث جمع من الأئمة، وله شاهد من حديث أبي سعيد.
(3/958)
إحداهما: يُخيَّرُ، وهو المنصوصُ في رواية أبي الحارث، والأخرى: يجبُ أن يُصَلِّيَ معهم إذا حضرَ في مسجدٍ أهلُه يصلُّون، وهو الأكثر في مذهبه، وبه وردت السّنَّةُ.
فإن أحرم بتَطَوّعُ، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، فهل يقطعُها ويدخل في الجماعة أو يتِمها؟
على روايتين، ولا فرقَ بين ركعتي الفجر وغيرها، كاختلاف قَوْليه فيمن انفردَ بصلاةِ فريضة، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ.
فإنْ دخل في تطوُّعٍ ثم ذكر أن عليه فريضةً، فعنه: يُعجِبُني أن ينصرفَ عن شَفْع ثم يقضي الفريضة.
قال أبو حفص: ويُخَرَّجُ عنه في هذه المسألة رواية أخرى، كما ذكرنا فيمن دخلَ في تَطَوُّع ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، ووجهُهُ قوله – صلى الله عليه وسلم -: “فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكرَها” (1).
فائدة (2)
قال أبو الحارث: سئل أحمدُ عن العَشاءِ إذا وُضِعَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، قال: قد جاءت أحاديثُ، وكان القومُ في مجاعَةٍ، فأما اليومَ فلو قامَ رَجَوْت، وقال في روايةِ جماعةٍ: يبدأُ بالطَّعام.
فإن قلنا: يبدأُ بالطعام، فهل يتناولُ منه شيئًا أو يُتمُّ عشاءَه؟
حنبل (3) عنه: إذا كان الرجل قد أكلَ من طعامه لقمة أو نحو
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (597)، ومسلم رقم (684) من حديث أنسِ -رضي الله عنه-.
(2) “فائدة” من (ظ).
(3) هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني، أحد أصحاب الإمام أحمد =
(3/959)
ذلك، فلا بأس أن يقوم إلى الصَّلاة فيصلِّيَ ثم يرجعُ إلى العَشاء لأن النبىَّ – صلى الله عليه وسلم – دُعِيَ إلى الصلاة، وقد كان يحتزُّ من كتِف الشَّاة فأَلقى السكينَ وقام (1).
أحمد بن الحسين (2): سألت أحمد: إذا حضر العَشَاءُ، وأقيمتِ الصلاةُ، قال: ابدأ بالعَشَاء. قلت: أنالُ منه شيئًا ثم أخرجُ إلى الصَّلاةِ (3)؛ قال: لا بل تَعَشَّ. قلت: أخافُ أن تفوتَني الصلاةُ جماعةً، قال: إن الرجلَ إذا تناولَ منه شيئًا ثم تركَه، فكان في نفسه شُغُلٌ من ترْكه الطَّعام إذا لم ينَلْ منه حاجَتَهُ، قلت: فيأتي على ما يُريد من الطعام ثم يُصَلِّي؛ قال: نعم، وإن خاف أن تفوتَه الصَّلاة ما دام في وقت.
حَرْب (4): قلت لأحمد: الرجل يصلِّي بحضرة الطَّعام، قال: إن كان قد أكل بعضه فأُقيمتِ الصَّلاةُ، فإنه يُتمُّ أكلَهُ، وإن كان لم يأكُلْ فأحبُّ إلىَّ أن يُصلِّيَ، قال القاضي: وظاهرُ هذا الفرقُ بين أن يكون
__________
= وابن عمه ت (273). “طبقات الحنابلة”: (1/ 383).
(1) أخرجه البخاري رقم: (208)، ومسلم رقم (355) من حديث عمرو بن أمية الضمرى.
(2) هو: أحمد بن الحسين بن حسَّان السُّرَّمري، روى عن أحمد أشياء. “طبقات الحنابلة” ت (1/ 80).
(3) من قوله: “إذا حضر … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) هو: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أخذ عن الإمام، وله عنه مسائل جيدة ت (280). “طبقات الحنابلة”: (1/ 388) و”مسائله ” ذكر زهير الشاويش أن عنده نسخة منها؛ ثم عثر بعضهم على قطعة منها وقدَّمها رسالة علمية بجامعة أم القرى, ثم عُثر على نسخة كاملة منها. في مكتبة خاصة، وهي نسخة جيدة قديمة، رأيتُ صورة منها، وقد قدم الشيخ عبد الباري الثبيتي رسالة علمية بالمدينة “جمع مسائل حرب الكرماني عن أحمد” ونوقشت.
(3/960)
ابتدأ فيستوفي طعامَهُ، وبين أن لا يبدأ فيؤخِّرَهُ (1).
فائدة
إذا أقيمت الصَّلاةُ والإمامُ غيرُ حاضر، مثل أن يكون لم يخرجْ من بيته بعدُ، أو هو المؤذن، وهو في المنارة؛ فعلى روايتين: روى جماعة: لا يقوموا حتى يَرَوْهُ للحديث (2).
وروى الأثرم (3) وغيره: أنه جائزٌ للمأمومين أن يقوموا قبل أن يَرَوا الإمامَ لحديث أبي هريرة: أُقيمتِ الصلاةُ وصَفَّ النّاسُ صفوفَهم وخرجَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فقام مَقَامَهُ ثم أومَأ إليهم بيدِهِ: “أن مَكَانَكُم ” (4)، ولم يُنكرْ عليهم، فدلَّ على جوازه (5).
وروى جعفر بن محمد (6) والمرُّوْذيُ وغيرهما عنه: أنه وسَّع العملَ بالحديثين جميعًا، فإن شاءوا قاموا قبل أن يَرَوْهُ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يَرَوْه.
فائدة
قال أحمد في رواية أبي طالب: إن انتظرَ الإمام المؤذِّنَ، فلا بأس
__________
(1) انظر مسائل عبد الله رقم (396).
(2) يعنى حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت” أخرجه البخاري رقم (637)، ومسلم رقم (604).
(3) هو: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم أبو بكر، له مسائل كثيرة عن الإمام ت (بعد 260). “طبقات الحنابلة”: (1/ 162).
(4) أخرجه البخاري رقم (275)، ومسلم رقم (605).
(5) وانظر “الفتح”: (2/ 141).
(6) لم أعرف من هو؛ لأن جماعة من أصحاب أحمد كل واحد منهم يقال له جعفر بن محمد، انظر “طبقات الحنابلة”: (1/ 333 – 342).
(3/961)
قد فعل ذلك عمر، وإن لم ينتظرْه فلا بأس. ووجهه: قول بلال للنبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا تَسْبِقْني بآمِين ” (1)، فدلَّ على أنه لم يَنتظِرْه.
فائدة (2)
عبد الله (3) والكوْسَجُ قالا: كان أبو عبد الله يضَعُ نعليه بين يديه، ولا يجعلُهما بين رجليه، يعني: في الصَّلاة، إمامًا كان أو غيرَ إمام. قال عبد الله: قال (4) أبي: يُصَلِّي الفريضةَ والتَّطَوُّع ونعلُه بين يديه.
ونقل حنبل وأحمد بن علي (5): يجعلُهما عن يساره.
وجْهُ الأولى: أنه لا يؤذي بهما أحدًا، وقد أشار إلى ذلك فى الحديث (6). ووجهُ الثانية: أنه – صلى الله عليه وسلم – صلَّى يوم الفتح بمكَّةَ فوضَعَ نعليه عن يَساره (7).
__________
(1) أخرجه أحمد: (6/ 15)، وأبو داود رقم (937)، وأعله أبو حاتم بالإرسال “العلل “: (1/ 116).
والصحيح أنه من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – لبلال كما أخرجه الحاكم: (1/ 219)، والبيهقي في “الكبرى”: (2/ 23, 56).
(2) “فائدة” ليست في (ع).
(3) هو: عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ت (290). “طبقات الحنابلة”: (2/ 5 – 20).
(4) (ظ): “كان”، ولكلِّ وجه يصح.
(5) هو: أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس النخشبي الأبَّار ت (290).
“طبقات الحنابلة”: (1/ 127) ومن تلاميذ الإمام آخر يُسمَّى: أحمد بن علي له رواية عن الإمام.
(6) أخرجه أبو داود رقم (654 و 655)، والحاكم: (1/ 260، وصححه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(7) أخرجه أحمد: (24/ 113 رقم 15392)، وأبو داود رقم (648) , والنسائى: =
(3/962)
فائدة
قال في رواية علي بن سعيد (1) -في الرجل الجاهل يقومُ خلفَ الإمام، فيجيءُ من هو أعلمُ بالسُّنَّة منه، فيؤخرُه أو يدفعُهُ ويقومُ في مقامِهِ-: لا أرى ذلك، فذُكر له حديثُ قيس بن عُبَادٍ حين أخَّرَهُ أُبَىُّ ابن كعب (2)؛ فقال: إنما كان غلامًا (3).
قال القاضي: إنما لم يَجُزْ تأخيرُه؛ لأنه كبيرٌ قد سبق إلى ذلك الموضِع. وأجاب أحمدُ عن حديث أُبىٍّ بأن قَيْسًا كان غلامًا.
قلت: وقد يؤخذُ من كلام أحمد جوازُ تأخير الصَّبِيِّ، وصلاةُ الرجل مكانَهُ، وقد قال أحمد في رواية الميمونى (4): يلي الإمامَ الشيوخُ وأصحابُ القرآن ويؤخَّرُ الغلامُ والصِّبيانُ. وقال في رواية أبى طالب – في الصَّفِّ يكون طويلاً فيكون في آخره صَبِيٌّ، فيجيء رجلٌ فيقوم خلف الصبي-: لا بأسَ هو مُتَصِلٌ بالصَّفِّ.
قال بعض أصحابنا: وهذا يدُل على أنه إذا كان في الصَّفِّ خَلَلٌ
__________
= (2/ 74)، وابن ماجه رقم (1431) وغيرهم من حديث عبد الله بن السائب – رضي الله عنه-. وسنده صحيح.
(1) هو: علي بن سعيد بن جرير أبو الحسن النسوي، له عن أبي عبد الله جزءان مسائل ت (257). “طبقات الحنابلة”: (2/ 126).
(2) أخرجه أحمد: (35/ 186 رقم 21264)، وعبد الرزاق رقم (2460)، والنسائي: (2/ 88)، ابن خزيمة رقم (1573) وابن حبان “الإحسان”: (5/ 558) وغيرهم، وهو حديث صحيح.
(3) وعليه بوَّب ابن حبان.
(4) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن مِهران الميموني الرَّقي أبو الحسن، من خواص أصحاب الإمام ت (274). “طبقات الحنابلة”: (2/ 92).
(3/963)
مقامَ رجُلٍ لا يُبطِلُ الموقفَ؛ لأن الصبيَّ لا يصافُّ الرجلَ، وقد حكم باتصاله بالصَّفِّ، فإن كان قد امتلأ الصفُّ، وفيه صبيٌّ، فجاء رجلٌ، فللرجل إذا جاء أن يؤخِّرَهُ ويقومَ مقامَهُ لأنه أولى بالتَّقدِمَةِ.
فائدة
قال المرُّوْذي (1): كان أبو عبد الله يقومُ خلفَ الإمام، فجاء يومًا، وقد تجافَى النَّاسُ أن يُصَليَ أحدٌ فى ذلك الموضع، فاعتزل وقامَ في طرف الصَّفِّ، وقال: قد نهى أن يتَّخِذَ الرجل مُصَلاه مثل مَرْبَض البعيرِ (2).
فائدة
قال أحمد فى رواية ابنه عبد الله (3): لو أن جاهلاً صلَّى برجل فجعله عن يساره؛ كان مخالفًا للسُّنة، وردَّ إليها وجازتْ صلاتُه -في رواية جعفر بن محمد في الرجُل يقيمُ الصَّلاةَ وليس معه إلا غلامٌ: لا يَؤُمُّهُ في الفريضة، وإنما أمَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – ابنَ عباس في تطوُّع صلاة الليل (4). وكذلك حديث أنس إنما هو تطوّعٌ (5). وروى هذه
__________
(1) “فائدة” ليست في (ع) ثم العبارة فيها: “قال أحمد قال المرّوْذي “.
(2) أخرجه أحمد: (24/ 292 رقم 15532)، وأبو داود رقم (862)، والنسائي: (2/ 214)، وابن ماجه رقم (1429) وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن شبل -رضى الله عنه- وفى سنده ضعف. وإن صححه الحاكم في “المستدرك “: (1/ 229)!.
(3) لم أجده في الرواية المطبوعة.
(4) أخرجه البخاري رقم (117)، ومسلم رقم (763) من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما-.
(5) أخرجه البخاري رقم (727)، ومسلم رقم (658).
(3/964)
أيضًا عنه حَرْب وابن سِنْدي (1).
قال بعض أصحابنا: وَجْه ذلك أنه لا يصِحُّ أن يكونَ إمامًا في هذه الصلاة، فلم تنعقد به، كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة، ولا يلزم إذا صلَّى بامرأة أن تنعقدَ الجماعة؛ لأنها تَصِحُّ أن تكونَ إمامةً فيها في حقّ النساء.
فائدة (2)
اختلف أصحابنا في علَّة منع البالغ من مصَافَّة الصَّبيِّ؛ فقال أبو حفص: يُخشى أن لا يكونَ مُتَطَهرًا، يعني: فيصيرُ (3) البالغ فذًّا. وقال غيرُه: لمَّا لم يَجُزْ أن يَؤُمَّهُ لم يَجُزْ أن يُصَافَّهُ كالمرأة، وعكسُه صلاة النافلة لما جاز أن يَؤمَّهُ, جاز أن يُصَافَّهُ.
وإذا ثبت ذلك؛ فالإمامُ مخيَّرٌ بين أن يقفَ في وسطهما، الرجلُ عن يمينهِ والصَّبيُّ عن يساره، وبين أن يقفا جميعًا عن يمينه إن كانت الصَّلاة فرضًا، وإن كانت نافلةً جاز أن يقفا خَلْفَهُ، نصَّ عليه، فقال: إذا كان رجل وغلام لم يُدْرِكْ في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما كما فعل ابن مسعود في الفريضة، قيل له: حديث أنس: “أمَّنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – واليتيم” (4) قال: ذلك في التطوُّع.
قال أبو حفصٍ: واحتجَّ أبو عبد الله في أن الرجل يقفُ على يمين
__________
(1) هو: حُبَيش بن سِنْدي، من كبار أصحاب الإمام، له عنه مسائل.
“طبقات الحنابلة”: (1/ 390).
(2) “فائدة” ليست في (ع).
(3) (ق): “فيكون”.
(4) تقدم قريبًا.
(3/965)
الإمام، والغلامُ عن يساره، بما رواه (1): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: دخلت أنا وعمي عَلْقَمةُ على عبد الله بن مسعود بالهَاجرة، قال: فأقام الصَّلاةَ الظُّهْر، فَقمنا خلْفَهُ، فأخذ بيدي ويدِ عمي، ثم جعل أحدَنا عن يمينه والآخرَ عن يَساره، ثم قام بيننا، فصَفَّنا صفًا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يصنَع إذا كانوا ثلاثة.
وحجَّتُهُ في التَّطَوع من أنهما يقفان خلفَ الإمام: ما رواه أحمد (2): حدثنا عبد الرزَّاق، عن مالك، أخبرني إسحاق بن عبد الله ابن أبي طَلْحة، عن أنس، فذكر الحديث، وفيه: “فقمتُ أنا واليتيمُ وراءَه”.
قال أبو حفص: على أن حديث أنس لم يقطعْ به أبو عبد الله، قال في رواية عبد الله (3): كان قلبي لا يجسُرُ على حديث إسحاق؛ لأن حديث موسى -يعني خلافَهُ- ليس فيه ذكر اليتيم، إنما فيه أنَّ أنسًا قام عن يمين النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -.
قال أحمد (4)، حدثنا حجَّاج بن محمد، قال: حدثنا شعبةُ قال: سمعت عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، يحدث عن أنس: أنه كان هو ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأمُّهُ وخالَتُهُ [فصلّى بهم، فجعل أنسًا عن
__________
(1) في “المسند”: (7/ 395 رقم 4386) وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق، وأخرجه مسلم رقم (534) وغيره من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة به.
(2) فى “المسند”: (20/ 113 رقم 12680)، وسنده صحيح، وتقدم تخريجه من الصحيحين.
(3) رقم (543)، وفيها: “لأن حديث شعبة … “.
(4) في “المسند”: (25/ 322 رقم 13019). وأخرجه مسلم رقم (660).
(3/966)
يمينه، وأمه وخالته] (1) خَلْفَهما.
قال شُعْبة: وكان عبد الله بن المختار أشَبَّ مني.
فائدة
الأفضلُ إذا كانا رجلينِ أن يُصَلِّيا خلْفَه، نصَّ عليه، لحديث جابر وجبَّار (2). فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطَهُم، فإن أبا عبد الله قال: لم يبلغْ عبدَ الله هذه الأخبارُ.
وقدْ سَهَّل أبو عبد الله في ذلك قال: وأرجو أن يكون الإمام في الثلاثة واسعًا، وأحبّ إلىَّ أن يتقدَّمَ، كما فعل عمر.
وروى عنه المرُّوْذيّ في الرجل يجيءُ والإمام في التّشَهُّدِ وإلى لِزْقِه (3) رجلٌ هل يقومُ معه أو يجذبه؛ قال: أعجبُ إلىَّ أن يتقدَّمَ الإمامُ ويجذبَ الرجلَ.
قال أبو حفص: قوله: “يتقدَّم الإمام” لِيَقِلَّ تأَخرُ المأموم، ويقرُبُ الإمامُ من السُّتْرَةِ، وقد أجاز جذب الرجلِ لِيُصِحَّ مقامَهُ معه خَلْفَ الإمام.
وأكثرُ الروايات عنه أنه كرِهَ أن يجذبَ رجلاً؛ لأنه يؤخِّرهُ عن موقفه، وإن (4) اختار هو ذلك.
وقال في رواية أبي طالب: إذا صلَّى الإمام مع رجل، وجلسَ وجَاءَ رجلٌ، فلْيَجْلِسْ عن يساره حتى يقومَ؛ لأن تأخيرَ الجالس يثقُلُ
__________
(1) ما بين المعكوفين ساقط من جميع الأصول، والاستدراك من “المسند”.
(2) أخرجه مسلم رقم (3010) في حديث جابر الطويل.
(3) (ق): “وإن ألزقه”!.
(4) الأصول: فإن، ولعل الصواب ما أثبت.
(3/967)
عليه، وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجلٌ موسع.
فائدة
اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علُو؛ فنقل عنه صالحٌ أنه أجاز ذلك على الضَّرورة، إذا كان موضعًا ضيقًا.
وقال في الرجل يُصلّي فوق البيت بصلاة الإمام: إن كان في موضع ضيِّق يوم الجمعة، كما فعل أنس.
ونقل حَرب وحَنبل وأبو الحارث الجوازَ مطلقًا: أن يصلىَ المأمومُ وهو يسمعُ قراءةَ الإمام في دار أو فوق سطح أو فى الرَّحَبة، أو رجل منزلُه مع المسجد يُصَلي على سطحه بصلاة الإمام، أو على سطح المسجد بصلاة الإمامِ أسفلَ، وذكَر الآثارَ بذلك عن أبى هريرة رضي الله عنه وابن عمرَ وابن عباس (1).
واختلف قوله إذا كان بينهم نَهرٌ أو طريقٌ أو حائطٌ، فنقل حربٌ عنه أنه أجاز للمرأة أن تُصَلِّي فوقَ بيتٍ بصلاة الإمامِ، وبينها وبين الإمام طريق، ولفظه: أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ، وذَكر حديثَ أنس أنه كان يفعل ذلك (2). فقيل: إذا كان وحدَه؟ قال: لا، مَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وحدَهُ أعادَ.
__________
(1) انظر الآثار في ذلك فى “مصنف عبد الرزاق”: (3/ 81 – 83)، و”مصنف ابن أبي شيبة”: (2/ 35 – 36).
(2) أخرج عبد الرزاق: (3/ 83) والبيهقي: (3/ 111): أن أنس بن مالك صلى الجمعة في دار حميد بن عبد الرحمن بصلاة الوليد بن عبد الملك وبينهما طريق. وأخرج ابن أبي شيبة: (2/ 35): أن أنسًا كان يجمع مع الإمام وهو فى دار نافع بن عبد الحارث -بيت مشرف على المسجد له باب إلى المسجد- فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام.
(3/968)
ونقل أبو طالب المنعَ -فقال في الرجل يُصَلِّي فوق سطح بصلاة الإمام- قال: إذا كان بينهَما طريقٌ أو نَهَرٌ فلا، قيل: أنس صلَّى، قال: أنسٌ صلَّى يومَ الجمعة في غُرْفَةٍ بعدما كَبِرَ، ويوم الجمعة لا يكونُ طريقٌ، يمتلئُ من الناسِ.
ونقل ابنُ الحَكَم جواز ذلك للضرورة، قال: إذا كان موضِعَ ضَرورة أجزأَ عنه، يُروَى عن أنس، فأما التراويحُ فتجوز فوقَ سطحٍ، وإن كان بينَهما طريقٌ نصَّ عليه، وقال: ذلك تَطوُّع.
قال أبو حفص: ويومَ الجمعة جائز أن يُصَلِّيَ النَّاسُ في (ق/39؛ أ) طاقاتِ باب خُرَاسانَ وخارج الطاقات، نصَّ عليه.
قال أبو حفص: إذا فعلَ الرجل مثل فعل أبي بَكْرَةَ (1) مع العلم بنهي النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي بَكْرَةَ، فروايتان: إحداهما: يعيدُ، وعنه أنه أجاز للرجل أن يُكَبِّرَ ويركَعَ فيما دونَ الصَّفِّ، ثم يمشي حتى يدخلَ في الصف (2)، إذا علم أنه لا يُدْرِكُ، فقال في رجل كَبَّر قبل أن يدخلَ في الصَّفِّ وركَعَ ثم مشى حتى دخل في الصَّفِّ فقال: يجوز له ذلك، قد رُوِيَ (3) أن أبا بَكْرَةَ ركع دونَ الصَّفِّ، ولم يأمرْه أن يُعِيدَ. وقد رُوِيَ أيضًا عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصَّفِّ (4).
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: أرى إذا عَلِمَ أنه يدركُ الركوع
__________
(1) في صلاته خلف الصف، أخرجه البخاري رقم (783).
(2) “ثم يمشي حتى يدخل في الصف” سقطت من (ق).
(3) (ع): ” فروى”.
(4) أخرج الأثرين ابن أبي شيبة: (1/ 229)، وعبد الرزاق: (2/ 282 – 283)، والبيهقي في “الكبرى”: (2/ 90).
(3/969)
لم يركعْ دونَ الصَّفِّ، وإذا علم أنه لا يدركُ ركَعَ، واثنان أحَبُّ إليَّ أن يُكَبِّرا جميعًا، ويَدِبَّا إلى الصَّفّ (1).
قال أبو حفص: ووَجْه هذه: ما روى عبد الله بن أحمد: حدثنا زكريا بنُ يحيى، حدثنا إبراهيمُ بن سعد الزُّهْرىُّ، عن قَبيصَةَ بن ذُؤَيْب، قال: رأيتُ زيدَ بن ثابت يدخلُ المسجدَ والقوم ركوعٌ فيركعُ ثم يَدِبُّ حتى يَصلَ إلى الصَّفِّ، وعن ابن مسعود مثله (2).
ابن جُرَيْج, عنْ عطاء، أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخلَ أحدُكُم المسجد والناس ركوعٌ فليرْكَعْ حين يدخلُ، ثم لْيَدِبَّ راكعًا حتى يدخل في الصَّفِّ فإن ذلك من السّنة، قال عطاء: وقد رأيتُه هو يفعلُ ذلك (3).
قال أبو حفص البرمكيُّ: وقولُ النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي بَكرَةَ: “لا تَعُد”، نهيٌ عن شدة السَّعْي (4)، بدليل قول ابن الزبيرِ: فإنَّ (5) ذلك من السُّنة.
فائدة
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (6) -في رجل مكفوف
__________
(1) “مسائل ابن هانئ”: (1/ 46)، وفيها: “ويدنوا إلى الصف”.
(2) تقدم (3/ 969).
(3) أخرجه عبد الرزاق -مختصرًا-: (2/ 284)، وابن خزيمة رقم (1571)، والحاكم: (1/ 214) وصححه.
(4) وقال الشافعي -رحمه الله-: “قوله: “لا تعد” يشبه قوله: “لا تأتوا للصلاة تسعون” يعني -والله أعلم- ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك لما في ذلك من التعب، كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة” اهـ نقله البيهقي في “الكبرى”: (2/ 90).
(5) من قوله: “للناس: إذا … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(6) هو: إسحاق بن إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوري أبو يعقوب، له مسائل عن أبى =
(3/970)
دخل في الصَّفِّ، فلما أراد أن يركَعَ الْتَزَقَ الذين كانوا معه في الصَّفِّ بصَفِّ آخر، وبقيَ هو وحدهَ-: يُعِيْدُ (1).
وقال في رواية مهنَّأَ (2) في رجل صلَّى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصَّفِّ، ثم زحموه فصلَّى الركعةَ الأخرى خلفَ الصفِّ وحده: يُعِيدُ الركعة التي صلَّى وحدَهُ.
قال في رواية الحسن بن محمد (3): إذا ركعَ ركعةً وسجدَ، ثم دخل في الصَّفِّ، يُعِيدُ الركعةَ التي صلاَّها، ولا يعيدُ الصَّلاةَ كُلَّها.
وقال في رواية مهنأ -في رجل ركع ركعة وسجدتين دونَ الصَّفِّ، ثم جاء الناسُ فقاموا إلى جنبه في الثلاث (ظ/171 ب) رَكَعات-: يعيدُ الصَّلاة كلَّها، ثم قال: لو ركع ركعةً وحدَها ولم يسجدِ السجدتينِ لم يكنْ عليه إعادة؛ لأن أبا بَكْرَةَ ركعَ دون الصَّفِّ ولم يسجدْ.
قال أبو حفص: اختلف قولُ أبي عبد الله في رجل يصلِّي خلف الصَّفِّ ركعةً كاملةً، ثم يدخل الصفَّ أو ينضافُ إليه قومٌ، هل يُعيدُ تلك الركعةَ وحدَها أو الصَّلاة كلَّها؟.
قال أبو حفص: والأصحُّ عندي أنه يعيدُ ما صلَّى خلْف الصَّفِّ
__________
= عبد الله مشهورة ت (275). “طبقات الحنابلة”: (1/ 284).
(1) “مسائل ابن هانئ”: (1/ 86).
(2) هو مهنَّا -بهمزة في آخره والعامة تتركها- ابن يحيى الشامى السُّلَمي أبو عبد الله من كبار أصحاب الإمام. “طبقات الحنابلة”: (2/ 432)، و”توضيح المشتبه”: (8/ 297).
(3) هو: الحسن بن محمد الأنماطي البغدادي، له مسائل صالحة عن أبي عبد الله. ويمكن أن يكون السجستاني. انظر “طبقات الحنابلة”: (1/ 371).
(3/971)
حسْبُ، فيعيدُ الركعةَ (1) أو الركعتين، ولا يُعيد ما صلّى (ق/239 ب) مع غيره. قال: لأنَّ تكبيرة الإحرام لم تَفْسُدْ؛ لأنة لا يختلفُ قولهْ أنه إذا كبَّر وحدَه أنها صحيحة.
قال القاضي: وتحريرُ (2) قول أبي حفص: أنه صلَّى بعضَ الصلاة منفردًا فلم تبطل جميعُها، كالتكبيرة والرُّكوع من غير سجود، ووجهُ: البُطلان: أن القياس يقتضي بُطلانَ الصلاة في التكبيرةِ والرُّكوع؛ لأن ما يفسدُ جميعَ الصَّلاة يُفسِدُ بعضَها كالحَدَث (3)؛ وإنما أجار أحمد: ذلك القَدْر لحديث أبي بَكْرَة.
قال أحمد: إذا صلَّى بين الصَّفَّين وحدَه يُعَيدها؛ لأنه فذٌّ، وإن كان بين الصَّفَّين.
وقال في الرجل ينتهي إلى الصَّفِّ الأول وقد تمَّ: يدخلُ بين رجلين إذا علم أنه لا يَشُقُّ عليهم، وذلك أنهم قد أُمِروا أن لا يكون بينهم خَلَلٌ، ويكرهُ أن يَمُدَّ رجلاً من الصَّفِّ إليه، نصَّ عليه، قال: أما أنا فأستقبحُ أن يَمُدَّ رجلاً، يدخلُ مع القوم، أو يُنْتَزع (4) رجلٌ من الصَّفِّ فيركع معه.
قال بعض أصحابنا: ويقرُبُ من هذه المسألة أنه يُبَاحُ تَخَطِّي رقابِ النَّاسِ إذا تركوا قدَّامَه فرجةً في رواية. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: إذا جاءَ وليس يُمكنُهُ الدخولُ في الصَّفِّ، هل يمَدُّ رجلاً
__________
(1) من قوله: “وحدها أو … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) (ق): “يجوز” و (ظ): “تجويز”.
(3) (ع): “الحديث”.
(4) (ق وظ): “ينزع”.
(3/972)
يصلي معه؟ قال: لا، ولكن يزاحِمُ الصَّفَّ ويدخُلُ.
قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمدَ جواز جَرِّ الرَّجُل في رواية المرُّوْذي، فإن صحَّ النقلُ كان في المسألة روايتان (1)، روي عن أبي أيوبَ قال: تحريكُ الرَّجُلِ من الصَّفِّ ظلمٌ.
قلت: وفي “المُدَوَّنة” (2) قال مالكٌ: هو خطأٌ منهما.
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة يُنْكِرُه أيضًا ويقول: يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ فذًّا، ولا يجذبُ غيرَه، قال: وتصحّ صلاتُه في هذه الحالة فذًّا، لأن غايةَ المُصَافَّةِ أن تكونَ واجبةً فتسقط بالعُذْر (3).
فائدة
قال مهنَّاٌ: رأيتُ أحمدَ إذا قام إلى الصلاة يفرِّجُ بين قدميه، وإذا انحدرَ للسُّجود ضمَّ قَدَمَيْهِ.
قال القاضي: إنما قلنا: يُفَرِّجُ بين قدميه، لما روى حَرْب: ثنا أبو حفص، ثنا أبو (4) عاصم، عن ابن جُريْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تقاربَ ولا تباعُدَ (5).
وكيع، عن عُيَيْنةَ بن عبد الرحمن بن جَوْشن (6)، قال: قال: كنت
__________
(1) انظر “الإنصاف” (2/ 289).
(2) (1/ 102) بنحوه.
(3) انظر “مجموع الفتاوى”: (20/ 558 – 559).
(4) (ق): “روى ابن حرب ثنا أبو الأحوص، ثنا ابن عاصم”!.
(5) لم أجده، وذكره الموفَّق بن قدامة في “المغني”: (2/ 396) ولم يَعْزه. وانظر ما أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 110) في صفة وقوف ابن عمر.
(6) وقع هذا السند محرفًا في النسخ، وصوَّبناه من المصادر.
(3/973)
مع أبي في المسجد -يعني مسجدَ البصرة- فنظر إلى رجلٍ قائمًا يُصَلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وأَلْزَقَ إحداهُما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركتُ في المسجد ثمانيةَ عَشَرَ من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما رَأَيْتُ أحدًا منهم صنَعُ هكذا (1) قطُّ.
ولأنه أمكنُ للقيام في الصَّلاة، وضَمُّ القدمين عند الانحدار للسُّجود أمكنُ للانحدار.
قال في رواية (ق/ 240 أ) حرب وقد سأله: الرجلُ يصُفَّنَّ بين قدميه أحبُّ إليك، أو يعتمدُ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مرّةً؟.
قال: يُرَاوِحُ بين قدميه أحبُّ إليَّ، يعتمدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً؛ لما روى الأعمشُ، عن المِنهال، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: رأى عبدُ الله رجلاً يُصَلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو رَاوَحَ هذا بين قدمه كان أفضلَ (2).
ولأنه أَرْوَح للمُصَلِّي، وقد رفع النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – المَشَقَّة عن المصلِّي بقوله: “أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ (3)، وكان يتوقَّى بالثَّوب في الصَّلاة حرَّ الأرض وبَرْدَها (4).
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 109) بالإسناد نفسه.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 109) بالإسناد نفسه.
(3) أخرجه البخاري رقم (533)، ومسلم رقم (615) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4) أخرج البخاري رقم (385)، ومسلم رقم (620) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه- قال: “كنا نصلِّي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكَّن جبهتَه من الأرض، بسط ثوبَه، فسجدَ عليه”.
وأخرج الإمام أحمد: (4/ 164 رقم 2320) وغيره: عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به، يتقّي بفضوله حرَّ الأرض وبَرْدَها. وفي سنده مقال.
(3/974)
وقال حنبل: رأيته يُرَاوحُ بين قدميه في الصلاة التَّطَوُّع؛ فإذا كانت المكتوبةُ قام منتصِبًا لا يتحرَّكُ منه شيء.
* وقال أحمد بن الحسن الترمذي (1): رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاةَ رفع يديهِ قريبًا من شَحْمة أذنيهَ ونشرَ أصابِعَهُ.
وقال أبو داود (2): سمعت أحمد بن حنبل سُئِلَ: تذهبُ إلى نشر الأصابع إذا كَبَّرْتَ؟ قال: لا.
قال أبو حفص: لعلَّ أبا عبد الله أرادَ بالنَّشْرِ الذي لم يذهبْ إليه التَّفْرِيقَ الذي كان يقولُ به أوَّلاً، والنَّشْرُ الذي ذهبَ إليه آخرًا هو مَدُّ اليَدَيْنِ وقد قال صالح (3): سألتُ أبي عن رفع اليدين في التَّكبيرة الأولى فقال: يا بنىَّ كنتُ أذهبُ إلى حديث أبي هريرة، كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا كَبَّرَ نشَرَ أصَابعَهُ (4)، فظننتُ أنه التَّفريقُ، فكنت أفرِّقُ أصابعي، فسألت أهلَ العربية فقالوا: هو الضَّمُّ، وهذا النَّشْرُ: ومدَّ أبي أصابِعَهُ مدًّا مضمومةً، وهذا التَّفريقُ: وفرَّق بين أصابِعِه.
قال أحمد (5): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزُّبير، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن (ظ/172 أ) عَمْرو بن عطاء، عن محمد بن
__________
(1) هو: أحمد بن الحسن الترمذي أبو الحسن، نقل عن الإمام مسائل كثيرة ت (بعد 242). “طبقات الحنابلة”: (1/ 76).
ووقع في النسخ: “أحمد بن الحسين” والتصويب من المصادر.
(2) “مسائل أبي داود”: (ص/ 30).
(3) لم أعثر عليه في “مسائل صالح”.
(4) أخرجه الترمذي رقم (239) وضعَّفه، وكذا ضعفه أبو داود في “مسائله لأحمد”: (ص/ 383 – ط ابن تيمية)، وأبو حاتم في “العلل”: (1/ 160).
(5) في “المسند”: (16/ 295 رقم 10391) وغيره وسنده صحيح.
(3/975)
عبد الرحمن بن ثَوْبانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا قام إلى الصلاة رَفَعَ يَدَيْهِ مدًّا.
وروى يحيى بن اليَمان، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن سَمْعانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا افتتحَ الصلاةَ فَرَّج بين أصابِعِهِ (1).
وقد ضعَّفه أحمد فقال أحمد بن أَصْرمَ (2): إن أبا عبد الله سُئِل عن ابن سمْعانَ الحديث فقال: ليس بشيء، والحديثُ عندَه حديثُ أبي هريرة أنه كان يرفع يديه مدًّا (3).
قال أحمد في رواية الفضل بن زياد (4) -وقد سأله عن رجل بُلِيَ بأرض يُنْكِرُون فيها رفعَ اليدين في الصلاة، وينسبُونه إلى النَّقص-: يجوزُ له تركُ الرَّفع؛ قال: لا يتركُ ذلك، يُداريهم (5). إنما قال: يُدارِيهم؛ لأنه لا طاقةَ (ق/240 ب) له بهم، وأمر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عائشة بالرِّفق.
قال: في رواية ابن مُشَيْش (6): رفعُ اليدين في الصلاة من السُّنَّة. وهذا يدلُّ علي أنَّ الهيئاتِ في الصّلاة يُطلقُ عليها اسم السُّنَّة.
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) هو: أحمد بن أصرم بن خزيمة أبو العباس المزني ت (285).
“طبقات الحنابلة”: (1/ 48).
(3) انظر “مسائل أبي داود – الفقهية”: (ص/384).
(4) هو: الفضل بن زياد أبو العباس القطان البغدادي، من خواص أصحاب الإمام وكان يصلّي به. “طبقات الحنابلة”: (2/ 188).
(5) وجاءت هذه الرواية -أيضًا- عند صالح في “مسائله” رقم (161، لكن فيها “وينسبونه إلى الرفض” بدل “النقص”.
(6) هو: محمد بن موسى بن مُشَيْش البغدادي، من كبار أصحاب الإمام. “طبقات الحنابلة”: (2/ 365).
(3/976)
قال أبو حفص: فأما حديث أحمد بن يونُسَ، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه كان لا يرفعُ يديه، فإن أبا عبد الله قيل له: إن مجاهدًا قال: ما رأيتُ ابن عمر رفعَ يديه إلا في افتتاح الصَّلاة، قال: هذا خطأٌ نافعٌ وسالمٌ أعلمُ بحديث ابنِ عمر، وإن كان مجاهدٌ أقدمَ، فنافعٌ أعلمُ منه (1).
قال بعضُ أصحابنا: وهذا من أحمد يدلُّ على أصلينِ؛ أحدهما: أن روايةَ الأعلم مقدَّمةٌ على رواية غيره. والثاني: أن رواية مَنْ يختصُّ بالصُّحبة أولى من غيره.
فائدة
اختلف قولُ أحمد في رفع اليدينِ فيما عدا المواضع الثلاثة؛ فأكثرُ الروايات عنه أنه لم يَرَ الرفعَ عند الانحدار إلى السجود، ولا بينَ السجدتين، ولا عند القيامِ من الرَّكعتين، ولا فيما عدا المواضع الثلاثةِ في حديث ابن عمر (2).
ونقل عنه ابنُ أصرم، وقد سئل عن رفع اليدين فقال: في كلِّ خفضٍ ورفعٍ.
قال ابن أصرم: ورأيتُ أبا عبد الله يرفعُ يديهِ في الصَّلاة في كل خَفْض ورَفعْ.
ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سُئِلَ عن رفع اليدينِ فقال: يرفع يديه في كلِّ موضعٍ إلاَّ بينَ السَّجدتينِ.
__________
(1) انظر “مسائل ابن هانئ”: (1/ 49 – 50).
(2) الذي أخرجه البخاري رقم (735)، ومسلم رقم (390).
(3/977)
ونقل عنه المزُوْدْيُّ: لا يعجبُني أد يرفعَ يديه بين السّجدتين (1)، فإن فعلَ فهو جائزٌ.
عَمْرو بن مرة (2)، عن أبي البَخْتَرِي، عن عبد الرحمن اليَحْصُبي، عن وائل بن حُجْر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يرفع يديه مع التكبير (3).
وقد حكى أحمدُ لفظَ هذا الحديث في موضع آخَرَ أنه كان يرفعُ يديه كلما كبر (4).
قال أبو حفص: وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصَّلاة في كل خَفْض ورفع.
أحمد (5)، عن ابن فُضَيْل، عن عاصم بن كُلَيْب، عن محارب بن دِثَار، عن ابن عُمَرَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا نهض من الركعتين رفع يديه.
__________
(1) من قوله: “ونقل عنه … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) قال الإمام أحمد: (31/ 141 رقم 18848): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عَمْرو بن مرة … بالإسناد نفسه.
(3) في سنده اليحْصُبي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان، وأصل حديث وائل بن حجر صحيح أخرجه مسلم رقم (401).
(4) أخرجه أحمد: (31/ 153 رقم 18861)، ولفظه: ” … وكان يرفع يديه كلما كبَّر ورَفَعَ وَوَضَع بين السجدتين … ” من حديث وائل -رضي الله عنه- وسنده ضعيف، لانقطاعه، فعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، ولضعف أشعث بن سَوَّار الراوي عن عبد الجبار.
لكن أخرجه أبو داود رقم (723)، وابن حبان “الإحسان “: (5/ 173، بسندٍ صحيح، وانظر “التمهيد”: (9/ 227)، في تصحيح حديث ابن عمر في ترك الرفع بين السجدتين على حديث وائل هذا.
(5) في “المسند”: (10/ 405 رقم 6328) وغيره، وسنده جيد.
(3/978)
قال أحمد: لا بأس بحديثه، يعني عاصم بن كليب.
رِفْدَةُ بن قُضَاعة، عن الأَوْزَاعي، عن عبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر اللَّيثي، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة (1). قال أحمد ويحيى بن معين: ليس بصحيح ولا يعرف عُبَيْد بن عُمَيْر يُحدِّث عن أبيه شيئًا ولا عن جده. وقال أحمد: لا أعرف رِفْدَةَ (2).
وجهُ (ق/ 141 أ) الثالثة: حديث ابن عمر: “ولا يرفعُ بين السَّجدتين” بعد ذكر المواضع الثلاثة.
* واختلف قولُه في حدِّ الرفع، فعنه: أنه اختار إلى منكبيه، وعنه: إلى فروع أذنيه.
وجهُ الأولى: حديث ابن عمر. وَجْه الثانية: حديث مالك بن الحُوَيْرث: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رفع يَدَيْه إلى فروع أذنيه (3).
وكيع، عن فِطْر، عن عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – رفع يديه حين افتتح الصَّلاة حتى جاوزت إبهاماه شحمةَ أذنيه (4).
__________
(1) أخرجه ابن ماجه رقم (861). وانظر “المجروحين”: (1/ 304).
(2) نقل هذا النص مغلطاي في “إكمال تهذيب الكمال”: (4/ 395) عن رواية مهنَّأ عن أحمد ويحيى.
(3) أخرجه مسلم رقم (391).
(4) أخرجه أحمد: (31/ 142 رقم 18849) وغيره بالإسناد نفسه، لكن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه.
لكن لفظ الحديث: “حتى حاذت إبهامه … ” وليس فيه “جاوزت”.
(3/979)
وكيع، في أبيه، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَرَاء بن عازِب، قال: كأني أنظر إلى إبهامَيْ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد حاذتا شحمةَ أُذُنَيْهِ في الصَّلاة (1).
قال أبو حفص: الأمر عند أبي عبد الله واسعٌ إلى أيِّ موضع رَفَع، ما لم يُجاوزِ الأذنينِ ولم يُقَصِّر عن المَنْكِبَيْنِ.
الحسن بن محمد الأنماطي (2): رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسَهُ من الركوع لا يرفعُ يديه حتى يستتِمَّ قائمًا.
والحُجَّة فيه: حديث أبي حُمَيْد فيقول: سمع الله لمن حَمِدَه، ثم يرفعُ يديه (3).
أبو داود (4): قلت لأحمد: افتتح الصَّلاةَ ولم يرفعْ يديه أيعيدُ؟. قال: لا.
حُجَّته (ظ/172 ب): أن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – لم يعَلِّمْهُ الأعرابي (5)، ولا (6) نعلمُ أحدًا قالَ بالإعادَةِ إلاّ محمد بن سيرين، فإن أحمد ذكر عنه أنه
__________
(1) أخرجه أحمد: (30/ 615 قم 18674)، وأبو داود رقم (749) بنحوه. وفي سنده يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.
(2) وقع في النسخ: “الحسين”، والتصويب من مصادر الترجمة، انظر “طبقات الحنابلة”: (1/ 371).
(3) أخرجه أبو داود رقم (730)، والترمذي رقم (304)، والنسائي: (3/ 2) وغيرهم وأصله في البخاري رقم (828).
(4) “مسائل أبي داود”: (ص/ 46).
(5) أخرجه البخاري رقم (793)، ومسلم رقم (397) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في حديث المسيء صلاته.
(6) (ق): “ولم”.
(3/980)
قال: يَقضي.
* أختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد؛ فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيرُه؛ أنه يقبضُ بيمينه على رُسْغ يساره. وعنه أبو طالب: يضعُ يَدَهُ اليُمنى وضعًا بعضُها على ظهر كفِّه اليسرى وبعضها على ذراعه الأيسر.
للأولى: حديث وائل: “رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يضَعُ يده اليُمنى على اليُسْرى قريبًا من الرُّسْغ” (1). وفي حديث: “ثم ضرَب بيميِنهِ على شِماله فَأَمْسَكَها” (2).
وللثانية: ما روى أنس: أنه وَضَعَ يمينَه على شماله على هذا الوصف (3). وفي حديث وائل من طريق زائدة، عن عاصم بن كُلَيب، قال: ثم وَضَع يَدَهُ اليُمنى على ظهر كفِّه والرُّسغ والساعد (4).
* واختلف في موضع الوضع؛ فعنه: فوقَ السُّرَّة، وعنه: تحتها، وعنه أبو طالب: سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي؟ قال: على السُّرَّة أو أسفل، وكلُّ ذلك واسعٌ عنده، إن وضعَ فَوْقَ السُّرَّةِ أو
__________
(1) أخرجه أحمد (31/ 166 رقم 18873)، والدارمى: (1/ 312)، والطبراني في “الكبير”: (22/ 25). وفي سنده عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، لكن له شواهد يصحّ بها.
(2) أخرجه بهذا اللفظ ابنُ خزيمة في “صحيحه” رقم (478) والطبراني في “الأوسط”: (2/ 198) من حديث وائل بن حُجْر.
(3) أخرجه البيهقي: (2/ 30)، وأبو الشيخ كما في “الدر”: (6/ 689) وليس فيه تفصيل لصفة الوضع.
(4) أخرجه أحمد: (31/ 160 رقم 18870)، وأبو داود رقم (727)، والنسائي: (2/ 126) وغيرهم.
(3/981)
عَلَيْها أو تحتَها (1).
علي -رضي الله عنه-: من السُّنَّة في الصَّلاة وضعُ الأَكُفِّ على الأَكُفِّ تحت السُّرَّة (2). عمرو بن مالك، عن أبى الجَوْزاء، عن ابن عباس (3) مثل تفسير علي، إلا أنه غيرُ صحيح، والصحيح حديث علي.
قال في (ق/ 241 ب) رواية المُزَني (4): أسفل السُّرَّة بقليل، ويكرهُ أن يجعلَها على الصَّدر (5)، وذلك لما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه نهى عن التكفير (6)،
__________
(1) انظر “مسائل أبي داود”: (ص/ 48)، و”المغني”: (2/ 141) وقال الترمذي في “جامعه”: (2/ 33) -بعد أن ذكر الاتفاق على وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة-: “ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السُّرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السُّرّة، وكلُّ ذلك واسع عندهم” اهـ.
(2) أخرجه أحمد “زوائد المسند”: (2/ 222 رقم 875)، وأبو داود رقم (756)، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جُحَيفة به. وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف -ضعَّفه أحمد وغيره- وزياد مجهول.
(3) أخرجه ابن أبي حاتم وابن شاهين وابن مردوية والبيهقي -2/ 31 – كما في “الدر”: (6/ 689) في تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} قال: “وضع اليمنى على الشمال عند التحريم في الصلاة” ليس فيه ذكر للسُّرَّة. وفى سنده رَوْح بن المسيب ضعيف، وعَمرو بن مالك النّكري متكلَّم فيه.
(4) هو: أحمد بن أصرم، تقدمت ترجمته.
(5) ومثله فى “مسائل أبي داود”: (ص/ 48).
(6) لم أره مسندًا، وذكره ابن أبي يعلى في “الطبقات”: (1/ 16) عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن حديث إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيوب، عن أبي معشر قال: “يُكره التكفير في الصلاة” قال أبي: التكفير أن يضع يمينه عند صدره في الصلاة”.
وذكره أبو موسى المديني في “المجموع المغيث”: (3/ 57) بلا إسناد، وقال: “التكفير: انحناء أهل الذمة لرئيسهم … وهو الانحناء الشديد، ووضع اليد على اليد، كما يفعل أهل الذمة …. “.
(3/982)
وهو موضع اليد على الصدر (1).
مؤمَّل، عن سفيان، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن وائل: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وضع يَدَهُ على صدره (2).
فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد، عن سفيان، لم يذكر ذلك (3)، ورواه شعبة وعبد الواحد (4) لم يذكرا خَالَفا (5) سفيان.
* قال في رواية صالح (6) والكَوْسج إذا التفت في الصلاة: قد أساءَ، وما علمتُ أني سمعت فيه حديثاً، أي: أنه يُعيدُ.
وقال في رواية أبي طالب: الالتفاتُ في الصَّلاة لا يَقطعُ، إنما كُرِهَ ذلك لأنه يتركُ الخشوعَ والإقبالَ على صلاته، قال – صلى الله عليه وسلم -: “هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ” (7) الحديث، فلو كُلِّفَ الإعادةَ شَقَّ، إذ المُصلِّي لا يكادُ يسلمُ من اختلاسه.
* قال في رواية حنبل: كان ابنُ مسعود وأصحابُه لا يعرفون
__________
(1) انظر في معناه ما سلف.
(2) أخرجه من طريق مؤمَّل الطحاوي في “شرح معاني الآثار”: (1/ 196)، وابن خزيمة رقم (479) والبيهقي: (2/ 30)، ومؤمل متكلّم فيه.
(3) أخرجه أحمد: (31/ 163 – 164 رقم 18871).
وتابع عبدَ الله بن الوليد في عدم ذكر هذه الزيادة عن سفيان محمدُ بن يوسف الفريابي عند الطبراني: (22/ رقم 78، وعبدُ الرزاق عند أحمد (31/ 150 رقم 18858).
(4) أخرجهما أحمد: (31/ 142، 148 رقمي 18850، 18855).
(5) (ق): “احال”! و (ظ) بياض، والمثبت من (ع) والمعنى ظاهر.
(6) لم أجده في الرواية المطبوعة.
(7) أخرجه البخاري رقم (751)، ومسلم رقم (3291) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(3/983)
الافتتاحَ، يُكَبِّرون، ولو فعل هذا رجلٌ أجزأَه، وأهلُ المدينة لا يعرفون الافتتاحَ.
وحجَّتُهُ في سقوط وجوب الافتتاح ما رُوي عن ابن مسعود، ولأنَّ في الأخبار ضعفًا.
قلتُ: ابنُ مسعود كان يذهب في الصَّلاة إلى أشياءَ خالَفَهُ فيها سائر الصحابة؛ فمنها: تركُ الرَّفع فيما عدا الافتتاح. ومنها: التَّطبيقُ في الرُّكوع. ومنها: قيامُ إمامِ الثلاثة في وَسَطِهِم. ومنها: تركُ الافتتاح.
وأحمد لم يضعِّف أحاديث الافتتاح، ولا أسقطَ وجوبَه من أجل ضعفها، ولا من أجل ترك ابن مسعود له، وإنما لم يوجبْه لعدم الأمر به، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إذا قمْتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثم اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ” (1)، ولم يأْمُرْه بالاستفتاحِ.
روى حنبل عنه: إذا أراد أن يبتدئَ الصلاةَ يُكَبِّرُ، ثم يستفتحُ استفتاحَ عمرَ (2)، ثم يتعوَّذُ: “أعوذ بالله السَّميع العليم، من الشَّيطان الرجيم، إن الله هو السَّميع العليمُ”، ثم يقرأُ ويبدأُ ببسم الله الرحمن الرحيم، هذا كلُّه يخافِتُ به، فإن جَهَرَ بها فهو سهوٌ، يسجُدُ سجدتي السَّهو إذا جهر بها.
قال أبو حفص: ليس السجودُ واجبًا.
حَرْب عنه: لا يقرأُ الإمام إلا بعدَ سكتة، حتى يقرأَ مَنْ خَلْفَه فاتحةَ الكتاب.
__________
(1) تقدم، وهو حديث المسيء صلاته.
(2) انظر “مسائل أبى داود”: (ص/ 46)، و”مسائل عبد الله” رقم (332، 334).
(3/984)
عبد الله عنه يقول: أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيم، إنَ الله هو السميعُ العليم، هذا أعجبُ إليَّ (1). وكذا نقل المرُّوْذي، ثم قال: والأمر سهلٌ.
والأصل فيه قوله تعالى: (ق/ 242 أ) {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل: 98] وقوله: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ … } [الأعراف: 200]، وفي هذا جَمْع بين الأمرين. وعن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – في قصة عائشة قال: “أعُوذُ باللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} ” (2).
روى أحمد بن إبراهيم بن هشام (3)، عن أبي عبد الله أنه سئل عن: “بسم الله الرحمن الرحيم” من فاتحة الكتاب؟ فقال: نعم هي أحل آياتها.
قال أبو حفص: ليستْ هذه الروايةُ في كتاب الخَلاَّل لكنها في سماعنا.
* وروى عنه (ظ/173 أ) أبو طالب: إذا نسي أن يقرأ “بسم الله الرحمن الرحيم” يسجدُ سجدتي السَّهْو؟ قال: لا (4).
قال أبو حفص: هذا على إحدى الروايتين إذا تَرَكَهَا عند قراءة السورة.
__________
(1) انظر “مسائل عبد الله”: رقم (334).
(2) أخرجه البخاري رقم (2661) ومسلم رقم (2770) في حديث الإفك.
(3) كذا، ولعله أحمد بن إبراهيم الكوفي، ترجمته في “طبقات الحنابلة”: (1/ 47)، بدليل أن القاضي أبا يعلى نقل هذه الرواية عنه في “الروايتين والوجهين”: (1/ 118).
(4) انظر “مسائل ابن هانئ”: (1/ 52).
(3/985)
* وروى عنه الفضل وأبو الحارث (1) وقد سئل عن الجهر بـ: (آمين)، قال: اجهَرْ بها فإنها سُنَّةٌ ذهبت من الناس، وهذا يدُلُّ على أن الهيئة (2) سُنَّةٌ عند أحمد؛ لأن الجهرَ هيئةٌ في الكلام.
وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (3): “آمينَ” أمرٌ من النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: “إذَا أَمَّنَ القَارئُ فَأَمِّنُوا” (4)، وهذا يدلُّ على أن المندوبَ مأمور به عند أحمد.
وروى عنه حنبلٌ: يجهرُ بها في المكتوبة وغيرها لعموم الأخبار.
ابن منصور (5)، عن أحمد، وقد سأله عن قول أبي هريرة: “لا تسبقني بآمين” (6) قال: يتَّئِد حتى يجيءَ المؤَذِّنُ، لفضل التأمين.
وروى عنه الأثرمُ وقد سُئِل: إذا كان خلفَ الإمام فقرأ (7) خلفَه فيما يجهرُ فيه أيقول: آمين؟ قال: لا أدري ولا أعلمُ به بأسًا (8).
* اختلف قوله، إذا لم يقرأْ أوَّلَ الصَّلاة هل يَقضي؛ فروى عنه
__________
(1،) هو: أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، له عن الإمام مسائل كثيرة. “طبقات الحنابلة: (1/ 177).
(2) (ظ): “المنتدب إليه”.
(3) “مسائل ابن هانئ”: (1/ 45).
(4) أخرجه بهذا اللفظ: البيهقي: (2/ 55)، والحميدي فى “مسنده”: (2/ 417) وبلفظ: “إذا أمّن الإمام فأمِّنوا” البخاري رقم (780)، ومسلم رقم (410). من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(5) “المسائل”: (1/ 253 – 254 – الطهارة والصلاة).
(6) أخرجه عبد الرزاق: (2/ 96) ومن طريقه ابن حزم في “المحلّى”: (3/ 264)، وابن أبي شيبة: (2/ 188).
(7) (ع): “يقرأ”.
(8) انظر “مسائل عبد الله”: رقم (358).
(3/986)
عبدُ الله ابنُه: إنْ تركَ القراءةَ في الأُولَيَيْنِ قرأ في الآخرتين، وسجد سجدتي السهو بعد (1) السلام، وإن ترك القراءة في الثلاث، ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاتُه، واستأنفَ الصلاةَ.
وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءةَ في الركعة من صلاةِ الغداة، أو في ركعتين من الظُّهر عمدًا أو سهوًا لا يعتدُّ بتلك الركعة، التي لم يقرأ فيها، ويبني على صلاته ويقرأُ.
وروى عنه ابن مُشَيْش في إمام صلَّى بقومٍ الظُّهْرَ، فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأْ: يعيدُ ويعيدون. وهو الصحيح.
وجه الأولة ما روى أحمد: حدثنا وكيعٌ، حدثنا عِكْرِمة بن عمّار، عن ضَمْضَمِ بن جَوْس الهِفَّاني عن عبد الله بن حَنْظَلة بن الرَّاهب قال: صلى بنا عمر المغرب، فنسي أن يقرأَ في الركعة الأولى، فلما قامَ في الثانية قرأَ بفاتحةِ الكتاب مرَّتينِ وسورتينِ، فلما قضى الصَّلاة سجد (ق/242 ب) سجدتينِ (2).
ووجه الثانية: قوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا صَلاةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ” (3)، والركعة الواحدةُ صلاة. وروى محمد بن أبي عَدِيّ، عن الشَّعْبيِ قال: قال الأشعري: صلَّى بنا عمرُ فدخلَ ولم يقرأْ شيئًا، قال: فابْتَغيت (4) حتى
__________
(1) (ظ): “قبل”.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة: (1/ 359) من طريق وكيع به، والبيهقي: (2/ 382)، ولم أجده في “مسند أحمد”.
(3) أخرجه البخاري رقم (756) ومسلم رقم (394) من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-.
(4) غير محررة في النسخ، وانظر “مسائل صالح”: (ص/ 174).
(3/987)
أتيتُ الأطناب، فقلت: يا أميرَ المؤمنينَ إنكَ لم تقرأْ شيئًا، فقال: لقد رأيتني أجهز عِيرًا: بكذا وأفعل كذا، قال: فأمَرَ المُؤذِّنِينَ فأذّنوا. وأقاموا فأعاد بنا الصلاة (1).
قال القاضي: إذا قلنا: يعيدُ فإنه يعيدُ الأذان، قال أحمد في رواية إسماعيلَ بن سعيد وقد سأله: هل يعيدونَ الأذان والإقامةَ إذا كانوا على ذلك؛ قال: نعم. ووجهه حديث عُمَرَ، ولأن فيه إعلامَ النَّاسِ ليجتمعوا للإعادة.
* وروى عنه أحمد بن الحسن التِّرمذي، وقد سئل عن حديث عُمَرَ أنه صلّى بالناس وهو جُنُبٌ فأعاد ولم يُعيدوا (2)، قال: هكذا نقول. قلت: فإن لم يقرأ الإمامُ الجُنُبُ والذي على غير طُهْر، ومن خَلْفه؟ قال: يُعيدُ ويُعيدونَ. انتهى.
قلت: والفرقُ بين ترك القراءة وترك الطَّهارة أن القراءةَ يتحمَّلُها الإمامُ عن المأمون، (ظ/173 ب) فإذا لم يقرأْ لم يكنْ ثَمَّ تَحَمُّلٌ: والطَّهارةُ لا يتحمَّلُها الإمامُ عن المأموم، فلا يتعدَّى حكمُها إلى المأموم بخلاف القراءة، فإن حكمَها يتعدَّى إليه.
فإن قيل: فكيف يحمِلُ الجُنُبُ القراءةَ عن المأموم، وليس من أهل التَحَمُّل؟.
قيل: لما كان معذورًا بنِسيانه حَدَثَهُ نُزِّلَ في حقِّ المأموم منزلةَ الطَّاهر، فلا يُعيدُ المأمومُ، وفي حق نفسه تلزمُهُ الإعادةُ، وهذا
__________
(1) أخرجه أحمد من هذا الطريق في “مسائل صالح”: (ص/ 174)، وعبد الرزاق: (2/ 125)، والبيهقي: (2/ 382) من مرسل الشعبي والنخعي.
(2) أخرجه عبد الرزاق: (2/ 348)، والبيهقى: (2/ 399).
(3/988)
بخلاف المتعمِّد للصَّلاة محدِثًا أو جُنُبًا، فإنه لما لم يكن معذورًا نُزِّلَ فعلُه بالنسبة إلى المأموم منزلةَ العَبَث الذي لا يُعْتَدُّ به. وأيضًا لما كان هذا يكثُرُ مع السهو، لم يتعدَّ بطلانُ صلاته إلى المأموم رفعًا (1) للمشقَّة والحَرَج. ولما كان يَنْدر مع التَّعَمُّد تعدَّى فسادُ صلاته إليهم.
* واختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة، فروى حربٌ عنه فيمن نَسِي أن يقرأَ بفاتحة الكتاب، وقرأ قرآنًا قال: وما بأسٌ بذلك، أليس قد قرأ القرآن؟!
قال: وسمعتهُ مرةً أخرى يقول: كلُّ ركعة لا يقرأُ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزةٍ، وعلى صاحبِها أن يُعِيدَها.
قال الخَلاَّلُ: الذي رواه حرب قد رجع عنه أبو عبد الله، وبيَّنَ عنه خَلْقٌ كثير أنه لا يجزئُهُ إلا أنْ يَقْرَأَ في كلِّ ركعة.
للثانية: ما روى مالك، عن وهب بن كَيْسان، عن جابر قال: مَنْ صلَّى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصلِّ إلاّ وراء إمام (2).
وروى عنه أبو طالب: من نَسِيَ أوَّلَ ركعة، ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ، لا يعتدُّ بالركعة التي لم يقرأْ (ق/243 أ) فيها، ويُصَلِّي ركعةً أخرى مكانَ تلك الرَّكعة، فإن ذكرها وقد سلَّم وتكلَّم أعاد الصَّلاةَ.
* اختلفَ قولُه في قراءة القرآن في الفرائض على التَّأْليف على سبيل الدَّرْس، فروى عنه ابنُه عبد الله أنه قال: سألت أبي عن الرَّجُل
__________
(1) (ق): “دفعًا”.
(2) أخرجه مالك في “الموطأ”: (1/ 84)، والطحاوي في “معاني الآثار”: (1/ 218)، والبيهقي في “الكبرى”: (2/ 160) موقوفًا على جابر، ورُوِي مرفوعًا عند الطحاوي والموقوف أصح وانظر “مسائل عبد الله” رقم (344).
(3/989)
يقرأُ القرآنَ كُلَّهُ في الصَّلاة الفريضة؟ قال: لا أعلمُ أحدًا فعلَ هذا. وقد رُوي عن عثمانَ بن عفَّان رضي الله عنه أنه كان يقرأُ بعض القرآن سُوَرًا على التأليف (1).
وروى عنه حربٌ في الرجل يقرأُ على التأليف في الصَّلاة اليومَ سورةَ الرَّعد وغدا التي تَلِيها، ونحو ذلك؟. قال: ليس في هذا شيءٌ، إلا أنه يُروى عن عثمان أنه فعلَ ذلك في المفصَّل وحدها.
وروى عنه مهنَّأ أنة رخَّص أن يقرأ في الفرائض حيث يَنتهي.
سَلْم بن قُتَيْبَةَ، عن سهيل بن أبي حزم (2)، عن ثابت، عن أنس، قال: كانوا يقرأون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره (3).
وروى المرُّوْذيُّ أن أحمد سُئِلَ عن حديث أنس هذا فقال: هذا.
حديثٌ منكر (4).
* روى حنبل عنه: إذا كان المسجدُ على قارعَةِ الطَّريق، أو طريقًا يسلُكُ، فالتخفيف أعجبُ إليَّ، وإن كان مسجدًا معتزلاً أهلُهُ: فيه ويرضون بذلك فلا أرى به بأسًا، وأرجو إن شاءَ الله.
* وروى عنه أبو الحارث: إذا قرأَ بفاتحة الكتاب وهو يحسِنُ غيرَها: إن كانْ عامدًا: فلا أُحِبُّ له ذلك، وإن كان سَاهِيًا فلا بأس، صلاتُهُ تَامَّةٌ.
__________
(1) “مسائل عبد الله” رقم (293).
(2) تحرفت في النسخ إلى: “سهل بن أبي حذيفة”.
(3) أخرجه الطبراني في “الأوسط”: (8/ 123)، وفيه سهيل بن أبي حزم ضعيف. وذكر الإمام أنه منكر.
(4) انظر “المغني”: (2/ 280).
(3/990)
وعنه محمد بن الحكم: هو عندي مسيءٌ إذا عمل ذلك. قلت: يريدُ الاقتصارَ على الفاتحة، وكلامُهُ يدُلُّ على أَحَدِ أمرين: إما أن تكون السُّورَةُ واجبةً، وإما أن يكونَ تاركُ سُنَّةِ الصَّلاةِ مسيئًا.
وروى الفضلُ بن زياد عنه وقد سُئِلَ: الرجلُ يقرأُ في المكتوبة في كلِّ ركعة بالحمد وسورة؟ قال: قد كان عمَرُ يفعلُ، قيل: فتراه أنتَ؟ قال: لا، قد فَعَل النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – غيرَ هذا، اقرأ في الأولَيَيْن. انتهى.
وروي عن علي وجابر قالا: في الرَّكعتين الأُخْرَيين بفاتحة الكتاب.
وروى أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرَّجُل يصلَّي بالنَّاس المكتوبةَ، فيقرأُ في الأربع كلِّها بالحمد وسورة؟ قال: لا ينبغي أن يفعلَ، قلت: سهى؛ قال: يسجدُ سجدتين.
وروى عنه أحمد بن هاشم (1)، وقد سئل عن رجل قرأ في الرَّكعتين الأُخْرَيَيْنِ بالحمد وسورة ناسيًا هل عليه سجدَتا السَّهو؟ قال: لا، وكذلكَ قال مهنَّأ والميموني.
وروى عنه أبو الحارث في إمام صلَّى بقوم، فقرأ بفاتحة الكتاب (ق/ 243 ب)، ثم قرأَ بعضَ السورة ولم يُتِمَّها ثم ركع: لا بأس.
ثم قال أحمد: ثنا عبد الله بن إدريسَ، ثنا يزيدُ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أَبْزَى، قال: صلَّيْتُ خلف عُمَرَ فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ … } وقع عليه البكاءُ فَرَكَعَ، ثم قرأ سورة النجم فسَجَدَ فيها ثم قام فقرأ:
__________
(1) هو: أحمد بن هاشم بن الحكم الأنطاكي، روى عن أحمد مسائل حسانًا. “طبقات الحنابلة”: (1/ 206).
(3/991)
{إِذَا زُلْزِلَتِ} (1).
وروى عنه صالح (2) وقد سأله عن رجل (3) يصلِّي فيبدأ من أوسط (ظ/ 174 أ) السورة أو من آخرها، قال: أما آخر السورة فأرجو، وأما من وسطها فلا.
وروى عنه أحمد بن هاشم (4) الأَنْطَاكِيُّ: هل يُجْزِيءُ مع قراءة الحمد آيةٌ؛ قال: إن كانت مثلَ آية الدَّيْن وآية الكرسي.
وروى عنه محمد بن حبيب (5): يكرَهُ أن يقرأَ الرجلُ في صلاة الفجر بـ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} و {أَرَأَيْتَ} إلا أن يكون في سفر.
محمدُ بن حَبيب (6)، حدثنا عمرو الناقدُ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن مِسْعَر ومالك بن مِغْوَل، عن الحَكَم، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه صلى بهم الفجر فى طريق مكة: فقرأ بـ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} (7).
__________
(1) أخرجه الطحاوي فى “معانى الآثار”: (1/ 181، 348)، وسقط من إسناده ذكر “ابن أبزى”. وانظر “المغنى”: (2/ 279)، وأخرجه عبد الرزاق: (2/ 116) من طريق حصين بن سبرة عن عمر.
(2) لم أجده في مسائله.
(3) (ظ): “رجلٌ عن رجلٍ”.
(4) في الأصول: “هشام” والتصويب من مصادر الترجمة، وتقدم قريبًا.
(5) هو: محمد بن حبيب أبو عبد الله البزار، روى عن أبي عبد الله مسائل ت (291) “طبقات الحنابلة”: (2/ 291).
(6) من قوله: “يكره أن … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(7) أخرجه ابن أبي شيبة: (1/ 322)، وعبد الرزاق: (2/ 119)، عن عمرو بن ميمون به.
(3/992)
الميمونيُّ: صلَّى بنا أبو عبد الله الفجرَ فقرأ في الأولى بـ (المدثر) وفي الثانية بـ (الفجر)، وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغَلَس فيقرأ بنا في الأولى: (تبارك) ونحوها، ويقرأ في الثانية: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)}.
وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسَّان في إمامٍ يقصِّر في الركعة الأولى ويطوِّلُ في الأخيرة: لا ينبغي هذا، يطوِّلُ في الأولى ويقصِّرُ في الآخرة.
قال أبو حفص: وقد روى عن أنس أنه قرأ في الرَّكعة الأولى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} وفي الثانية بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، وهذا يدلُّ على جواز الإطالة في الثانية، وليس ما ذكره بقَوِيٍّ.
* * *
ومن خط القاضي مما قال: انتقيتُه من “كتاب الصيام” لأبي حفص البرمكي، قال: ونقلته من خطه (1):
نقل عبدُ الله (2): سألت أبي عمن صامَ رمضانَ وهو ينوي به تطوعًا؛ قال: يفعلُ هذا إنسانٌ من أهل الإسلام؟! لا يُجْزِئُهُ حتى يَنْوِيَ، لو أن رجلاً قام يصلِّي أربعَ رَكَعَاتٍ، لا ينوي بها صلاةَ فريضةٍ أكان يُجْزِئُهُ؟! ثم قال: لا تُجْزِئُهُ صلاةُ فريضةٍ حتى ينْوِيَها.
قال أبو حفص: وقد قال الشَّافعيُّ (3): ولو عقد رجلٌ على أن
__________
(1) العبارة في (ق): “لأبي حفص البرمكي، قال: ونقلته من خطه”، وفي (ظ) مثل ما هو مثبت إلى قوله: “أبي حفص” لكن قال: “العكبري”.
(2) “المسائل” رقم (875).
(3) بنحوه في “الأم”: (2/ 96).
(3/993)
غدًا عندَه من رمضان في يوم الشَّكِّ، ثم بان أنه مِنْ رمضان أجزأه. قال: وهذا موافقٌ لما قال أبو عبد الله في الغَيْم.
قال عبدُ الله (1): قلت لأبي: إذا صام شعبانَ كُلَّه؟ قال: لا بأس أن (ق/ 244 أ) يصومَ اليومَ الذي يشُكُّ فيه إذا لم يَنْوِ أنه من رمضانَ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يَصِلُ شعبانَ برمضان (2)، فقد دخل ذلك اليومُ في صومِهِ.
قال أبو حفص: مرادُ أبي عبد الله في هذه المسألة: إذا كان الشَّكُّ في الصَّحو، لما تقدَّمَ من مذهبه في الغَيْم.
* * *
ومن خط القاضي أيضًا مما ذَكَر أنه انتقاه من كتاب “حكم الوالدين في مال ولدهما” جَمْع أبى حفص البرمكي (3)
قال: اختلف قولُ أبي عبد الله في عِتْق الأب جاريةَ ابِنهِ قبلَ قبضِها، فروى عنه بكر بن محمد (4) أنه قال: ويعتقُ الأبُ في ملكِ الابنِ؟ هو في ملك الابنِ حتى يعتق الأبُ، أو يأخذُ فيكون للأبِ ما أَخَذَ.
وعنه المرُّوْذيُّ: ولو أن لابنه جاريةً فأعتقها كان جائزًا، وعنه بكر بن محمد: إذا كانت للابنِ (5) جاريةٌ فأراد عِتْقَها قبضَها ثم أعتقَها، ولا
__________
(1) “المسائل” رقم (843) إلى قوله: “من رمضان”.
(2) أخرجه أحمد: (6/ 300)، وأبو داود رقم (2336)، وابن ماجه رقم (1648) من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-.
(3) هذا العنوان بياض في (ق).
(4) هو: بكر بن محمد النسائي أبو أحمد، له عن أبي عبد الله مسائل كثيرة. “طبقات الحنابلة”: (1/ 318).
(5) (ع وق): “للأب” والمثبت (ظ).
(3/994)
يعتقُ من مال ابنه إلا أن يقبِضَها، وكذا روى عنه عبد الله وغيره (1).
قلت: الروايتانِ مأخذُهُما أن مَن مَلَكَ أن يملكَ فتصرَّفَ قبل تَمَلُّكه هل يَنْفُذ تَصَرُّفُهُ؛ فيه قولان، وعلى هذا يُخَرَّجُ تَصَرُّفُ الزَّوج في نصفِ الصَّدَاق، إذا طلَّق بعدَ الإقباض وقبلَ الدخول، وتصرُّف الموصى له، إذا تصرَّف بعد الموتِ، وقبلَ القبولِ، على أن الذي تقتضيه قواعدُ أحمد وأصولُه صحَّةُ التَّصَرُّفِ، ويجعلُ هذا قَبولاً واسترجاعًا للصَّداق قد قارن التّصرُّف. ومن منع صحَّتَهُ قال: إن غايةَ هذا التَّصَرُّف أن يكونَ دالاًّ على الرُّجوع والقَبول الذي هو سببُ الملك، ولم يتقدَّم على التَّصَرُّفِ، والملكُ لابدَّ أن يكونَ سابقًا للتَّصَرُّف، فكما لا يتأخرُ عنه لا يقارِنُهُ.
ولمن نَصَرَ الأوَّلَ أن يجيبَ عن هذا بأن المحذورَ أن يرد العقدُ على ما لا يملكُه ولا يكون مأذونًا له في التَّصرُّفِ فيه، فإذا قارن العقدَ سببُ التَّمَلُّك لم يردَّ العقد إلا على مملوك، وقولكم: لابدَّ أن يتقدَّمَ المُلْكُ العقدَ، دعوى محل (2) النِّزاع، فمنازعوكم يجَوِّزونَ مقارنةَ العقدِ لسبب التَّملك.
وهذه المسألةُ تشبهُ مسألةَ حصول الرَّجعة بالوِطء، فإنه بشروعِه في الوطء تحصلُ الرَّجعة، وإن لم يتقدَّمْ على الوِطء، فما وَطِئَ إلا مَنِ ارتجعها، وإن كانت رجعتُه مقارنَةً لوِطئها، فتأمَّلْهُ فإنه من أسرار الفقه.
ونظيرُ هذه المسألة مسألةُ الجارية الموهوبة للولد سواء، قال
__________
(1) انظر “مسائل عبد الله” رقم (1640)، و”مسائل ابن هانئ”: (2/ 11).
(2) (ق): “على”.
(3/995)
أحمد في رواية أبي طالب: إذا (ظ/ 174 ب) وهبَ لابنه جاريةً وقبضها الابنُ لم يَجُزْ للأب عِتْقُها حتى يرجعَ فيها ويَرُدَّها إليه.
قال (ق/ 244 ب) أبو حفص البرمكي: ويخرَّجُ في هذه المسألة روايةٌ أخرى بصحَّة العِتْقِ (1)، والأصح الأوَّل.
قال إسحاق بن إبراهيم (2): سألتُ أبا عبد الله عن جارية وَهَبَها رجلٌ لابنه، ثم قبضَها الابنُ من الأب، فأعتقها الأبُ بعدما قبضَها الابنُ؟ قال: الجاريةُ للابن، وأعتق الأبُ ما ليسَ له.
قلت: فحديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أنْتَ ومَالكَ لأَبيكَ” (3)؛ قال: مَنْ قال: إِن عِتْقَ الأب جائز يذهبُ إلى هذا، فأما الحسن وابن أبي ليلى فإنهما يقولان: عِتْقُهُ عليه جائزٌ، ولا أذهبُ إليه.
قلتُ: أيْشٍ الحُجَّةُ في هذا؟ قال: لا يجوزُ عتقُه على ما وَهَبَهُ الابْنَ وحازه (4).
* اختلف في قبض الأب صداقَ ابنِتِه؛ فروى عنه مهنَّأ: لا يُبَرَّأُ الزوجُ بذلك، وروى: عنه المرُّوْذيُّ وأبو طالب: أنه يبرأ، وأصلُ
__________
(1) (ع): “العقد”.
(2) “مسائل ابن هانئ”: (2/ 12).
(3) جاء هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عَمْرو، أخرجه أحمد: (11/ 261 رقم 6678) والبيهقي: (7/ 480) وسنده حسن، وهو صحيح بطرقه وشواهده الكثيرة.
(4) (ق وظ والمسائل): “وأجازه” والمثبت من (ع) وهو المناسب بدليل بقية جواب الإمام في المسائل وهو: “وله أن يأخذ من مال ولده ما شاء، وليس لولده أن يمنعه إذا أراد أن يأخذ، إلا أن يكون يُسرف، فله أن يعطيه القوت، ولا أرى أن يعتق على الابن إذا حاز الجارية” اهـ.
(3/996)
الروايتين عند بعض أصحابنا: إبراءُ الأب عن الصَّداق، فإن فيه روايتين، فإن قلنا: يصح إبراؤُه صحَّ قبضُه وَإلاَّ فلا كالأجنبي.
قلت: وعندي أن الروايتين في القبض غيرُ مبنيتين على روايتي (1) الإبراء، بل لما مَلَك الأبُ الولايةَ على ابنته في هذا العقد مَلَكَ قَبْضَ عِوَضِهِ، فلما مَلَك تزويجَها، وهو كإقباضِ البُضْع (2) وتمكين الزوج منه، مَلَكَ قبضَ الصَّداق، وهذه هى العادةُ بين الناس.
والرواية الأخرى: لا يقبض لها إلا بإذنها، فلا يبرأُ الزوجُ بإقباضِهِ، كما لا يتصرَّفُ في مالها إلا بإذنِها، والله أعلم.
* روى المرُّوْذي عنه في الرجل يستقرض من مال أولاده، ثم يوصي بما أخد من ذلك، قال: ذلك إليه فإن فعل فلا بأس.
وهذه الرواية تدلُّ على أن الدَّيْنَ يثبتُ في ذِمَّته، وإن لم يملكِ الابنُ المطالبة به؛ إذ لولا ثبوتُهُ في الذِّمَّة لم يملكِ الوصيةَ به، وكانت وصيَّتُه لوارث.
وقد روى عنه أبو الحارث في رجلٍ له على أبيه دَيْن، فمات الأبُ، قال: يَبْطُلُ دَيْنُ الابنِ.
قلت: وهذه الرواية عندي تحتملُ أمرينِ:
أحدهما: بطلانُه وسقوطُه جملةً، وهو الظاهرُ.
والثاني: بطلانُ المطالبةِ به، فلا يختصُّ به من التَّرِكة، ثم يقسما (3) الباقي، فلو
__________
(1) (ق وظ): “رواية”.
(2) ليست في (ع).
(3) (ظ): “يقسم”.
(3/997)
أوصى له به من غير مطالبة، فله أخذُه يقدم به من التَّرِكة. موافقًا لنَصِّه الآخر في رواية المرُّوْذي، والله أعلم.
فإن قيل: لو اشتغلت الذِّمَّةُ به لوجبت الوصِيَّةُ به كسائر الديون.
قلت: لما كان للأب من الاختصاص في مال ولده ما ليس لغيره، فيملكُ أن يتملَّكَ عليه عَيْنَ ماله، فلذلك يملك أن يُسْقِطَهُ من ذِمَّة (1) نفسِهِ، وأن يُوَفِّيَهُ إيَّاه، (ق/ 245 أ) فتأمَّلْهُ.
* اختلفتِ الروايةُ عن أحمد فيما أخذه الأبُ من مال الولد ومات ووجده الابنُ بعيِنهِ، هل يكون له أخذُه؛ على روايتين نقلهما أبو طالب في “مسائِلِهِ” واحتجَّ بجواز الأخذ بقول عمر.
قال أبو حفص: ولأنّا قد بينَّا أن الحقَّ في ذمَّته، ولا يمتنعُ أن يسقطَ الرجوعُ إذا كان ديْنًا ويملكُ إذا كان عَيْنًا كالمفلس بثمن المبيع، ووجه الأخرى: أن الأبَ قد حازه، فسقط الرجوعُ كما لو أتلفه.
روى عنه أبو الحارث: كلما أحرزه الأبُ من مال ولده فهو له رضِيَ أو كَرِهَ، يأخذُ ما شاء من قليل وكثير، والأمُّ لا تأخذُ إنما قال: “أنْتَ ومالُكَ لأَبِيكَ” (2) ولم يقل: لأمِّك.
* وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (3): لا يَحِلُّ لها، يعني الأم أن تَتَصَدَّق بشيء من غير: علمِهِ.
قال أحمد: أما الذي سمعنا أن المرأة تتصدَّق من بيت زوجها
__________
(1) (ق وظ): “ذمته”.
(2) تقدم 3/ 996.
(3) “المسائل”: (2/ 11).
(3/998)
ما كان من رطب والشيءَ الذي تَطْعَمُه، فأما الرجل فلا أحبُّ له أن يتصدق بشيءٍ إلا بإذنها.
* وروى عنه حنبل في الرجل يقعُ على جارية أبيه أو ابنه أو أمِّه (1): لا أراهُ يلزقُ به الولدُ؛ لأنه عاهر، إلا أن يُحِلَّها له.
قال أبو حفص: يحتملُ أن يريدُ يقوله: “يُحِلُّها له”، أي: بالهِبة، ويحتملُ أن يريدُ حِلَّ فرجِها؛ لأنه إذا أحلَّ فَرْجها فوَطِئَها لَحِقِةُ الولدُ لأجل الشُّبْهة، ألا ترى أنَّا ندرأُ عن المحصَنِ الرَّجْمَ في هذا لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم -.
وقال في رواية بكر بن محمد في رجلٍ له جاريةٌ يطؤُها، فوثبَ عليها ابنُه فوطِئها، فحمَلَتْ منه، وولدَتْ: هي أَمَةٌ تُبَاعُ؛ لأنه بمنزلة الغريب، وهو أشدُّ عقوبةً من الغريب، لا يثبتُ له نَسَبٌ، ولكن لو أعتقه الأبُ. قولُه: “وهو أشدُّ عقوبة” لوجهين:
أحدهما: وطؤه موطوءةَ أبيه، والثاني: أنها محرَّمةٌ عليه على التأبيد، وإنما اختارَ (2) عتقَهُ؛ لأنه من ماء ولده مخلوق، ولم يوجِبْه لعدم ثبوت النَّسَبِ.
* عبد الله ابنه (3): إذا دَفَع إلى (ظ/ 175 أ) ابنه مالاً يعملُ به، فذهب الابنُ فاشترى جاريةً وأعتقها وتزوَّجِ بها: مضى عتقُها، وله أن يرجعَ على ابنه بالمُلْكِ (4)، ويلحقَ به الوَلَدَ، وليس له الرُّجوعُ في الجارية.
__________
(1) “أو ابنة” من (ع)، و”أو أمه” من (ق وظ).
(2) (ق): “أجاز”.
(3) “المسائل” رقم (1648).
(4) يعني: بالمال الذي دفعه أولاً. وهو كذلك في (ق والمسائل).
(3/999)
حنبل عنه: قال: أرى أن من تصدق على ابنه بصَدَقَةٍ، فقبضها الابن أو كان في حِجْر أبيه، فأشهد على صَدَقَتِهِ، فليس له أن ينقضَ (1) شيئًا من ذلك؛ لأنه لا يُرْجَعُ في شيءٍ من الصدقة.
وعنه المرُّوْذيُّ: إذا وهب لابنه جاريةً فأراد أن يشترِيَها، فإن كان وَهَبَها (ق/245 ب) علي جهة المنفعة فلا بأسَ أن يأخذَها بما تَقَوَّمَ، وإذا جعلَ الجاريةَ لله، أو في السَّبيل، أو أعطاها ابنه (2)، لم يعجبني أن يشترِيَها.
أبو حفص: إذا وهبها على جهة المنفعة دونَ الصَّدقة جاز أن يشترِيَها؛ لأن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – الرجوعَ في هبة الولد (3)، وإن جَعَل الجاريةَ صدقةً على ابنته وقصد الدَّارَ الآخِرَةَ، لم يَجُزْ له الرجوع لا بثمن ولا بغيره؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم – لعمر: “لا تَعدْ في صَدَقَتِكَ” (4).
قال أبو حفص: وتحصيلُ المذهب أنه لا يجوزُ الرجوعُ فيما دفع إلى غير الولد هبةً كان أو صدقة، ويرجِعُ فيما وهبه لابنه، ولا يرجعُ فيما كان على جهة الصَّدَقة.
وروى عه مهنَّأ: إذا تصدَّقَ الرجلُ بشيءٍ من ماله على بعض ولده ويدعُ بعضًا.
__________
(1) (ع): “يقبض”.
(2) (ع) غير بينه ولعلها: “بنيه”.
(3) في حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أخرجه البخاري رقم (2586)، ومسلم رقم (1623).
(4) أخرجه البخاري رقم (1490)، ومسلم رقم (1621) من حديث عمر -رضي الله عنه-.
(3/1000)
قال أبو حفص: لا فرق بين العَطِيَّة للمنفعة وبين الصَّدَقة للأجْر؛ لأنَّ كلاهما عطيَّةٌ، وإنما يختلفُ حكمُهُما في رجوع الوالد.
* اختلف قولُه في قِسْمَةِ الرجلِ مالَه بين ولده في حياته؛ فروى عنه حنبلٌ: إن شاء قَسَمَ، وإن شاء لم يقسمْ، إذا لم يُفَضِّلْ.
وروى عنه محمد بن الحكم: أَحَبُّ إليَّ أن لا يقسمَ مالَه، يَدَعُهُ على فرائضِ الله لعلَّه يُولَدُ له.
علي بن سعيد عن أحمد: إذا زوَّج بعض ولده وجهَّزه، وله ولدٌ سواهم، وهم عنده، يُنْفِقُ عليهم ويَكسوهم، فإن كان نفقتُهُ عليهم مما يُجْحِفُ بماله، ينبغي له أن يُوَاسِيَهُمْ، وإن لم يجحِفْ بماله، وإنما هي نفقةٌ فلا يكونُ عليه شيء.
قال أبو حفص: قوله: “يُجحِفُ بماله”، يعني: يُنْفِقُ فوقَ الحاجةِ، ينبغي أن يُعطي الذين خرجوا من نفقتِه بإزاء ذلك؛ لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النَّحْل.
وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأةٍ جعلت مالها لأحدِ بنيها إن هو حَجَّ بها دونَ إخوته: تُعْطِيه أُجْرَتَهُ، وتسوِّي بين الوَلَد.
وروى عنه إسحاق بن إبراهيم (1) في الأب يقول: وهبتُ جاريتي هذه لابنتي: إذا كان ذلك في صحَّةٍ منه، وأشهَدَ عليه، كان قبضُهُ لها قَبْضًا.
وهذه الرواية تدلُّ على أن هبةَ الأب لابِنهِ الصَّغير يجزي فيها الإيجابُ؛ لأنه اعتبر في ذلك القبضَ.
__________
(1) “المسائل”: (2/ 53).
(3/1001)
وروى عنه يوسف بن موسى (1) في الرجل يكون له الولدُ البارُّ الصالحُ، وآخرُ غيرُ بارٍّ: لا يُنِيلُ البَارَّ دون الآخر.
قال أبو حفص: لأن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – لم يُفَرِّقْ، ولأنه كالبَارِّ الميراث.
وروى عنه حنبلٌ: للشَّاهد أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا، وعَرَف فيه (2) الحَيْف في الوصية، وروى عنه الحكم: (ق/ 246 أ) لا يشهدُ إذا فَضَّل بين وَلَدِهِ.
وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنتٌ وأخٌ وله عشرة آلاف درهم: لم يُجِزْ له أن يصالِحَ الأخ منها على ألفي درهم، ليس هذا بشيء.
قال أبو حفص: لأنه هضمٌ للحقِّ فبَطَلَ، ولأنه إنما يستحقُّ بعد الموت، فهو كإجازة الشَّريك لشَرِيكه بيعَ نصيِبهِ، ثم له المطالبة بالشُّفْعة.
قلت: هذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – حرَّم على الشَّرِيك البيع قبل استئذان شريكه، فقال: “لا يَحِلُّ له أن يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَة، فإن بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بالشُّفْعَةِ” (3)، فدلَّ على أنه إذا أذِنَ في البيع ولم يُرِدْ أخذ الشِّقْص (4) سقطت شُفْعَتُهُ، وعلى موجبِ
__________
(1) هو: يوسف بن موسى بن راشد أبو يعقوب القطان، نقل عن الإمام أشياء ت (253). “طبقات الحنابلة”: (2/ 567).
وآخر من تلاميذ الإمام يقال له: يوسف بن موسى العطار. (2/ 566).
(2) “وعَرَف فيه” ليست في (ع).
(3) أخرجه البخاري رقم (2257)، ومسلم رقم (1608) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما-.
(4) أي: النصيب.
(3/1002)
النَّصِّ، فسببُ الشُّفعة إرادةُ البيع واستئذانُ الشريك، فإذا طلبه الشَّريك وجب على شريكه بيعُهُ إيَّاه، هذا مقتضى النَّصِّ خالفه من خَالَفَهُ.
وأما إسقاطُ الميراث فإسقاطُ أمر موهومٍ لا يُدْرَى أيحصلُ أم لا؟ ولعلَّه أن يموتَ هو قبلَه فهو جارٍ مجرى إسقاط حقِّه من الغنيمة (1) قبل الجهاد وتحرُّك العدوِّ ألْبَتَّةَ، وإسقاطُ حقِّهِ بما لعلَّ المُوصِي أن يوصيَ له به، وأمثالُ ذلك مما لا عبرةَ به، والله أعلم.
فصلٌ (2)
إذا مات ولم يُسَوِّ، فهل يُرَدُّ؟
فيه روايتانِ منصوصتانِ؛ رواية ابنه عبد الله و [ابن] عمه حنبل وأبي طالبْ أنه يُرَدُّ، وأصحابُنا إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص، ولا ريبَ أنه اختيارُه في هذا الكتاب، ونقله نصًّا عن أحمد مِن رواية من سمَّينا، وهو الأقيسُ.
(ظ/ 175 ب) نقل عنه حَرْبٌ في مجوسيٍّ كان له ولدٌ فنَحَل بعضَ ولده مالاً دونَ بعض (3)، وكان للمنحولِ ابنٌ فماتَ، وترك ابنَهُ، كيف حالُهُ في هذا المال الذي ورِثَ عن أبيه، وكان الجدُّ نَحَلَهُ؟ قال: لا بأس يأكلُهُ؛ لأنَّ هذا كله في الشِّرك.
قال أبو حفص: هذا يجِيءُ على القولينِ جميعًا، أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله، وأما على القول بالرَّدِّ بعد الموت فَلأَنَّهُ نَحَلَهُ في حال الشِّرْك وهو مقبوضٌ فيه، فهو كما يثبت قبضَ
__________
(1) كذا في (ق وظ)، و (ع): “القسمة”.
(2) (ق): “فائدة”.
(3) “دون بعض” ليست في (ع).
(3/1003)
المهر إذا كان خمرًا أو خِريرًا وإن كان مردودًا في الإسلام.
آخرُ ما انتقاه القاضي من الكتاب المذكور.
* * *
ومما انتقاه من كتاب “أحكام أهل الملل” لأبى حفص أيضًا (1):
* أبو طالب عنه وسأله: أَيُستعمل (2) اليهوديُّ والنَّصرانيُّ في أعمال المسلمين مثل الخَرَاج؟ قال: لا يُستعانُ بهم في شيءٍ. وذكَرَ أبو حفص الحديث إلى قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِيْنَ بِمُشْرِكٍ” (3).
قال: (ق/246 ب) وروى أبو معاوية: حدثنا أبو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن الزِّنْباع، عن أبي الدِّهقانة قال: قيل لعُمَرَ إن هاهنا رجلاً من أهل الحِيرةِ له علمٌ بالدِّيوانِ، أفتتخِذَه كاتبًا؟ فقال عمرُ: لقد اتَّخَذْتُ إذًا بطانةً مِنْ دونِ المؤمنينَ (4).
وكيع: حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك بن حرب، عن عِيَاض الأشعري، عن أبي موسى، قال: قلت لعُمَرَ: إن لي كاتبًا نصرانيًا، فقال: ما لَكَ قاتلَكَ اللهُ أما سمعتَ اللهَ يقولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] وذكر الحديث (5).
__________
(1) هذا العنوان بياض في (ق).
(2) (ظ والمطبوعات): “إسماعيل”!.
(3) أخرجه مسلم رقم (1817) من حديث عائشة – رضي الله عنها-.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة: (5/ 259)، والطبري في “التاريخ”: (2/ 566)، وابن أبي حاتم: (3/ 743)، من طرقٍ عن أبي حيان به، رواية وكيع عند الطبري.
(5) أخرجه البيهقي في “الكبرى”: (9/ 204)، وفي “الشعب”: (7/ 43)، وغيره من طرقٍ عن سِماكٍ به.
(3/1004)
* قال أبو حفص: احتجَّ أبو عبد الله في جَبْر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين، وإن لم يقلْ: أنا بريءٌ من الكفر الذي كنتُ فيه = بقوله لعمه: “أدْعُوكَ إِلَى كَلِمَةٍ أَشْهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، لا إِلهَ إلاَّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ” (1).
وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للغلام اليهودي: “يَا غُلامُ قُلْ: لا إلهَ إلاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ” (2).
وقال: “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُو لا إلهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصِمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ” (3).
فإن قال: لم أُرِدِ الإسلام، فهل تُضْرَبُ عنقُهُ أم لا؟
اختلفَ قولُه في ذلك، فروى عنه حرب: تُضْرَبُ عنقُه. وروى عنه مهنَّأ في يهوديٍ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله، وقال: لم أنوِ الإسلامَ = يُجْبَرُ على الإسلام، فإن أبى يُحْبَسُ، فقلت: يقتلُ؟ قال: لا، ولكن يُحْبَسُ.
وجه الأولى (4): أنه قد أتى بصريح الإسلام، والاعتبار في الإسلام بالظَّاهر. ووجه الثانية: أنه يحتملُ ما قاله وإن لم يقصدِ الإيمانَ،
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1360)، ومسلم رقم (24) من حديث المسيب بن حزن -رضي الله عنهما-.
(2) أخرجه البخاري رقم (1356) بلفظ: “يا غلام أسلم … “، وبذكر الشهادة أخرجه أحمد: (20/ 187 رقم 12792 وغيره) وابن حبان “الإحسان”: (7/ 227)، والبيهقي: (3/ 383) وغيرهم من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
(3) أخرجه البخاري رقم (25) ومسلم رقم (22) من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-.
(4) (ظ): “الأوَّلة”.
(3/1005)
فجاز أن يُجعلَ ذلك شبهةً في سقوط القتلِ، والقتلُ يسقطَ بالشبهة، بدليل ما لو أُعطِيَ الأمانُ لواحد من أهلِ الحِصْنِ واشتَبَهَ علينا.
* * *
ومما انتقاه من خط أبي حفص البرمكي
بإسناده إلى أنس ابن مالك: رأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يسجد على كُوْر العِمَامَة (1).
وبإسناده إليه يرفَعُه: “إذا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، فَأجِبْ وعَلَيْكَ السَّكِينَةَ، فإنْ أَصَبْتَ فُرْجةً، وإلاّ فَلا تُضَيِّقْ على أخِيكَ، واقْرَأْ ما تُسْمعُ أُذُنَيْكَ، ولا تُؤْذِ جَارَكَ، وصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ” (2).
وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه: “لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ في المَسْجِدِ الَّذي يَلِيهِ ولا يَتَّبَعِ المَسَاجِدَ” (3).
وبإسناده عن أبي هريرة يرفعه: “إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المَسْجِدَ فَوَجَدَ
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في “العلل” (1/ 187)، ونقل عن أبيه أنه منكر، وانظر “الدراية”: (ص/ 145) للحافظ، وقال ابن القيم في “الزاد”: (1/ 231): “ولم يثبت عنه السجود على كور العمامة من حديث صحيح ولا حسن” اهـ.
(2) أخرجه ابن عساكر في “التاريخ”: (21/ 171)، وابن الأعرابي في “المعجم”: (3/ 893)، وغيرهم، وهو حديث ضعيف، انظر “السلسلة الضعيفة” رقم (2569)، و”فيض القدير”: (1/ 379).
(3) أخرجه الطبراني في “الكبير”: (12/ 379)، والعقيلي في “الضعفاء”: (3/ 432)، وابن عدي في “الكامل”: (6/ 458).
قال الهيثمي في “المجمع”: (2/ 24) عن إسناد الطبراني: “رجاله موثقون إلا شيخ الطبراني … ولم أجد من ترجمه. وقواه الألباني في “السلسلة” رقم (2200).
(3/1006)
النَّاسَ سُجُودًا فَلْيَسْجُدْ، ولا يَقِفْ كما يَقِفُ اليَهُودُ” (1).
وروى ابن بطَّة بإسناده إلى أبي أُمامَةَ: أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – شهد جنازةً وهو سابع سبعة، فأمرهم رسول الله (ق/247 أ) – صلى الله عليه وسلم – أن يصفُّوا ثلاثة صفوفٍ خلْفَه، فصف ثلاثة واثنين وواحدًا صفًّا خلفَ صفٍّ، فصلى على الميت ثم انصرف (2).
وبإسناده عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب يرفعه: “مَنْ كَتَمَ على غَالٍّ فَهُو غَالٌّ مِثْلُهُ” (3).
وبإسناده عن عائشة: سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الشعر فقال: “هو كَلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ” (4).
وبإسناده عن جابر بن سَمُرَةَ يرفعه: “لأَن يُؤَدِّبَ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ خَيْرٌ له مِنْ أنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ كُلِّ يَوْمٍ على مِسْكِينٍ” (5).
__________
(1) لم أجده.
(2) أخرجه الطبراني في “الكبير”: (8/ 224) بنحوه، قال الهيثمي (3/ 32): “فيه ابن لهيعة، وفيه كلام”.
(3) أخرجه أبو داود رقم (2716)، والطبراني في “الكبير”: (7/ 302)، وفي سنده مقال، وانظر: “نصب الراية”: (2/ 375).
(4) أخرجه ابن عدي في “الكامل”: (4/ 278)، وابن الجوزي في “العلل المتناهية”: (1/ 137) من حديثها، وأخرجه ابن الجوزي في “العلل”: (1/ 138)، والمزي في “تهذيب الكمال”: (17/ 85) من حديث ابن عَمْرو -رضي الله عنهما- ولا يصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بهذا اللفظ.
(5) أخرجه أحمد: (34/ 459 رقم 20900)، والترمذي رقم (1951) والحاكم: (4/ 263) وغيرهم من طرق عن ناصح عن سِماك به.
قال الترمذي: “غريب”، وقال الذهبي في “تلخيص المستدرك”: “ناصح هالك”. ولفظ أحمد والحاكم: “بنصف صاع”.
(3/1007)
وبإسناده عن عائشة ترفعه: “أَعْلِنوا النِّكَاحَ واجْعَلُوه في المَسَاجِدِ، ولْيُولِمْ أَحَدُكُمْ ولَوْ بِشَاةٍ” (1).
وبإسناده عن (2) إبراهيم الحربي قال: الناسُ كلهم عندي عدولٌ إلا منْ عَدَّلَه القاضي.
قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: النَّاسُ كلُّهم عدولٌ إلا العدولَ، سمعته من شيخنا (3).
وبإسناده عن يحيى القطان: لم يكن يشهدُ عند الحكَّام إلا القَسَّامُ والذَّرَّاعُ، (ظ/ 176 أ) فأما المستورونُ وأهل العِلم فلم يكونوا يشهدون.
وبإسناده: قال رجلٌ لابن المبارك: يا أبا عبدَ الرحمن، مَن السَّفَلُ؟ قال: الذين يَلْبَسُون القَلَانِسَ ويأتونَ مجالسَ الحُكَّامِ.
وبإسناده عن أنس بن مالك، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “يأتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعو فيه المُؤمنُ للعَامَّةِ فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وجلَّ: ادْعُ لِخاصَّةِ نَفْسِكَ أسْتَجِبْ لَكَ، فأمَّا العَامَّةُ فإنِّي عَلَيْهِمْ سَاخِطٌ” (4).
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (1089) والبيهقي: (7/ 290)، وابن عدي في “الكامل”: (5/ 240) وغيرهم، وفيه عيسى بن ميمون ضعيف جدًّا، والحديث من مناكيره. انظر: “العلل المتناهية”: (2/ 627)، ولقوله: “أعلنوا النكاح” شواهد يتقوَّى بها، أخرج ابن حبان “الإحسان”: (9/ 374)، والحاكم (2/ 183) من حديث ابن الزبير ما يشهد له.
(2) من قوله: “عائشة ترفعه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) يعني: ابن تيمية.
(4) أخرجه أبو نعيم في “الحلية”: (6/ 175)، وقال أبو نعيم: “غريب من حديث صالح -المري- تفرَّد به داود -ابن المخبّر” اهـ.
وداود متروك وصالح ضعيف.
(3/1008)
وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصَّيْداوي قال: قال أحمد بن حنبل: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ألا أدُلُّكُمْ على ما إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ” (1).
وبإسناده عن همَّام أنَّ ابن مسعود كان يقول: لأَنْ أَحْلِفَ باللهِ كَاذِبًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بغيرِهِ صادِقًا (2).
وليتَ القاضيَ ذكَرَ (3) أسانيدَ هذه الأحاديثِ، وكتبْتُها لأكشِفَ حالَها (4).
* * *
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (54)، وأحمد: (16/ 381 رقم 10650) واللفظ له من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه ابن أبى شيبة: (3/ 79)، وعبد الرزاق: (8/ 469)، والطبراني في “الكبير”: (9/ 183)، قال الهيثمي في “المجمع”: (4/ 177) عن سند الطبراني: “رجاله رجال الصحيح”.
(3) (ق): “كتب”.
(4) وقد كتبنا في هذا التعليق شيئًا من أسانيدها، وكشفنا عن حالها. والحمد لله.
(3/1009)
ومن خط القاضي أيضًا
حكى على قدامة بن مظعون (1) وعَمْرو بن مَعْدي كَرِبَ (2) أنهما كانا يقولان: الخمرُ مُبَاحَةٌ (3)، ويحتجَّان بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قالا: قد آمنَّا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طَعِمنا (4).
فلم تكفِّرْهما الصحابة بهذا القول، وبَيَّنوا لهما الحكمَ في ذلك؛ لأنه لم يكنْ قد ظهرتْ أحكامُ الشريعة في ذلك الوقت ظهورًا عامًّا، ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفَّرناه؛ لأنه قد ظهر تحريمُ ذلك (5).
(ق/ 247 ب) وسببُ نزول هذه الآية ما قاله الحسنُ: لما: نَزَلَ تحريمُ الخمرِ، قالوا: كيف بإخوانِنا الذين ماتوا وهي في بطونِهم وقد
__________
(1) (ع وق): “عثمان بن مظعون”، ثم عُدِّلت في (ق) من بعض المطالعين علي ما يظهر، والمثبت من (ظ) وهو الصحيح، وفي هامش (ق) ما نصه تعليقًا “المحكيّ عنه هذا القول قدامة بن مظعون لا عثمان كما هو مشهور، فإن عثمان توفي قبل تحريم الخمر، فلعلّه خطأ من الكاتب، على أن قدامة رجع عن هذا القول كما هو مشهور عند جميع الأمة، والله سبحانه وتعالى أعلم” اهـ كاتبه الفقير محمد بن عبد الله بن حميد.
(2) لم أر تسميته فيمن: تأوّل هذه الآية إلا في “المغني” لابن قدامة: (12/ 493)، فلعله ممن تأول ذلك في جماعة من أهل الشام في إمرة يزيد بن أبي سفيان، انظر “مصنف عبد الرزاق”: (9/ 244).
(3) تكررت في (ظ) وتحتمل قراءتها: “متاحة مباحة”.
(4) أخرجه الحاكم: (4/ 141)، والبيهقي: (8/ 320)، والطحاوي في “شرح المعاني”: (3/ 154) وغيرهم من رواية عكرمة عن ابن عباس.
(5) وانظر “مجموع الفتاوى”: (7/ 610).
(3/1010)
أخبر اللهُ أنها رجسٌ، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} (1) [المائدة: 93].
وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة: إنهم على ضَرْبين؛ منهم من حُكِم بكفره، وهم من آمن بِمُسَيْلَمَةَ وطُلَيْحة والعَنْسي. ومنهم من لم يُحْكمْ بكفره وهم من لم يؤمنوا بهم لكن منعوا الزكاة، وتأوَّلوا أنها كانت واجبةً عليهم؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يُصلَّي عليهم، وكانت صلاتُه سكنًا لهم، قالوا: وليست صلاةُ ابنِ أبي قحافة سَكَنًا لنا، فلم يُحْكَمْ بكفرهم؛ لأنه لم يكنْ قد انتشرتْ أحكامُ الإسلام، ولو منعها مانعٌ في وقتنا حُكِم بكفره.
* * *
ومن خطه أيضًا من تعاليقه
* عذاب القبر حق، وقد قيل: لابدَّ من انقطاعه لأنه من عذاب الدنيا، والدنيا وما فيها فانٍ (2) منقطع، فلابُدَّ أن يلحقَهم الفناءُ والبلاءُ، ولا يُعْرَف مقدار مدَّة ذلك.
* يجوز أن يحشُرَ اللهُ العبادَ يوم القيامة عُرَاة (3) في وقت خروجهم من قبورهم يومَ البعثِ، ثم يكسو اللهُ المؤمنَ حُلَلَ الجنَانِ، ويجعل على الكافر والعصاةِ سرابيلَ القَطِران، والتَّعَبُّدُ فيَ الآخرة بترك التَّكَشُّفِ زائلٌ.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (5582)، ومسلم رقم (1980) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
(2) (ق): “فإنه”.
(3) من قوله: “الفاء والبلاء … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1011)
* المحشر : هل هو في أرض من أراضي الجنة؟ أو في أرض من أراضي الدُّنيا؛ أوفي موضع لا من الجنَّة ولا من النَّار؟ فقد قيل: أوَّلُ حشر النَّاس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها، ثم يُحَوَّلون إلى الأرض التي تسمى: السَّاهرة، فهذا معنى قوله: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)} [النازعات: 14]، والسَّاهرة: هي التي يحاسَبُون عليها (1)، فإذا فَرَغوا من الحساب، جازوا (2) على الصراط، وتميز بين المُجرمينَ والمؤمنينَ، ضُرِبَ بينهم بسُور، فكان ما وراءَ السُّور مما يلي الجنة: من أرض الجنة، وصار ما دونَ السُّور مما يلي النَّار من أرض جهنم، وموضع الحساب يصير من جهنم.
* قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم: 6] المراد الأمر في الدنيا؛ لأن الآخرة ليس فيها أمرٌ ولا نهيٌ على: الملائكة ولا غيرهم؛ لأن التَّعَبُّدَ زائلٌ، وفي البخاري (3) عن علي: “اليومَ عَمَلٌ ولا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ”.
قلت: هذا وهمٌ منه رحمه الله تعالى، فإنَّ الله تعالى يأمُر الملائكة يومَ القيامة بأخذ الكفار والمجرمينَ إلى النَّار وسَوْقهم إليها وتعذيبهم فيها، ويأمر عبادَهُ بالسُّجود له، فيَخرُّون (ق/248 أ) سُجَّدًا، إلا من منعه الله من السُّجود، ويأمر المؤمنينَ فيعبرونَ الصَّراطَ، ويأمر خَزَنَةَ الجنَّة بفتحها لهم، ويأمر خَزَنَةَ النار بفتحها لأهلها، ويأمرُ ملائكةَ السموات بالنزول إلى الأرض، ويأمر بشأن البعث كلِّه وما بعده، فالأمر يومئذ لله ولا يُعصى الله في ذلك اليوم طَرْفَةَ عينٍ، وأوامرُه
__________
(1) انظر الأقوال فيها في “زاد المسير”: (4/ 395).
(2) (ق وظ): “وجازوا”.
(3) “الفتح”: (11/ 239) معلقًا، ووصله ابن أبي شيبة: (7/ 100) وغيره.
(3/1012)
ذلك اليومِ للثَّوابِ والعقاب، والشفاعةُ للملائكة والأنبياء وغيرهم، لا تضبطُها قدرةُ الخَلْق، فكيف يُقالُ: ليس في الآخرة أمرٌ ولا نهيٌ حتى يقالَ: (لا يعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهم) في الدنيا؟! أَفترى اللهَ عزَّ وجلَّ لا يأمرُهم يوم القيامةِ في أهل النَّار بشيءٍ فلا يَعْصُونه فيه، نعم ليست الآخرةُ فى دارَ حَرْثٍ وإنما هي دارُ حَصَادٍ، وأوامرُ الربِّ ونواهيه ثابتةٌ في الدَّارين، وكذلك أوامر التَّكليف ثابتةٌ في البرزخ ويوم القيامة، وحكاه أبو الحسن الأشعري في “مقالاته” (1) عن أهل السنّة في تكليف من لم تبلغْه الدعوةُ في الدنيا أنه يُكَلَّف يومَ القيامة. فقولُ القائل: الآخرةُ (ظ/176 ب) ليست دارَ تكليفٍ ولا دار أمرٍ ونهي قولٌ باطل، ودعوى فاسدة، والله الموفق.
* قال: ذكر بعضهم أنه يجور أن يقول: أنا مؤمن، ولا يقول: أنا وَلِيٌّ. وفَرَّق بينهما، فإن الله تعالى أمرَ من ظهر منه الإيمان أن يسمَّى مؤمنًا، قال تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] الآية، ولم يأمُرْ من ظهر منه ذلك أن يسمَّى وَلِيًّا. ولا فَرْقَ بينهما فإن الله قد وصف الوَليَّ بصفة المؤمن، فقال: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] وهذه صفة المؤمن؛ ثم لا يجوزُ أن يصفَ نقسَه بأنه وَلِيٌّ، كذلك (2) المؤمن؛ ولأنه إنما يكونُ وليًّا بتولِّيه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن.
قلت: هذا حجَّةُ من منع قول القائل: “أنا مؤمنٌ” بدون الاستثناء، كما لا يقولُ: “أنا وَلِيٌّ”، ومن فرَّق بينهما أجاب: بأنه لا يمكنُه العلمُ
__________
(1) لم أجده في المطبوع.
(2) (ظ): “وكذلك”.
(3/1013)
بأنه وليٌّ؛ لأن الولاية هي القربُ من الله عز وجل، فوليُّ الله هو القريبُ منه المختصُّ به، والولاءُ هو في اللغة القربُ، ولهذا القُرْب علاماتٌ وأدِلَّةٌ، وله أسبابٌ وشروط وموجبات، وله موانعُ وآفاتٌ وقواطعُ، فلا يعلمُ العبدُ هل هو وليٌّ لله أم لا.
وأما الإيمانُ؛ فهو أن يؤمنَ بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ويلتزمُ أداء فرائضه، وترك محارمه، وهذا يمكنُ أن يعلمَه من نفسه، بل ويعلمُهُ غيرُه منه.
والذي يظهرُ لي من ذلك أن ولايةَ الله تعالى نوعان: عامَّة وخاصَّة، فالعامَّة: ولايةُ كلِّ مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله (1) تقيًّا (ق/ 248 ب) كان وليًّا له، وفيه من الولاية بقدْر إيمانه وتقواه، ولا يمتنعُ في هذه الولاية أن يقول: “أنا وليٌّ لله إنْ شَاءَ اللهُ”، كما يقول: “أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ”.
والولايةُ الخاصَّةُ: إن علم من نفسِه أنه قائمٌ لله بجميع حقوقه، مؤْثِرٌ له على كلِّ ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابُّهُ هي همَّهُ ومتعلقَ خواطِرِهِ، يصبحُ ويمسي وهمُّه مرضاة ربِّه، وإن سخِطَ الخلقُ، فهذا إذا قال: “أنا وليُّ لله” كانَ صادِقًا.
وقد ذهب المحققونَ في مسألة: “أنا مُؤْمِنٌ” إلى هذا التَّفصيل بعينه، فقالوا: له أن يقولَ: “آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه”، ولا يقولُ: “أنا مؤمنٌ”؛ لأن قوله: “أنا مؤمنٌ”، يُفيدُ الإيمانَ المطلَقَ الكاملَ الآتي صاحبُه: بالواجباتِ، التاركُ للمحرَّماتِ، بخلاف قوله: “آمنت باللهِ”. فتأمَّلْه.
* إذا دخل خارجيٌّ أو قاطعُ طريقٍ إلى بَلَد، وقد غصَبَ الأموالَ
__________
(1) (ق): “بالله”.
(3/1014)
وسبى الذَّراريَ هل يجوز معاملتُه؟.
نظرتَ فإن لم يكنْ معهم إلا ما أخذوه من النَّاس، لم يَجُزْ معامَلَتُهُم، وإن كان معهم حلالٌ وحرامٌ لم يَجُزْ أيضًا، إلا أن يُبَيِّنوه، كرجلٍ كان عنده أربعُ إماءٍ فأعتقَ واحدةً منهنَّ بعينها، وعرض واحدةً منهنَّ، وهو مدَّعٍ لرِقِّهِنَّ، لم يَجُزِ الشِّراءُ منه حتى يُبَيِّنَ التي أعتقَها، وكذلك إذا كاد عنده مَيْتةٌ ومذكَّاةٌ، لم يَجُزِ الشراءُ منه حتى يُبَيِّنَ، فأما الأموالُ التي في أيدي هؤلاء الغَصَبَةِ من الخوارج واللُّصوص الدين لا يُعرفُ لهم صناعةٌ غير هذه الأموال المحرَّمة عليهم، فالعلمُ قد أحاط بأن جميعَ ما معهم حرامٌ، فلا يجوزُ البيعُ والشِّراء منهم.
ولكن يجوزُ للفقير أن يأخذَ منهم ما يُعطونه من جهة الفقر؛ لأن إمام المسلمين لو ظفر بهذا الفاسقِ وبما معه من الأموال المغصوبة لوجبَ أن يصرفَ هذه الأموالَ في الفقراء، وأما المستورُ فإنه يُحْكَمُ له بما في يده؛ لأنا لا نعلمُ أنه في دعواه مُبْطِلٌ.
وكذلك لو أن رجلاً من فُسَّاق المُسلمينَ لا ينزِعُ عن الزِّنا والقذف ونحوه، وكان في يده مال حُكِم له به، ويفارقُ هذا من يُعْرف بالغَصْبِ والظلم؛ لأن الظاهرَ أن تلك الأموال حرامٌ غُصُوبٌ.
* * *
ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد
رواية المرُّوْذي عنه، رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه (1)،
__________
(1) من أول العنوان إلى هنا ساقط من (ق).
(3/1015)
رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن سَلْم الخُتَّلي (1)، رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الّه السُّوْسنْجَرْدي (2).
قال المرُّوْذي: سمعت أبا عبد الله يقول لرجل: اقعدْ اقرأ، فجئتُه أنا بالمصحف فقعدَ،: فقرأ عليه، فكان يمُرُّ بالآية فيقفُ أبو عبد الله، فيقول (ق/ 249 أ) له: ما تفسيرُها؟ فيقول: لا أدري، فَيُفَسِّرُها لنا، فربما خنقته العَبْرَةُ فيردُّها، وكان إذا مرَّ بالسَّجدِة سجدَ الذي يقرأُ وسجدنا معه، فقرأ مرّةً فلم يسجدْ، فقلت لأبي عبد الله: لأيِّ شيءٍ لم تسجد؛ قال: لو سجد سَجَدْنا معه، قد قال ابن مسعود -رضي الله عنه- للذي قرأ: “أنت إمامُنا إن سجدْتَ سَجَدْنا” (3)، وكان يعجبه أن يُسَلِّمَ فيها.
وقال: ذهبت إلى ابنِ سَواء (4) فكان يقرأ بنسخة لعبد الوهاب، فكان يقرأُ ويفسِّرُ، قال ابن سواء: كان سعيد (5) يقرأ ويفسِّر، قال: وكان قَتَادَةُ يقرأُ ويفسِّرُ.
وقال لرجل: لو قرأتَ فسَمِعْنا (ظ/177 أ) ونحن نسير من العسكر، فكان الرجلُ يقرأُ وأبو عبد الله يسمع، وربما زاد أبو عبد الله الحرفَ
__________
(1) تحرّفت في (ظ) إلى “الحنبلي” و (ق): “الخبرا”! وانظر ترجمته في “السير”: (16/ 82).
(2) ترجمته في “طبقات الحنابلة”: (3/ 303).
والسُّوسَنجَرْدي: نسبة إلى سُوْسَنجَرْد قرية بنواحي بغداد، انظر “معجم البلدان”: (3/ 320).
(3) أخرجه عبد الرزاق: (3/ 344).
(4) هو: محمد بن سواء أبو الخطاب السدوسى، روى عن سعيد بن أبي عَروبة ت (187). “الجرح والتعديل”: (7/ 282).
(5) يعني: ابن أبي عَروبة شيخه.
(3/1016)
والآيةَ فتفيضُ عيناه، وسمعتُه يفسِّرُ القرآنَ، وقال: قال مجاهد: عرضتُ القرآنَ على ابن عباس ثلاثَ مرات، وقال: أَعْيَتْنِي الفرائضُ فما أُحْسِنُها.
وقُرِئ عليه: {لَا شِيَةَ فِيهَا} قال: لا سوَادَ فيها.
{عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] قال: لا كبيرة ولا صغيرة.
{غَيْرَ مَدِينِينَ (86)} [الواقعة: 86] قال: مُحَاسَبِين.
وكان (1) يقرأ: (السِّجْنُ): “السَّجْنُ أَحَبُّ إليَّ” (2) [يوسف: 33].
{أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف: 70] قال: حُمُرٌ تحملُ الطعام.
{فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ} [النحل: 112] قال: مكة (3).
{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] قال: هذه نَسَخَتْها التي في البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] قال: يفرِض لكل حاملٍ مطلقةً كانت أو متوفى عنها زوجُها لها النَّفَقَةُ حتى تَضَعَ. هكذا رأيت هذا التفسير، ولا يخلو من وهم، إما من المرُّوْذي أو من الناقل!.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4] قال: عملك فأصلِحْه، {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 5]، قال: الرجز عيادة الأوثان، {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)} [المدثر: 6] قال: تمنّ بما أعطيتَ لتأخذَ أكثرَ (4).
__________
(1) (ع وظ): “وقال”.
(2) يعني بفتح السين “السَّجن” وهي قراءة يعقوب، انظر “المبسوط”: (ص/ 209).
(3) من قوله: “أيتها العير … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) انظر “طبقات الحنابلة”: (1/ 143).
(3/1017)
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} [الفلق: 1] قال: وادٍ في جهنم، الـ {غَاسِقٍ}: القمر، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لعائشة: “هذا الغَاسِقُ قَدْ طَلَع” (1) يعني: القَمَر، {النَّفَّاثَاتِ}: السحر، و {الْعُقَدِ (4)}: الذين يعقدون السِّحْرَ، {حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} قال: هو الحسدُ الذي يتحاسدُ الناسُ، قلت: أيْشٍ تفسير “إذا وقب”؟ قال: لا أدري.
وقرئ عليه: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)} [الفجر: 7] قال: لم تزل، {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)} (2) [الفجر: 9] قال: نقبوا الصخر (3) وجاءوا عليهم جلود النِّمار، قد جابوها: قد نقبوها.
{عَسْعَسَ (17)}: أظلم.
{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] قال: هذه مدينة ضَرَوان (4) قد مررتُ بها (5)، وهي قريبة من عبد الرزاق (6)، رأيتها سوِداءَ حمراءَ، أثرُ النار يتبيّن فيها، ليس فيها أثرُ زرع ولا خضرة، إنما غَدَوا على أن يَصرِموها أو يجِذُّوها وفيها حَرْثٌ، وكانوا قد أقسَموا أن لا يَدْخلَها
__________
(1) تقدم 2/ 729.
(2) (ع): “جابوا الصخرة”.
(3) من قوله: “والعقد الذين … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) ضرَوان: بالضاد المعجمة، بفَتَحَات، قرية قريبة من صنعاء. “معجم البلدان”: (3/ 456).
(5) “قد مررت بها” سقطت من (ق).
(6) يعني: شيخه عبد الرزاق بن همام الصنعاني ت (211)، لكن في هامش (ق) تعليق -وأظنه بخط ابن حميد- نصّه: “سقط هنا شيءٌ، وهو المجرور بمن، ولعله “صنعاء”، كما في القسطلانى، فأما قوله: “عبد الرزاق” فهو فاعل لفعل محذوف تقديره قال”: اهـ. وما قاله بعيد، والعبارة واضحة المعنى، وأحمد له رحلة إلى اليمن، فهو الذي رآها.
(3/1018)
مسكين {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} [القلم: 20]، قد أكلتها النارُ حتى تركَتْها سوداءَ.
{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28]: أعدَلُهم.
{لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ} [الحجرات: 14]: لا يظلِمْكم.
{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8)} [المعارج: 8]: قال: مثل دُرْدِي الزيت (1).
{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)} [الطارق: 11] قال: المطر، والصدع: النبات.
{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)} [المرسلات: 25]: يكفتون فيها. الأحياء: الشَّعَر والدَّم، (ق/ 249 ب) وتدفنون (2) فيها موتاكم. قال المرُّوْذي: وسمعته يقول: يُدْفَن فيها ثلاثة أشياء: الأظافر والشعر والدم. قال: {وَأَمْوَاتًا (26)}: تُدْفن فيها الأموات، {مَاءً فُرَاتًا (27)} [المرسلات: 27]: عذبًا.
{كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4)} [القارعة: 4] قال: مثل الشَّرار (3) الذي يطيرُ عند السِّراج فيحترقُ.
{وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} [التحريم: 11] قال: مضاجعته (4).
{بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] قال: كان ابن عباس يقول: تَرَوْنَ السّمواتِ ولا ترونَ العَمَدَ.
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)} [الرحمن: 6] قال: الشجر: ما كان إلى الطول قائم، والنجم: النبات الذي على وجه الأرض.
__________
(1) ما يبقى في أسفله.
(2) (ق): “تكفتون”.
(3) في المطبوعة: “الفراش”.
(4) وقيل: دينه.
(3/1019)
وقرئ عليه: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] قال: مشددة مخالفة على الجهمية.
{إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)} [ص: 46] قال: أخلصوا بذكر الآخرة.
{فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)} [ص: 33] قال: ضَرَبَ أعناقها.
{وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27] قال: الثناء، قال: يتولى إبراهيم المللَ كلها يتولَّونه.
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ} [الأحزاب: 25] قال: جاءت ريحٌ فقطعت أطناب الفساطيط فرجعوا.
{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} [آل عمران: 92] قال: الجنة.
{اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [البقرة: 68] قال: باعوها.
قلت: يريد أبو عبد الله باعوا: الآخرة، لا أنه فسَّر الاشتراءَ بالبيع، فإنهم لم يبيعوا الحياةَ الدنيا وإنما باعوا الآخرةَ واشتروا الدنيا.
{فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران: 117]: برد.
{فَضَحِكَتْ} [هود: 71]: حاضت.
{بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] قال: بعشرين درهمًا.
{قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [الصافات: 48] قال (1): قَصَرْن طرفهنَّ على أزواجهن فلا يُرِدْنَ (2) غيرَهم.
__________
(1) من (ظ).
(2) (ظ): “يرين”.
(3/1020)
{وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] قال: كثيرٌ بياضُ أعينِهن، شديدٌ سواد الحَدَق.
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] قال: العجم.
{يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)} [الواقعة: 46] قال: الكفر. {شُرْبَ الْهِيمِ (55)} [الواقعة: 55]: الإبل.
{الأحقاف}: الرمل.
{سَيْلَ الْعَرِمِ} [سبأ: 16] قال: السَّيْل هو السيل، والعرم: هو مُسَنَّاةُ البحر.
قال المرُّوْذي [عن أحمد] (1) حدثنا محمد بن جعفر، حدثَنا شَرِيك، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرة في قوله: {سَيْلَ الْعَرِمِ} قال: المُسَنَّاة بلَحْن اليمن (2).
وقال: أيُّ شيء تفسيرُ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} [العاديات: 6] قلت: لَكَفُورٌ، قال: نعم.
{بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] قال: الجَبَلين.
{عَيْنَ الْقِطْرِ} [سبأ: 12]: النحاس المذاب.
{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة: 255]: لا تأخذه نعسة.
{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] قال: مكث على عصاه سَنَةً فلما نُخِرَتِ العَصَا وقع، {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} [سبأ: 16] قال: الأراك.
__________
(1) زيادة متعينة.
(2) أخرجه ابن جرير: (10/ 362) عن شريك به.
(3/1021)
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]: ما لم يكن فيه سَرَف أو تقتير، {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} [سبأ: 52] قال: التناول بالأيدي.
{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] قال: القرآن.
{ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [الذاريات: 59] قال: سَجْلٌ من العذاب.
{ذَاتُ الْأَكْمَامِ} [الرحمن: 11] قال: الطَّلْع.
قُرئ عليه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] قال: الذي قال سفيانُ: إذا اختلفتم في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثَّغْر، يتأوَّل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (1).
{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98]: أخَّر دعاءَهُ إلى السَّحَر.
{الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)} [التكوير: 4]: لم تُحْلَبْ ولم تُصَرَّ.
{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد: 2] قال: ما كسب: ولدُهُ.
{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} [التكاثر: 8] قال: نعيم الدنيا.
{نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ} [السجدة: 27]: هي أبْيَن (2) لا يأتيها المطرُ إنما يُساقُ إليها الماءُ، وقد مَرَرْتُ بها بليل.
قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تَيْمِيَّةَ يقول: هي أرض مصر، وهي أرض إِبْلِيز (3) لا ينفعُها المطر، فلو أُمْطرَتْ مطرَ العادة لم ينفعها
__________
(1) انظر “معالم التنزيل”: (3/ 475)، وجاء نحوه عن ابن المبارك كما فى “زاد المسير”: (3/ 414).
(2) أرضٌ باليمن، انظر “تفسير الطبري”: (10/ 252)، و”معجم البلدان”: (1/ 86).
(3) الإبليز: الطين الذي يخلفه نهر النيل بعد ذهابه. “المعجم الوسيط”.
(3/1022)
ولم يَرْوِها، ولو دام عليها المطرُ لهدم البيوتَ وقطع المعايشَ فأمطر اللهُ تعالى بلادَ الحبشة والنُّوبة ثم ساق الماءَ إليها (1) وعندي: أن الآيةَ عامةٌ في الماء الذي يسوقه اللهُ على متون الرياح في السحاب، وفي الماء الذي يسوقُهُ على وجه الأرض، فمن قال: هي أبْيَن أو مصر، إنما أراد التمثيلَ لا التخصيص.
{فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] قال: أهل المدينة، {قِنْوَانٌ} [الأنعام: 99]: نضيج. قلت: أهلُ المدينة أول من وُكِّلَ بها، ولمَنْ بعدَهم من الوَكالة بحسب قيامِهِ بها علمًا وعملًا ودعوة إلى الله تعالى (2).
قال: بُعِث شعيب إلى مدينتين، قال: عُذِّبوا {يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] قال: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)} [الأعراف: 78].
قال: يُقْرأ {صُوَاعَ الْمَلِكِ} وصَاع (3)، و”صُواع” أصوب، قال: وكان من ذهبٍ.
{هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)} [طه: 30 – 31] قال: أَشْرِكه معي يا ربِّ قال: افعل بنا هذا، قال: هذا دعاء. قال: ومَن قَرَأ: “أَشْدُدْ به أزْرِي” (4) قال: قال موسى: أنا أُشْرِكُه في أمري، قال: كِلا الوجهين حسن.
__________
(1) انظر “مجموع الفتاوى”: (6/ 558)، و”منهاج السنة”: (5/ 444).
وانظر: “زاد المعاد”: (4/ 393)، و”تفسير ابن كثير”: (76/ 2776).
(2) انظر: “مدارج السالكين”: (2/ 131)، (3/ 502)، و”مفتاح دار السعادة”: (1/ 491 – 492).
(3) وهي قراءة أبي هريرة، وانظر ماله من القراءات في “الجامع لأحكام القرآن”: (9/ 150 – 151).
(4) وهي قراءة ابن عامر وحده. “المبسوط”: (ص/ 247).
(3/1023)
{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)} [طه: 7] قال: السِّرُّ ما كان في القلب يُسِرُّهُ وأخفى: الذي لم يكنْ بَعْدُ، يعلمُهُ هو.
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر: 19] قال: هو الرجلُ يكون في القوم فتمرُّ به المرأةُ فيلحظُها بصره، وقد سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن نظرة الفجأة فقال: “اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْها” (1).
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] قال: كان ابن مسعود يقرأ: “حيثُ ما وُجِدَ لا يأتِ بخير” قال: أحسن هذا الحرف، وقرأه هو.
{أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)} [الإسراء: 6] قال: رجالًا.
{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف: 1 – 2] قال: إنما هو: قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
وقال: ليس أحدٌ من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف، قال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف: 101] الآية.
{أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19]: أحَلُّ.
{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 99] قال: عيسى والعُزَيْر.
قلت: هذا تفسيرٌ يحتاجُ إلى تفسير، فإن كان أحمدُ قالَ هذا، فلعله أراد الشياطين الذين عَبَدَهُم اليهودُ والنصارى، وزعموا أنهما عيسى والعُزَيْر.
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2159) من حديث جرير البجلي -رضي الله عنه-.
(3/1024)
وقال: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] قلت: هو هارون أخو موسى؟ قال: نعم، كان المشركون قد اختصموا على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: بين موسى وعيسى كذا وكذا، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “قَدْ كَانَ هَذَا يُدْعَى بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ” (1).
قال أبو عبد الله: استعمَلَ عمرُ رضي الله عنه رجلًا فأبى أن يدخلَ له في عملٍ، فقال: -يعني عمر-: يوسُفُ قد سأل العملَ فاستُعْمِلَ على خزائن الأرض.
وقال: في المائدة ثمان عشرة فريضة: حلال وحرام يعمل بها، وليس فيها شيء لا يعمل به إلا آية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2] قال: هذه منسوخة.
وقال: آخر شيءٍ نزل من القرآن المائدةُ، وأوَّلُ شيء نزلَ من القرآن {اقْرَأْ} (2).
{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة: 1] قال: كان ابن عباس يأخذ بذنب الجَنينِ ويقول: هذا من بهيمةِ الأنعام (3).
وقد روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ” (4) قال:
__________
(1) كذا بالأصول، ولم أجده بهذا السياق، والذي في “صحيح مسلم” رقم (2135) من حديث المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجرانَ سألوني فقالوا: إنكم تقرءون: “يا أخت هارون” وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سألته عن ذلك، فقال: “إنهم كانوا يُسمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم”.
ووقع في المطبوعات: “هذا بدعًا … “! ولا معنى له.
(2) انظر: “طبقات الحنابلة”: (1/ 141).
(3) من قوله: “قال: كان … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(4) أخرجه أبو داود رقم (2827)، وابن حبان “الإحسان”: (13/ 207) من حديث =
(3/1025)
وأما أبو حنيفة فقال: لا يُؤكلُ، تُذْبحُ نفسٌ وتُؤكَلُ نفسٌ!!.
{فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التوبة: 40] قال: على أبي بكر، وكان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – قد أنزلتْ عليه السكينةُ.
قلت: وكان شيخُنا أبو العباس ابن تيميَّة يذهبُ إلى خلاف هذا ويقولُ: الضميرُ عائد إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أصلًا، وإلى صاحبه تَبَعًا له، فهو الذي أُنزلتْ عليه السكينةُ، وهو الذي أيده: الله بالجنود، وسرى ذلك إلى صاحبِهِ، انتهى (1).
وقال (2): أربعُ سور أنزلت بالمدينة: البقرةُ وآل عمران والنساء والمائدة. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} قال: بالمدينة، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} قال: بمكة.
قلت: لم يُرِدْ أحمد التخصيص، ولا خلاف بين الأمة في أن الأنفال وبراءة والنور والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقين نزلنَ بالمدينة في سور أُخَرَ.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالمدينة؛ صحيح، و {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} بمكة؛ فمنه ما هو بالمدينة ومنه ما هو بمكة، فالبقرة مدنية وفيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}.
{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة: 97] قال: كان ابن عباس يقول: لو ترك الناسُ الحَجَّ سنةً واحدة (3) ماتُوا طُرًّا.
__________
= أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وله شواهد من حديث جماعه من الصحابة، انظر “الإرواء” رقم (2539).
(1) انظر قوله هذا مفصَّلًا في “منهاج السنة”: (8/ 489 – 491).
(2) بعدها في (ظ) زيادة: “ما نزل بمكة والمدينة من القرآن”.
(3) من (ق).
(3/1026)
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] قال: على الأصنام، قال وكل شيء ذُبِحَ على الأصنام لا يؤكل، {تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} قال: كِعَاب (1) فارس يقال لها: النرد وأشباه ذلك.
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج: 25] قال: لو أنّ رجلًا بـ “عَدَنِ أبين” همّ بقتل رجل وهو في الحرم هذا قول الله: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)} [الحج: 25]، هكذا قال ابن مسعود.
قال: وقد خرج جابر من المدينة إلى مكة (2) مجاورًا.
{أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] قال: والعشر ليال أو أيام، ثم قال: لو كانت لياليَ كان يكونُ نقصان يوم؛ لكنها أيام وليال عشرة.
قال: وأهل مصر يقولون: الشام باديتهم، قال يوسف: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100] {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} [يوسف: 92]: لا تعيير. {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي} [يوسف: 93]: قال: شَمَّ ريحَهُ من مسيرة سبعة أيام، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18]: لا جزع فيه.
قلت: وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيميَّة -مرارًا- يقول: ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ الجميلَ، والصَّفْحَ الجميلَ، والهَجْرَ الجميلَ. فالصبرُ الجميل الذي لا شكوى معه، والهجر الجميلُ الذي لا أذى معه، والصفحُ الجميلُ الذي لا عِتَابَ معه. انتهى (3).
__________
(1) الكِعَاب: فصوص النرد.
(2) (ق): “من مكة إلى المدينة”.
(3) انظر “مجموع الفتاوى” (10/ 183 – 184، 666 وما بعدها). والعبارة في (ق) ترتيب آخر وفيها اضطراب.
(3/1027)
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] قال: قد قال قوم: حكيم من أهلها. وقال قوم: القميص الشاهدُ، وقال قوم: الصبرُ.
{خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)} [البلد: 4] قال: مُنْتصِبًا. قلت: وكأنَّ (1) القولَ الآخر أَظْهرُ، وهو: في مشقة وعناء يكابد أمرَ الدنيا والآخرة، قال الحسن: ما أجِدُ من خَلْق الله يكابِدُ ما يُكابِدُهُ ابنُ آدم.
{مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك: 30] قال: لا تنَالُهُ الرِّشَاءُ، {بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} قال: على وجه الأرض.
قلت: يحتملُ تفسير أحمد أمرين؛ أحدهما: أن يكون “معينًا” (2) فَعِيلًا من أمْعَنَ في الأرض إذا ذهب فيها، ويحتمل أن يكون مفعُولًا من العين أي: مرئيًا بالعين وأصله مَعْيون، ثم أُعِلَّ إعلالَ مَبِيع وبابه.
وقال: قرأ زيد بن ثابت (3): “وانْظُرْ إلى العِظَامِ كيفَ نُنْشِرُها” [البقرة: 259] وهو أشبه: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22)}.
{وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} [الفتح: 9] قال: يُعَزِّرُوه: النبي – صلى الله عليه وسلم -، ويسبحوه: الله تعالى.
{عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47]: على نُقْصانٍ.
{وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)} [يوسف: 49]. قال: يحلبون.
{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)} [الطور: 6]: جهنم.
__________
(1) (ق): “وقال …. “.
(2) (ق) زيادة: “في نفسه”.
(3) وهي قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عَمْرو ويعقوب. انظر: “المبسوط”: (ص/ 134).
(3/1028)
قلت: لم يُرِدْ أحمد أن المراد بالآية جهنم، وإنما أراد (1) أنه يكون جهنم أو موضعها والله أعلم.
{الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)} [الانفطار: 3]: فاضت.
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)} [الماعون: 4 – 5]، قال: كانوا يؤخِّرونها حتى يخرج الوقتُ.
{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]: هو العَبِيط، ولا يكادُ أن يكونَ في اللحم الصُّفْرة فيغسل (2).
{فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: 6]: البحرُ وحوتٌ في حوت، {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنبياء: 87].
قلت: هذا تفسير {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ}. وذِكْر {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} وهْمٌ؛ فإن تلك الظلمات هي التي يخلقُ فيها الجَنينُ، لا مدخل لظلمة البحر ولا لظلمة الحُوت فيها، بل ظُلمة الرَّحِم وظلمة المَشِيمةِ وظلمة البطن، والله أعلم.
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} [المؤمنون: 7] قال: الزنا.
{لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [الحج: 33] قال: اشترى ابنُ المنكدر بجميع ما كان معه بَدَنَةً وتأوَّلَ هذه الآية.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ … } إلى: { .. عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)} [الحج: 52 – 55] قال: هذه نزلت بمكة والباقي بالمدينة.
__________
(1) (ع): “المراد”.
(2) انظر “تفسير ابن جرير”: (5/ 340).
(3/1029)
{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون 14] قال: نفخ فيه الرُّوح.
قال: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] قال: هو أن ينظرَ قبلَ أن يرجعَ طرْفُهُ إليه. قال: وإنما كان قد عَلم الاسم الذي يُستجاب فدعا به.
{سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)} [ق: 21] قال: يسوقُ إلى أمر الله، والشهيد: يشهد عليه بما عمل.
{الْمَاعُونَ (7)} [الماعون: 7]: الفأس والقِدْر وأشباه ذلك.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ (1) وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [الأحزاب: 7] قال: قدَّمه على نوح، قال: هذه حُجَّةٌ على القَدَرية.
قلت: لعلَّ أحمد أراد القدريَّة المنكرة للعلم بالأشياء قبلَ كونها، وهم غُلاتُهم الذين كفَّرَهم السَّلَفُ، وإلا فلا تَعَرُّض فيها لمسألة خلق الأعمال.
{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ … } إلى قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] قال: هذه لها نصف الصَّدَاق، وإن مُتِّعَت فحَسَن، وإن لم تُمتَّعْ فحسن (2)، قال ابن عباس: تُمتع بخادم ونحو ذا ابن عُمر: تمتع بدرعٍ وإزار، ونحو هذا {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] الآية، قال: هذه ليس عليها عِدَّةٌ، وقال سعيد بن جُبير: لكلِّ مطلقةٍ
__________
(1) صدر الآية في (ق): “وإذا أخذ الله ميثاق النبيين”، وهي آية أخرى.
(2) “وإن لم تمتع فحسن”: سقطت من (ع).
(3/1030)
متاعٌ، ابنُ المسيب: ليس لها متاعٌ، قال أبو عبد الله: من مَتَّع فحسن، ومن لم يمتِّع فحسن.
{الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} هو: الزوج، وقد قال قوم: هو الولي، فإذا عفا الرجلُ أعطاها المهرَ كاملًا {أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] قال: تكونُ المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت.
قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأبُ، وهو مذهب مالك، واختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية (1)، وقد ذكرتُ على رُجحانه بضعةَ عشر دليلًا في موضع آخر (2).
{الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5] قال: جمعت، وقال قوم: ماتت.
قال من قرأ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] قال: موسى وهارون، ومن قرأ: “سِحْرَان” قال: هذان كتابانِ واحد بعد واحد.
قلت: هكذا رأيته، وهو وهْم! وإنما هذا تفسير الآية التي في القصص: “أوَ لَمْ يَكْفروا بما أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا: سَاحِرَانِ تَظَاهَرا” أراد: موسى ومحمدًا – صلى الله عليه وسلم -، {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)} [القصص: 48]. وقرأ الكوفيون: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أرادوا: التوراة والقرآن، وأما آية (طه) فليس فيها إلا قراءةٌ واحدةٌ، ومعنًى واحد {لَسَاحِرَانِ} يريدون: موسى وهارون، فاشتبهت الآيتان على الناقل أو السامع.
{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16)} [المعارج: 16]: تأكل لحم الساقين.
قلت: في الآية تفسيران مشهوران: أحدهما: أن الشَّوَى: الأطراف
__________
(1) انظر: “مجموع الفتاوى”: (32/ 359 – 360)، و”الاختيارات”: (ص/ 238).
(2) ستأتي إشارة المصنف إلى هذا البحث فيما سيأتي من هذا الكتاب: (3/ 1112) ولم أجد هذا البحث في كتبه المطبوعة.
(3/1031)
التي ليست مقاتِلَ كاليَدين والرجلين تنزعُها عن أماكنها، ومنه قولهم: “رَمَى الصَّيْدَ فأشواهُ”: إذا أصاب أطرافَهُ دونَ مقاتِلِهِ، فإن أصاب مقتلَهُ فماتَ موضِعَهُ، قيل: “رَمَاهُ فأصماهُ” فإن حمل السَّهمَ. وفرَّ به ثم مات في موضع آخر، قيل: رماه فأنْمَاهُ، قال الشاعر (1):
فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ … مالَهُ لا عُدَّ من نَفَرِهْ
والتفسير الثاني: أن الشَّوَى: جمعُ شَوَاة، وهي جلدَة الرأس وفَرْوَتُهُ، وتفسير أحمد لا يناقضُ هذا، فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلًا، والله أعلم.
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ} [النجم: 17]: لم ينصرف يمينًا ولا شمالًا، {وَمَا طَغَى (17)}: لم ينظرْ إلى فوق.
وقال: من قرأ “سَالَ سَائِلٌ” قال: سَالَ وادٍ، ومن قرأ {سَأَلَ} [المعارج: 1] قال: دعا.
قلت: هذا أحد القولين. والثاني: أن ذا الألف (2) من السؤال أيضًا، لكنه قلبت الهمزة فيه ألفًا.
{نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} [المزمل: 6] قال: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، والناشئةُ لا تكونُ إلا من بعد رَقْدة، ومن لم يرقُدْ لا يقال (3) لها ناشئة.
{هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} [المزمل: 6] قال: هي أشدُّ تبينًا تَفْهم ما يقرأ وتَعي أذنك.
{وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] قال كان ابن مسعود لا يسجد فيها،
__________
(1) البيت لامرئ القيس “ديوانه”: (ص/ 125).
(2) (ق) زيادة: “واللام”.
(3) (ع): “ومن يرقد لم يقال”!.
(3/1032)
يقول: هى توبة نبي.
{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] قال: قوَّينا. [{مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}] قال: هي أنطاكية، {وَجَاءَ}: الثالث. وقد اجتمع الناس على الاثنين، فقال: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} [يس: 20 – 1].
قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: ودِدْتُ أنى قرأتُ قراءة أهلِ المدينة.
قال: وقال ابن عيينة: قال لي ابن جُرَيْج: اقرأ عليَّ حتى أفسِّرَ لك، قال: وكان ابن جريج قد كتبَ التفسير عن ابن عباس وعن مجاهد.
وقال: رحم الله سفيان ما كان أفقَهَهُ في القرآن وكان له علمٌ.
وقال: في (النجم): في آخرها يسجدُ ثم يقوم فيقرأ، هذا في الإمام.
وقال: النفاقُ لم يكن في المهاجرين.
وقال: في القرآن اثنان وثمانون موضعًا الصبرُ محمودٌ، وموضعانِ مذمومٌ، قال: المذموم {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] {امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] أو قال: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] المرُّوْذيُّ شَكَّ.
{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37] قال: بُلِيَ بالذبح، ذَبْحِ ابنه فَوَفَّى، وبُلِيَ بحرق النار فوَفَّى، وذكر الثالثة فوفَّى فلم أحفظه (1).
قلت لأبي عبد الله: أيْشٍ تفسير: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم.
__________
(1) من قوله: “المرُّوْذي شك … ” إلى هنا سقط من (ق).
(3/1033)
قال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]: في الصلاة والخطبة.
{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال: هو في التفسير بكتابها.
قلت لأبي عبد الله: في القرآن المحراب {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} [آل عمران: 37] هو محرابٌ مثل محاريبنا هذه؟ قال: لا أدري أيَّ محرابٍ هو. وفي بعض التفسير ذكر محراب داود.
وسئل عن قوله تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155] قال: أوعية، قلت: هذا أحد القولين، والقول الثاني -وهو أرجَحُ-: غُلْفٌ، أي: في غِشَاوَة، لا نفقه (1) عنك ما تقول، نظيره قوله (2): {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يضعِّفُ قولَ من قال: “أوعيةٌ” جدًّا، وقال: إنما هي جَمْع أَغْلَفَ، ويقال للقلب الذي في الغِشَاء: أغْلَفُ، وجمعه: غُلْفٌ، كما يقال للرجل غيرِ المختون: أقلفُ، وجمعه قُلْفٌ (3).
وسئل عن صيام {ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] قال: كملت للهَدْي {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، فأما أهل مكة فليس عليهم هَدْيٌ ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة.
آخر ما وُجِد من خطِّ القاضي -رحمه الله تعالى-.
__________
(1) (ع): “يُفقه”.
(2) “نظيره قوله” سقطت من (ع)، وفي (ق) سقط “قوله”.
(3) انظر: “مجموع الفتاوى”: (7/ 26) و (16/ 13)، وانظر: “مفتاح دار السعادة”: (1/ 341 – 344)، و”شفاء العليل”: (ص / 197 وما بعدها).
(3/1034)
فوائد شتى من كلام ابن عقيل وفتاويه
* سئل عمن قال: “إنْ بَرِئَ مَرِيضي أو قَدِم غائبي صُمْتُ”، هل يكفي كونه نذرًا أو يفتقرُ إلى أن يقول: لله عَلَيَّ؟
فأجاب: يكفي نذرًا؛ لأنه ذكره على وجه المجازاة، لأن الله تعالى هو يُبْرِئُ المرضَى فاستغنى بدِلالة الحال.
* وسُئِل عن رجل طعنَ بعضَ الناس، فظنه لصًّا في لصوص هربوا؟
فأجاب: عليه القَوَدُ؛ لأنه لو كان لصًّا فهرب لم يَجُزْ طعنُه، ووجب القَوَدُ، فكيف إذا لم يكنْ؟!
* وسئل: “لو قال منجِّم: “إن الشمس تكسف تحت الأرض في وقت كذا” هل تُصَلَّى صلاة الكسوف (1)؟
فأجاب: لا؛ لأن خبرَهم لا يؤخذُ به كما لو قال: الهلال تحت الغيم.
فإن قيل: فإذا قالوا: قد زالتِ الشمسُ، قلنا: ذاك موقوفٌ على تقدير، ولهذا نُقدِّرُه بالصَّنائع. انتهى كلامُه. ولا حاجةَ إلى هذا، فإن الشمس لو كَسَفَتْ ظاهرًا، ثم غابت كاسفةً، لم يُصَلَّ للكسوف بعد غَيْبتها، فكيف يُصَلَّى لها إذا لم يُعَايَنْ كسوفُها ألبتَّةَ.
* وذُكِرَ له حاكم طعن (2) عليه بأنه يحكُمُ بالفِراسة، وأنه ضرب
__________
(1) هذا السؤال سقط من (ق) وأشار إلى وجود السقط أحد المطالعين في هامش النسخة.
(2) يمكن أن تقرأ: “ظفر”، وانظر للمسألة ما سيأتي (3/ 1087).
(3/1035)
بالجريد في إقرار بمال وأخذه منه، فقال ابنُ عقيل: ليس ذلك فراسةً بل حُكْمٌ بالأَمَاراتِ، وإذا تأمَّلْتُمُ الشرعَ وجدتموه يجوِّزُ التعويلَ على ذلك، وقد ذهب مالك بن أنس إلى التَّوَصُّل إلى الإقرار بما يراهُ الحاكم، وذلك يستندُ إلى قوله: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف: 26] ومتى حكمنا بعقد الأَزَج (1)، وكثرة الخُشُب، ومعاقد القَمُط في الخُصِّ (2)، وما يصلحُ للمرأة والرجل يعني في الدَّعاوى، والدَّبَّاغ والعَطَّار إذا تخاصما (3) في جِلْدٍ، والقيافة، والنظر في الخُنْثى، والنَّظر في أمَارات القِبلة، وهل اللَّوْثُ في القسامة إلَّا نحو هذا؟!. انتهى.
قلت: الحاكم إذا لم يكنْ فقيهَ النفسِ في الأَمارات ودلائل الحال، كفقهه في كُلِّيَّات الأحكام؛ ضيَّعَ الحقوقَ، فهاهنا فقهان لابُدَّ للحاكم منهما: فقهٌ في أحكام الحوادث الكلِّيَّة، وفقه في الواقع (4) وأحوال الناس، يميِّزُ به بين الصادق والكاذب والمُحِقِّ والمُبْطِل، ثم يُطَبِّقُ بين هذا وهذا بين الواقع والواجب، فيعطي الواقع حُكْمَهُ من الواجب.
ومن له ذَوْق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدْلِها، وسَعَتِها ومصلحتها، وأن الخَلْقَ لا صلاحَ لهم بدونِها ألبتَّةَ، عَلِمَ أن السياسة العادلة جزءٌ من أجزائها وفرعٌ من فروعها، وأن من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضَعَها مَوَاضِعَها؛ لم يحتجْ معها إلى سياسةٍ غيرِها
__________
(1) بيت يُبنى طولًا. انظر “اللسان”: (2/ 208).
(2) القمط: ما تُشد به الأخصاص، والخُصُّ: البيت الذي يُعمل من القَصَب. وقُمُطه: شُرُطه التي يوثَّق بها ويُشد بها. انظر: “اللسان”: (7/ 385).
(3) (ظ): “تحاكما”.
(4) (ق): “الوقائع”.
(3/1036)
ألبتَّةَ، فإنَّ السياسةَ نوعانِ: سياسةٌ ظالمةٌ، فالشريعةُ تحرِّمُها، وسياسةٌ عادلةٌ تُخرِجُ الحقَّ من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة عَلِمَها من عَلِمَها، وخَفِيتْ على من خَفِيتْ عنه.
ولا تْنسَ في هذا الموضع قولَ سليمانَ نبيِّ الله – صلى الله عليه وسلم – للمرأتين اللتين ادَّعتا الوَلَدَ فحكم به داودُ للكبرى، فقال سليمانُ: “ايتونِي بالسِّكّينِ أشُقَّهَ بينهما، فقالت الصُّغرى: لا تَفعلْ هو ابْنُها، فقَضَى به للصُّغْرَى” (1)، لِمَا دلَّ عليه امتناعها من رحمة الأم، ودلَّ رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسِّي بمساواتها في فقد الولد.
وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف: 26] {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 27] فذكر الله تعالى ذلك مقرِّرًا له غيرَ منكر على قائله، بل رتَّبَ عليه العلمَ ببراءة يوسف -عليه السلام- وكذِب المرأة عليه.
وقد أمر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الزُّبَيْر أن يُقَرِّرَ ابني أبي الحُقَيق بالتَّعذيب على إخراج الكنز، فعذَّبهما حتى أقرَّا به (2).
ومن ذلك قول عليٍّ للظَّعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرَتْهُ، فعال لها: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أو لَنُجَرِّدَنَّكِ (3).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3427)، ومسلم رقم (1720) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه أبو داود رقم (3006) مختصرًا، والبيهقي: (9/ 137) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما-.
(3) أخرجه البخاري رقم (3007)، ومسلم رقم (2494) من حديث علي -رضي الله عنه-.
(3/1037)
وهل تقتضي محاسنُ هذه الشَّريعة الكاملة إلَّا هذا؟! وهل يَشُكُّ أحدٌ في أن كثيرًا من القرائن تُفيدُ علمًا أقوى من الظَّنِّ المستفاد من الشَّاهدين بمراتبَ عديدة؛ فالعلمُ المستفادُ من مشاهدة الرجل مكشوفَ الرأس وآخَرَ هارب قدَّامَه، وبيده عِمَامَهٌ، وعلى رأسه عِمَامَةٌ، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوفِ رأسُهُ كالضَّروريّ، فكيف تقدّم عليه (1) اليَدُ التي إنما تُفيدُ ظنًّا ما عند عدم المعارضة؟! وأما مع هذه المعارضة فلا تُفيدُ شيئًا سوى العلم بأنها يدٌ عادِيَهٌ، فلا يجوزُ الحكم بها ألبتة، ولم تأتِ الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها ألبتَّةَ.
وقد أمر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الملتقِطَ أن يدفعَ اللُّقَطَةَ إلى واصِفِها (2)، وقد نصَّ أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأْجِر في الدَّفين في الدار، وهذه من محاسنِ مذهبه، ونصَّ على البلدَ يُفْتَحُ فيوجد فيه أبواب مكتوبٌ عليها بالكتابة القديمة أنها وقفٌ، أنه يحكم بذلك لقوَّة هذه القرينة، وهل الحكم بالقَافَة إلا حكم بقرينة الشَّبَه، وكذلك اللَّوْث في القَسَامة، حتى إنَّ مالكًا وأحمد في إحدى الروايتين يقيِّدانِ بها وهو الصَّوَابُ الذي لا رَيْبَ فيه، وكذلك الحكم بالنُّكول إنما هو مستنِدٌ إلى قوة القرينة الدَّالَّة على أن النَّاكل غيرُ محقٍّ.
وبالجملة؛ فالبَيِّنَةُ: اسمٌ لكل ما يُبَيِّنُ الحق، ومن خصَّها بالشاهدين فلم يُوَفِّ مُسمَّاها حقَّهُ، ولم تأتِ البينةُ في القرآن قطُّ مرادًا بها الشاهدان،
__________
(1) (ع): “على”.
(2) أخرجه البخاري رقم (91)، ومسلم رقم (1722) من حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-.
(3/1038)
وإنما أتت مرادًا بها الحُجَّةُ والدليلُ والبرهانُ مفردةً ومجموعةً.
وكذلك قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “البَيِّنَةُ على المُدَّعِي” (1) المراد به: بيانُ ما يصحِّحُ دعواه، والشاهدانِ من البَيِّنَة، ولا ريبَ أن غيرَهما من أنواع البيِّنة قد تكون أقوى منهما، كدِلالة الحال على صِدْق المدَّعِي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهدِ.
والبَيِّنَةُ والحُجَّةُ والدلالةُ والبرهانُ والآيةُ والتَّبْصِرةُ، كالمترادفة لتقارب معانيها.
والمقصود أن الشرعَ لم يُلْغِ القرائنَ ولا دلالات الحال، بل من استقرأَ مصادرَ الشرع ومواردَه وجدَه شاهدًا لها بالاعتبار مرتِّبًا عليها الأحكام.
وقولُ ابنِ عقيل: “ليس هذا فراسةً” يقال: ولا ضَيْر في تسميته فراسةً، فإنها فراسةٌ صادقةٌ، وقد مدح الله الفِراسةَ وأهلَها في مواضعَ من كتابه فقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)} [الحجر: 75] وهم المُتَفَرِّسون، الذين يأخذون بالسِّيما، وهي العلامة. ويقال: تَوَسَّمْتُ فيك كذا، أي: تَفَرَّستُهُ، كأنك أخذتَ من السِّيما، وهي فِعْلًا من السِّمَة، وهي العلامةُ. وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ (2) فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30]، وقال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] وفي الترمذي مرفوعًا: “اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله”، ثم قرأ: {إِنَّ فِي
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2514)، ومسلم رقم (1711) من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما-.
(2) من قوله: “من السيما … ” إلى هنا سقط من (ع).
(3/1039)
ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)} (1) [الحجر: 75] والله أعلم.
* * *
ذِكْر مناظرةٍ بين فقيهين في طهارة المنيِّ ونجاستِهِ (2)
قال مدِّعي الطَّهارة: المَنِيُّ مبدأُ خلقِ بشرٍ فكان طاهرًا كالتُّرَاب.
قال الآخر: ما أبعدَ ما اعتَبَرْتَ، فالتُّرَاب وُضِعَ طَهورًا ومساعدًا (3) لطهور في الوُلوغ، ويرفعُ حكمَ الحَدَثِ على رأي، والحَدَث نفسه على رأي، فأين ما يُتَطَهَّرُ به إلى ما يُتَطَهَّرُ منه، على أن الاستحالات تعملُ عملَها فأين الثَّواني من المبادئ؟ وهل الخمرُ إلا ابنةُ العنب؟ والمِنِيُّ إلا المُتَوَلِّدُ من الأغذية في المَعِدة ذات الإحالة لها. إلى النَّجاسة ثم لى الدَّم ثم إلى المَنِيّ؟
قال المُطَهِّرُ: ما ذكرتَهُ في التراب صحيح، وكونُ المني يُتَطَّهرُ منه لا يدلُّ على نجاسته، فالجماعُ الخالي من الإنزال يُتَطَّهرُ منه، ولو كان التَّطَهُّرُ منه لنجاسته لاختصَّتِ الطهارةُ بأعضاء الوضوء كالبول والدَّم، وأما كون التَّراب طَهورًا دون المَنِيِّ فلعدم تصوُّر التطهير (4) بالمَنِيِّ، وكذلك مساعدته في الولوغ، فما أبعدَ ما اعتبرتَ من الفرْق وأغثَّهُ!!.
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (3127)، والبخاري في “التاريخ”: (7/ 454)، العُقيلي: (4/ 129)، وأبو نعيم في “الحلية”: (10/ 281) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وسنده ضعيف.
وجاء من رواية جماعة من الصحابة، وفي أسانيدها ضعف.
(2) (ق): “ذكر مناظرة جرت بين مدعي طهارة المنيّ ونجاسته”.
(3) (ق): “للطهور وساعد”.
(4) (ع وظ): “التطهر”.
(3/1040)
وأما دعواكَ أن الاستحالة تعملُ عملَها فنعم، وهي تقلبُ الطيبَ إلى الخبيث، كالأغذية إلى البول والعَذِرَة والدَّم، والخبيث إلى الطيب، كدم الطمث ينقلب لَبَنًا، وكذلك خروج اللَّبن من بين الفَرْث والدَّم، فالاستحالة من أكبر حُجَّتنا عليك؛ لأن المَنِيَّ دم قصرته الشهوة وأحالته الحرارة من طبيعة الدَّم ولونه إلى طبيعة المَنِيِّ، وهل هذا إلا دليلٌ على مفارقته للأعيانِ (1) النَّجِسَةِ وانقلابِه عنها إلى عينٍ أخرى، فلو أَعطيتَ الاستحالةَ حقَّها لحكمتَ بطهارته.
قال مُدَّعي النَّجاسة: المَذْي مبدأُ المَنِيِّ، وقد دلَّ الشرعُ على نجاسته حيث أمر بغسل الذَّكَر وما أصابه منه، وإذا كان مبدؤه نجسًا فكيف بنهايته؟! ومعلوم أن المبدأ موجودٌ في الحقيقة بالفعل.
قال المطَهِّر: هذه دعوى لا دليلَ عليها، ومن أين لك أن المَذْي مبدأ المَنِيِّ، وهما حقيقتان مختلفتانِ في الماهِيَّة والصِّفات والعوارض والرَّائحة والطبيعة، فدعواك أن المَذْي مبدأُ المَنِيِّ، وأنه مَنِيٌّ لم يَسْتَحْكمْ طبخُه، دعوى مجردة عن دليلٍ نقليٍّ وعقليٍّ وحِسِّي فلا تكون مقبولة، ثم لو سلَّمتُ لك لم يُفِدْك شيئًا ألبتَّةَ، فإنَّ للمبادئ أحكامًا تخالفُها أحكامُ الثواني، فهذا الدَّمُ مبدأُ اللبن، وحكمهما مختلفٌ، بل هذا المَنِيِّ نفسُه مبدأ الآدمي والآدميُّ طاهر العين، ومبدؤه عندك نَجِسُ العين، فهذا من أظهر ما يُفْسِدُ دليلَكَ ويوضح تناقُضَك، وهذا مَما لا حيلةَ في دفعه، فإن المَنِيَّ لو كان نجِسَ العين لم يكن الآدميُّ طاهرًا؛ لأن النجاسةَ عندَك لا تَطْهُرُ بالاستحالة، فلابُدَّ من نقض أحد أصليك، فإما أن تقولَ بطهارة المَنِيِّ، أو تقولَ:
__________
(1) (ق): “مفارقة الأعيان”، و (ظ): “مقارنته”!.
(3/1041)
النجاسةُ تطهرُ بالاستحالة، وأمَّا أن تقول: المَنِيُّ نجس، والنجاسةُ لا تطهر بالاستحالة ثم تقول مع ذلك بطهارة الآدمِيِّ، فتناقُضٌ مالَنا إلا النكيرُ له!!.
قال المُنَجِّسُ: لا ريبَ أن المَنِيَّ فضلةٌ مستحيلةٌ عن الغذاء، يخرجُ من مخرج البول، فكانت نجِسة كهو، ولا يَرِد عَلَيَّ البصاق والمخاط والدمع والعَرَق؛ لأَنها لا تخرجُ من مخرج البول.
قال المطهِّرُ: حكمُك بالنَّجاسة إما أن يكونَ للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين، فالأول باطلٌ إذ مجرَّدُ استحالة الفَضْلة عن الغذاء لا يوجبُ الحكمَ بنجاستها، كالدمع والمُخَاط والبُصَاق، وإن كان لخروجه من مخرج البول؛ فهذا إنما يفيدُك أنه متنجِّسٌ لنجاسة مجراه، لا أنه نَجِسُ العين، كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسدٌ، فإن المجرى والمقرّ الباطن لا يحكمُ عليه بالنجاسة، وإنما يحكمُ بالنَّجَاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخُبثِه وعينِه لا لمجراهُ ومقرِّهِ، وقد عُلِم بهذا بطلانُ الاستناد إلى مجموع الأمرين.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّا رأينا الفَضَلات المستحيلة عن الغذاء تنقسمُ إلى طاهر؛ كالبُصاق والعَرَق والمُخاط، ونجس كالبول والغائط، فدلَّ على أن جهة الاستحالة غيرُ مقتضيةٍ للنجاسة، ورأينا أن النَّجاسة دارتْ مع الخبث وجودًا وعدمًا، فالبولُ والغائط (1) ذاتان خبيثتان مُنْتنتانِ مؤذيتانِ، مُتَمَيِّزَتانِ عن سائر فضلات الآدمي بزيادة الخَبَث والنَّتْن والاستقذار، تنفرُ منهما النفوس، وتنأى عنهما وتباعدهما.
__________
(1) من قوله: “فدل على … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1042)
عنها (1) أقصى ما يمكنُ، ولا كذلك هذه الفَضْلة الشريفة التي هي مبدأُ خيار عباد الله وساداتهم، وهي من أشرفِ جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه، ومعها من رُوح الحياة ما تميَّزت به عن سائر الفضلات، فقياسُها على العَذِرة أفسدُ قياس في العالم وأبعدُه عن الصواب!!.
والله تعالى أحكمُ من أن يجعلَ مَحَالَّ وحيِه ورسالاته وقربِه مبادئهم نَجِسة، فهو أكرمُ من ذلك، وأيضًا: فإن الله تعالى أخبرَ عن هذا الماءَ وكرَّر الخبرَ عنه في القرآن، ووصفه مرَّة بعد مرَّة، وأخبر أنه دافق، وأنه {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)}، وأنه استودعه في {قَرَارٍ مَكِينٍ (13)}، ولم يكنِ الله تعالى ليكرِّرَ ذكرَ شيءٍ كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه، ويخبر بحفظه في قرارٍ مكين، ويصفه بأحسن صفاته (2) من الدفق وغيره، ولم يصِفْه بالمهانة إلا لإظهار قُدْرته البالغة أن خَلَقَ من هذا الماء الضعيف هذا البَشَرَ القوِيَّ السَّوِيَّ، فالمهينُ هاهنا: الضعيفُ، ليس هو النَّجِسَ الخبيث.
وأيضًا فلو كان المَنِيُّ نجسًا -وكلُّ نجس خبيث- لما جعله الله مَبْدأَ خَلْقِ الطَّيِّبينَ من عباده والطَّيِّباتِ، ولهذا لا يتكوَّنُ من البول والغائط طيِّبُ، فلقد أبعد النَّجعةَ من جعل أصولَ بني آدم كالبول والغائط في الخُبث والنجاسة، والناسُ إذا سبُّوا الرجل قالوا: “أصلُه خبيث، وهو خبيث الأصل”، فلو كانت أصولُ الناس نَجِسَةً -وكلُّ نجسٍ خبيثٌ- لكان هذا السب بمنزلة أن يقالَ: أصله
__________
(1) (ق): “وتباعد عنهما”.
(2) (ع): “صفته”.
(3/1043)
نطفةٌ أو أصلُه ماءٌ، ونحو ذلك، وإن كانوا إنما يريدون بخُبْث الأصل كون النُّطفة وُضِعتْ في غير حلها فذاك خَبَثٌ على خَبَث، ولم يجعل اللهُ تعالى في أصول خواصِّ عباده شيئًا من الخبث بوجهٍ ما.
قال المنجِّسون: قد أكثرتم علينا من التَّشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القولَ، واعترضتم (1)، وتلك الشَّناعَةُ مشتركةُ الإلزام بينَنا وبينَكم، فإنه كما أن الله تعالى يجعلُ خواصَّ عباده ظروفًا وأوعية للنجاسة كالبول والغائط والدم والمَذْي، ولا يكونُ ذلك عائدًا عليهم بالعيب والذَّمِّ، فكذلك خلقُه لهم من المَنِي النَّجِس وما الفرق؟!.
قال المطهِّرون: لقد تعلَّقتم بما لا متعلَّق لكم به، واستروحتم إلى خيال باطل، فليسوا ظروفًا للنجاسات ألبتَّةَ، وإنما تصيرُ الفضلةُ بولًا وغائطًا إذا فارقت محلَّها، فحينئذ يُحْكم عليها بالنجاسة، وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيِّبٌ غير خبيث، وإنما يصيرُ خبيثًا بعد قذفه وإخراجه، وكذلك الدم إنما هو نجسٌ إذا سُفِح وخرج، فأما إذا كان في بَدَن الحيوان وعروقه فليس بنجس، فالمؤمن لا ينجسُ (2) ولا يكون ظرفًا للخبائث والنجاسات.
قالوا: والذي يقطعُ دابرَ القول بالنَّجاسة: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد علم أن الأُمَّهَ شديدةُ البَلْوى في أبدانهم وثيابهم، وفُرُشهم ولُحفهم، ولم يأمرهم فيه يومًا ما بغسل ما أصابه لا من بَدَن ولا من ثوب ألبتة، ويستحيلُ أن يكونَ كالبول، ولم يتقدَّم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسْلِه، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.
__________
(1) (ق وظ): “وأعرضتم”.
(2) “فالمؤمن لا ينجس” سقطت من (ق).
(3/1044)
قالوا: ونساء النبي – صلى الله عليه وسلم – (1) أعلمُ الأمة بحكم هذه المسألة، وقد ثَبَتَ عن عائشةَ أنها أنكرتْ على رجل أَعَارَتْهُ ملحفةً صفراءً فنام فيها، فاحتلمَ فغَسَلها، فأنكرتْ عليه غَسْلَها، وقالت: إنما كان يَكفِيه أن يفرُكَهُ بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بإصبعي.
ذكره ابنُ أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همَّام، قال: نزل بعائشة ضيف فذكره (2).
وقال أيضًا (3): حدثنا هُشَيم، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لقد رأيتُني أجدُهُ في ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأحتُّه عنه، تعني: المني.
وهذا قول عائشة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهم-.
قال ابن أبي شيبة (4): حدثنا هُشَيم، عن حُصَيْن، عن مُصْعَب بن سعد، عن سعد، أنه كان يفركُ الجَنَابَةَ من ثوبه.
حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن مُصْعَب بن سعد، عن سعد، أنه كان يفركُ الجنابَةَ من ثوبه (5).
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حَبيب، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس في المَنِي، قال: امْسَحْهُ بإذخِرَةً (6).
__________
(1) من قوله: “قد علم أن … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) “المصنف”: (1/ 83).
(3) “المصنف”: (1/ 83)، وأخرجه مسلم رقم (288).
(4) (1/ 83).
(5) (1/ 83). وهذا الأثر سقط من (ع).
(6) (1/ 83).
(3/1045)
حدثنا هُشَيم، أنبأنا حجَّاج وابنُ أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: إنما هو كالنُّخَامة أو النُّخَاعة أَمِطْهُ عنك بخِرقَةٍ أو بإذخِرَة (1).
قالوا: وقد روى الإمام أحمد في “مسنده” (2) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسلُتُ المَنِيَّ من ثوبه بعرق الإذخِر ثم يصلِّي فيه، وتَحُتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يُصلي فيه.
وهذا صريحٌ في طهارته، لا يحتملُ تأويلًا ألبتة.
قالوا وقد روى الدِّارقطني (3) من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا شَريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سُئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن المَنِيِّ يُصيبُ الثوبَ، قال: إنما هو بمنزلة البُصاق والمُخاط، وإنما يكفيكَ أن تمسحَهُ بخِرقة أو بإذْخِرَةٍ (4).
قالوا: وهذا إسناد صحيح، فإن إسحاقَ الأزرقَ حديثُه مخرّجٌ في “الصحيحين”، وكذلك شَرِيك، وإن كان قد عُلِّل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاقُ ثقة محْتَجٌ به في “الصحيحين”، وعندكم تفرُّد الثقة بالزيادة مقبول.
قال المُنَجِّس: صحَّ عن عائشة أنها كانت تغسِلُه من ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (5)، وثبت عن ابن عباس أنه أمر بغسله.
__________
(1) (1/ 83).
(2) (6/ 243).
(3) “السنن”: (1/ 124).
(4) وأخرجه الطبراني في “الكبير”: (11/ 148)، والبيهقي: (2/ 418) عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- مرفوعًا، ثم أخرج البيهقي الرواية الموقوفة ثم قال: “هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعًا ولا يصحّ رفعه” اهـ.
(5) أخرجه البخاري رقم: (229)، ومسلم رقم (289).
(3/1046)
قال أبو بكر ابن أبي شيبة (1): حدثنا أبو الأحوص، عن سِمَاك، عن عِكرمة، عن ابن عباس (2)، قال: إذا أجنبَ الرجلُ في ثوبه فرأى فيه أثرًا فليغسله، وإن لم يَرَ فيه (3) أثرًا فلْيَنْضَحْهُ.
حدثنا عبد الأعلى، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن طَلْحة بن عبد الله ابن عَوْف، عن أبي هريرة أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيتَ أَثَرَهُ فاغسِلْهُ، وإن علمت أن قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككتَ فلم تَدْرِ أصاب الثوبَ أم لا، فانْضَحهُ (4).
حدثنا عَبْدَةُ (5) بن سليمان، عن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن خفي عليه مكانه وعَلِم أنه قد أصابه غسل الثوبَ كلَّه (6).
حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُبَيْد بن الصَّلْت أن عمر ابن الخطاب غسل ما رأى، ونضح ما لم ير، وأعاد بعدما أضحى متمكِّنًا (7).
حدثنا وكيع، عن السَّرِيِّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره، قال: يغسله كلَّه (8).
__________
(1) في “المصنف”: (1/ 81).
(2) من قوله: “أنه أمر … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) هذه وما قبلها في (ع): “به”.
(4) “المصنف”: (1/ 81).
(5) (ع): “عبد الله” وهو خطأ.
(6) (1/ 81).
(7) (1/ 82).
(8) (1/ 82).
(3/1047)
ثنا حفص (1)، عن أشعث، عن الحكم: أن ابن مسعود كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه (2).
حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن بَرْقان، عن خالد بن أبي عزة، قال: سأل رجلٌ عمرَ بن الخطاب فقال: إني احتلمتُ على طِنْفِسَة، فقال: إن كان رطْبًا فاغسلْه، وإن كان يابسًا فاحكُكْهُ، وإن خفي عليك فارشُشْه (3).
قالوا: وقد ثبت تسميةُ المَنِيِّ أذى، كما سُمِّي دم الحيض أذىً، والأذى هو النجس، فقال الطَّحَاوي: حدثنا ربيع الجِيزِي، حدثنا إسحاق بن بكر بن مُضَر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيْج، عن مُعاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أختَه أمَّ حَبيبة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم -: هل كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يصلِّي في الثوب الذي يضاجعُكِ فيه؛ قالت: نعم، إذا لم يُصِبْه أذى (4). وفي هذا دليلٌ من وجه آخرَ وهو تركه الصلاة فيه.
وقد روى محمد، عن عبد الله بن شَقيق، عن عائشة قالت: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يُصَلِّي في لُحُف نسائه (5).
قالوا: وأما ما ذكرتم من الآثار الدَّالَّة على مسحه بإذخِرَةٍ وفركه،
__________
(1) (ع) والمطبوعات: “حدثنا جابر، حدثنا حفص”! ولا أدري من جابر هذا! وحفص هو ابن غياث شيخ أبي بكر بن أبي شيبة، مُكثر عنه.
(2) (1/ 83).
(3) (1/ 84).
(4) “شرح معاني الآثار”: (1/ 50).
(5) أخرجه أبو داود رقم (367)، والترمذي رقم (600)، والطحاوي في “شرح المعاني”: (1/ 50) قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”.
(3/1048)
فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة.
قالوا: وقد رأينا الثياب النَّجسة بالغائط والبول والدَّم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوزُ الصلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المَنِيُّ كذلك.
قالوا: وإنما تكونُ تلك الآثارُ حجَّةً علينا لو كنا نقولُ: لا يصلح (1) النومُ في الثوب النَّجِس، فإذا كنا نبيحُ ذلك ونوافقُ ما رويتم عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك، ونقولُ من بعد لا تصلحُ الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئًا مما رُوِيَ في ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: وإذا كانت الآثارُ قد اختلفتْ في هذا الباب ولم يكن فيها دليلٌ على حكم المَنِيِّ كيف هو، اعتبرنا ذلك من طريق النظر، فوجدنا خروج المَنِيِّ حَدَثًا من أغلظ الأحداث؛ لأنه يوجبُ أكبرَ الطهارات، فأردنا أن ننظر في الأشياءِ التي خروجُها حَدَثٌ كيف حكمُها في نفسها؛ فرأينا الغائطَ والبولَ خروجهما حَدَثٌ، وهما نَجِسان في أنفسهما، وكذلك دمُ الحيض والاستحاضة هما حَدَثٌ، وهما نَجسانِ في أنفسهما، ودم العروق كذلك في النظر، فلما ثبت بما ذكرنا أن كلَّ ما خروجه حَدَثٌ فهو نَجِسٌ في نفسه، وقد ثبت أن خروجَ المَنِيِّ حدثٌ، ثبت أيضًا أنه في نفسه نَجِس، فهذا هو النظر فيه.
قال المُطَهِّرُ: ليس في شيءٍ مما ذكرتَ دليلٌ على نجاسته، أما كون عائشة كانت تغسلُه من ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؛ فلا ريبَ أن الثوب يُغْسلُ من القدر والوسخ والنجاسة، فلا يدلُّ مجرد غسل الثوب منه على نجاسته، فقد كانت تغسلُه تارة، وتمسحُه أخرى، وتفركُه أحيانًا، ففرْكُه ومسْحُه دليلٌ على طهارته، وغسْلُه لا يدلُّ على
__________
(1) في “المطبوعات”: “يصح”.
(3/1049)
النجاسة، فلو أعطيتم الأدِلَّةَ حقَّها لعلمتُم تَوَافُقَها وتَصَادُقَها، لا تناقُضَها واختلافَها.
وأما أمر ابن عباس بغسله؛ فقد ثبت عنه أنه قال: إنما هو بمنزلة المُخاط والبُصاق، فأمِطْه عنك ولو بإذْخِرَةٍ، وأمره بغسله للاستقذار والنَّظافة، ولو قُدِّر أنه للنَّجاسة عندَه، وأن الرواية اختلفت عنه، فتكون مسألة خلاف بين (1) الصحابة، والحجَّةُ تفصلُ بين المُتنازعين، علي أنَّا لا نعلمُ عن صحابيٍّ واحدٍ أنه قال: إنه نَجِسٌ ألبتة، بل غاية ما يروونه عن الصحابة غَسْلَه فعلًا وأمرًا، وهذا لا يستلزمُ النجاسة، ولو أخذتمُ بمجموع: الآثار عنهم لدلَّت على جواز الأمرين: غسله للاستقذار، والاجتزاء بمسحه رَطْبًا وفركِهِ يابسًا كالمُخاط.
وأما قولكم: ثبتَ تسميةُ المَنِيِّ أذى؛ فلم يثبت (2) ذلك، وقول أم حبيبة: “ما لم يَرَ فيه أذَىً”، لا يَدُلُّ على أن مرادَها بالأذى المَنِيُّ، لا بمطابقةٍ ولا تضمُّنٍ ولا التزام، فإنها إنما أخبرت بأنه – صلى الله عليه وسلم – كان يُصَلِّي في الثوب الذي يضاجعُها فيه ما لَمْ يُصِبْه أذى ولم تَزِدْ.
فلو قال قائل (3): المُراد بالأذى دمُ الطمث؛ لكان أسعدَ بتفسيره منكم. وكذلك تركه الصلاة في لُحف نسائه، لا يدلُّ على نجاسة المَنِيِّ ألبتة، فإن لحافَ المرأة قد يصيبهُ من دم حيضِها وهي لا تشعرُ، وقد يكون التَّرْك تَنَزُّهًا عنه، وطلب الصلاة على ما هو أطيبُ منه وأنظفُ، فأين دليلُ التنجيس؟!
__________
(1) (ظ): “عند”.
(2) (ق): “فلو ثبت”!.
(3) من (ع).
(3/1050)
وأما حملُكم الآثارَ الدَّالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دونَ ثياب الطهارة؛ فنُصْرة المذاهب (1) توجبُ مثلَ هذا، فلو أعطيتم الأحاديثَ حَقَّها، وتأمَّلْتُم سياقَها وأسبابَها لجزمْتُمْ بأنَّها إنما سيقتْ لاحتجاج الصحابة بها على الطَّهارة وإنكارهم على من نَجَّسَ المَنِيَّ.
وقالت عائشة: كنت أفركُهُ من ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فركًا فيصلي فيه (2)، وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعًا وموقوفًا: إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة (3).
وبالجملة؛ فمن المحال أن يكون نَجِسًا والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يعلمُ شدَّةَ ابتلاءِ الأمَّةِ به في ثيابهم وأبدانهم، ولا يَأمرُهم يومًا من الأيام بغسله، وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه.
وأما قولكم: إن الآثار قد اختلفتْ في هذا الباب، ولم يكنْ في المَرْوِيِّ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بيان حكم المَنِي، فاعتبرتم ذلك من طريق النظر؛ فيقال: الآثار بحمد الله في هذا الباب متَّفِقَةٌ لا مختلفة، وشروط الاختلاف منتَفِيَةٌ بأسرها عنها، وقد تقدَّم أن الغَسْل تارة والمسح والفَرْك تارةً جائزٌ (4)، ولا يدُلُّ ذلك على تناقُضٍ ولا اختلافٍ ألبتة.
ولم يكنْ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – لِيَكِلَ أمَّتَهُ في بيان حكم هذا الأمر المهم
__________
(1) (ق وظ): “المذهب”.
(2) تقدم.
(3) تقدم.
(4) (ق وظ): “جائزان”.
(3/1051)
إلى مجرد نظرها وآرائها، وهو يعلِّمُهم كلَّ شيء، حتى التَّخَلِّي وآدابه، ولقد بيَّنت السُّنَّةُ هذه المسألةَ بيانًا شافيًا، ولله الحمد.
وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه؛ فنظرٌ أعْشى؛ لأنكم أخذتم حكمَ نجاسته من وجوب الاغتسال منه، ولا ارتباطَ بينهما، لا عقلًا ولا شرعًا ولا حِسًّا، وإنما الشارعُ حَكَم بوجوب الغسل على البَدَن كلِّه عند خروجه، كما حَكَم به عند إيلاج الحَشَفَة في الفَرْج، ولا نجاسةَ هناك ولا خارج، وهذه الريحُ توجب غَسْل أعضاء الوضوء وليست نَجِسَةً، ولهذا لا يُسْتَنْجَى منها ولا يُغْسَلُ الإزار والثوبُ منها، فما كلُّ ما أوجب الطهارةَ يكون نجسًا، ولا كلُّ نجسٍ يوجِبُ الطهارةَ أيضًا، فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلُّوا بعد خروج دمائهم في وقائعَ متعدِّدة، وهم أعلمُ بدين الله من أن يُصَلُّوا وهم محدِثون، فظهر أن النظرَ لا يوجِبُ نجاستَه، والآثار تدُلُّ على طهارته، وقد خلق الله تعالى الأعيان على أصل الطهارة، فلا ينجسُ منها إلا ما نجَّسه الشرعُ، وما لم يُعْلَم تنجيسُه من الشرع فهو على أصل الطهارة، والله أعلم.
فائدة
إذا علق الطلاق بأمر يعلمُ العقلُ استحالَتَهُ عادةً، وأخبر من لا يعلمُ إلا من جهته بوقوعه، وليس خبره مما قام الدليلُ على صدقه، فقد قال كثير من الفقهاء بوقوع الطلاق عند خبره.
وقال محمد بن الحسن بعدم الوقوع، وهو الصَّوابُ، وهو اختيار ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد.
وصورةُ المسألة إذا قال: إن كنتِ تُحِبِّينَ أن يُعَذِّبَكِ الله في النارِ فأنتِ طالقٌ، فقالت: أنا أحِبُّ ذلك.
(3/1052)
قال الموقِّعون: المحبَّةُ أمرٌ لا يتوقَّفُ عليه، ولا يُعْلم إلا من جهتها، فإذا أخبرتْ به رُجِعَ إلى قولها.
اعترض على ذلك ابنُ عقيل فقال: الباطنُ إذا كان عليه دلالةٌ أمكن الاطلاِعُ عليه، ولا دلالةَ أكبرُ من العلم بأن طباعَ الحيوان لا تصبرُ على لَفَحَات النار ولا تُحِبُّها، وإذا عُلِم هذا طبعًا صار دعوى خلافه خَرْقًا للعادة، فهو كقوله: أنتَ طالِقٌ إن صَعِدْتِ السَّماءَ، فغابت ثم ادَّعَتِ الصُّعودَ، فإنه لا يقعُ لاستحالته طبعًا وعادة.
قالوا: النعامُ يميل إلى النار، فلا يمتنع أن تكون هذه صادقة لإخبارها عن نفسها، أو دخل عليها داخلٌ من برد استولى على جسدها، فتمنَّت معه دخول النار.
قال ابن عَقِيل: لا يستحيلُ الميلُ إلى النَّارِ من الحيوانِ الذي ذكرت، لكن ذلك خَرْقٌ للعادةِ في حقِّ غيرها (1)، فَلَئِنْ جاز أن يُصَدِّقَها في ذلك لكونِهِ لا يستحيلُ، وجب أن يُصَدِّقَها في صعود السماء، فقد صعِدَتْ إليها الملائكةُ والجنُّ والأنبياءُ، بل ينبني الأمرُ على العادة دون خَرْقها، وفي مسألتنا لم تَقُلْ: أُحِبُّ النّارَ، بل قالت: أُحِبُّ أن يُعَذِّبَني اللهُ بالنار، والنعامُ لا يتعذَّبُ، فقد صرحت بحب أعظم الألم، ولا يجتمع في حيوان حبٌّ وميلٌ إلى ما يُعَذَّبُ به، بل طبعُهُ النُّفورُ من كلِّ مؤلم، فأما تعلُّقهم بأنَّ ما في قلبها لا يُطَّلَعُ عليه إلا من إخبارها فهذا شيءٌ يرجعُ إلى ما يجوزُ أن يكونَ في قلبها من طريق العادة.
فأما المستحيلُ عادةً فإنَّهُ كالمستحيلِ في نفسِهِ، ولو أنه قال لها: إن كنتِ تعتقدينَ أن الجَمَلَ يدخل في خُرْم الإبرة فأنت طالِقٌ،
__________
(1) “في حق غيرها” سقطت من (ق).
(3/1053)
فقالت: أعتقده لم يَقَعِ الطلاقُ، إذ لا عاقلَ يُجَوِّزُ ذلك، فضلًا عن أن يعتقدَهُ. انتهى كلامه، وهو كما ترى قُوَّةً وصحَّةً.
حادثة
* مسجد عليه وقوف، خَرِبَ، وليس في وقفِه ما يَفِي بعِمَارَتِهِ، هل يجوزُ نقلُ ذلك إلى عِمارة الجامع الذي لا غِنى للقرية عنه؟.
قال جماعةٌ: يجوز. وخالفهم ابنُ عَقِيل فقال: يَجِبُ صرفُ دخلِ وقف (1) المسجدِ إلى عمارَتِهِ بِحَسَبها، وقد كان سقَفُ مسجد النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – سَعَفًا. انتهى.
والتحقيقُ في المسألة: أن المسجد إن تعطَّل بحيث انتقل أهلُه عنه وبقي في مكان لا يُصَلَّى فيه، فالصوابُ ما قاله الجماعةُ، وإن كالت جيرانه بحالهم وهو بصدَدِ أن يُصَلَّى فيه، فالصوابُ ما قاله (2) ابنُ عقيل. والله أعلم.
* وسئل عن رجل تَزَّوجَ ضريرةً ومعها جاريةٌ تخدمُها، فأنفق عليها مدَّةً ثم قَصَّرَ في نفقة المرأة وعلَّلَ ذلك بأنه في مقابلة ما كان أنفقَ على الجارية.
فقال: هذا جهل منه، فإن من تزوَّج ضريرةً فقد دخل على بَصيرةٍ أنه لابُدَّ لها من خادم، فتكونُ المؤونةُ عليه، كمن تزَّوَجَ امرأة ذات جلالة يلزمُهُ إخدامُها.
* وسئل عن رجل أدرك الناسَ ركوعًا في صلاة الجمعة، وسمع
__________
(1) ليست في (ق وظ).
(2) من قوله: “الجماعة وإن … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1054)
من المبلِّغين قول: سمع الله لمن حمده، فهل يُقَدِّرُ ما يكون به تابعًا للإمام أو يعتبرُ بمن يليه؟
فقال: بل يقدر ما يكون به تابعًا للإمام في حال ركوعه؛ لأنه قد يكونُ ركع والإمام قد رفع، ولكن لبعد ما بين المبلِّغين وبين الإمام قد يكون الأواخر رُكَّعًا، وذلك أن الشرعَ علَّق الإدراكَ بركوع الإمام، فالوسائط لا عِبْرَةَ بهم.
حادثة
* رجل قال لامرأته: أنْتِ طالِقٌ إنْ كلَّمْتُكِ، وأعاده. فقال بعض أصحاب أحمد: إن قَصَدَ إفهامَها بالثاني لم يَقَعْ، وإن قَصَدَ الابتداءَ وقع المعلَّقُ بالثاني.
قال ابن عقيل: هذا خطأ؛ لأن الثاني هو كلامٌ لها على كلِّ حال، سواء قصد الإفهامَ أو الابتداءَ، وإنما اشتبهتْ بمسألة إذا قال: إن حلفتُ بطلاقِكِ فأنتِ طالقٌ، وأعادَه، فإن التفصيل كما ذكرت، فأما الكلامُ فهو على الإطلاق يتناولُ كلَّ كلام مخصوص بخلاف الحلف، فإنه لا يكون حَلِفًا إلا بقصد، وإذا كان قصدُه بالثاني إفهامَها لما حَلَف به أولًا لم يكن حلفًا.
قلت: والصواب القول الأول، وهذا الفرقُ خياليُّ، فإنه إذا قصد إفهامَها فلم يُرِد إلا اليمينَ الأولى ولم يُرِدْ به الكلامَ المحلوف عليه، فتحْنيثُهُ به تحنيثٌ بما لم يُرِدْه ألبتةَ، وبساط الكلام ونيته إنما يدلان على أنه أراد: لا كَلَّمْتُكِ بعد اليمين، مفردةً كانت أو مكررةً، فما كلمها الكلام الذي حلف عليه، وإنما أفهمها يمينه، فلا فرق بينها وبين مسألة الحَلِف.
(3/1055)
وأما قوله: إن الحَلِفَ لا يكونُ حَلِفًا إلا بقَصْد، فيقال: إن كان القصدُ شرطًا في اعتبار المحلوف عليه لم يَحْنَثْ في الموضِعينِ، وإن لم يكنْ شرطًا فيه، فينبغي أن يحنَثَ في الموضعين، فأما أن يُجعلَ القصدُ شرطًا في أحدهما دونَ الآخر فلا وجهَ له، والله أعلم.
فائدة
استدل شيعيٌّ على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].
فأجيب بأن قيل: هذه وصيَّةٌ بهم لا وصيةٌ إليهم (1)، فهي حجَّةٌ على خلاف قول الشيعة؛ لأن الأمر لو كانَ إليهم لأوصاهم ولم يُوصِ بهم، ونظير هذا الاحتجاج على أن الأمرَ في قريشٍ لا في الأنصار بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أُوصِيكُمْ بالأنصَارِ” (2) فدلَّ على أن الأمرَ في غيرهم.
قلت: وهذا كلُّه خروج عن معنى الآية وما أُريدَ بها، ولا دلالةَ فيها لواحدة من الطائفتين، فإن معنى الآية (3): لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينَكم من القَرَابة، فإنه لم يكن بطنٌ من بطون قريش إلا وللنبي – صلى الله عليه وسلم – فيهم قَرَابَةٌ، فقال: لا أسألُكم على تبليغ الرسالة أجرًا، ولكن صِلُوا ما بيني وبينَكم من القرابة، وليست هذه الصِّلَةُ أجرًا، فالاستثناء منقطع، فإن الصِّلة من موجبات الرَّحِم، فهي واجبة
__________
(1) (ق): “لهم”.
(2) أخرجه البخاري رقم (3799)، ومسلم رقم (2510) من حديث أنسٍ- رضي الله عنه-.
(3) من قوله: “وما أُريد بها … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/1056)
على كلِّ أحد، وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره البخاريُّ عنه في صحيحه (1).
فائدة (2)
من العجب إنكارُ كونِ القرْعة طريقًا لإثبات الأحكام، مع ورود السُّنَّة بها، وإثباتُ حِلِّ الوطء بشهادة شاهدي زُور، يعلمُ الزوج الثاني أنهما شاهدا زُور، ومع هذا فيثبت الحِلُّ له بشهادتهما، فمن يقولُ هذا في باب حِلِّ الأبْضاع والفروج كيف يمنعُ القرْعَةَ؟!
ومن العجب قولهم: إذا مَنَعَ الذِّمِّيُ دينارًا من الجِزيَةِ انتقضَ عهدُه، ولو جاهرَ بسبِّ الله ورسوله ودينه، أو حَرَقَ (3) بيوتَ الله لم ينتقضْ عهدُه!.
ومن العجب: إباحتُهم القرآنَ بالعجميَّة، ومنعُ رواية الحديثِ بالمعنى!.
ومن العجب قولُهم: الإيمانُ نفسُ التَّصديق وهو لا يتفاضلُ، والأعمالُ ليست منه، وتكفيرُهم من يقول: مُسَيْجِد وفُقَيِّه، ومن يلتدُّ بالسَّماع، ويصلِّي بلا وضوء، ونحو ذلك.
ومن العجب: إسقاطُهم الحَدَّ عمن استأجرَ امرأةً لرَضاع ولده فَزَنا بها، أو استأجرها لِيَزْنِيَ بها، وإيجابُهم الحَدَّ على مَنْ وطِئَ امرأةً في الظُّلْمة يظنُّها امرأتَه، فبانت أجنبيةً.
__________
(1) رقم (4818).
(2) هذه العجائب ذكرها ابن القيم في “إعلام الموقعين”: (3/ 326 – 328) بنحوها، عند كلامه على الحِيَل وإبطالها، وأكثر هذه الأقوال قال بها فقهاء الحنفية.
(3) (ع): “وأحرق”.
(3/1057)
ومن العجب: تشدُّدهم في المياه أعظمَ التَّشديد حتى يُنَجِّسوا القناطيرَ المقنطرةَ من الماء بمثل رأس الإبرة من البول، ويُجَوِّزون الصلاة في ثوب رُبُعه متضمِّخ بالنَّجاسة.
ومن العجب: منعهم إلحاق النَّسَب بالقيافة التي هي من أظهر الأَدِلَّة، وقد اعتبرها النبي – صلى الله عليه وسلم – (1)، وعمل بها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (2)، وإلحاقهم: النَّسَبَ برجل (3) تزوَّج امرأة بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب، وبينهما ما لا يقطعه البَشَرُ، أو قال: تزوجت فلانة وهي طالِقٌ ثلاثًا عقِبَ القبول ثم جاءت بولدٍ فقالتْ: هو منه.
ومن العجب: إلحاقُهم الولد في هذه الصُّورة، وزعمُهم أن الرجل إذا كانت له سُرِّيَّةٌ وهو يطأُها دائمًا فأتت بولد على فراشه لم يَلْحَقْهُ إلا أن يستلحِقَهُ.
ومن العجب: أنهم يقولون (4): إذا شهد عليه أربعة بالزنا، فقال: صَدَقوا في شهادتهم وقد فعلتُ، سَقَط عنه الحدُّ، وإن اتَّهمهم وقال: كذبوا عَلّيَّ، حُدَّ.
ومن العجب قولهم: لا يصِحُّ استئجارُ دارٍ لتُجْعَلَ مسجدًا يُصَلِّي فيه المسلمونَ، ويصِحُّ استئجارها كنيسةً يُعبدُ فيها الصليبُ، وبيتًا تُعبدُ فيه النار.
__________
(1) فيما رواه البخاري رقم (3731)، ومسلم رقم (1459) من حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة مجزز المدلجي.
(2) أخرجه مالك في “الموطأ”: (2/ 740).
(3) (ع): “فيما رجل”.
(4) (ع): “بقولهم”.
(3/1058)
ومن العجب قولهم: إنه إذا قهقَهُ في صلاته انتقضَ وضوؤُه، ولو غنَّى في صلاته، وَقَذَفَ المحصَنَاتِ، وأتى بأقبح السَّبِّ والفُحش؛ فوضوؤه بحاله لم يَنْتَقِضْ.
ومن العجب قولهم: إذا وقع في البئرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَ منها أدْلَاءٌ معيَّنة، فإذا حصل الدَّلْوُ الأوَّلُ فى البئر تنجَّس وغرف الماء نجسًا، فما أصاب حيطانَ البئر منه نَجَّسَها، وكذلك ما بعدَهُ من الدِّلاء إلا الدَّلْو الأخير فإنه ينزلُ نَجِسًا ثم يصعدُ طاهرًا يقشقِشُ النَّجَاسَةَ من البئرِ!!
قال الجاحظ (1): ما يكون أكرمَ أو أعقلَ من هذا الدَّلو.
[ومن العجب قولُهم: لو حَلَفَ لا يأكلُ فاكهةً حَنَثَ بأكلِ الجَوْزِ، ولو كان يابسًا منذُ سنين، ولا يحنَثُ بأكلِ الرُّطَبِ والعِنَب والرُمَّان (2).
وأعجب من ذلك: تعليلُهم بأن هذه الثلاثة خيارُ الفاكهة، فلا تدخلُ في الاسم المطلق، ذكرَ الحكمَ والدليلَ [الإسبِيْجَابي] (3) في “شرح الطَّحَاوي” (4).
__________
(1) في (ع وظ): “الحافظ”، والمثبت من (ق)، ويؤيده ما في “إعلام الموقعين”: (3/ 327): “قال بعض المتكلمين” والجاحظ منهم، وقد نسب هذا القول له أبو الخطاب في “الانتصار”: (1/ 234)، وابن العربي في “العارضة”: (1/ 86)، ولعله ذكره في كتاب “الحيوان”.
(2) انظر: “بدائع الصنائع”: (3/ 61).
(3) تحرف فى المطبوعات إلى: “الأسماقي”! و (ق): “الاستجا”! وهو: أحمد بن منصور أبو نصر الإسْبِيْجابي -نسبةً إلى إسْبِيْجاب بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الباء الفَارسية وسكون الياء المثنَّاة التحتية وفتح الجيم بعده ألف بعده باء- ت (نحو 480) له “شرح مختصر الطحاوي”. انظر “تاج التراجم”: (ص/ 126)، و”الفوائد البهية”: (ص/ 42).
(4) له نسخة فى الظاهرية، وعنها فلم في جامعة الملك سعود رقم 1128/ 6 ف.
(3/1059)
ومن العجب قولهم: لو حَلَفَ لا يشرَبُ من النيل أو الفرات أو دجْلَةَ، فشرب بكفِّه لم يحنث، ولا يحنثُ حتى ينكَبَّ ويكرَعَ بفيه مثلَ البهائم] (1).
فائدة
قال جماعة من الناس: إذا ماتت نصرانيةٌ في بطنها جَنينٌ مُسلم، نَزَل ذلك القَبْرَ نعيمٌ وعذابٌ، فالنَّعيم للابن والعذاب للأم، ولا بُعْدَ فيما قاله، كما لو دُفِنَ في قبر واحدٍ مؤمنٌ وفاجرٌ، فإنه يجتمعُ في القبر النعيمُ والعذابُ.
فائدة.
قالت الإماميةُ: إن العتق لا يَنْفُذُ إلا إذا قُصِدَ به القُرْبة؛ لأنهم جعلوه عبادةً، والعبادةُ لا تصِحُّ إلا بالنية.
قال ابنُ عَقِيل: ولا بأس بهذا القول لاسيَّما (2) وهم يقولون: الطلاق لا يقعُ إلا إذا كان مصادفًا للسُّنَّة، مطابقًا للأمر، وليس بقُرْبة، فكيف بالعتق الذي هو قُرْبَةٌ؟
قلت: وقد ذكر البخاري في “صحيحه” (3) عن ابن عباس أنه قال: “الطلاقُ ما كان عن وَطَرٍ، والعِتْقُ ما ابتُغِيَ به وجهُ الله تعالى”.
فائدة نافعة (4)
كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجةَ الرياسة الأخلاقَ
__________
(1) ما بين المعكوفين من (ق) فقط، وهو في “إعلام الموقعين”: (3/ 327 – 328).
(2) (ق): “لأنهم”.
(3) “الفتح”: (9/ 300) كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره.
(4) “نافعة” ليست في (ق).
(3/1060)
التي كان يعامِلُه بها قبلَ الرِّياسة، فلا يصادفُها، فينتقضُ ما بينهما من المودَّة، وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة، وهو بمنزلة من يطلبُ من صاحبه إذا سَكِرَ أخلاقَ الصَّاحي، وذلك غلطٌ؛ فإن للرِّياسة سَكْرةً كسكرة الخمر أو أشدَّ، ولو لم يكنْ للرِّياسة سَكْرة لما اختارَها صاحبُها على الآخرة الدائمة الباقية، فسكرتُها فوق سكرة القهوة (1) بكثير، ومُحَالٌ أن يُرى من السكران أخلاقُ الصاحي وطبعه، ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيسِ القبط بالخِطَاب اللَّيِّن، فمخاطبةُ الرؤساء بالقول اللَّيِّن أمرٌ مطلوب شرعًا وعقلًا وعرفًا، ولذلك تجدُ الناسَ كالمفطورين عليه، وهكذا كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يخاطِبُ رؤساء العشائر والقبائل.
وتأمل امتثالَ موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)} [النازعات: 18 – 19]، فأخرَجَ الكلام معه مخرجَ السؤال والعَرْض لا مخرجَ الأمر، وقال: {إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)} ولم يقل: إلى أن أُزَكِّيَكَ، فنسبَ الفعلَ إليه هو، وذكر لفظ التَّزَكِّي (2) دونَ غيره؛ لما فيه من البركة والخير والنماء، ثم قال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} أكونُ كالدليل بين يديك الذي يسيرُ أمامَك، وقال: {إِلَى رَبِّكَ}، استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه وربَّاه بنعمه صغيرًا ويافعًا وكبيرًا.
وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)} [مريم: 42] فابتدأ خطابَه بذكر أبوَّته الدَّالَّة على توقيره ولم يُسَمِّه باسمه، ثم أَخْرج الكلامَ معه مخرجَ السؤال فقال: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)} ولم يقل: لا
__________
(1) كذا في (ع) والقهوة من أسماء الخمر، وفي (ق وظ): “الشهوة”.
(2) (ع): “التزكية”.
(3/1061)
تعبدُ، ثم قال: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} [مريم: 43] فلم يقل له: إنك جاهلٌ لا علمَ عندَك، بل عَدلَ عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدُلُّ على هذا المعنى، فقال: {جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ}، ثم قال: {فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)}.
وهذا مثل قول موسى لفرعون: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} [النازعات: 19]، ثم قال: {يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (1) [مريم: 45] فنسب الخوفَ إلى نفسِه دون أبيه، كما يفعلُ الشفيقُ الخائفُ على من يُشفِقُ عليه.
وقال: {يَمَسَّكَ} فذكر لفظ المَسِّ الذي هو ألطفُ من غيره، ثم نكَّرَ العذابَ، ثم ذكر الرحمن، ولم يقل: الجبَّارُ ولا القهار، فأيُّ خطابٍ ألطفُ وألْيَنُ من هذا؟!.
ونظيرُ هذا خطابُ صاحب {يس (1)} لقومه حيث قال: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)} [يس: 20 – 22].
ونظير هذا قول نوح لقومه: {يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [نوح: 2 – 4]، وكذلك سائر خطاب الأنبياء، لأُمَمِهم قي القرآن، إذا تأمَّلْتَهُ وجدتَه ألْيَنَ خطابٍ وألطفَهُ، بل خطابُ الله لعباده هو ألطفُ خطاب وألينُه، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] الآيات، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ
__________
(1) الآية في (ع وظ) غير تامة.
(3/1062)
اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ لْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)} [فاطر: 5].
وتأمل ما في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] من اللطف الذي سلب القلوب (1).
وقوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} [الزخرف: 5] على أحد التأويلين، أي: نتركُكُم فلا نستصلحكم ولا ندعوكم، ونعرضُ عنكم إذا أعرضتم أنتم وأسرفتم.
وتأمل لطفَ خطاب نُذُر الجنِّ لقومهم وقولهم: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31].
فائدة
* سئل ابن عَقِيل عن: رجل له ماء يجري على سطح جاره، فَعَلا دارَه هل يسقط حق الجري؟
فقال: لا، لكنه إذا سلط الماء على عادته، حفر سطح جاره لموضع العُلُوِّ، فينبغي أن يجعل جريَهُ بحدته إلى ملكه، ثم يخرجُه بسهولة إلى سطح جاره.
فائدة (2)
* وسُئل عن رجل قالت له زوجتُه: طلِّقْني، فقال: إن الله قد طَلَّقَكِ؟
__________
(1) (ظ): “العقول”.
(2) (ق): “أخرى”. وعلق أحد المطالعين في هامش (ع): “ابن عقيل جعل دلالة الحال قائمة مقام النية، كما هو المذهب فى الكنايات”.
(3/1063)
فقال: يقع الطلاق لأنه كنايةٌ استندَتْ إلى دلالة الحال، وهي ذكرُ الطلاق وسؤالها إياه.
وأجاب بعض الشافعية: بأنه إنْ نَوَى وَقَعَ (1) الطَلاقُ، وإلا لم يقعْ.
قلت: وهذا هو الصَّوابُ؛ لأن قوله: إن الله قد طَلَّقَكِ، إن أراد به شَرَعَ طلاقَكِ وأباحَهُ؛ لم يقعْ، وإن أراد: أن الله أوقعَ عليك الطلاقَ وأراده وشاءَهُ، فهذا يكون طلاقًا؛ لأن ضَرورة صدقِه أن يكونَ الطلاقُ واقعًا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقعُ إلا بالنِّيَّةِ.
فائدة (2).
* وسُئل عن رجل وقفَ دابَّةً (3) في مكان، فجاء رجلٌ فضربها، فرفسته، فمات، هل يضمن صاحبُ الدَّابَّة؟
فقال: إذا لم يكن مُتَعَدِّيًا في إيقافِها بأن تكونَ في مُلك الضَّارب فلا ضَمانَ عليه، وإن كان مُتَعدِّيًا فالضَّمانُ عليه.
فائدة
حكى الطَّحَاويُّ: أنَ مذهبَ أبي يوسف جواز أخذ بني هاشم الفقراءِ الزَّكاةَ من بني هاشم الأغنياء (4)، قاله ابنُ عَقِيل، قال: وسألت قاضيَ القضاة عن ذلك، -يريد الدَّامَغاني (5) – فقال: نعم، هو مذهب أبي يوسف وهو مذهبُ الإمامِيَّة.
__________
(1) (ع): “وقع عليه”.
(2) ليست في (ع) وكذا الفوائد الخمس بعدها.
(3) (ع): “دابته”.
(4) انظر: “أحكام القرآن”: (4/ 335) للجصَّاص.
(5) ترجمته في “السير”: (18/ 485) توفي سنة (478) وغسَّله أبو الوفاء ابن عقيل.
(3/1064)
قلت: وقد ذهب (1) بعضُ الفقهاء إلى أنهم يَجوْزُ لهم الأخذَ من الزَّكاة مطلقًا إذا مُنِعُوا حَقَّهُم من الخُمْس، وأفتى به بعضُ الشافعية.
فائدة
قال ابنُ عقيل: سألني سائل: أيُّما أفضلُ حُجرَةُ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – أو الكعبة؛ فقلت: إن أردتَ مجرَّدَ الحُجرة فالكعبةُ أفضل، وإن أردتَ وهو فيها فلا واللهِ، ولا العرشُ وحَمَلَتُهُ، ولا جَنَّةُ عَدْن، ولا الأفلاكُ الدائرة؛ لأنَّ بالحُجْرة جَسَدًا لو وزن بالكَوْنينِ لرَجَحَ.
* وسُئل عن حَبْس الطير لطيب نَغَمتها؟
فقال: سَفَهٌ وبَطَر، يكفينا أن نُقْدم على ذبحِها للأكل فحسب؛ لأن الهواتفَ من الحَمَام، ربما هتفتْ نياحةً على الطيران وذكر أفراخها، أفيحسُنُ بعاقل أن يُعَذِّبَ حيًّا لِيَتَرنَّمَ فيلْتَذَّ بنياحته؟! وقد منع من هذا بعضُ أصحابنا وسموه سَفَهًا.
فائدة
من دقيق الوَرعَ أن لا يُقْبَلَ المبذولُ حال هَيَجَان الطبع من حزن أو سرور، فذلك كبذل السَّكران، ومعلومٌ أن الرأي لا يتحقَّقُ إلا مع اعتدال المزاج، ومتى بذل باذلٌ (2) في تلك الحال يعقبُهُ نَدَمٌ، ومن هنا (3): “لا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ” (4)، وإذا أردت اختبارَ ذلك
__________
(1) “الإمامية. قلت: وقد ذهب” سقطت من (ع).
(2) (ق): “ما بذل”.
(3) (ق) زيادة: “قال”.
(4) أخرجه البخاري رقم (7158)، ومسلم رقم (1717) من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
(3/1065)
فاختبرْ نفسَكَ في كل مواردِكَ من الخير والشر، فالبِدَارُ بالانتقام حالَ الغضبِ يُعْقِبُ ندمًا، وطالما ندم المسرورُ على مجَازفته في العطاءِ، وودَّ أن لو كان اقتصر، وقد نَدِمَ الحسنُ على تمثيله بابن مُلْجِم.
فائدة (1)
في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – للسائل عن مواقيت الصلاة: “صَلِّ مَعَنا” (2)، جوازُ البيان بالفعل، وجوازُ تأخيرِه إلى وقتِ الحاجةِ إليه. وجوازُ العُدول عن العمل الفاضلِ إلى المفضولِ لبيانِ الجَوازِ.
فائدة
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، ومَنْ تَبِعَها حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ” (3). سُئل أبو نصر بن الصَّبَّاغ (4) عن القيرَاطين هل هما غيرُ الأوَّلِ أو به؟ فقال: بل القيراطان الأوَّل وآخر معه، بدليل قوله تعالى: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3].
قلت: ونظير هذا قوله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، ومَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّما قَامَ اللَّيْلَ كُلَّه” (5) فهذا مع صلاة العشاء في جماعة، وقد جاء مصرَّحًا به في “جامع التِّرْمذي” (6) كذلك “مَنْ صَلَّى العِشاءَ والفجرَ في جماعة
__________
(1) (ق): “فصل”.
(2) أخرجه مسلم رقم (613) من حديث بريدة – رضي الله عنه -.
(3) أخرجه البخاري رقم (1325)، ومسلم رقم (945) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4) هو: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد شيخ الشافعية ت (477) “السير”: (18/ 464).
(5) أخرجه مسلم رقم (656) من حديث عثمان -رضي الله عنه-.
(6) رقم (221).
(3/1066)
فكأنما قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ” (1).
ونظيره -أيضًا- قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: 9 – 10] فهي أربعةٌ باليومين الأولين، ولولا ذلك لكانت أيامُ التَّخليق ثمانية.
فائدة
لم أزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث، وإلى أيِّ شيءٍ نسبتُهُ، حتى رأيت لابن عَقِيل فيه كلامًا، قال: القيراطُ نصف سُدُس درهم مثلًا، أو نصفُ عُشر دينار، ولا يجوزُ أن يكون المُرادُ هاهنا جنسَ الأجر؛ لأن ذلك يدخلُ فيه ثوابُ الإيمان وأعماله كالصَّلاة والحج وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلُغ هذا، لم يبقَ إلا أن يرجِعَ إلى المعهود، وهو الأجرُ العائدُ إلى الميت، ويتعلَّق بالميت صبر على المُصَاب فيه وبه وتجهيزه (2) وغسله ودفنه والتَّعزية به، وحَمْل الطعام إلى أهله وتسليتهم، وهذا مجموعُ الأجر الذي يتعلَّقُ بالميِّت، فكان للمصلِّي والجالس إلى أن يُقْبَرَ سُدُسُ ذلك، أو نصفُ سُدُسِه إن صلَّى وانصرف (3).
قلت: كأنَّ مجموعَ الأجرِ الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحدِهِ، وقضاء حقِّ أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلًا، فللمصلِّي عليه فقط قيراطٌ من هذا الدينار، والذي يتعارفه
__________
(1) وانظر “فتح الباري”: (3/ 235).
(2) في المطبوعات: “بالميت أجر الصبر على المصاب فيه. وأجر تجهيزه”.
(3) وقد ذكر الحافظ هذا عن ابن عقيل في “الفتح”: (3/ 231) وقوَّاه.
(3/1067)
الناس من القيراط أنه: نصف سُدُس، فإن صلَّى عليه وتَبِعَهُ كان له قيراطانِ منه، وهُما سُدُسُه، وعلى هذا فيكون نسبةُ (1) القيراطِ إلى الأجرِ الكاملِ بحَسَبِ: عِظَمِ ذلك الأجر الكامل في نفسه، فكلما كان أعظمَ كان القيراطُ منه بحسبه، فهذا بَيِّنٌ هاهنا.
وأما قوله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنِ اقْتَنى كَلْبًا إلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أو زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أجْرِهِ أو من عَمَلهِ كُلَّ يومٍ قِيرَاطٌ” (2) فيحتمل أن يُراد به هذا المعنى أيضًا بعينه، وهو نصفُ سدس أجر عمله ذلك اليوم، ويكون صِغَرُ هذا القيراط وكِبَرُهُ بحسب قِلَّة عمله وكثرته، فإذا كان له أربعةٌ وعشرون ألف حسنةٍ مثلًا، نقص منها كلَّ يوم ألفا حسنة. وعلى هذا الحساب، والله أعلم بمراد رسوله، وهذا مبلغُ الجَهد في فهم هذا الحديث.
فائدة
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ عَزَّى مُصَابًا فله مِثْلُ أَجْرِهِ” (3) استشكله بعضُهم وقال: مشقَّةُ المصيبة أعظمُ بكثير من مساواة تعزية المُعَزِّي لها مع بَرْد قلبه.
فأجاب ابنُ عقيل بجواب بديعٍ جدًّا، فقال: ليس مرادُه – صلى الله عليه وسلم – قولَ
__________
(1) (ع): “صفة”.
(2) أخرجه البخاري رقم (5480) ومسلم رقم (1574) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما -.
(3) أخرجه الترمذي رقم (1073)، وابن ماجه رقم (1602) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
والحديث ضعيف، قال الترمذي: “غريب” وأعلَّه بالوقف، وانظر “الإرواء” رقم (765).
(3/1068)
بعضِهم لبعض: نَسَأَ الله في أجلِكَ، وتعيشُ أنت وتَبْقى، وأطالَ الله عُمُرَك، وما أشبَه ذلك، بل المقصودُ من عَمَد إلى قلبٍ قد أقلقه ألمُ المُصاب وأزعجه، وقد كان يساكنُ السخط، ويقول الهُجْرَ ويوقعُ الذَّنْبَ، فداوى ذلك القلبَ بآيِ الوعيد، وثوابِ الصبر، وذمِّ الجزع حتى يُزِيلَ ما به، أو يقلِّله (1) فيَتَعَزَّى، فيصير ثَواب المُسَلِّي كثواب المصاب؛ لأن كلًّا منهما دفع الجزع، فالمُصاب كابَدَهُ بالاستجابة، والمُعَزِّي عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة.
فائدة
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الحُدُودَ” (2) قال ابنُ عَقِيل: المُرادُ بهم الذين دامت طاعاتُهم وعدالتُهم، فزلَّت في بعض الأحايينِ أقدامُهم بورطة (3).
قلت: ليس ما ذكره بالبَيِّن، فإن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – لا يُعَبِّر عن أهلِ التَّقوى والطَّاعة والعبادة بأنهم ذوو (4) الهَيْئَاتِ، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمُطيعين المتَّقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشَّرَف والسؤدد، فإن الله تعالى خَصَّهم بنوع
__________
(1) (ع): “يقلقه”.
(2) أخرجه أحمد: (6/ 181)، وأبو داود رقم (4375)، والبخاري في “الأدب المفرد”: (ص/ 143) وابن حبان “الإحسان”: (1/ 296)، والبيهقي: (8/ 334)، وغيرهم من حديث عائشة – رضي الله عنها-.
والحديث صححه ابن حبان؛ وفي سنده من يُضعَّف.
(3) في هامش (ع) ما نصه: “ما قاله ابنُ عقيل وقع في كلام الشافعي -رضي الله عنه-” أقول: انظر “الأم”: (6/ 145) بنحوه.
(4) في النسخ: “ذوي”، وما أثبته الصواب.
(3/1069)
تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جوادُه، ونبا عَضْبُ صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا يتسارَعُ إلى تأنيبه وعقوبته، بل تُقالُ عَثْرَتُهُ (1) ما لم يكنْ حدًّا من حدود الله، فإنه يتعيَّنُ استيفاؤُه من الشَّريف، كما يتعيَّنُ أخذه من الوضيع، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “لوْ أنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا”، وقال: “إنما هَلَكَ بنُو إسْرَائِيل أنَّهُمْ كانوا إذا سَرَقَ فيهم (2) الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحَدَّ” (3)، وهذا بابٌ عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالمَ، وانتظامها لمصالح العباد في المعَاشِ والمَعَادِ.
فائدة
اعترض نفاة المعاني والحكم على مُثبتيها في الشَّريعة بأن قالوا: الشَّرْعُ قد فرَّق بين المتماثلات، فأوجبَ الحَدَّ بشربِ الخمر، ولم يحدَّ بشرب الدَّم والبول وأكل العَذِرة، وهَي أخبثُ من الخمر، وأوجبَ قطعَ اليدِ (4) في سرقة رُبُع دينار ومنَعَ قطعها في نُهْبَة ألف دينار، وأوجب الحَدَّ في رمي الرجل بالفاحشة، ولم يوجِبْه في رميه بالكفر وهو أعظمُ منه، ولم يرتِّبْ على الرِّبا حدًّا مع كوَنه من الكبائر، ورتَّبَ الحَدَّ على شرب الخمر والزِّنا وهما من الكبائر.
فأجاب المُثْبِتونَ: بأن قالوا: هذا مما يدُلُّ على اعتبار المعاني
__________
(1) “بل تقال عثرته” سقطت من (ع).
(2) من (ظ).
(3) أخرجه البخاري رقم (3475)، ومسلم رقم (1688) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(4) (ق): “القطع”.
(3/1070)
والحِكَم ونَصْب الشرع بحسب مصالح العباد، فإن الشارعَ ينظرُ إلى المحرَّم ومفسدته، ثم ينظر إلى وازِعِه وداعيه، فإذا عظُمَتْ مفسدتُه رتَّبَ عليه من العقوبة بحسب تلك المفسدةِ، ثم إن كان في الطِّباعِ التي ركَّبَها الله تعالى في بني (1) آدم وازعٌ عنه اكتفى بذلك الوازع عن الحَدِّ، فلم يُرَتِّب على شُرْب البول والدم والقيء وأكل العَذِرة: حدًّا، لما في طباع الناس من الامتناع عن هذه الأشياء، فلا تكثُرُ مواقَعتُها بحيث يدعو إلى الزجر (2) بالحَدِّ، بخلاف شرب الخمر والزنا والسَّرقة، فإن الباعثَ عليها قَوِيٌّ، فلولا ترتيبُ الحدود عليها لعمَّتْ مفاسدُها وعظُمتِ المصيبةُ بارتكابِها.
وأما النُهبة فلم يرتبْ عليها حدًّا، إما لأن بواعثَ الطِّباع لا تدعو إليها غالبًا؛ خوفَ الفضيحة والاشتهار وسرعة الأخذ، وإما لأن مفسدَتَها تندفعُ بإغاثة الناس، ومنعِهم المُنتهبَ، وأخذهم على يديه.
وأما الرِّبا فلم يرتَبْ عليه حَدًّا؛ فقيل: لأنه يقعُ في الأسواق وفي المَلأِ، فوكلتْ إزالتُهُ إلى إنكار الناس، بخلاف السرقة والفواحش وشرب الخمر؛ فإنها إنما تَقَعُ غالبًا سرًّا، فلو وكلت إزالتُها إلى الناس لم تُزَل.
وأحسنُ من هذا أن يقالَ: لما كان المُرابي إنما يُقْضَى له برأس ماله فقط، فإن أخذَ الزيادةَ قُضِيَ عليه بردِّها إلى غريمه، وإنْ لم يأخذْها لم يُقْضَ له بها، كانت مفسدةُ الرِّبا منتفيةً بذلك، فإن غريمه لو شاء (3) لم يُعْطِهِ إلاّ رأسَ ماله، فحيث رضي بإعطائه الزِّيادة فقد رضي باستهلاكها وبذلها مجانًا، والآخذُ لها رضِيَ بأكل النَّارِ.
__________
(1) (ق وظ): “ابن”.
(2) (ق وظ): “الرد”.
(3) (ق): “سأله”.
(3/1071)
وأجودُ من هذين أن يقالَ: ذنبُ الرِّبا أكبرُ من أن يُطَهِّره الحَدُّ، فإنَّ المرابيَ محاربٌ للُّه ورسوله آكلٌ للجمر، والحَدُّ إنما شُرعَ طُهْرةً وكفارةً، والمرابي لا يزولُ عنه إثم الرِّبا بالحدِّ، لأن جُرمه أعظمُ من ذلك، فهو كَجُرم مفطر رمضانَ عمدًا من غير عُذْر، ومانعُ الزكاة بخلًا، وتاركُ صلاة العصر، وتارك الجمعة عمدًا، فإنَّ الحدود كفاراتٌ وطُهَرٌ، فلا تعملُ إلا قي ذنب يقبل (ق/262 ب) التكفيرَ والطُّهْرَ.
ومن هذا: عدمُ إيجاب الحَدِّ بأكل أموال اليتامى؛ لأنَّ آكِلَها قد وجبِتْ له النارُ، فلا يؤثِّرُ الحَدُّ في إسقاط ما وجب له من النار.
وكذلك تركُ الصلاة هو أعظمُ من أن يُرَتَّبَ عليه حَدٌّ، ونظير هذا اليمينُ الغموسُ هي أعظمْ إثمًا من أن يكون فيها حَدٌّ أو كفارة.
وإذا تأمَّلْتَ أسرار هذه الشريعةِ الكاملةِ وجدتَها في غاية الحكمة ورعاية المصالح، لا تفرِّقُ بين متماثلين ألبتَّةَ ولا تُسَوِّي بين مختلفين، ولا تحرِّمُ شيئًا لمفسدة، وتبيحُ ما مَفْسَدتُه مساويةٌ -لما حَرَّمَتْه- أو راجحةٌ عليه، ولا تُبيح شيئًا لمصلحة وتُحَرِّمُ ما مصلحته مُساويةٌ لما أباحَته ألبتة، ولا يوجدُ فيما جاء به الرسول شيءٌ من ذلك ألبتة.
ولا يلزمُه الأقوالُ المستندةُ إلى آراء الناس وظنونِهم واجتهاداتِهم، ففي تلك من التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات، وإباحةِ الشيء وتحريمِ نظيره -وأمثال ذلك- ما فيها.
فائدة (1)
سُئل ابنُ عقيل عن كشف المرأة وجهَها في الإحرام مع كثرة
__________
(1) (ق): “مسألة”. وانظر: “إعلام الموقَّعين”: (1/ 222 – 223، و”تهذيب السنن”: (2/ 350 – 352)
(3/1072)
الفساد اليوم؛ أهو أولى أم التغطية مع الفدا؟ وقد قالت عائشة – رضي الله عنها: “لو عَلِم رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – ما أحْدَثَ النساءُ لمنعهنَّ المساجِدَ” (1).
فأجاب: بأن الكشفَ شعارُ إحرامها، ورَفْع حكمٍ ثبتَ شرْعًا بحوادث (ظ/184 ب) البدَع لا يجوزُ؛ لأنه يكونُ نسخًا بالحوادث، ويُفضي إلى رفع الشَرْعَ رأسًا.
وأما قول عائشة؛ فإنها ردَّتِ الأمرَ إِلى صاحب الشرع (2)، ففالت: لو رأى لَمنَعَ، ولم تمنعْ هي، وقد جَبَذَ عمرُ السُّتْرَةَ عنِ الأَمَة وقال: لا تَشَبَّهي بالحَرائر (3)، ومعلوم أنّ فيهنَّ مَنْ تَفْتِنُ؛ لكنه لما وُضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فَرْقًا، فما ظنُّك بكشفٍ وُضِع بين النسك والإحلال؟! وقد ندب الشَّرْعُ إلى النظر إلى المرأَة قبل النكاح، وأجاز للشهود النظرَ، فليس بِبدْعٍ أن يأمُرَها بالكشف، ويأمر الرجال بالغَضِّ ليكونَ أعظمَ للابتلاءَ، كما قَرَّبَ الصيْدَ إلى الأيدي في الإحرام ونهى عنه.
قلت: سببُ هذا السؤال والجواب خفاءُ بعض ما جاءت به السُّنَّةُ في حقِّ المرأة في الإحرام، فإنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – لم يشْرَعْ لها كشفَ الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النَّصُّ بالنهي عن النِّقاب خاصَّةً، كما جاء بالنهي عن القُفَّازيْن، وجاء بالنهي عغ لُبْس القميص والسراويل، ومعلومٌ أن نهيه عن لُبس هذه الأشياء لم يُرِدْ أنها تكونُ مكشوفةً لا تسترُ ألبتّةَ، بل قد أجمع الناسُ على أن المُحْرِمَةَ تسترُ (ق/263 أ) بَدَنَها
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (869)، ومسلم رقم (445).
(2) (ق): “صاحبه”.
(3) أخرجه عبد الرزاق: (3/ 136)، وابن أبي شيبة: (2/ 41).
وفي (ق): “لا تشبَّهن” وكذا في بعض الروايات.
(3/1073)
بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستُرُ بَدَنَه بالرداءْ وأسافِلَه بالإزار، مع أن مخرجَ النهي عن النِّقَاب والقَفَّازيْنِ والقميص والسَّراويل وأحدٌ، فكيف يرادُ على موجب النصَ؟! ويُفهم منه أنه شَرَع لها كشف وجهها بين الملأ جهارًا؛ فأيُّ نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة؟! بل وجه المرأة كبَدَن الرجل يحرمُ سترُه بالمفصَّل على قَدْره كالنِّقَاب والبُرْقع، بل وكَيَدِها يحرم سترها بالمفصَّل على قَدْرْ اليد كالقفَّاز. وأما سترها بالكُمِّ، وسَتْر الوجه بالمُلاءةْ والخِمار والثوب؛ فلم ينهَ عنه ألبتة.
ومن قال: “إن وجهها كرأس المُحْرِم” فليس معه بذلك نصٌّ ولا عمومٌ، ولا يصِحُّ قياسهُ على رأس المحرم؛ لما جعل الله بينهما من الفرق.
وقول من قال من السَّلف: “إحرام المرأة في وجهها”، إنما أراد به هذا المعنى، أي: لا يلزمُها اجتنابُ اللباس كما يلزمُ الرجل، بل يلزمها اجتناب النِّقَاب فيكوم وجهُها كبَدَن الرجل.
ولو قُدِّر أنه أراد وجوبَ كشفه؛ فقولُه ليس بحُجَّة ما لم يثبتْ عن صاحب الشرع أنه قال ذلك، وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيلَ إلى واحد من الأمرين، وقد قالت أمُّ المؤمنينَ عائشةُ – رضي الله عنها -: “كنا إذا مرَّ بنا الرُّكبانُ سَدَلَتْ إحدانا جلبابها على وجهها” (1)،
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة رقم (2691)، وأحمد: (6/ 30)، وأبو داود رقم (1833) وأبن ماجه رقم (2935) والبيهقي: (5/ 48) وغيرهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن: عائشة به، وزياد فيه ضعف يسير.
ويشهد له ما أخرجه ابن خزيمة رقم (2690) عن أسماء بنت أبي بكر -بسند صحيح- أنها قالت “كنا نغطي وجوهنا من الرجال … “. =
(3/1074)
ولم تكنْ إحداهُنَّ تَتَّخِذُ عودًا تجعلُه بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعضُ الفقهاء، ولا يعرفُ هذا عن امرأة من نساء الصَحابة، ولا أمَّهات المؤمنين ألبتةَ لا عملًا ولا فتوى (1).
ومستحيلٌ أن يكونَ هذا من شعار الإحرام، ولا يكون ظاهرًا مشهورًا بينهنَّ يعرفه الخاصُّ والعامُّ. ومن آثَرَ الإنصافَ وسلك سبيلَ العلم والعدل تبيَّنَ له راجحُ المذاهب من مرجوحها، وفاسدُها من صحيحها، والله الموفق الهادي.
فائدة
قال ابنُ عقيل: يخرَّجُ من رواية إيجاب الزكاة في حُلِيِّ الكِراء والمواشط. أن يجب في العقار المُعَدِّ للكِرَاء وكلِّ سلعة تؤجَّرُ وتعَدُّ للإجارة، قال: وإنما خرَّجْتُ ذلك على الحُلِيِّ؛ لأنه قد ثبت من أصلنا أن الحُلِيَّ لا يجبُ فيه الزكاة، فإذا أُعِدَّ للكراء وجبتْ، فإذا ثبتَ أن الإعداد للكِراء ينشىِءُ إيجابَ زكاةٍ في شيءٍ لا تجبُ فيه الزكاةُ، كان في جميع العروضِ التىِ لا تجِبُ فيها الزكاةُ ينشئ إيجاب الزكاة.
يوضحُهُ أن الذهبَ والفضَّةَ عينانِ تجبُ الزكاةُ بجنسهما وعينهما، ثم إن الصِّناعةَ والإعداد للباس والزينة والانتفاع غلبت (ق/263 ب) على إسقاط الزكاة في عينه، ثم جاء الإعدادُ للكِراء، فغلبَ على الاستعمالِ وأنشأَ إيجابَ الزكاة، فصار أقوى مما قوي على إسقاط
__________
= وكذا ما صحَّ عن عائشة -رضي الله عنها- في لباس المحرمة أنها قالت: “تسدل الثوب على وجهها إن شاءت … ” أخرجه البيهقي: (5/ 47).
(1) انظر: “المغني”: (5/ 155)، و”تهذيب السنن”: (5/ 198).
(3/1075)
الزكاة، فأولى أن يُوجَبَ الزكاةَ في العَقَار والأواني والحيوان التي لا زكاةَ في جنسها أن (1) يُنْشئَ فيها الإعدادُ للكِراء زكاةً.
فائدة
قال ابن (ظ/85 أ)، عقيل: جاءت فتوى أن حاكمًا قال بين يديه يهوديٌ: لا نُنْكِرُ أن محمدًا بُعِثَ (2) إلى العرب، فقال له: وتقولُ أنه جاء بالحَقِّ؛ فقال: نعم، فأفتى جماعة أنه قد أسلمَ.
وكتبتُ: لا شكَّ أن قوله: “إنه بعِثَ إلى العرب” قولُ طائفة منهم، وقولُه بعد هذا: “وأعتقد أنه جاء بالحق”، يرجعُ إلى ما أقرَّ به من أنه جاء رسولًا إلى العرب، فإذا احتملَ أن يعودَ كلامُه إلى هذا، لم يخرجْ من دينه بأمرٍ محتملٍ، وكتب بذلك إلْكِيا (3) والشاشيُّ (4).
فائدة
قاْلْ ابن عقيل في مسألة (ما إذا أُلقِيَ في مركبهم نارٌ واستوى الأمرانِ عدهم) فيه روايتان. قال: وأعملوا أن التقسيمَ والتَّفصيل ما لم تَمَسَّ الناْرُ الجسد؛ فإن مسَّتْه فالإنسانْ بالطبعْ يتحرَّكُ إلى خارج منها؛ لأن طبعَ الحيوان الهربُ من المُحُسِّ، ويغلبُ الحسُّ على التأمّل والنظر في العاقبة، فتصير النارُ دافعةً له بالحِسِّ، والبحرُ ليس.
__________
(1) (ع): “إنما”.
(2) كذا في (ق). والمطبوعات، وفي (ع) “رسول”، و (ظ): “رسول الله”.
(3) إلْكِيا هو: علي بن محمد أبو الحسن الطبري الهرَّاسي، أحد أئمة الشافعية ت (504). “السير”: (19/ 350).
(4) الشاشي هو: محمد بن أحمد أبو بكر التركي، شيخ الشافعية ت (507). “السير”: (19/ 393).
(3/1076)
محسوسًا أذاهُ له، لكنَّ الغرقَ والمضرَّة معلومةٌ، والحسُّ يغلب على العلم.
يبيِّنُ هذا ما يُشَاهَدُ من الضرب والوَخْز للإنسان الذي قد نُصِبَتْ له خشبة ليصْلَبَ عليها، أو حُفِرَ له بئرٌ ليلْقَى فيها، فإنه يتقدَّمُ إلى الخَشَبة والبئر؛ لأن الضَّرَر فيها ليس بِمُحَسٍّ، والوخزُ بالسِّنان (1) والضرب مُحَسٌّ فهو إضرار ناجزٌ واقع، وإذا أردت أن تعلمَ ذلك فانظر إلى وقوف الحيِّ وجنوحه عن التحرّك، إذا تكافأ عنده الأمرانِ في الحِسِّ والعلم.
بيانُه: إنسانٌ هجم عليه سَبُعٌ على حرف نَهَرٍ جار عميقٍ، وهو لا يُحْسِنُ السِّباحةَ، فإنه لا محالةَ يتحرك نحو الماء راميًا نفسَهُ لأجل إلجاء السَّبُعِ له وهجومه عليه، فلو هجم عليه من قِبل وجهه سَبُعٌ، فالتفتَ فإذا وراءه سَبُعٌ آخرُ، وهما متساويان في الهجوم عليه، لم يَبْق للطبع مهربٌ، وتوازن (2) المكروهاتُ، فإنه يَقِف مستسلمًا صامدًا للبلاء، وكذلك تكافُؤ كفَّةِ الميزان.
قلت: هذا صحيح من جهة الوَهْم والدَّهَش، وإلا فلو كان عقلُه حاضرًا معه، لَتكَافَأ عندَهُ الأمران: المحسوس والمعلوم، وكثيرًا ما يحضرُ الرجل عقلَه إذ ذاك فيتكافأُ عنده (3) المحسوس والمعلوم، فيستسلمُ لما لا صُنْعَ له فيه، ولا يعِينُ على نفسه، (ق/264 أ) ويحكم عقله على حِسِّه، ويعلمُ أنه إن صبر كان له أجرُ مَنْ قُتِلَ، ولم يُعِنْ
__________
(1) (ظ): “بالإنسان”.
(2) (ق): “وتوارت”، والمطبوعة: “وتوازنت”.
(3) (ع) زيادة: “الأمران”.
(3/1077)
على نفسه، وإن ألقى نفسه في الهلاك، لم يكنْ من هذا الأجر على يقين، بل ولا يستلزمُ: ذلك الإيمان (1) بالثواب، بل إذا تصوَّرَ حمدَ الناس له على صبره وعدم جزعه بإلقاء نفسه في الهلاك هَرَبًا مما لابُدَّ له منه رأى الصبر أحمدَ عاقبةً، وأنفعِ له أجلًا، فمحكِّم العقل يقدِّمُ الصبَّر، ومحكِّم الحِسَّ يهربُ من التَّلف إلى التَّلَف، فليست الطباعُ في هذا متكافئة، واللهُ أعلمُ.
فائدة
يُذكر عن كعب الأحبار (2) قال: قرأت في بعض كتب الله تعالى: (الهديَّةُ تفقأُ عين الحَكَمِ) (3)، قال ابن عقيل: معناه: أن المحبَّة الحاصِلَةَ للمُهْدَى إليه، وفرحه بالظَّفَر بها، وميله إلى المُهْدِي، يمنعُهُ من تحديق النظر إلى معرفة باطل المهدِي وأفعاله الدَّالَّة على أنه مُبْطِلٌ، فلا ينظر في أفعاله بعينٍ ينظر بها إلى من لم يُهْدِ إليه، هذا معنى كلامه.
قلت: وشاهده الحديثُ المرفوعُ الذي رواه أحمد في “مسنده ” (4).
“حُبُّك الشَّيءَ يعْمي ويُصِمُّ” (5). فالهديَّةُ إذًا أوجبتْ له محبَّةَ المُهْدِي، ففقأتْ عينَ الحَق، وأصمَّت أذنَهُ.
__________
(1) (ظـ): “للإيمان”.
(2) من (ق).
(3) انظر: “الفروع”: (6/ 393)، و”المبدع”: (10/ 40).
(4) (5/ 194).
(5) وأخرجه أبو داود رقم (5130)، والبخاري في “التاريخ”: (3/ 157)، وابن عدي: (2/ 39) وغيرهم من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- والحديث فيه ضعف. أنظر: “المقاصد الحسنة”: (ص/ 181).
(3/1078)
فائدة
قال ابن عَقِيل: الأموالُ التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: (رِشوة وهديةٌ وأجرةٌ ورِزْقٌ).
فالرِّشْوَةٌ: حرامٌ، وهي ضربانِ: رشوةٌ ما ليميلَ إلى أحدهما بغير حقٍّ، فهذه حرامٌ عن فعل، حرام على الآخذ والمعطي، وهما آثمان. ورشوة يُعْطاها ليحكمَ بالحقِّ واستيفاءِ حقِّ المُعطي من دَيْن ونحوه، فهي حرامٌ على الحاكم دون المُعطي؛ لأنها للاستنقاذ، فهي كجُعْل الآبِقِ، وأجرة الوكالة (1) في الخصومة.
وأما الهدية: فضربان: هدية كانت قبل الولاية فلا تحرمُ استدامتها، وهديةٌ لم تكنْ إلا بعدَ الولاية، وهي ضربان: مكروهة وهي الهديَّة إليه ممن لا حكومةَ له، وهدية ممن قد اتجهت له حكومة، فهي حرامٌ على (ظ/ 185 ب) الحاكم والمُهْدِي.
وأما الأجرة: فإن كان للحاكم رزقٌ من الإمام من بيت المال، حَرُمَ عليه أخذُ الأجرة قولًا واحدًا؛ لأنه إنما أَجرى له الرِّزق لأجل الاشتغال بالحكم، فلا وجهَ لأخذ الأجرة من جهة الخصوم، وإن كان الحاكم لا رزقَ له؛ فعلى وجهين: أحدهما: الإباحة؛ لأنه عملٌ مباح فهو كما لو حكَّماه؛ ولأنه مع عدم الرزق لا يتعينُ عليه الحكمُ، فلا يمنعُ من أخذ الأجرة، كالوَصِى وأمين (2) الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدْر الحاجةِ.
وأما الرزق مِنْ بيت (ق / 264 ب) الحال: فإن كان غنيًّا لا حاجةَ له
__________
(1) (ظ): “الوكلاء”.
(2) (ظ): “وعامل”.
(3/1079)
إليه احْتُمل أن يُكْرَهَ لئلا يُضَيَّقَ على أهل المصالح، ويحتمل أن يباحَ؛ لأنه بذل نفسَه لذلك، فصار كالعامل في الزَّكاة والخَراج.
قلت: أصلُ هذه المسائل عاملُ الزكاة وقيِّمُ اليتيم، فإن الله تعالى أباحَ لعامل الزَّكاة جزءًا منها، فهو يأخذه مع الفقر والغنى، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – منعه من قبول الهدية، وقال: “هَلّا جَلَسَ في بَيْتِ أبيهِ وأُمِّهِ فَيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى إليْهِ أمْ لا؟ ” (1)، وفي هذا دليلٌ على أن ما أُهَديَ إليه في بيته ولم يكن سببه العمل على الزَّكاة جاز له قبوله، فيدلُّ ذلك على أن الحاكمَ إذا أَهْدَىَ إليه من كان يُهْدي له قبل الحُكم ولم تكنْ ولايَتُهُ سببَ الهدية فله قَبُولُها.
وأما ناظرُ اليتيم؛ فاللهُ تعالى أَمَرَهُ بالاستعفاف مع الغِنَى، وأباح له الأكلَ بالمعروفِ مع الفقر، وهو إما اقتراضٌ أو (2) إباحة على الخلاف فيه، والحاكمُ فرعٌ متردِّدٌ بين أصلينِ: عامل الزكاة، وناظر اليتيم، فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول المصلحة العامَّة به ألحقَهُ بعامل الزكاة، فيأخذُ الرِّزقَ مع الغِنى كما يأخذُه عاملُ الزَّكاة، ومن نظر إلى كونه راعيًا منتصِبًا لمعاملة الرعية بالأَحَظِّ لهم ألحقه بولي اليتيم، إن احتاج أخذَ، وإن استغنى ترك.
وهذا أفقه، وهو مذهب الخليفتين الراشدين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إني أنزلت نفسي مِنْ مال اللهِ منزلةَ وليِّ اليتيمِ إن احتاجَ أكَلَ بالمعروفِ، وإن استغنى تَرَكَ” (3).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1500)، ومسلم رقم (1832) من حديث أبي حميد. الساعدي -رضي الله عنه-.
(2) (ع): “وإما”.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة: (6/ 460)، وابن سعد في “الطبقات”: (3/ 276)، =
(3/1080)
والفرقُ بينَه وبين عامل الزكاة: أنَّ عامل الزكاة مستأجرٌ من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها، فما يأخذه يأخذُهُ بعمله، كَمَن يستأجرُهُ الرجل لجباية أمواله، وأما الحاكمُ فإنه منتصبٌ لإلزام الناس بشرائع الرَّبِّ -تعالى- وأحكامه وتبليغها إليهم، فهو مبلغٌ عن الله بفُتياه، ويتميَّزُ عن المفتي بالإلزام بولايته وقدرته. والمبلِّغُ عن الله الملزمُ للأُمَّة بدينه، لا يستحقُّ عليهم شيئًا، فإن كان محتاجًا فله من الفيء ما يَسُدُّ حاجَتَهُ، فهذا لَوْن وعامل الزكاة لَوْن، فالحاكم مفْتٍ في خبره عن حكم الله ورسوله شاهدٌ فيما ثبت عنده، مُلْزم لمن توجَّهَ عليه الحقُّ، فيشترطُ له شروط المفتي والشاهد، ويتميَّزُ بالقُدْرة على التنفيذ فهو في منصب خلافةِ مَنْ قال: {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام: 90]، فهؤلاء هم الحَكَّامُ (ق/ 265 أ) المقدَّرُ وجودهم في الأذهان، المفقودون في الأعيان، الذين جعلهم الله ظلالًا، يأوي إليها اللَّهْفان، ومناهِلَ يَرِدُها الظمآنُ.
فائدة
إذا قال إنسان لآخر: “أَنْفِذْ لي كتابًا”، فحلف أنه قد أنفذَهُ أمسِ، فبان أنه قد أنفذَه قبلَه بيوم.
قال ابن عقيل: لا يحنَثُ، لا لأجل الخطأ والنسيان؛ بل لأنَّ قصدَهُ تصديقُ نفسِه في الإنفاذ الذي هو مقصودُ الطالب، وإذا بان أن المقصودَ قد حصل قبل أمس، فقد بان أنه قد حصل أوْفَى المقصود، كما لو حلف: “لقد أعطيتُك دينارًا”، فبان أنه أعطاه دينارين.
__________
= والبيهقي: (6/ 4) عن عمر -رضي الله عنه- بسندٍ صحيح، صححه الحافظ ابن حجر في “الفتح”: (13/ 161)، وابن كثير في “التفسير”: (2/ 853).
(3/1081)
فائدة
إذا ماتت الحاملُ، فصُلِّيَ عليها هل يُنْوَى الحَمْلُ؟.
قال ابنُ عقيل: يحتملُ أن لا يذكرَ سوى المرأة؛ لأن الحَمْلَ غيرُ مُتَيَقَّنٍ، ولهذا يلاعنُ عليه، ولو قُتِلَتْ لم تَجِبْ دِيَتُهُ.
فإن قيل: أليس يُعْزَلُ (1) له الإرثُ، ولا تُدْفَنُ في مقابر المشركين إذا كانت نصرانيةً، ويَتَذَكَّى بذكاة أمِّه؟
قيل: أما الإرثُ فهو الحُجَّة لأنه لا يُعطاه، ولا يُورَثُ عنه، حتى يتحقَّقَ وضْعُه ُعنه (2)، وأما دفنُهُ: فلظنِّ وجوده، وحكمُ الذكاة تلحقهُ إذا وُضِعَ.
فائدة
إذا جَبَّ عبدَه ليزيدَ ثمنُه، فهل تحلُّ له الزِّيَادة؟.
أما على أصْلِنا وأصل مالك بن أنس في العِتْق بالمُثْلة فلا تفريعَ، وأما من لم يعتقْهُ بالمُثْلَة فينبغي عنده أن لا تحرُمَ الزِّيَادَةُ، كما لو قطع له إصبعًا زائدة فزاد ثمنه بقطعها.
فإن قيل: فالمغنِّية إذا زادتْ قيمَتُها لأجل الغناء حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ.
قيل: الغناءُ (ظ/186 أ) منهيٌّ عنه حالَ دوامه، فيقالُ: لا يحِلُ لك أن تغنِّى، ولا يؤخذ العِوَضُ عنه، وأما الخِصاء فهو أثر قد انقضى، ولا يتعلَّقُ النهيُ بدوامه، فافترقا.
__________
(1) (ق): “يعول”.
(2) ليست في (ع وظ).
(3/1082)
فائدة
سَرَق (1) منديلًا لا يساوي نِصابًا، وفي طرفه دينار لم يعلمْ به.
قال ابن عقيل: قياس قولِ أحمدَ فيمن سرق إناءً من ذهبٍ فيه خمرٌ، قال: إنه لا يُقْطَعُ، فكذلك هاهنا لا يُقْطَعُ؛ لأنه جعل القَصْدَ للخمر عِلَّةً لإسقاط القطع بالإناء، فقال: لو لم يكن قصدَه الخمرُ أراقه.
فائدة
رجل له على آخر قَوَدٌ في النَّفْس والطَّرَف، فقَطَعَ الطَّرَفَ فَسَرَى إلى النَّفسِ، هل يسقطُ حكمُ القَوَدِ في النَّفس بالسِّرَاية؟.
قال ابن عَقِيل: يحتملُ أن يكونَ مستوفيًا للحقِّ بالسِّراية؛ لأنَّ القطعَ قد صار قتلًا، وما صلح لاستيفاء الحَقَّيْنِ حصلَ به استيفاؤُهما، كمن أعتقَ المُكَاتِبَ عندَنا في الكفَّارة حصلَ به مقصودُ المكاتبِ من العِتقِ ومقصودُ السَّيِّد من التَّكفيرِ.
وكمن أطعم المُضطرَّ طعامًا قد وِجبَ عليه بذلُهُ، لكون المضطرِّ لا طعامَ له، وكون صاحب الطعام غيْرَ محتاج إليه، ونوى بإطعامه الكفَّارَةَ فإنه (ق/265 ب) يتدفعُ به الحَقَّينِ.
وكذا من دخل المسجدَ فصلى قَضاءً ناب عن القضاء والتَّحِيَّة.
قلت: وكذلك إذا نَذَرَ صوم يومٍ يقدُمُ فلان، فقَدِمَ في نهار رمضان -على قول الخِرَقِيِّ-.
__________
(1) كذا في الأصول بدون فاعل، ويقدَّر بمحذوف.
(3/1083)
وكذلك المتمتِّعُ إذا دخل المسجدَ طاف طوافًا واحدًا هو طوافُ العُمْرة وطوافُ القدوم.
وكذلك إذا أخَّرَ طوافَ الزِّيارة إلى وقت الوَدَاع (1) وطافَ طوافًا واحدًا كفاه عنهما.
وكذلك إذا سَرَقَ وقَطَعَ يدًا معصومةً، فطُلِبَ القِصَاص، فقطعتْ يَدُه حدًّا وقِصاصًا.
قال: ويحتملُ أن لا يقعَ موقِعَهُ، ويكون فائدةُ وقوعِهِ على الاحتمال الأوَّل أنه لا يستحقُّ الدِّيَة (2).
وإن قلتا: الواجبُ أحد أمرين، ويكون فائدةُ عدم وقوعه على الاحتمال الثاني أن تقع السِّراية هَدَرًا؛ لأنها غيرُ مضمونة عندَنا، وإذا لم تكن مضمونةً، لم يكن محتسبًا بالسِّراية قتلًا، فإن الاحتسابَ بها عن القَوَد الواجب له هو أحد الضمانين، فإذا ثبت أنها لا تقعُ موقعَ القَوَد، كان له الدِّيَةُ على الرِّواية التي تقول: إن الواجبَ أحدُ الأمرين.
فائدة
مذهبُ الإمام أحمد: يؤخذُ من الذِّمِّيِّ التَّاجر إذا جاز علينا نصفُ العشر، ومن الحربيِّ المستأمنِ العُشر.
ومذهب أبي حنيفة: إن فعلوا ذلك بنا فعلناه بهم، وإلا فلا.
ومذهب الشافعيِّ: لا يجوُزُ إلا بشرطٍ أو تَرَاضٍ بينَهم وبين الإمام.
__________
(1) (ق): “الطلوع “.
(2) فى هامش (ع) تعليق نصُّه: “هذا الفرع ليس يسلّم على المذهب، بل تُقطع يده قِصاصًا، بل إذا سرق ويمينه [] في قصاص قُطعت رجله اليسرى” اهـ.
(3/1084)
قال ابنُ عقيل: وهذا هو الصحيحُ من المذاهب (1)؛ لأن عقد الذِّمَّة للذِّمِّيِّ والأمانَ للحربيِّ أوجبَ حفظَ أموالهم وصيانَتَها بالعهد والجزية، وأخذ ذلك يقعُ ظلمًا منَّا، ونقضًا لذِمَّتِهم الموجِبَةِ عِصْمَةَ أموالهم ودمائهم.
فأوْرِد عليه: ما يصنعُ بقضيَّة عُمَرَ؟
فقال: هي محتملةٌ أنه فعل ذلك مقابلةً لفعلٍ كان منهم، ويحتملُ أنه كان شَرَط على قوم منهم ذلك لمصلحة رآها، وحاجةٍ للمسلمين أوْجَبتْ ذلك، قال: ودليلي مصرِّحٌ بالحكم واضح لا يحتملُ، فأصْرف ظاهرَ القصَّة إلى هذا الاحتمال بدليلٍ واضح.
فائدة
قال ابن عَقِيل: سُئلتُ عن كَتْب المَهْر في ديباج؟
فقلت: إنما يقصدُ المباهاة، وهي التي حُرِّم لأجلها الحريرُ، وهو الكِبْرُ والخُيَلاءُ، قالوا: فهل يطعنُ ذلك في الحُجَّة؟ قلت: لا، كما لو كتب في ورقة مغصوبة، الكَتْبُ حَرَامٌ، والحُجَّةُ ثابتةٌ (2).
__________
(1) (ظ): “المذهب”.
(2) في هامش (ق) ما نصه: “يُسأل على مُقتضى مذهبه عن الفرق بين هذا وبين الحج بمال مغصوب والصلاة في دار مغصوبة ونظائر ذلك” ثم كتب بعده بخط مغاير: “أقول: الفرق أوضح من شمس الظهيرة، وهو أن البقعة شرط للصلاة، والحج إن وقف على مباح يصح وإلا لم يصح؛ لأن المغصوب كالماء النجس، لا يجور التطهر به، وأما كتابة المهر فيه فليست شرطًا لصحة النكاح حتى تقاس على الصلاة في المغصوب، نعم … مهرًا مغصوبًا والله تعالى أعلم” اهـ.
أقول: مكان النقط نحو سطر مطموس لم يظهر، والتعليقة الأخيرة كأنها بخط ابن حميد النجدي صاحب “الحب”.
(3/1085)
فائدة
طُلِبَ في الزنا أربعة، وفي الإحصانِ اكتُفي باثنين؛ لأن الزنا سببٌ وعلَّةٌ، والإحصان شرطٌ، وإبداء الشروط تقصرُ عن العلل والأسباب؛ لأنها مصححةٌ وليست موجبة، ولهذا لا يُكتفى بالإقرار مرَّةً، عندنا وعند الحنفية.
فائدة
عطيةُ الأولاد: المشروع أن يكون على قدْر مواريثهم (ق/ 266 أ)؛ لأن الله تعالى مَنَعَ مما يُؤَدّي إلى قطيعة الرَّحِم، والتسويةُ بين الذكر والأنثى مخالفةٌ لما وَضَعَهُ الشَّرْع هن التفضيل، فيُفضي ذلك إلى العداوة؛ ولأنَّ الشَّرْع أعلمُ بمصالحنا، فلو لم يكنِ الأصلحَ التفضيلُ بين الذَّكَر والأنثى لما أشَرَعَهُ؛ ولأن حاجةَ الذكر إلى المال أعظمُ من حاجة الأنثى، ولأن الله تعالى جعلَ الأنثى على النِّصف من الذكر فى الشهادات والميراث (1) والدِّيَات، وفي العقيقة بالسُّنَّة؛ ولأن الله تعالى جعل الرِّجالَ قوَّامين على (ظ/ 186 ب) النساء، فإذا عَلِمِ الذكرُ أن الأبَ زاد الأنثى على العَطِيَّة التي أعطاها اللهُ وسواها بمن فضَّلَهُ اللهُ عليها، أفضى ذلك إلى العداوة والقَطِيعة، كما إذا فضَّل عليه مَنْ سوَّى بينَهُ وبينَه.
فأيُّ فرقٍ بين أن يُفَضِّلَ من أَمَرَ اللهُ بالتَّسوية بينَه وبين أخيه، أو يُسَوِّيَ بينَ مَنْ أمر الله بالتَّفضيل بينهما!؟
وأعترض ابنُ عقيل على دليل التفضيل وقال: بناءُ العطية حالَ
__________
(1) ليست في (ع).
(3/1086)
الحياة والصِّحَّة والمال لا حقَّ لأحد فيه، ولهذا لا يجوزُ له الهِباتُ والعطايا (1) للوارِث، وما زاد على الثلُث للأجانب عِبْرَةً بحال صحته، وقطعًا له عن حال مرض الموت، فضلًا عن الموت، وكذا تُعطى الإخوة الأخواتُ مع وجود الابن والأب، وإن لم يكنْ لهم حقٌّ في الإرث، وتلك عطيَّةٌ من الله على سبيل التَّحكُّم لا اختيارَ لأحد فيه، وهذه عطيَّةٌ من مكلَّفٍ غيرِ محجورٍ عليه، فكانت على حسب اختياره من تفضيل وتسوية، وهذا هو القولٌ الصحيحُ عندي.
قلت: وهذه الحجَّةُ ضعيفةٌ جدًّا، فإنها باطلةٌ بما سَلَّمه من امتناع التَّفضيل بين الأولاد المُتَساوِينَ في الذكورة والأنوثة، وكيف يصحَّ له قوله: “إنها عطيَّةٌ من مكلّف غير محجور عليه، فجازت على حسْب اختياره” وأنت قد حَجَرت عليه في التَّفضيل بين المُتَساوِينَ؟.
فائدة (2)
قال ابن عقيل: جَرَى (3) في جواز العمل في السَّلطنة الشَّرعية بالسِّياسة: هو الحزم، فلا يخلو منه إمامٌ.
قال شافعيٌّ: لا سياسةَ إلا ما وافق الشَّرْعَ.
قال ابنُ عقيل: السياسةُ ما كان فعلًا يكونُ معه الناسُ أقربَ إلى الصَّلاح، وأبعدَ عن الفساد، وإن لم يضَعْه الرسولُ، ولا نزلَ به
__________
(1) (ق): “يجوز له الهبات والعطيات”.
(2) (ق): “مسألة”، وقد نقل هذا الفصل المؤلف في “الطرق الحكمية”: (ص/13 – فما بعدها) وعلق عليه بما هو أوسع مما هنا، وعزاه إلى “الفنون”، وانظر ما سبق (3/ 1035).
(3) كذا بالأصول، والمقصود: جرى خلاف أو نزاع … فقيل: هو الحزم ….
(3/1087)
وحيٌ، فإن أردتَ بقولك: “إلا ما وافقَ الشَّرْعَ” أي: لم يخالفْ ما نَطَق به الشرعُ = فصحيح، وإن أردتَ: ما نطقَ به الشرعٌ (1) -فغلطٌ وتغليط للصَّحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمُثَل ما لا يجحدُه عالم بالسنن، (ق/266 ب) ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وتحريق عليٍّ في الأخاديد وقال:
إني إذا شاهدتُ أمرًا مُنْكَرًا … أجَّجْتُ نَارِي ودَعَوْتُ قنْبَرا (2)
ونَفَى عُمَرُ نصرَ بن حجَّاجٍ (3).
قلت: هذا موضعُ مَزَلَّةِ أقدام، وهو مقام ضْنكٍ ومعتركٌ صعب، فرَّطَ فيه طائفةٌ، فعطَّلوا الحدودَ وضيَّعوا الحقوقَ وجرَّأوا أهلَ الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقومُ بها مصالحُ العباد، وسدَّوا على أنفسهم طُرُقًا عديدةً من طرق معرفة المحقِّ من المبطل (4)، بل عطَّلوها مع عِلْمهم قطعًا وعِلْمْ غيرهم بأنها أدِلَّةُ حَقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة الشريعة، فلما رأي ولاةُ الأمر ذلك، وأن الناسَ لا يستقيمُ أمرهم إلا (5) بشيء
__________
(1) “فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع” سقطت من (ظ).
(2) قصة تحريق علي -رضي الله عنه- للسبيئة أو الزنادقة أخرجها البخاري رقم (3017)، وقصة التحريق وإنشاد البيت أخرجه أبو طاهر المخلّص في حديثه بسندٍ حسن قاله الحافظ في “فتح الباري”: (12/ 282). على اختلاف في رواية البيت فى المصادر.
(3) أخرج قصة نصر بن حجاج ابنُ سعد في “الطبقات” (3/ 285)، والخرائطي قي”اعتلال القلوب”: (ص/ 337 و 339)، قال الحافظ: “بسندٍ صحيح”، “الإصابة”: (3/ 579).
(4) (ظ): “الحق من الباطل”.
(5) (ع): “ولا”.
(3/1088)
زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أَحْدَثوا لهم قوانينَ سياسيةً ينتظمُ بها أمرُ العالمَ، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياسَتِهم = شرٌّ طويل، وفساد عريضٌ، وتَفَاقَمَ الأمرُ، وتعذَّرَ استدراكُهُ.
وأفرطتْ طائفة أخرى فسَّوغتْ منه ما يُنافي حكمَ الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتِيتْ من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله (1)، فإنَّ اللهَ أرسل رُسلَهُ وأنزل كُتبهُ ليقومَ الناسُ بالقسط، وهو العدل الذي به قامتْ السَّماواتُ والأرضُ، فإذا ظهرت أماراتُ العدل، وتبيَّنَ وجهُه بأيِّ طريق كان، فثَمَّ شرعُ الله ودينُه، والله تعالى لم يحصرْ طرُقَ العدل وأدلَّتَه وعلاماتِه في شيء، ونفى غيرَها من الطرق التي هي مثلُها أو أقوى منها، بل بيَّن بما شَرَعَهُ من الطُّرُق أن مقصوده إقامةُ العدل وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريقٍ اسْتُخْرِجَ بها العدلُ والقسطُ فهي من الدِّين.
لا يقال: “إنها مخالفةٌ له” فلا تقول: إن السياسةَ العادلةَ مخالفةٌ لما نطقَ به الشرعُ، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزءٌ من أجزائه، ونحن نسمِّيها سياسةً تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرعٌ حقٌّ. فقد حبس رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – في تُهمة (2)، وعاقب في تهمة (3)، لما ظهر
__________
(1) من قوله: “وكلا الطائفتين … ” إلى هنا سقط من (ع).
(2) أخرجه أبو داود رقم (3630)، والترمذي رقم (1417)، والحاكم: (4/ 102) وغيرهم من طريق بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث حسن كما قال الترمذي، وصححه الحاكم. ووقع في ق): “في نميمة”.
(3) تقدم في قصة الزبير وضربه لابن أبي الحقيق (3/ 1037).
(3/1089)
أمارات الرِّيبة على المتهم، فمَنْ أطلقَ كُلَّ متَّهَمٍ وحلّفه وخلَّى سبيلَه مع علمِه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِه البيوتَ وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذُهُ إلا بشاهدَي عدْلٍ؛ فقولهُ مخَالفُ للسِّياسة الشرعية، وكذلك منعَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الغَالَّ (ق/ 267 أ) من سهمِهِ من الغنيمة (1)، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعَه كله (2)، وكذلك أخذه شطرَ مال مانع الزكاة (3)، وكذلك إضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا يُقطعُ فيه وعقوبته بالجَلد (4). (ظ/187 أ) وكذلك إضعافُه الغرْمَ على كاتم الضَّالَّة (5). وكذلك تحريق عمر حانوتَ الخَمَّار (6)، وتحريقه قَرْيَةَ خمر (7)، وتحريقه قصرَ سعد بن أبي وقَّاص لما احتجَبَ فيه عن الرَّعِيَّة (8)، وكذلك حَلْقُه رأسَ نصرِ بن حجَّاج ونفيه (9)، وكذلك
__________
(1) أخرجه أبو داود رقم (2713)، والترمذي رقم (1461) -من حديث عمر رضي الله عنه- وضعفه البخاري والترمذي، وأشار إلى ذلك أبو داود.
(2) أخرجه أبو داود رقم (2715) من حديث ابن عَمْرو -رضي الله عنهما- وهو ضعيف. وانظر: “التلخيص”: (4/ 81، 113).
(3) أخرجه أحمد: (33/ 220 رقم 20016)، وأبو داود رقم (1575) والنسائى: (5/ 25)، وابن خزيمة رقم (2266)، والحاكم: (1/ 398) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
(4) أخرجه أبو داود رقم (1710)، والترمذي رقم (1289) مختصرًا، والنسائي: (8/ 85 – 86) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسنه الترمذي.
(5) أخرجه أبو داود رقم (1718) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(6) أخرج عبد الرزاق: (6/ 77) أن عمر أحرق بيتَ رجلٍ وجد فيه خمرًا وكان جُلد فيها.
(7) ذكر شيخ الإسلام في “الاقتضاء”: (2/ 49) أن عليًا حرق قرية يباع فيها الخمر، ولم أجده عن عمر.
(8) أخرجه أحمد: (1/ 448 رقم 390)، وابن المبارك في “الزهد”: (ص/ 179) وسنده صحيح غير أنه منقطع.
(9) تقدم قريبًا.
(3/1090)
ضربُه صَبيغًا (1)، وكذلك مصادرته عمّالَه. وكذلك إلزامه الصحابَةَ أن يُقِلُّوا الحَديثَ عن رسول الله ليشتغلَ الناسُ بالقرآن فلا يُضَيِّعوه (2)، إلى غير ذلك من السِّياسة التي ساس بها الأمَّةَ فصارت سُنَّة إلى يوم القيامة، وإن خالفها مَنْ خالفها.
ومن هذا تحريقُ الصديق للُّوطِيِّ (3). ومن هذا تحريقُ عثمان للصُّحف المخالفة للسان قريش (4). ومن هذا اختيار عُمرَ للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره، فلا يزالُ البيتُ الحرام مقصودًا (5)، إلى أضعافِ أضعاف ذلك من السِّياسات التي ساسوا بها الأمَّة وهي بتأويل القرآن والسنة.
وتقسيمُ النَّاسِ الحُكْمَ إلى شريعة وسياسة، كتقسيم من قَسَّم الطريقةَ إلى شريعةٍ وحقيقةٍ، وذلك تقسيمٌ باطلٌ، فالحقيقةُ نوعان:
حقيقة هي حقٌّ صحيحٌ، فهي لُبُّ الشَّريعة لا قسيمها، وحقيقةٌ باطلة، فهي مضادَّة للشَّريعة كمضادَّة الضَّلال للهدى.
وكذلك السَّياسة نوعان: سياسةٌ عادلة، فهي جزء من الشَّريعة
__________
(1) أخرجه الدارمي: (1/ 66)، والبزار في “مسنده”: (1/ 423)، واللالكائي: (4/ 635 – 636)، وهي قصة مشهورة.
(2) أخرج مَعمر في “الجامع”: (11/ 262) عن الزهري عن أبي هريرة قال: “لما ولي عمر قال: “أقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – … ” وأخرجه الطبراني في “الأوسط”: (2/ 326)، والرامهرمزي في “الحديث الفاصل” (ص/ 553)، والروايات عن عمر في هذا المعنى كثيرة.
(3) أخرجه البيهقي: (8/ 232).
(4) أخرجه البخاري رقم (4987) وغيره.
(5) أخرجه مسلم رقم (1221 و 1222).
(3/1091)
وقسمٌ من أقسامها لا قسيمها. وسيَاسَةٌ باطِلَةٌ فهِيَ مُضَادَّة للشَّريعة (1) مضَادَّةَ الظُّلم للعدل.
ونظير هذا: تقسيمُ بعض الناس الكلامَ في الدِّين إلى الشرع والعقل هو تقسيمٌ باطل، بل المعقولُ قسمان: قسمٌ يوافق ما جاء به الرسولُ، فهو معقولُ: كلامِه ونصوصِه، لا قسيم ما جاء به، وقسم يخالِفُه، فذلك ليس: بمعقولٍ، وإنما هو خيالاتٌ وشُبَهٌ باطلة يظن صاحبها أنها معقولات، وإنما هي خيالاتٌ وشُبُهَاتٌ.
وكذلك القياسُ والشرع، فالقياسُ الصحيح هو معقولُ النصوص، والقياسُ الباطل المخالف للنصوص مضَادٌّ للشرع.
فهذا الفصلُ هو فَرْقُ ما بينَ وَرثَةِ الأنبياء وغيرهم، وأصله مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – بالسُّنَّة، إلى كلِّ ما يَحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحُهُمْ في معاشهم ومَعَادِهم، وأنه لا حاجةَ إلى أحد سواه ألبَتَّةَ، وإنما حاجتُنا إلى من يُبَلغُنا عنه ما جاء به، فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمُه في الإيمان بالرسول، بل يجبُ الإيمان بعموم رسالته في ذلك، كما يجبُ الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المُكَلَّفين، (ق/267 ب) فكما لَا يخرجُ أحد من الناس عن رسالته ألبتة فكذلك لا يخرجُ حقٌّ من العلمِ والعملِ عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجَةَ بالأمَّةِ إلى سواه، وإنما يحتاجُ إلى غيره من قلَّ نصيبُه من معرفته وفهمه، فبحسب قلَّة نصيبِهِ من ذلك تكون حاجتُه، وإلا فقد توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وما (2) طائر يُقَلِّب جناحيه في السَّماء إلا وقد ذكر للأمَّة
__________
(1) من قوله: “كمضادة الضلال … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ظ): “وما من”.
(3/1092)
منه علمًا (1)، وعلَّمهم كل شيءٍ، حتى آدابَ التخَلِّي وآداب الجماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والرُّكوب والنزول، ووصف لهم العَرْشَ والكرسِيَّ والملائكة، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه، حتى كأنهم (2) رأيُ عَيْن، وعرَّفهم بربِّهم ومعبودِهم أتمَّ تعريف، حتى كأنهم يَرَوْنه بما وصفه لهم من صفات كماله ونعوت جلاله، وعرَّفهم الأنبياءَ وأُمَمَهُمْ وما جرى لهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرَّفهم من طرق الخير والشر، دقيقِها وجليلِها، ما لم يعَرِّفْهُ نبيّ لأمَّتِهِ قبلَهُ.
وعرَّفهم من أحوال الموت وما يكونُ بعدَه في البرزخ، وما يحصلُ فيه من النعيم والعذاب للرُّوح والبَدَن ما جلَّى لهم ذلك حتى كأنهم يُعَاينوه.
وكذلك عرفهم من أدِلَّة التوحيد والنُّبُوَّة والمعَاد والرَّدِّ على جميع طوائف أهل الكفر والضَّلال، ما ليس لمن عرفه حاجةٌ إلى كلام أحدٍ من الناس ألبتةَ.
وكذلك عرَّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرُق الظَّفَر به، ما لو علموه وفعلوه لم يَقُمْ لهم عدوٌّ أبدًا.
وكذلك عَرَّفهم من مكائد (3) إبليسَ وطرقه التي يأتيهم منها وما يحترزون به من كَيْدِه ومكرِه، وما يدفعون به شَرَّه ما لا مزيدَ عليه.
__________
(1) جاء هذا في حديثٍ أخرجه البخاري رقم (6604)، ومسلم رقم (2891) من حديث حذيفة -رضي الله عنه-.
(2) (ظ): “كأنه”.
(3) من قوله: “الحروب ولقاء … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1093)
وكذلكْ أرشدَهم في معاشِهِمْ إلى ما لو فعلوه لاستقامتْ لهم دنياهم أعظمَ استقامةٍ.
وبالجملة، فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره، ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه. ولهذا ختم اللهُ به ديوان النُّبُوَّة، فلم يجعلْ بعدَه رسولًا، لاستغناء الأُمَّة به عمن سواه، فكيف يظَنُّ أن شريعَتَهُ الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها، أو إلى حقيقة خارجة عنها، أو إلى قياس خارج عنها، أو إلى معقول خارج عنها؟.
فمن ظنذَ ذلك فهو كمن ظنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسول آخر بعده. وسبب هذا كلِّه خفاءُ ما جاء به (ظ/ 187 ب) على مَنْ ظَنَّ ذلك.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وكيف يَشفِي ما في الصدور كتاب لا يَفي بعشر معشار ما النَّاسُ محتاجون إليه على زعمهم الباطل.
ويالله العجبُ كيف كان الصحابةُ والتابعون قيلَ وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال؟ أَهَلْ (1) كانوا مهتدين بالنُّصوص أم كانوا على خلاف ذلك؟! حتى جاء المتأخرون أعلمَ
__________
(1) كذا بالأصول.
(3/1094)
منهم، وأهدى منهم، هذا ما لا يظنُّه من به رَمَقٌ من عقل (1) أو حياء، نعوذُ بالله من الخذلان؛ ولكن من أوتي فَهمًا في الكتاب وأحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – استغنى (2) بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفَضْلُ العظيم، وهذا الفَصْل لو بُسِط كما ينبغي (3) لقام منه عدة: أسفار، ولكن هذه لفظات تشيرُ إلى ما وراءَها.
فائدة
قال ابن عقيل: يحرم خَلْوةُ النساء بالخِصْيان والمَجْبُوبينَ؛ إذ غايةُ ما تجد (4) فيهم عدمُ العضو أو ضعفه، ولا يمنع ذلك لإمكان الاستمتاع بحسِّهم من القبلة واللمس والاعتناق. والخصِيُّ يقرعُ قرعَ الفحل، والمجبوبُ يُسَاحِقُ، ومعلومٌ أن النساء لو عَرَض فيهنَّ حبُّ السِّحَاق منَعْنا خَلْوَةَ بعضِهنَّ ببعض، فأولى أن نمنع خَلْوةَ من هو في الأصل على شهوته للنساء.
فائدة
عزَّى بعضُ العلماءِ رجلًا بطفلة فقال له: قد دخل بعضُك الجَنَّةَ فاجتهد أن لا تَتَخَلَّفَ بقيَّتُك (5) عنها.
قلت: وفي جواز هذه الشَّهادة ما فيها، فإنا وإن لم نشُك أن
__________
(1) استعمل ابن القيم هذا التعبير أيضًا في “مفتاح دار السعادة”: (3/ 97).
(2) (ق) ما: “علم استغناءه”، و (ع): “استغناه”.
(3) “كما ينبغى” ليست في (ق).
(4) (ق وظ): “تجدد”!.
(5) (ق): “نفسك”.
(3/1095)
أطفال المؤمنين في الجنة، لا نشهدُ لمُعَيَّنٍ أنه فيها، كما نشهدُ لعموم المؤمنين بالجنة، ولا نشهدُ بها لمعيَّنٍ سوى من شهد له النَّصُّ.
وعلى هذا يُحمل حديث عائشة، وقد شهدت للطفل من الأنصار بأنه عصفور من عصافير الجنة. فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم -: “وما يُدْرِيكِ” (1)؟.
وهكذا نقول لهذا المُعَزِّي: وما يُدريكَ أنَّ بعضَ المُعَزَّى دخل الجنة؟! وسرُّ المسألة الفرقُ بين المعيَّنِ والمُطْلَق في الأطفال والبالغينَ، والله أعلم.
فائدة
قوله في حديث الجمعة: “وطُوِيتِ الصُّحُف” (2)، أي: صحفُ الفَضلِ، فأما صحفُ الفرض فإنها لا تُطوى (ق/268 ب) لأن الفرض يسقطُ بعد ذلك.
فائدة
عن أحمدَ في الصَّيد إذا أوْجَبه، والشَّاة إذا ذبحها، ثم سقطت في ماء هل تباحُ؟ على روايتين.
وسئِلَ بعض أصحابنا عن هؤلاء الشَّوَّائين يذبحون الدجاج ويرمون به في ماء السَّمْط (3) وهو يضطربُ؛ فخرَّجه على هاتين الروايتين، وصحح الإباحة قال: لأن ذلك: الاضطرابَ ليس له حُكْمُ الحياةِ.
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2662)، بنحوه من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(2) أخرجه البخاري رقم (929)، ومسلم رقم (850) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(3) أصل السَّمط: أن يُنزع صوف الشاة المذبوحة بالماء الحار. “اللسان”: (7/ 322).
(3/1096)
فائدة
اسْتدِل على تفضيل النِّكاح على التَّخَلِّي لنوافل العِبادة: بأن الله عز وجل اختار النكاحِ لأنبيائه ورسله، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] وقال في حق آدم: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] واقتطع من زمن كليمهِ عشرَ سنينَ في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلومٌ مقدارُ هذه السنينَ العشرِ في نوافل العبادات.
واختار لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – أفضلَ الأشياء فلم يخْتَر له ترك النكاح بل زوَّجه بتسعٍ فما فوقهن، ولا هَدْيَ فوقَ هديه.
ولو لم يكنْ فيه إلا سرورُ النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم المباهاة بأمَّتِهِ.
ولو لم يكن فيه إلا أنه بِصَدَدِ أنه لا ينقطعُ عملُهُ بموته.
ولو لم يكُنْ فيه إلّا أنه يخرجُ من صُلْبه من يشهدُ للهِ بالوحدانية ولرسوله بالرسالة.
ولو لم يكن فيه إلا غضُّ بصره، وإحصانُ فرجه عن التفاتِهِ إلى ما حرَّم اللهُ.
ولو لم يكن فيه إلا تحصينُ امرأةِ يُعِفُّها اللهُ به، ويُثيبُه على قضاء وَطَرِه ووَطَرِها، فهو في لَذاتِه وصحائفُ حسناته تتزايَدُ.
ولو لم يكنْ فيه إلا ما يُثابُ عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللُّقمة إلى فيها.
ولو لم يكن فيه إلا تكثيرُ الإسلام وأهله وغيظُ أعداء الإسلام.
(3/1097)
ولو لم يكنْ فيه إلا ما يترتَّب عليه من العبادات التي لا تحصل للمُتخَلِّي للنوافل.
ولو لم يكن فيه إلا تعديلُ قوته الشَّهوانية الصَّارفة له عن تعلُّق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه، فإن تعلُّقَ القلب بالشَّهوة ومجاهدته عليها تصدُّه عن تعلّقِه (1) بما هو أنفعُ له، فإن الهمَّة متى انصرفت إلى شيءٍ انصرفتْ عن غيره.
ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبناتٍ إذا صَبَر عليهن وأحسنَ إليهنَّ كُنَّ له سِترًا من النار.
ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدَّم له فرَطين لم يبلغا الحِنْثَ أدخلَه الله يهما الجنَّةَ.
ولو لم يكن فيه إلا استجلابُه عونَ الله له فإن (ظ / 188 أ) في الحديث المرفوع: “ثَلاثَةٌ حَقٌّ علَى اللهِ عَوْنُهُمْ: النَّاكحُ يُريدُ العَفَافَ. وَالمُكَاتِبُ يُرِيد الأَدَاءَ، وَالمُجَاهِدُ” (2).
فائدة
اسْتُدِل (ق/ 269 أ) على وجوب الجماعة: بأن الجَمع بين الصَّلاتين شُرع في المطر لأجلْ تحصيل الجماعة، مع أن إحدى الصلاتين قد وقعتْ خارج الوقت، والوقت واجبٌ، فلو لم تكنِ الجماعةُ واجبة لما تُرِك لها الوقت الواجب.
__________
(1) (ق): “تعلق قلبه”.
(2) أخرجه أحمد (12/ 379) رقم 7416)، والترمذي رقم (1655) وابن ماجه رقم (2518)، والنسائي: (6/ 61) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
والحديث صححه ابن حبان “الإحسان”: (9/ 339)، والحاكم: (2/ 160)، وحسنه الترمذي والبغوي.
(3/1098)
اعْتُرِض على ذلك: بأن الواجبَ قد يسقط لغير الواجب، بل لغير المستحَبِّ، فإن شطر الصلاة يسقطُ لسفر الفُرْجة والحجارة، ويسقط غسلُ الرجلين لأجل لبس الخُفِّ، وغايتُهُ أن يكون مباحًا.
وهذا الاعتراضُ فاسدٌ؛ فإن فرض المسافر ركعتين، فلم يسقطِ الواجبُ لغيرِ الواجب، وأيضًا فإنه لا محذورَ في سقوط الواجب لأجل المباح، وليس الكلامُ في ذلك، وإنما المستحيلُ أن يُراعى في العبادة أمرٌ مستحبٌّ يتضمَّن فواتَ الواجب، فهذا هو الذي لا عهدَ لنا في الشريعة بمثله ألبتةَ، وبذلك خرج الجواب عن سقوط غسل الرجلين لأجل الخُفِّ.
واسْتُدِلَّ على وجوبها: بأن الله تعالى أمَرَ بها في صلاة الخوف التي هي محل التخفيف، وسقوط ما لا يسقطُ في غيرها، واحتمالُ ما لا يحتمل في غيرها، فما الظن بصلاة الآمنِ المقيم؟!
فاعْتُرِض على ذلك: بأن المقصودَ الاجتماعُ في صلاة الخوف، فقصد اجتماع المسلمين وإظهار طاعتهم وتعظيم شعار (1) دينهم، ولاسيما حيث كانوا مع النبي – صلى الله عليه وسلم -، فكان المقصودُ أن يظهروا للعدوِّ طاعةَ المسلمين له، وتعظيمهم لشأنه، حتى إنهم في حال الخوف الذي لا يبقى أحد مع أحد يتَّبعونه ولا يتفرَّقون عنه ولا يفارقونه بحالٍ، وهذا كما جرى لهم في عُمْرة القضاء معه حتى قال عرْوَةُ بن مسعود: لقد وفَدْتُ على الملوك -كسرى وقيصر- فلم أرَ ملِكًا يعظِّمُهُ أصحابُة ما يُعَظِّمُ محمدًا أصحابُهُ (2).
__________
(1) (ع): “شعائر”.
(2) أخرجه البخاري رقم (1694) من حديث المِسوَر -رضي الله عنه- في قصة الحديبية.
(3/1099)
والذي يدلُّ على هذا: أنا رأينا الجماعةَ تَسْقطُ عند المطر الذي يبلُّ النعال، فكان منادي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينادي: “ألا صَلّوا في رِحَالِكُمْ” (1)، والجمعةُ تسقطُ بخشية فوات (2) الخبز الذي في التَّنُور، مع كون الجماعة شرطًا فيها، وتسقطُ: خشية مصادفة غريمٍ يؤذيه. ومعلومٌ أن عذرَ الحرب ومواقَفَةَ (3) الكفار أعظمُ من هذا كله، ومع هذا فأقيم شعارُها في تلك الحال، فدلَّ على أن المقصود ما ذكرنا.
قلت: ونحن لا ننكِرُ أن هذا مقصودٌ أيضًا مضمومٌ إلى مقصود الجماعة، فلا منافاةَ بينه وبين وجوبِ الجَماعة، بل إذا كان هذا أمرًا مطلوبًا فهو من أدلِّ الدلائل على وجوب الجماعة في (ق/269 ب) تلك الحال، ومع أن هذا مقصود أيضًا في اجتماع المسلمين في الصلاة وراءَ إمامهم، وأسباب العبادات التي شرعت لأجلها لا يشرَطُ دوامُها في ثبوت تلك العبادات، بل تلك العباداتُ تستقرُّ وتدومُ، وإن زالت أسباب مشروعيَّتها. وهذا كالرَّمَل في الطَّواف والسَّعي بين الصَّفا والمروة.
ونظير هذا اعتراضهم على أحاديث الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة، بأن المقصودَ بها الإعلام بجواز العُمرة في أشهر الحجِّ مخالفة للكفار. فقيل لهمك وهذا من أدلِّ الدلائل على استحبابه ودوام مشروعيته، فإن ما شُرِع من المناسك قصدًا لمخالفة الكفار فإنه دائمُ المشروعيَّة إلى يوم القيامة. كالوقوف: بعَرفة، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – خالَفَهُم ووقف بها وكانوا
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (632)، ومسلم رقم (697) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(2) (ع): “بفوات”.
(3) (ع): “ومواقفته”.
(3/1100)
يقفون بمُزْدلفة، فقال: “خَالَفَ هَدْينا هَدْيَ المُشْرِكينَ” (1)، وكالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قبلَ طلُوع الشَّمس، فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرقَ الشمسُ، فَقَصَد مخالَفَتهم وصارت سنَّة إلى يوم القيامة، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشرع: أنَّ الأحكامَ المشروعة لهذه الأسباب في الأصل لا يشترطُ في ثبوتها قيامُ تلك الأسباب؛ فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأمورًا بها في صلاة الخوف هو الواقعَ، لم يلزمْ مه سقوطُ الأمر بها عند زوال تلك الأسباب، وفَتحْ هذا الباب يفضي إلى إسقاطِ كثيرٍ من السُّنن، وذلك باطلٌ.
فائدة (2)
الخلافُ في كون عائشة أفضلَ من فاطمة أو فاطمة أفضلُ، إذا حُرِّرَ محلُّ التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل (3) لا يستقيمُ.
فإن أُريْدَ بالفضل كثرةُ الثواب عند الله؛ فذلك أمر لا يُطَّلَعُ عليه إلا بالنَّصَّ؛ لأنه بحَسْب تفاضُل أعمال القلوب لا بمجرَّد أعمال الجوارح، وكم من عامِلَين أحدُهما أكثرُ عملًا بجوارحه، والآخرُ أرفعُ درجة منه في الجنة.
وإن أُريْدَ بالتفضيل التفضيل بالعلم؛ فلا ريبَ أن عائشة أعلمُ وأنفعُ للأمَّة، وأدَّت إلى الأمَّة من العلم ما لم يؤَدِّ غَيْرُها، واحتاج إليها خاصُّ الأمَّةِ وعامَّتها.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1665)، ومسلم رقم (1219) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(2) (ق): “مسألة”.
(3) “صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل” سقطت من “ظ”.
(3/1101)
وإن أريد بالتفضيل شرَف الأصل وجلالة (ظ/ 188 ب) النَّسَب؛ فلا ريب أن فاطمةَ أفضل، فإنها بضعةٌ من النبي – صلى الله عليه وسلم – وذلك اختصاصٌ لم يَشْرَكْها فيه غيرُ إخوتها.
وإن أريد السيادةُ؛ ففاطمةُ سيّدَةُ نساء الأمَّة (1).
وإذا ثبتتْ (2) وجوهُ التفضيل وموادُّ (3) (ق/270 أ) الفضل وأسبابُه؛ صارَ الكلامُ بعلمٍ وعدل، وأكثرُ الناس إذا تكلَّم في التفضيل لم يفصِّلْ جِهَات الفضل ولم يوازن بينها، فيبخسُ الحق، وإن أنْضَافَ إلى ذلك نوع تعصُّبٍ وهوىً لمن يُفَضَلُهُ تكلَّمَ بالجهلِ والظلمِ.
وقد سُئل شْيخُ الإسلام ابن تيميَّة عن مسائلَ عديدةٍ من مسائلِ التَّفضيل فأجاب فيها بالتَّفصيل الشافي:
فمنها: أنه سئِل عن تفضيل الغَنِيِّ الشَّاكر على الفقير الصابر أو بالعكس؟ فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلُهما أتقاهما لله تعالى، فإن استويا في التَّقوى استويا في الدَّرَجة (4).
ومنها: أنه سئل عن عشْر ذي الحِجَّة والعشر الأواخر من رمضانَ أيُّهما أفضل؟ فقال: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضانَ، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3624)، ومسلم رقم (2450) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(2) (ق): “تبينت”.
(3) كذا في (ع وق)، و (ظ): “موارد”.
(4) تكلم شيخ الإسلام على هذه المسألة في “الفتاوى”: (11/ 21، 122، 195) وغيرها، وله فيها مصَّنف مفرد، ذكره ابن رُشيق ضمن مؤلفاته، انظر “الجامع لسيرة شيخ الإسلام”: (ص/ 249).
(3/1102)
وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجوابَ وجده شافيًا كافيًا، فإنه “لَيْسَ مِن أيام العَملُ فِيها أحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أيامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ” (1) وفيهما يوم عرفة ويوم النَّحر ويوم التَّرْوية. وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالى الإحياء التي كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُحييها كلَّها (2)، وفيها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يُمكنهُ أن يُدْلِى (3) بِحُجَّةٍ صحيحةٍ (4).
ومنها: أنه سُئِلَ عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أيُّهما أفضلُ؟
فأجاب: بأن ليلة الإسراء أفضلُ في حقِّ النبي – صلى الله عليه وسلم – وليلةُ القدر أفضلُ بالنسبة إلى الأمّة، فحظ النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي اختصَّ به ليلة المعراج منها أكملُ من حظِّه من ليلة القدر، وحظُّ الأمَّةِ من ليلة القدر أكملُ من حظِّهم من ليلة المعراج وإن كان لهم فيها أعظمُ حظٍّ؛ لكن الفضل والشَّرَف والرتبة العليا إنما حصلتْ فيها لمنْ أُسرِيَ به – صلى الله عليه وسلم – (5).
ومنها: أنه سئِلَ عن يوم الجمعة ويومِ النحر أيهما أفضل (6)؟
فقال: يومُ الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحرِ أفضلُ أيام العام، وغيرُ هذا الجواب لا يلمُ صاحبه من الاعتراض الذي لا
__________
(1) أخرجه البخاري عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما – رقم (969).
(2) أخرجه البخاري رقم (2024)، ومسلم رقم (1174) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(3) (ق وظ): “يدل”.
(4) انظر “الفتاوى”: (25/ 287) وهو منقول من هنا.
(5) انظر “الفتاوى”: (25/ 286)، وهو منقول من هنا، وانظر: “زاد المعاد”: (1/ 57).
(6) “أيهما أفضل” من (ع).
(3/1103)
حيلةَ في دفعه (1).
ومنها: أنه سئِلَ (2) عن خديجةَ وعائشةَ أُمَّي المؤمنين، أيهما أفضل؟
فأجاب: بأن سبقَ خديجة وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرَها وقيامَها في الدين، لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثيرُ عائشةْ في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمَّة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجةُ ولا غيرها مما تميَّزت به عن غيرها، فتأمَّلْ هذا الجواب الذي إذا أجبْتَ (3) بغيره من التفضيل مطلقًا لم تتخلَّصْ من المعارضة (4).
ومنها: أنه سئل عن صالحي بني آدَمَ والملائكة أيهما أفضل؟
فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال (ق/ 270 ب) النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإنَّ الملائكةَ الآن في في الرَّفيق الأعلى منَزَّهِين عما يلابسُهُ بنو آدم مستغرقون في عبادة الرَّبِّ، ولا ريبَ أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حالُ صالحي البشر أكملَ من حال الملائكة (5).
وبهذا التفصيل يتبيَّنُ سرُّ التفضيل، وتتَّفِقُ أدِلَّة الفريقين، ويُصالَح كلُّ منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرفَ أسبابَ
__________
(1) انظر: “الفتاوى”: (25/ 288 – 289).
(2) سقط السؤال السابق بكامله إلى هنا من (ق).
(3) (ظ)،: “لو جئت”.
(4) انظر: “الفتاوى”: (4/ 393، 394). وفي (ع) بعدها: “يأتي تتمة هذه الفائدة وهو قوله: ومنها: أنه سُئل عن صالحي … ” فأخر الجواب إلى آخر (ق/ 65 ب).
(5) انظر: “الفتاوى” (4/ 350 – 392) وهي رسالة خاصة بهذه المسألة.
(3/1104)
الفضل (1) أولاً، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيًا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثًا كثرةً وقوةً، ثم اعتبار تفاوُتها بتفاوُت محلِّها رابعًا، فرُبَّ صفة هي كمالٌ لشخص وليست كمالًا لغيره، بل كمالُ غيرِهِ بسواها، فكمالُ خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه. وكمالُ ابن عباس بفقهه وعلمه. وكمال أبي ذرٍّ بزهده وتجرُّده عن الدنيا، فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلَّمُ في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهلُ من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعدُ من الهوى والغرض.
وهاهنا نكتةٌ خفيَّةٌ لا يتنبَّهُ لها إلا منْ بصَّرَهُ اللهُ، وهي: أن كثيرًا ممن يتكلَّمُ في التفضيل يستشعرُ نسبتَه وتعلقَه بمن يفَضِّله ولو على بُعْد، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبةُ والتعلُّقُ مُهَيِّجةً له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المُفَضَّل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضَّل عليه بالعكس.
ومن تأمَّل كلامَ أكثر الناس في هذا الباب رأى (ظ / 189 أ) غالِبَهُ غيْرَ سالم من هذا، وهذا منافٍ لطريقة العلم والعدل التي لا يقبلُ اللهُ سواها، ولا يرضى غيْرَها، ومن هذا تفضيلُ كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ، كلٌّ منهم لمذهبه أو طريقته أو شيخه، وكذلك الأنسابُ والقبائلُ والمدائن والحِرَف والصناعات، فإن كان الرجلُ ممن لا يُشَكُّ في علمِه وورَعِهِ خِيفَ عليه من جهة أخرى، وهو أنه يشهدَ حظَّه ونفْعَه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها؛ لأن نفعه مشاهدٌ له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضِّلُ
__________
(1) (ق): “سر التفضيل”.
(3/1105)
ما كان نفعه وحظُّه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكتٌ جامعةٌ (ق/271 أ) مختصرة، إذا تأمَّلَها المنصفُ عظُمَ انتفاعُهُ بها، واستقامَ له نظَرُهُ ومناظرته، والله الموفق.
فائدة (1)
اختلف ابنْ قُتَيْبَةَ وابنُ الأنباريِّ في السَّمع والبَصَر أيهما أفضل (2)؟.
ففضَّل ابنُ قتيبهَ السَّمع ووافقه طائفة، واحتجَّ بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)} [يونس: 42، 43]، قال: فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلًا على أن السمع أفضل.
قال ابنُ الأنباري: هذا غلط، وكيف يكون السَّمع أفضلَ وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، والقربُ إلى النجاة والبعد من الهلاك، وبه جمالُ الوجه وبذهابه شيْنُهُ، وفي الحديث: “مَنْ أذْهَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ فصَبرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ أرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الجَنَّةِّ” (3).
وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه اللهُ تعالى مع السَّمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر، إذ كأنه (4) أرادَ إبصارَ القلوب، ولم يُرِدْ
__________
(1) هذه الفائدة بتمامها ساقطة من (ق).
(2) تقدم البحث في هذه المسألة في أول الكتاب (1/ 123 – 130)، وكلام ابن قتيبة في كتابه: “تأويل مشكل القرآن”: (ص/7)، وكلام ابن الأنباري لعله في كتابه “المشكل في الرد على أبي حاتم وابن قتيبة”، ذكره الخطيب في “تاريخه”: (3/ 184)، والقفطي في “الإنباه”: (3/ 204). أو في تفسيره.
(3) أخرج البخاري رقم (5653) نحوه من حديث أنسٍ، وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ رقم (2401)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4) (ع وظ): “كان”.
(3/1106)
إبصارَ العيون، والذي يُبْصِرُهُ القلبُ هو الذي يعقلُه؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلامَ النبي – صلى الله عليه وسلم – فيقفون على صحَّتِهِ ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي: المُعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} بعين نقص (1)، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي: المعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)}، قال: ولا حجَّة في تقديم السَّمع على البصر هنا، فقد أخبر في قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: 24].
قلت: واحتجَّ مفضلوا السمع بأن به ينال غايةَ السعادة منْ سمع كلام الله وسماع كلام رسوله. قالوا: وبه حصلتِ العلومُ النافعة. قالوا: وبه يدْرَكُ الحاضرُ والغائبُ، والمحسوسُ والمعقولُ، فلا نسبةَ لمدْرَكِ البصَر إلى مدْرَكِ السَّمع. قالوا: ولهذا يكون فاقدُه أقلَّ علمًا من فاقد البَصرَ، بل قد يكون فاقدُ البصر أحدَ العلماء الكبار، بخلاف فاقد صفة السمع، فإنه لم يُعْهَد من هذا الجِنس عالمٌ ألبتة.
قال مفضلوا البصر: أفضلُ النعيم النظرُ إلى الرَّبِّ تعالى وهو يكون بالبصر، والذي يراه البصرُ (2) لا يقبل الغلطَ، بخلاف ما يُسْمعُ (3) فإنه يقعُ فيه الغلط والكَذِب والوهم، فمدْرَكُ البصرِ أتمُّ وأكملُ. قالوا: وأيضًا فمحله أحسن وأكملُ وأعظمُ عجائبَ من محل السَّمع؛ وذلك لشرفه وفضله.
قال شيخنا: والتحقيق أن السمع له مزِيَّةٌ والبصر له مزية، فمزيةُ السمع العموم والشمول، ومزيَّة البصر كمال الإدراك وتمامه، فالسمع
__________
(1) (ع): “نقصان”.
(2) (ع): “البصير”.
(3) (ع): “السمع”.
(3/1107)
أعم وأشمل، والبصر أتم وأكمل، فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه، وهذا أفضل: من جهة كمال إدراكه وتمامه (1).
فائدة
إذا تزوجها على خمرٍ أو خنزير صح النكاح واستحقت مهر المِثْل، ولو خالعها على خمر أو خنزير صحَّ الخُلْعُ، ولم تستحق عليه شيئًا في أحد القولين، والفرقُ بينهما عند بعض الأصحاب: أن البُضْعَ مُتقَوِّمٌ في دخوله إلى ملك الزوج ولا يُتَقَوَّمُ في خروجه عن ملكه، أما تقوُّمه داخلًا فلِتَعَلُّقِ أحكام المقوّمات به؛ من استقرار المَهر بالدُّخول، ووجوب المَهر بوطء الشُبْهة، ولهذا يزوج الأب ابنه الصغير (ظ/189 ب) ولا يخلَعُ ابنتَهُ الصغيرةَ بشيء من مالِها، ولا فرقَ بينهما إلا أن الابن حصل في ملكه ما له قيمةٌ، والبنت أخرج ما لَها في مقابلة ما لا قيمةَ له في خروجه إليها، ولو كان خروجُ البُضْع من ملك الزوج متَقَوِّمًا، لكان قد بذَل ما لَها في ما له قيمة، وذلك لا يمتنعُ.
ويدُلُّ عليه أنه لو طلَّق زوجَتَهُ في مرض موته لم يُعْتَبَرْ من الثُّلُث، ولو كان لخروج البُضع قيمةٌ لاعتبر من الثُّلُث، وأيضًا لو خالعها في مرض موته بدون مهر مثلها صَحَّ الخلعُ، ولو كان خروجُه متقوِّمًا لكان بمثابة ما لو باع سلعةً بدون ثمنها، فإنه محاباةٌ محسوبةٌ من الثُّلُث، ويدلُّ عليه أيضًا أنه يطلق عليه القاضي في الإيلاء والعَنَت والإعسار بالنَّفَقَة وغير ذلك مجانًا، ولا عهدَ لنا في الشريعة بمتقوم يخرج من مُلك مالكه قهرًا بغير عوض، ويدلُّ عليه: أنه لو كان لخروجه قيمةٌ لجاز للأب أن يُخرِجَهُ عن ابنته الصغيرة بشيء من
__________
(1) انظر: “درء التعارض”: (7/ 325)، و”الرد على المنطقيين”: (ص/ 96).
(3/1108)
مالها، كما يشتري لها عقارًا أو غيره بمالها (1).
قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تَيْميِّةَ يضعِّف هذا القول جدًّا، ويذهبُ إلى أن خروج البُضع من ملكه متقوِّمٌ، ويحتجُّ عليه بالقرآن (2)، قال: لأن الله تعالى أمر المسلمين أن يردُّوا إلى من ذهبت امرأته إلى الكُفَّار مهرَهُ إذا أخذوا من الكفَّار مالًا بغنيمة أو غيرها، فقال تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 11] ومعنى عاقبتم: غنمتم (3) وأصبتم منهم عُقْبَى وهي الغنيمة، هذا قول المُفَسِّرين.
والمقصود أنه قال: {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} وهو: المهر، وقال تعالى في هذه القصة: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10] فأمر المسلمين أن يسألوا مهورَ نسائهم، ويسألَ (ق/ 271 ب) الكفارُ مهورَ نسائهم (4) اللاتى هاجرنَ وأسلمنَ، ولولا أن خروجَ البُضْع متقوِّمٌ لم يكن لأحدٍ من (5) الفريقين على الآخر مهر.
وأختلف أهلُ العلم في ردِّ مهر منْ أسلم من النساء إلى أزواجهن في هذه القصة، هل كان واجبًا أو مندوبًا؟ على قولين، أصلهما (6): أن الصُّلحَ هل كان قد وقع على ردِّ النساء أم لا؟.
__________
(1) (ق): “بشيءِ من مالها”.
(2) انظر: “الاختيارات”: (ص/ 238 – 240).
(3) (ع وظ): “عاقبتم: منهم فغزوتم وأصبتم … “.
(4) “ويسأل الكفار مهور نسائهم” سقطت من (ع).
(5) (ق وظ): “لإحدى”.
(6) (ق): “أصلحهما”!.
(3/1109)
والصحيح: أن الصُّلْح كان عامًّا على ردِّ من جاء مسلِمًا مطلَقًا ولم يكن فيه تخصيصٌ، بل وقع بصيغة “من” المتناولة للرجال النساء، ثم أبطلَ الله تعالى منه ردَّ النساء، وعوَّض منه ردَّ مهورِهِنَّ، وهذه شبهة من قال: إن حكمَ هذه الآية منسوخٌ، ولم يُنسْخ منه إلا ردُّ النساء خاصَّةً، وكان ردُّ المهور مأمورًا به، والظاهر أنه كان واجبًا؛ لأن الله تعالى قال: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}، فثبتَ أن ردَّ المهور حقٌّ لمن يسأله فيجُب رَدُّهُ إليه.
قال الزُّهريُّ: ولولا الهدنةُ والعهدُ الذي كان بينَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبين قريش يومَ الحُدَيْبيَة لأمسك النساءَ ولم يَرْدد الصَّدَاقَ، وكذلك كان يصنعُ بمن جاءه منَ المُسلمات قبل العهدِ (1).
فلما نزَلَتْ هذه اْلآية أقرَّ المسلمونَ بحكم الله وأدُّوا ما أُمِرُوا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقِرُّوا بحكم الله تعالى، فيما أمر مبن ردِّ نفقات المسلمين إليهم، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 11] فهذا ظاهر القرآن يدلُّ على أن خروج البُضْعِ من ملك الزَّوج متقوِّمٌ.
قلت: ويدلُّ عليه أن الشارع كما جعله متقوِّمًا فى دخوله فكذلك في خروجه، لأنه لم يدخله إلى مُلك الزوج إلا بقيمة، وحُكْم الصحابة – رضي الله عنهم- في المفقود بما حكموا به منْ ردِّ صداق امرأته إليه بعد دخول: الثاني بها = دليلٌ على أنه متقوِّم في خروجه،
__________
(1) أخرجه الطبري: (12/ 70) عن الزهري، وابن هشام في “السيرة”: (4/ 326 – 327) عن عروة بن الزبير.
(3/1110)
وهذا ثابتٌ عن خمسة من الصحابة منهم عمرُ وعليٌّ (1).
قال أحمد: أيّ شيء يذهب من خالَفَهُمْ؟ فهذا القرآن والسُّنَّة وأقوال الخلفاء لرَّاشدين دالَّةٌ على تقويمه، ولو لم يكنْ له قيمةٌ لما صحَّ بذلُ نفائس الأموال فيه، بل قيمتُه عند الناس من أغلى القيم، ورغبتهم فيه من أقوى الرَّغَبات، وخروجه عن الرجل (ظ / 190 أ) من أعظم المغارم، حتى يعده غرْمًا أعظمَ من غرم المال.
قلت لشيخنا: لو كان خروجُه من ملْكه متقوِّمًا عليه لكانت المرأةُ إذا وطِئَتْ بشُبهة يكون المهرُ للزوج (ق/272 أ) دونَها، فحيث كان المهرُ لها دلَّ على أن الزوج لم يملك البُضع، وإنما مَلَكَ الاستمتاعَ، فإذا خرج البُضع عنه لم يخْرُجْ عنه شيءٌ كان مالِكَهُ.
فقال لى: الزوجُ إنما ملَكَ البُضْعَ يستمتعَ به، لم يملكه ليُعَاوَضَ عليه، فإذا حصلَ لها بِوطْءِ الشُّبهة عِوَضٌ كان لها، لأن عقد النكاح لم يقتض (2) ملكَ الزوج المعاوضةَ عن بُضْعِ امرأتِهِ، فصار ما يحصل لها بجناية الواطئ بمثابة ما يحصل لها بغيره من أُروش الجِنَايات.
قلت له: فما تقولُ في خُلْع المريض بدون مهر المثل؟
فقال: هو يملكُ إخراجَ البُضْع مجانًا بالطَّلاق، فإذا أخَذَ منها شيئًا فقد زاد الوَرَثّةَ خيرًا، قال: ونحن إنما منعناه من المُحاباة فيما ينتقلُ إلى الوَرَثة؛ لأنه يُفَوِّتُهُ عليهم، وبُضْعُ الزوجة لا حَقَّ للوَرَثَةِ فيه ألبتَّةَ ولا ينتقلُ إليهم، فإذا أخرجَهُ بدون مهر المِثْل لم يُفَوِّتْهُمْ حقًّا ينتقل إليهم. انتهى.
__________
(1) أخرجه البيهقي: (7/ 446 – 447).
(2) (ق وظ): “يقبض”.
(3/1111)
قلت: وأما منعُ الأب مِنْ خلع ابنتِهِ بشيءٍ من مالها فليست مسألةَ وِفاق، بل فيها قولان مشهوران، ونحن إذ قلنا: إن الذي بيده عُقدة النكاح هو الأبُ، وإن له أن يعفوَ عن صَدَاق ابنته قبل الدخول، وهو الصحيحُ لبضعة عشر دليلًا قد ذكرتها في موضع آخر (1)، فكذلك خلعُها بشيءٍ منْ مالها، بل هو أولى؛ لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانًا فَلأَنْ يملِكَ إسقاطَهُ ليُخَلَصَها من رقِّ الزَّوج وأسرِهِ ويُزَوِّجَها بمنْ هو خيرٌ لها منه = أولى وأحرى.
وهذه رواية عن أحمد ذكرها أبو الفرج في “مبهجه” (2) وغيره، واختارها شيخُنا.
وأما قولُكم: إنه يخرج من مُلْكِهْ قهرًا بغير عِوَض فيما إذا طلَّق عليه الحاكم لإعسار أو عَنَت أو غيرها، فجوابه: أن الشارع إنما مَلَّكهُ البُضْعَ بالمعروف، وإنما ملَّكَه بحقِّه، فإذا لم يستمتعْ به بالمعروف الذي هو حقُّه، أخرجه الشارع عنه، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وقال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، فأوجب الله على الزوج أحدَ الأمرين، إما أن يُمْسِكَ بمعروف وإما أن يُسرِّحَ بإحسان، فإذا لم يُمسِكْ بمعروف ولم يُسَرحْ بإحسان (3) سرَّح الحاكم عليه قهرًا.
__________
(1) تقدمت الإشارة إلى هذا البحث (3/ 1031) وانظر التعليق هناك.
(2) هو: أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي المقدسي الحنبلي ت (486)، من أصحاب القاضي أبي يعلى، له كتب منها “المبهج” نقل منه ابن رجب: بعض غرائبه. “ذيل الطبقات”: (1/ 68 – 73).
(3) من قوله “فإذا لم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/1112)
قلت لشيخنا: فلو قُتِلَتِ الزوجة لم يجبْ للزوجِ المهرُ على قاتلها، مع كونه قد أخرج البُضْع عن مُلْكه وفوَّته إياه، فلو كان خروجُه متقوِّمَا لوجب له على القاتل المَهْرُ.
فقال: النكاحُ معقودٌ على مُدَّة الحياة، فإذا قُتِلَتْ زال وقتُ النكاح وانقضى أمدُه، فلا يجِبُ للزوج شيء بحد ذلك كما لو ماتتْ.
قلت له: فلو أفسد مفسدٌ نكاحَها بعد (ق/272 ب) الدُّخول لاستقرَّ المهرُ على الزوج ولم يرجعْ على المفسد، فضَعَّف هذا القول، وقال: عندي أنه يرجعُ به وهوَ المنصوص عن أحمد، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل، فإذا ثبت أن خروجَ البُضْع من ملكه متقوِّم فله قيمتهُ على من أخرجه من ملكه.
قلت (1): ويَرِدُ عليه ما لو أفسدت نكاحَ نفسها بعد الدخول، فإن مهرَها لا يسقطُ قولًا واحدًا، ولم أسألْه عن ذلك، وكان يمنعُ ذلك، ويختارُ سقوط المهر ويُثبتُ الخلاف في المذهب، ولا فرقَ بين ذلك وبين إفساد الأجنبي، فطَرَد قولَ من طَرَد هذا الأصل، وقالَ بالتقويم في حال الخروج أن يسقطَ المهر إذا أفسدته هي، ولو قيل: إن مهرَها لا يسقطُ بذلك قولًا واحدًا. وإن قلنا: بأنَّ خُروجَ البُضْع متقومٌ فيجب لها (ظ / 190 ب) مهرُها المسمَّى في العقد، وعليها مهرُ المِثل وقتَ الإفساد اعتبارًا بخروجهِ (2) عن ملكه حينئذٍ -لكان مُتَوَجِّهًا، ولكن يُشكِل على هذا أن الله -سبحانه- اعتبر في خروج البُضْع ما أنفقَ الزَّوْجُ،
__________
(1) هنا حاشية في (ع) نثبت ما ظهر منها: “الشيخُ في “المغني”: (11/ 333) ذكر أنه لا يعلم خلافًا في عدم سقوطه بإفسادها بعد الدخول؛ ولكن في … شرح الهداية لأبي البركات ما يقتضي أن (فيه) خلافًا” اهـ.
(2) (ظ): “لأن اعتبار خروجه … “.
(3/1113)
وهو المسمَّى لا مهر المثل.
وكذلك الصحابةُ حكموا للمفقود بالمسمَّى الذي أعطاها لا بمهر المثل، فطَرْد هذه القاعدة: أن مهرَها يسقطُ بإفسادها، وهو الذي كان شيخُنا يذهبُ إليه.
فإن قيل: فما تقولون في شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول أو بعده؟
قيل: أما قبلَ الدخول فيلزمُهُ نصفُ المهر، ويرجعُ به على الشهود. وفيها مأخذان: أحدهما: أنه يعوَّمُ عليه في دخوله بنصف المهر الذي غَرِمَه فيقوَّمُ عليه في خروجه بنظيره، والثاني: أنهم ألجأوه إلى غُرْمِه، وكان بصدَدِ السقوط جملة بأن ينسُبَ (1) الزوجةَ إلى إسقاطه، ورُجِّح هذا المأخذ بأنه لو كان الغرمُ لأجل التقويم للزمهم نصفُ مهر المثل؛ لأنه هو القيمةُ لا المسمَّى، وقد تقدم أن الشَّارع إنما اعتبر تقويمَهُ في الخروج بالمسمَّى لا بمهر المثل وكذلك خلفاؤُه الراشدون.
فإن قيل: لو كان الغُرمْ لأجل التَّقويم للزم الشهودَ جميعُ المهر؛ لأنهم أخرجوا البُضْعَ كُلَّه من مُلكه.
قيل: هو متقوِّم عليه بما بَذَلَهُ، فلما كان المبذول نصفُ المهر كان هو الذي رَجَعَ به، ولا ريبَ أنّ خروج البُضْع قبل الدّخول دونَ خروجه بعدَ الدخول، فإن المقصود بالنِّكاح لم يحصل إلا بالدخول (2)، فإذا دخل استقر له ملك البُضْع واستقر عليه الصَّداق، وأما إذا رجع
__________
(1) (ع وق): “تتسبب”.
(2) في هامش (ع): “قد قال بموجبه الشافعي في أحد قوليه”.
(3/1114)
الشهود بعد الدخول فكذلك يقول: يجبُ عليهم غُرْمُ المهر (ق/273 أ) الذي بذله الزوجُ، وهو إحدى الروايتينَ عن أحمد.
فإن قيل: فما في مقابلة المهر قد استوفاه بوَطْئِهِ فلم يَفُتْ (1) عليه شيء.
قيل: ليس كذلك؛ لأنه إنما بَذَلَ المهرَ في مقابلة بُضْع يَسْلَم له الاستمتاعُ به، فإذا لم يَسْلَمْ له رجع بما بذله، ويدلُّ عليه حكم الله في المُهاجرات، وحكم الصحابة في امرأة المفقود.
فإن قيل: فما تقولونَ فيما إذا أفسدت امرأةٌ نكاحَه بِرَضَاع؟.
قيل: إن أفسدَتْا قيلَ الدخول غَرِمَتْ نصفَ المهر، وفيه مأخذان: أحدهما: أنها قررته عليه، وهذا مأخذُ كثير من الأصحاب، لظنِّهم أنه لو كان لأجل التَقويم لغرِمت كمالَ المهر بعد الدخول والثاني: -وهو الصحيح- أنها إنما غَرِمته لأنه متقوِّم في خروجه، وقد يقوَّم بنصف المهر، وهو الذي بذله، فهو الذي يرجعُ به، وعلى هذا فإذا كان الإفسادُ بعد الدُّخول رجع عليها بكمال المهر، هذا منصوص أحمدَ في رواية ابن القاسم (2)، وقال بعضُ أصحابه: لا يرجِعُ بشيء، والمنصوصُ هو الأقوى دليلًا ومذهبًا. والله أعلم.
فائدة (3)
إذا خاف على نفسِه الهلاكَ، وأبى صاحبُ الطعام أن يبذُلَهُ إلا
__________
(1) ق،: “يثبت”!.
(2) هو: أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد، حدَث عن الإمام بمسائل كثيرة. “طبقات الحنابلة”: (1/ 135).
(3) (ق): “مسألة”.
(3/1115)
بعقد ربا، فهل يباحُ أخذهُ منه على هذا الوجه، أو يغالبه ويقاتله (1)؟.
فقال بعض أصحاب أحمد: الرِّبا عقدٌ محظور لا تُبيحُهُ الضَّرُورة، والمغالَبَةُ والمقاتلة للمانع طريق أباحَهُ الشرع، فينبغي لهَ أن يغلِبَهُ على قَدْر ما (ظ/ 191 أ) يحتاج إليه، ولا يدخل في الرِّبا، فإِن لم يقدر دخل معه في العَقد ملافظةً وعزم بقلبه على (2) أن لا يُتمِّمَ عقدَ الرِّبا، بل إن كان نسِيئًا (3) عَزَمَ على أن يجعلَ العِوَض الثابتَ في الذِّمَّة قَرضًا.
ولو قيل: إن له أن يُظْهرَ معه صورة الرِّبا ولا يغالبَهُ ولا يقاتلهُ، ويكون بمنزلة المُكْرَهِ، فيعُطيه من عقد الربا صورتهُ لا حقيقَتَهُ، لكان أقوى من مقاتَلتهِ.
فلو اتَّفق مثل هذا لامرأة فأبى صاحبُ الطعام أن يَبْدْلَهُ لها إلا بالفُجور بها؛ فهل يباحُ لها ذلك إذا خافتِ الهلاكَ؟ قال بعضُ أصحابنا: لها أن تبدلَ نفسَها، ويجري ذلك مجرى التهديد بقتلها من قادر، فإن المنعَ في هذا الحال قتلٌ، ولهذا يوجب القَوَدَ على صاحب الطعام إذا مَنع المضطرَّ حتى ماتَ، قال: وغاية ما يُمْكنُها مما يُبعدها عن الزنا يجب فعله بأن تقول: قدِّمْ عقد زوجيَّة على أرخص المذاهب ولو بِمُتعَة، ولا تمكِّنُهُ تمكينًا بغير عقدٍ رأسًا، مع إمكان أن يرغبَ إليه في عقدٍ على قولِ بعض أهل الإسلامِ.
فلو اتَّفق مثل هذا: لِصَبِيٍّ (4) صَبَرَ لحُكْمِ الله ولقائه، (ق/273 ب)
__________
(1) (ق): “أو بمغالبة ومقاتلة”.
(2) (ع): “فعليه”، و (ق): “وعزم على”.
(3) (ق): “كيسا”و (ع) غير بيّنة ويُشبِه أن تكون: “شيئًا”.
(4) (ظ): الرجل”.
(3/1116)
ولم يَجُزْ له التمكينُ من نفسه بحال؛ لأن الضَّرَر اللاحقَ له بتمكينه أعظمُ فسادًا من الضَّرَر اللاحق له بفوات الحياة، والله أعلم.
فائدة (1)
رجل له على ذميٍّ دَيْن، فباع الذِّمِّيُّ خمرًا وقضاه من ثمنه، فأبى أن يأخذَه.
قال الإمام أحمد: ليس له إلا أن يأخذَه أو يبرئه، واستدلَّ بقول عُصَرَ في أخذ العُشْرِ منهم من ثمنِهِ: “ولُوهُمْ بَيْعها وخُذوا العُشْرَ مِنْ أثمانِها” (2).
فائدة
إذا غصَبَ مالًا وبنى به رباطًا أو مسجدًا أو قنطرةً، فهل ينفعُه ذلك، أو يكونُ الثواب للمغصوب منه؟.
قال ابنُ عَقِيل: لا ثوابَ على ذلك لواحدٍ منهما، أما الغاصبُ فعليه العقوبةُ، وجميع تصرُّفاته في مال الغير آثامٌ متكررة، وأما صاحبُ المال فلا وجهَ لثوابه، لأن ذلك البناء لم يكن فيه نِيَّةٌ ولا حِسبة، وما لم يكنْ للمكلَّف فيه عمل ولا نية فلا يُثابُ عليه، وإنما يطالِبُ غاصِبَه يومَ القيامة فيأخذ من حَسنَاتِهِ بقدْر ماله.
قلت: في هذا نظرٌ؛ لأن النفعَ الحاصلَ للناس متولَّد من مال هذا وعمل هذا، والغاصبُ وإن عوقِبَ على ظلمه وتعدِّيه واقتَصَّ المظلومُ من حسناته فما تولَّد من نفع الناس بعَمَلِه له، وغَصْب المال عليه،
__________
(1) (ق): “مسألة” وكذا الفائدتان بعدها.
(2) أخرجه عبد الرزاق: (8/ 195).
(3/1117)
وهو لو غَصَبَه وفسَق به لعُوقبَ عقوبتين، فإذا غصبه وتصدَّق به أو بنى به رباطًا أو مسجدًا أو افتكَّ به أسيرًا فإنه قد عمل خيرًا وشرًّا: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} (1) [الزلزلة: 7، 8].
وأما ثوابُ صاحب المال؛ فإنه وإن لم يقصدْ ذلك فهو متولِّدٌ من مال اكتسبه، فقد تولَّدَ من كسبه خيرٌ لم يقصدْهُ، فيشبه ما يحصلُ له من الخير بِوَلدِه البَرِّ، وإن لم يقصدْ ذلك الخيرَ، وأيضًا فإن أخذ ماله مصيبةٌ، فإذا أنفِقَ في خيرٍ فقد تولَّدَ له من المُصيبة خيرٌ، والمصائبُ إذا وَلَّدَتْ خيرًا لم يعدم صاحبُها منه ثوابًا، وكما أن الأعمال إذا ولَّدت خيرًا أُثيبَ عليه وإن لم يقصِدْه، فالمصائبُ إذا ولَّدت خيرًا (2) لم يمتنع إن يُثابَ عليه، وإن لم يقصُدْه. والله أعلم.
فائدة
رجل ماتَ وترك في دينًا فورِثه ولدُهُ، ولم يستوفهِ، فهل المُطالبة به في الآخرة لهُ أو لولده؟.
قال بعضُ أصحاب أحمد: المطالبةُ للابن (3)؛ لأن الإرْثَ انتقلَ عن الأب إلى الابن فصار الحقُّ له.
قلت: وفي هذا نظرٌ، وينبغي التفصيلُ، فإن كان الموروثُ قد
__________
(1) في هامش (ع) تعقُّبْ نصُّه: “هذا البحث ضعيف جدًّا، فإن عمل الغاصب في ذلك لم يأمر الله به، وهو ملوم معاقب على التصرف الذي لم يأذن الله فيه، فكيف يُثاب عليه” اهـ.
(2) من قوله: “أثيب عليه .. ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3) (ق): “للولد”.
(3/1118)
عَجَز عن استيفائه وتعذَّرَ عليه، فقد وجب أجرُه له، وله (ق/274 أ) حقُّ المطالبة [لا للابن؛ لأن الإرث انتقل عن الأب إلى] (1) يوم القيامة، والحقوق الأخروية لا تُوَرَّثُ، وإن أمكنه المطالبةُ به فلم يطالبْ به حتى مات انتقلَ إلى الولد، فإذا لم يُوَفِّهِ إياه كان حقُّ المطالبة به للولد.
وقد قال بعض الناس: إنه إذا لم يُوَفِّ الميتَ ولا وارثَهُ حتى مات الوارثُ وورثه آخر (ظ / 191 ب)، ثبتَتِ المطالبةُ لكلِّ واحد منهم، وتضاعفتْ عليه المطالبةُ لاستحقاق كُلِّ واحدٍ منهم ذلك الحَقَّ عليه.
فائدة (2)
تأمل سر {الم (1)} كيف اشتملتْ على هذه الأحرف الثلاثة، فالألفُ إذا بُدِئَ بها أولًا كانت همزةً، وهى أوَّل المخارج من أقصى الصدر، واللام من وسط مخارج الحروف، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان، والميم آخر الحروف ومخرجُها من الفَمِ، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني: الحَلْقَ واللِّسان والشَّفَتَيْنِ، وترتبت (3) في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية.
فهذه الحروف تعتمد (4) المخارج الثلاثة التي يتفرَّعُ منها ستة عسْر مخرجًا، فيصيرُ منها تسعة (5) وعشرون حرفا عليها مدارُ كلامِ
__________
(1) بينهما من (ظ) والمطبوعات.
(2) بياض في (ظ).
(3) كذا استظهرتها من (ع وظ)، و (ق): “وتنزّلت”.
(4) (ظ): “معتمد”.
(5): “سبعة”. والصواب المثبت، وانظر، “مفتاح دار السعادة”: (2/ 216 – 217).
(3/1119)
الأمم الأوَّلين والآخرين مع تضمُّنها سرًّا عجيبًا، وهو: أن الألف البداية واللام التوسط والميم النهاية، فاشتملتِ الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما، وكلّ سورة استُفتحتْ بهذه الأحرف الثلاثة، فهي مشتملة على بَدء الخلق ونهايته وتوسُّطه، فمشتملةٌ على تخليقِ العالم وغايَتهِ، وعلى التَّوَسُّط بين البداية والنهاية من التَّشرِيع والأوامر، فتأمَّلْ ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم.
وتأمَّلِ اقترانَ الطاء بالسين والهاء في القرآن فإنَّ الطَّاء جَمَعتْ من صفات الحروف خمسَ صفات لم يجمعْها غيرُها وهي: “الجهر، والشِّدَّة، والاستعلاء، والإطباق” (1)، والسين “مهموس، رِخْوٌ، مستَفِلٌ، صَفِيريٌّ، منفتح” فلا يمكن أن يجمَعَ إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.
وتأمَّلْ السُّورَ التي اشتملتْ (2) على الحروف المفرَدة، كيف تجدُ السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف، فمن ذلك (قَ) والسورة مبنيَّةٌ على الكلمات القافيَّة من ذِكر القرآن، وذكر الخَلْق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقي المَلَكَيْنِ قولَ العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقَرين، والإلقاء في جهنم، والتَّقَدُّم (ق/274 ب) بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر “القَبْل” (3) مرتين، وتشقّق الأرض وإلقاء الرَّواسي
__________
(1) هذه أربع صفات، والخامسة إما أن تكون “القلقلة” -وهو الأظهر كما في (شرح النونية: 1/ 309) لابن عيسى -لمقابلتها للصفير في السين، أو “التفخيم”.
(2) (ق): “جمعت”.
(3) كذا في (ع)، وفي (ق): “القيل”.
(3/1120)
فيها، وبُسُوق النخل والرِّزق، وذكر القوم، وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرارُ القول والمُحَاورة.
وسرُّ آخر: وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلوِّ والانفتاح.
وإذا أردت زيادةَ إيضاح هذا فتأمَّل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة، فأولها خصومة الكفار مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وقولهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصُم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفَّارات، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم، ثم خصامه ثانيًا في شأن بَنيه وحَلِفه ليُغْوِيَنَّهم أجمعين، إلا أهلَ الإخلاص منهم، فليتأمل اللبيبُ الفَطِن: هل يليق بهذه السورة غير (ص)، وبسورة (ق) غير حَرْفها، وهذه قطرةٌ من بحر من بعض أسرار هذه الحروف، والله أعلم.
فوائد من السِّياسة الشرعية (1) نص عليها الإمام أحمد
* قال في رواية المرُّوْذي وابن منصور: المُخَنَّثُ يُنفى لأنه لا يقعُ منه إلا الفسادُ والتَّعَرُّض له، وللإمام نفيُهُ إلى بلدٍ يأمنُ فسادَ أهله، وإن خاف عليهم حَبَسَهُ.
*ونقل حنبلٌ عنه فيمن شَرِب خمرًا في نهار رمضان، أو أتى شيئًا نحوَ هذا أُقيم عليه الحدُّ وغلظ عليه، مثل الذي قتل في الحَرَم: دِيَةٌ وثُلُثٌ.
__________
(1) (ق): “مسائل في المخنّث واللوطي وشارب الخمر في رمضان”.
(3/1121)
* ونقل حرب عنه: إذا أتت المرأةُ المرأةَ تُعاقبانِ وتؤَدَّبانِ.
وقال أصحاب أحمد: إذا رأى الإمامُ تحريقَ اللُّوطِيِّ بالنَّار فله ذلك (ظ/ 192 أ)؛ لأن خالد بن الوليد كتبَ إلى أبى بكر: أنه وَجَدَ في بعض ضواحي العرب رجلاً يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فاستشار أصحابَ النبي – صلى الله عليه وسلم – وفيهمِ عليُّ بن أبي طالب -وكان أشدَّهم قولاً- فقال: إنَّ هذا الذنبَ لم تعْصِ به أمَّةٌ من الأمم إلا واحدة صنع الله بهم ما قد عَلِمْتم، أرى أن يُحْرَقُوا بالنار، فأجمع رأي أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أنْ يُحْرَقوا بالنار (1)، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يُحْرَقوا (2). ثم حَرَّقَهُمْ ابنُ الزبير، ثم حَرَّقَهُمْ هشام بن عبد الملك.
* ونص أحمدُ فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجبَ على السلطان عقوبتُهُ. وليس للسلطان أن يعفوَ عنه، بل يعاقبُهُ ويستتيبُهُ، فإن تاب وإلا (ق/175 أ) أعاد عليه العقوبةَ.
فائدة
قال ابنُ عقيل: شاهدتُ شيخَنا ومعلِّمَنا المناظرةَ: أبا إسحاق الفيروزابادي (3) لا يُخرج شيئًا إلى فقير إلا أحضر النية، ولا يتكلَّمُ في مسألة إلا قَدَّمَ الاستعانةَ بالله وإخلاصَ القصدِ في نُصْرَةِ الحقِّ دونَ التَّزين والتَّحسين للخَلْق، ولا صنَّفَ مسألةً إلاّ بعد أن صلَّى رَكَعَاتٍ، فلا جَرَمَ شاع اسمُه، واشتهرت تصانيفُه شرقًا وغربًا، هذه بركاتُ الإخلاصِ.
__________
(1) من قوله: “فأجمع … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) أخرجه البيهقي: (8/ 232).
(3) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي الشافعى، صاحب اللمع، ت (476). “السير”: (18/ 452 – 464).
(3/1122)
فائدة
عُوتب ابنُ عقِيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه، فقال: أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يَدَه أكان خطأ أو واقعًا موقِعَه؟ قالوا: بلى، قال: فالأب يَرُبُّ ولدَه مربَّةً خاصَّةً، والسلطان يَرُبُّ العالم مربَّة عامَّةَ، فهو بالإكرام أولى، ثم قال: وللحال الحاضرة حكمُ من لابَسَها، وكيف يُطْلَب من المُبتلَى بحالٍ ما يُطْلَب من الخالي عنها.
فائدة
أورد إلكِيا (1) الهَرَّاسِي سؤالاً على القول بكفر تارك الصلاة، وزعم أنه لا جوابَ عنه، فقال: إذا أراد هذا الرجل معاودةَ الإسلامِ فبماذا يُسلم فإنه لم يَتْرُك كلمة الإسلام؟.
فأجابه ابنُ عَقيل بأن قال: إنما كان كفرُهُ بترك الصلاة لا بترك الكلمة، فهو إذا عاود فِعْل الصلاة صارت معاودَتُهُ للصلاة إسلامًا، فإن الدَّالَّ على إسلام الكافر الكلمةُ أو الصلاةُ.
قلت: وهذا الذي ذكره كِيا (2) يرد عليه في كلِّ مَنْ كَفَرَ بشيء من
__________
(1) (ظ): “شيخنا” وفيه بُعْد؛ لأن إلكيا من أقران ابن عقيل على أحسن الأحوال، وإلا فابن عقيل أكبر منه بعشرين عامًا، وقد نقل ابن عقيل عن إلكيا في “الفنون” ولم يطلق عليه “شيخنا” أنظر “الفنون”: (1/ 162، 166، 170، 171).
قال ابن خلكان في “الوفيات”: (3/ 389): “وفي اللغة العجمية إلكيا هو الكبير القدر المقدَّم بين الناس، وهو بكسر الكاف وفتح الباء المثنَّاة من تحتها وبعدها ألف” اهـ.
(2) كذا في (ع وق) وكذا في “الفنون” لابن عقيل، ووقع في (ظ) والمطبوعات: “شيخنا” وانظر ما سبق.
(3/1123)
الأشياء (1)، مع إتيانه بالشهادتين، وتلك صور عديدة.
فائدة (2)
سأل سائل فقال: إذا كانت الجنَّةُ لا موتَ فيها فكيف يأكلون فيها: لحمَ الطير وهو حيوان قد فارقته الروح؟
فأجيبَ: بأنه يجوزُ أن لا يكون ميتًا، وهذا جواب في غاية الغَثَاثَة!.
قال ابنُ عقيل: وما الذي أحوجه إلى هذا والجنَّة دارٌ لا يُخْلَقُ فيها أذىً ولا نَصَبٌ، لا مطلقًا، بل لا يدخل الداخل إليها ذلك على طريق الإكرام كما قال تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)} [طه: 118 – 119] وذلك مشروطٌ بالطاعة، فإذا جاز ذلك في حق آدَمَ عُلِم أنه ليس بواجب في حق الطير، ولا يمتنع: في قدرة اللهُ تعالى أن يكون هذا الطائر مشويًّا لا عن روُح خرجت منه، أو عن روح خرجتْ خارجَ الجنة، وولَجَ الجنة وهو لحمٌ مشويٌّ.
قلت: وما الذي أوجبَ هذا التَّكَلُّفَ كُلَّه، فالجنةُ دارُ الخلود لأهلها: وسكانها، وأما الطيرُ (ق/ 275 ب) فهو نوعٌ من أنواع الأطعمة التي يحدِثُها: اللهُ لهم شيئًا بعد شيء، فهو دائمُ النوع، وإن كانتْ آحادُهُ (3) مُتصَرِّمَة كالفاكهة وغيرها، وقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أنَّ المُؤْمِنينَ يُنْحَرُ: لهم يَوْمَ القيامَةِ ثَوْرُ الجَنَّةِ الذي كان يَأْكُلُ منها، فَيَكُونُ نُزُلَهُمْ” (4)، فهذا حيوانٌ قد كان يأكلُ من الجنة فَيُنْحَرُ نُزُلاً لأهلها، والله أعلم.
__________
(1) (ظ): “الأسباب”.
(2) (ق): “مسألة”.
(3) تحرفت في النسخ إلى أنحاء شتى.
(4) أخرجه مسلم رقم (315) من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
(3/1124)
فائدة
“الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمِنِ” (1) فيه تفسيرانِ صحيحانِ:
أحدهما: أن المؤمنَ قَيَّدَهُ إيمانُهُ عن المحظورات، والكافر مطلقُ التَّصَرُّف.
الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب، فالمؤمنُ لو كان أنعمَ النَّاس، فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسِّجن، والكافرُ عكْسُه، فإنه لو كان أشدَّ النَّاس (ظ/192 ب) بؤسًا فذلك بالنسبة إلى النار جَنَّتُه (2).
فائدة
سأل تلميذٌ أستاذَهُ أن يمدحَهُ في رقعة إلى رجل، ويبالغَ في مدحه بما هو فوقَ رُتبته، فقال: لو فعلتُ ذلك لكنتُ عند المكتوبِ إليه إما مقصِّرًا في الفهم؛ حيث أعطيتُكَ فوق حَقِّكَ، أو متَّهمًا في الإخبار فأكون كذابًا، وكلا الأمرينِ يضرُّك؛ لأني شاهِدُك، وإذا قُدِح في الشاهد بطل حَقُّ المشهود له (3).
فائدة
قال قائل: أراني (4) إذا دُعيتُ باسمي دون لَقَبي شقَّ ذلك عَلَيَّ
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2956) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) وانظر جواب الصُّعْلوكي على سؤال عبدٍ يهودي عن هذا الحديث مع ما هو عليه -أي اليهودي- من المهانة والذل، والشيخ الصعلوكي من الجاه والمنزلة؛ فقال على البديهة: “إذا صرتَ غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صِرت أنا إلى نعيم الله ورضوانه، كان هذا سجني”. “الطبقات السنية”: (4/ 60) للتميمي.
(3) بنحوها في “البصائر والذخائر” للتوحيدي.
(4) (ق): “إني”.
(3/1125)
جدًّا بخلاف السَّلَف، فإنهم كانوا يُدْعَوْن بأسمائهم.
فقيل له: هذا لمخالفة العادات؛ لأن أُنسَ النفوس بالعادة طبيعةٌ ثابتةٌ؛ ولأن الاسم عند (1) السَّلَف لم يكن (2) دالاً على قِلَّة رُتْبة المدعوِّ، واليوم صارت المنازلُ في القلوب تُعلم بأمارة الاستدعاء، فإذا قصَّر دَلَّ على تقصير رُتبته فيقع السخطُ لما وراء الاستدعاء. فلما صار المخاطباتُ موازينَ المقادير، شقَّ على المخطوط من رتبته قولاً، كما شق (3) عليه فعلاً.
فائدة (4)
سمع بعض أهل العلم رجلاً يدعو بالعافية، فقال له: يا هذا استعملِ الأدويةَ وادعُ بالعافية، فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقًا. وهو التَّدَاوي ودعوتَهُ بالعافية، ربما كان جوابُهُ: قد عافيتُكَ بما جعلتهُ ووضعتُهُ سببًا للعافية، وما هذا إلا بمثابة من بينَ زرعِهِ وبينَ الماء ثُلْمَةٌ يدخلُ منها الماء يسقي زرعه، فجعل يُصلِّي ويستسقي لزَرْعه، ويطلبُ المطر مع قدرته على فَتْح تلك الثُّلْمة لسقي زَرْعه، فإن ذلك لا يحسُنُ منه شرعًا ولا عقلاً، ولم يكن ذلك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب، فهو إعطاء بأحد الطريقين، وله أن يُعطي بسبب وبغير سبب، وبالسبب ليُبَيَّنَ به ما أفاض صنعه، وما أودع (ق/ 276 أ) في مخلوقاته من القُوَى والطبائع والمنافع، وإعطاؤه لغير سبب ليُبيَّنَ للعباد أن القُدرة غيرُ مفتَقِرة إلى واسطة في فعله، فإذا
__________
(1) (ق): “عن”.
(2) (ظ) زيادة: “عندهم”.
(3) (ع): “شق”.
(4) انظر: “الفروق”: (4/ 221 – 224) للقرافي.
(3/1126)
دعوتَهُ بالعافية فاستنقِذْ ما أعطاك من العَتَائد والأرزاق، فإن وصلتَ بها، وإلا فاطلبْ طلبَ مَنْ أفلسَ مِن مطلوبه، فرغب إلى المعدِن، كما قال سيِّدُ الخلائق: “اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ” (1).
قلت: هذا كلامٌ حسن، وأكملُ منه أن يبذُلَ الأسبابَ ويسأل سؤال من لم يُدْلِ بشيءٍ ألبتَّةَ، والناس في هذا المقام أربعة أقسام:
فأعجزهم: من لم يبذلِ السَّبَبَ ولم يُكْثِرِ الطلبَ، فذاك أمهنُ الخلق.
والثاني: مقابِلُهُ، وهو أحزمُ الناس: من أَدْلى بالأسباب التي نصَبَها اللهُ تعالى مُفضيةً إلى المطلوب، وسأله سؤالَ من (2) لم يُدْلِ بسببٍ أصلاً، بل سؤالَ مفلسٍ بائس ليس له حيلةٌ ولا وسيلة.
والثالث: من اشتغل بالأسبابَ وصرف همَّتَهُ إليها، وقصَرَ نَظَرَهُ عليها، فهذا وإن كاد له حظٌّ مما رتَّبه اللهُ عليها؛ لكنه منقوصٌ منقطعٌ، نُصْبَ الآفاتِ والمعارضات، لا يحصلُ له إلا بعد جُهْد، فإذا حصل فهو وشيكُ الزَّوال، سريعُ الانتقال، غير مُعْقِبٍ له توحيدًا ولا معرفة، ولا كان سببًا لفتح الباب بينَهُ وبينَ معبودِهِ.
الرابع: مقابله، وهو رجلٌ نبَذَ الأسبابَ وراءَ ظهره، وأقبل على
__________
(1) أخرجه أبو داود رقم (2134)، والترمذي رقم (1140)، وابن ماجه رقم (1971)، والنسائي: (7/ 64)، وابن حبان “الإحسان”: (10/ 5)، والحاكم: (2/ 187) من حديث عائشة -رضي الله عنها- ورجاله ثقات إلا أن الصواب فيه أنه مرسل، أعله بالإرسال الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم في “العلل”: (1/ 425).
(2) (ق): “وسؤاله من”، و (ظ): “وسؤاله سؤال من”.
(3/1127)
الطَّلَبْ والدُّعاء. والابتهال، فهذا يُحْمَد في موضع، ويذَمُّ في موضع، ويَشْتبه الأمرُ في موضع.
فيُحمد عند كون تلك الأسباب غيْرَ مأمور بها أو فيها مضرَّةٌ عليه في دينه، فإذا تركها وأقبل على السُّؤال والابتهال والتَّضَرُّع لله؛ كان محمودًا.
ويُذمُّ حيث كانتِ الأسبابُ مأمورًا بها فتَرَكها وأقبلَ على الدُّعاء، كمن حَصَره العدوُّ وأُمِر بجهاده فترك جهادَهُ، وأقبل على الدُّعاء والتَّضَرُّع أن يصرفَه الله عنه، وكمن جَهَده العطشُ وهو قادر على تناول الماء، فتَرَكه وأقبل يسأل اللهَ أن يرويَهُ. وكمن أمكنه التَّداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية، ونظائر هذا.
ويشتبه الأمرُ (ظ/193 أ) في الأسباب التي لا يتبيَّنُ له عواقبها، وفيها بعض الاشتباه، ولها لوازمُ قد يعجز عنها، وقد يتولَّدُ عنها ما يعودُ بنقصان دينه؛ فهذا موضعُ اشتباهٍ وخَطَر، والحاكم في ذلك كلِّه الأمرُ، فإن خفيَ فالاستخارةُ، وأمر الله وراء ذلك.
فائدة
قال أحمد: إذا تزوَّج العبدُ حرَّة عَتَقَ نصفه، ومعنى هذا: أن أولاده يكونون أحرارًا، وهم فَرْعُهُ، فالأصل عبد، وفرعُهُ حرٌّ، والفرعُ (ق/276 ب) جزء منم الأصل.
فائدة
حذارِ حذارِ مم أمرينِ لهما عواقبُ سوءٍ:
أحدهما: ردُّ الحقِّ لمخالفته هواك، فإنك تعاقَبُ بتقليب القلب،
(3/1128)
وردّ ما يَرِدُ عليك من الحق رأسًا، ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك، قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110] فعاقبهم على ردِّ الحق أول مرة بأن قلَّب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.
والثانى: التهاون بالأمر إذا حضر وقتُه، فإنك إن (1) تهاونت به ثَبَّطك الله وأقعدَك عن مراضيه وأوامره عقوبةً لك. قال تعالى: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)} [التوبة: 83] فمن سلِمَ من هاتينِ الآفتينِ والبليَّتين (2) العظيمتينِ فَلْتَهْنِهِ السَّلامةُ.
فائدة
وقعت حادثة في زمن ابن جرير (3)، وهي: أن رجلاً تزوَّجَ امرأةً فأحبَّها حبًّا شديدًا، وأبغضته بغضًا شديدًا، فكانت تواجهُهُ بالشَّتم والدُّعاء عليه، فقال لها يومًا: أنت طالقٌ ثلاثًا لا خاطبتني بشيءٍ إلا خاطبتُكِ بمثله، فقالت له في الحال: أنتَ طالقٌ ثلاثًا بتاتًا، فأبلس (4) الرجلُ ولم يَدْرِ ما يصنع، فاستفتى جماعةً من الفقهاء. فكلُّهم قال: لابُدَّ أن تُطَلَّقَ، فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت، وإن لم يُجِبْها حنث فطلقت، فإن بَرَّ طلقت، وإن حنث طلقت.
فأُرْشد إلى ابن جرير، فقال له: امضِ ولا تُعَاوِدِ الأيْمان، وأقمْ
__________
(1) (ع): “إذا”.
(2) (ظ): “النكبتين”.
(3) (ظ): “أيام ابن جرير”، وذكر الحادثة الذهبي في “تاريخه”: (23/ 183).
(4) (ع): “فأفلس”، و (ظ): “فأنكس”.
(3/1129)
على زوجتك بعد أن تقولَ لها: أنت طالقٌ ثلاثًا إن أنا طلَّقْتُكِ، فتكون قد خاطبتَها بمثل خطابها لك، فوفَّيْتَ بيمينك ولم تُطَلَّقْ منك، لِمَا وصلْتَ به الطَّلاقَ في الشرط.
فذُكِر ذلك، بن كيل فاستحسنه. وقال: وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير، وهو أنها قالت له: “أنْتَ طالقٌ ثلاثًا” بفتح التاء، وهو خطابُ تذكيرٍ، فإذا قال لها: “أنتَ” بفتح التاء لم يقعْ به طلاقٌ (1).
قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين، وهو جارٍ على أصول المذهب، وهو تخصيصُ اللفظ العامِّ بالنِّيَّة، كما إذا حلف لا يتغدَّى ونيَّتُه غداءُ يومه قُصِر عليه. وإذا حلف لا يكلِّمُه ونيَّتُهُ تخْصيصُ الكلام بما يكرهُهُ، لم يحنَثْ إذا كلمه بما يحبُّه، ونظائره كثيرةٌ.
وعلى هذا فِبساط (2) الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد أنها لا تكلمه بشتم أو سب أو دعاء، أو ما كان من هذا الباب (3) إلا كلّمها بمثله، ولم يُرِدْ أنها إذا قالت (ق/ 277 أ) له: اشترِ لي مَقْنَعَةً: أو ثوبًا أن يقول لها. اشتري لي ثوبًا أو مقنعه، وإذا قالت له: لا تشترِ لي كذا فإني لا أحبُّه، أن يقول لها مثلَه. هذا مما يقطعُ أن الحالفَ لم يُرِدْهُ، فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنَثْ. وهكذا يقطعُ بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يُرِدْها، ولا كان بِساط (4) الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله، وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هَيَّجَ يمينه وبعثه
__________
(1) في هامش (ق) ما نصه: “أما هذا الوجه الثاني فغير سائغ، أرأيت لو قالت: “أنتِ طالق” بكسر التاء، ماذا يكون الجواب”؟.
(2) (ظ): “فليناط”.
(3) من (ظ).
(4) انظر استعمال المؤلف لهذه الكلمة فيما سبق (3/ 872).
(3/1130)
على الحلف. ومثل هذا يعتبرُ عندنا في الأيْمان.
فائدة
قرأ قارئ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3)} [التكوير: 1 – 3] وفي الحاضرين أبو الوفاء ابن عقيل، فقال له قائل: يا سيِّدي هبْ أنه أَنشر الموتى للبعث والحساب، وزَوَّج النفوسَ بقُرَنائِها للثوابِ والعقابِ، فلمَ هدم الأبنيةَ وسيَّر الجبالَ، ودكَّ الأرضَ وفطرَ السماءَ، ونثرَ الَنجوم وكوّر الشمس؟.
فقال: إنما بنى لهم الدار للسُّكْنى والتَّمَتُّعُ، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتَّفَكُّر، والاستدلال عليه بحسن التأمُّل والتَّذَكُّر، فلما (ظ/193 ب) انقضت مُدَّةُ السُّكْنى وأجلاهم من الدَّار خرَّبها لانتقال الساكن منها (1).
فأراد أن يعلِّمهم بأن الكونين كانت معمورة بهم، وفي إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وبيان القدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد وزنادقة المنجِّمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، فإذا رأوا أن منار آلهَتَهُم قد انهدم، وأن معبودِيْهم قد انتثرتْ وانفطرت، ومحالّها قد تشققت = ظهرت فضائحُهم، وتبيَّنَ كَذِبُهم، وظهر أن العالم مربوبٌ محدَث مدبَّر، له ربُّ يصرِّفه كيف يشاءُ تكذيبًا لملاحدة الفلاسفة القائلينَ بالقِدَم، فكم لله تعالى من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عِظم عِزَّته وقدرته وسلطانه وانفراده بالرُّبوبيَّة، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته، فتبارك اللهُ ربُّ العالمينَ.
__________
(1) (ق): “للانتقال منها”.
(3/1131)
فائدة
الدليلُ على حَشْرْ الوحوش وجوه:
الأول: قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)} [التكوير: 5].
الثانى: قوله تعالي: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].
الثالث: حديث مانع صدقة الإبلِ والبقر والغنم، وأنها “تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤهُ بِأَظْلافِهَا”، وهو متفق على صحته (1).
الرابع: حديث أبي ذَرٍّ أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – رأى شَاتَيْنِ (ق/277 ب) تَنْتَطِحَانِ، فقال: “يَا أَبا ذَرٍّ، أَتَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ”؟ قال: قلت: لا، قال: “لكِن اللهَ يَدْرِي، وَسَيقْضِي بَيْنَهُمَا”، رواه أحمد في “مسنده” (2).
الخامس: الآثار الواردة في قوله تعالى: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)} [النبأ: 40]، وَأَنَّ اللهَ تعَالى يَجْمَعُ الوُحُوش، ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنْ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، ثُمَّ يَقُولُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَتَكُون تُرَابًا، فَعِنْدَهَا يَقُولُ الكَافِرُ {يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} (3). (4)
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1640)، ومسلم رقم (990) من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه أحمد: (35/ 345 رقم 21438) وغيره وفي سنده جهالة، وأخرجه من طريق آخر (35/ 403 رقم 21511) وفي سنده ضعف. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم رقم (2582).
(3) انظر: “تفسير الطبري”: (12/ 418 – 419)، و”الدر المنثور”: (6/ 507).
(4) وانظر “مجموع الفتاوى”: (4/ 248).
(3/1132)
فائدة
تأمَّلِ الحكمةَ في التَّشديد في أول التَّكليف ثم التَّيسير في آخره، بعد توطين النَّفس على العزم والامتثال، فيحصل للعبد الأمران: الأجرُ على عزمه وتوطين نفسه على الامتثال، والتيسيرُ والسهولة بما خفَّف الله عنه.
فمن ذلك: أمرُ الله تعالى رسولَه بخمسين صلاة ليلة الإسراء، ثم خَفَّفها، وتصدَّقَ بجعلها خمسًا (1).
ومن ذلك: أنه أمَرَ أولاً بصبر الواحد للعشرة، ثم خفَّف ذلك إلى الاثنين (2).
ومن ذلك: أنه حرَّمَ عليهم في الصِّيام إذا نام أحدُهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامعَ، ثم خفَّف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر (3).
ومن ذلك: أنه أوجب عليهم تقديمَ الصَّدَقَة بين يَدَيْ مناجاة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، فلما وطَّنوا أنفسَهم على ذلك خفَّفه عنهم (4).
ومن ذلك: تخفيفُ الاعتداد بالحَوْل بأربعة أشهر وعشرًا (5).
وهذا (6) كما قد يقعُ في الابتلاء بالأوامر فقد يقعُ في الابتلاء
__________
(1) في حديث الإسراء الطويل في الصحيحين.
(2) أي: في الجهاد، كما في سورة الأنفال الآيات (65 – 66).
(3) كما في سورة البقرة آية (187)، وأخرجه البخاري رقم (1917)، ومسلم رقم (1091) من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-.
(4) كما في سورة المجادلة الآيات (12 – 13).
(5) انظر: “الفتح”: (8/ 41 – 42)، و”تفسير ابن كثير”: (2/ 605 – 606).
(6) من قوله: “على ذلك … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3/1133)
بالقضاء والقدر، يشدَّد على العبد أولاً ثم يخفَّف عنه، وحكمة هذا تسهيل الثاني بالأول، في تلقِّي الثاني بالرِّضى، وشهود المِنَّة والرحمة.
وقد يفعل الملوكُ ببعض رعاياهم قريبًا من هذا، فهؤلاء المُصَادَرُونَ يُطْلَبُ منهم الكَثِيرُ جدًّا الذي ربما عَجَزوا عنه، ثم يحُطُّونَه إلى ما دونَه لِتُطَوِّعَ لهم أنفسُهم بذلَهُ ويَسْهُلَ عليهم.
وقد يفعل بعض الحمَّالين قريبًا من هذا، فيزيدون على الحمل أشياء لا يحتاجون إليها، ثم يحُطُّ تلك الأشياء فيسهل حملُ الباقي عليهم.
والمقصود: أنَّ هذا باب من الحكمة خَلْقًا وأمرًا، ويقعُ في الأمر والقضاء والقدر أيضًا ضد هذا، فينقل عبادَهُ بالتَّدريج من اليسير إلى ما هو أشدُّ منه؛ لئلا يفجَأَها الشديدُ بغتةً، فلا تحتملُه ولا تنقادُ له، وهذا لتدريجهم في الشَّرائع شيئًا بعد شيء، دون أن يؤمروا بها كلِّها وهلةً (1) واحدةً، وكذلك المحرَّمات.
ومن هذا: أنهم أُمروا بالصلاة أولاً ركعتين ركعتين فلما (ظ/ 194 أ) أَلِفُوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحَضَر (2).
ومن هذا: أنهم أُمروا أولاً بالصيام وخُيِّروا (ق/ 278 أ) فيه بين الصَّوم عينًا، وبين التَّخيير بينه وبين الفدية، فلما أَلِفُوه أُمروا بالصَّوْم عينًا (3).
__________
(1) (ع): “وهذه”.
(2) أخرجه البخارى رقم (350)، ومسلم رقم (685) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(3) كما في سورة البقرة الآيات (184 – 185).
(3/1134)
ومن ذلك: أنَّهم أذن لهم في الجهاد أولاً من غير أن يُوْجَب عليهم، فلما توطَّنَت عليه أنفسُهم، وباشروا حُسْنَ عاقبته وثمرته أُمروا به فَرْضًا.
وحكمةُ هذا: التدريجُ والتربيةُ على قبول الأحكام والإذعان لها والانقياد لها شيئًا فشيئًا.
وكذلك يقعُ مل هذا في قضائه وقدره، يقدِّر على عبده بلاءً لابُدَّ له منه، اقتضاه حمدُه وحكمتُه فيبتليه بالأخف أوَّلاً، ثم يُرَقِّيه إلى ما هو فَوْقَهُ حتى يستكملَ ما كُتِب عليه منه.
ولهذا قد يسعى العبدُ في أول البلاء في دفعه وزواله، ولا يزداد إلا شدَّةً؛ لأنه كالمرض في أوله وتزايدِه، فالعاقلُ يستكينُ له أولاً، وينكسرُ وِيذِلُّ لربه، ويمد عُنُقَهُ خاضعًا ذليلاً لعزَّته، حتى إذا مرَّ به معظمُهُ وغَمْرَتُه (1)، وآذن ليله بالصَّباح، فإذا سعى في زواله ساعدته الأسبابُ، ومن تأمَّلَ هذا في الخلق انتفع به انتفاعًا عظيمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
فائدة
رجل قالت له زوجتُه: أريدُ منك أن تُطَلِّقَنِي، فقال: إن كنتِ تريدينَ أن أُطَلِّقَكِ فأنتِ طالقٌ، فهل يقعُ الطلاقُ بهذا أو لابدَّ من إخبارها عن إرادةٍ مستقبلة؟.
قال بعض الفقهاء: لابدَّ من إرادة مستقبلةٍ عملاً بمقتضى الشرط، وأن تأثيرَهُ إنما هو في المستقبل.
__________
(1) من قوله: “لربه ويمد … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3/1135)
وقال بعضهم بل تطلَّقُ بذلك اكتفاءً بدلالة الحال، على أنه إنما أراد بذلك إجابَتَها إلى ما سألته من طلاقها المُراد لها، فأوقعه معلِّقًا له بإرادتها التي أخبرتْهُ بها، هذا هو المفهوم من الكلام لا يفهمُ الناسُ غيره.
وقال ابنُ عَقِيل: ظاهرُ الكلام ووضعُه يدُلُّ على إرادة مستقبلَةٍ، ودلالةُ الحال تدُلُّ على أنه أراد إيقاعَه لأجل الإرادة التي أخبرته بها، ولم يَزِدْ.
قلت: وكأنه ترجيجٌ منه للوقوع اكتفاءً بدلالة الحال، على ما هو المعهود من قواعد المذهب، ولفظ الشرط (1) في مثل هذا لا يستلزمُ الاستقبال.
وقد جاء مُرادًا به المشروط المقارن للتعليق، وهو كثيرٌ في أفصحِ الكلام، كقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]، وقوله: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114]، وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)} [الأنعام: 118] وقول مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)} [مريم: 18] وهو كثيرٌ جدًّا.
ولما كان متلُوّ أداة الشرط في هذا لا يُرَادُ به المستقبلُ بل يُرادُ الحال والماضي؛ قال بعضُ النُّحَاة: إن “إن” فيه بمعنى “إذ” التي تكون للماضي، وقال غيرُه: إنها للتعليل. والتحقيق فيها (ق/ 278 ب) أنها للشرط على بابها، والشرط في ذلك داخل على الكون المستمر، المطلوبِ دوامُه واستمرُاره، دونَ تقيده بوقتٍ دونَ وقت، فتأمَّلْه.
__________
(1) (ق): “لفظ إن”.
(3/1136)
فائدة (1)
استدلَّ على أن النِّيَّة لا تُشترطُ في طهارة الماء بأن الماءَ خُلِقَ على صفات وطبيعة لا يحتاجُ في حصول أثرها إلى النية، فخُلِقَ طهورًا، وخُلق مُرْوِيًا، وخُلق مُبَرِّدًا وسيَّالاً (2)، كلُّ ذلك طبعه ووضعه (3) الذي جُعِلَ عليه، فكنا أنه لا يُحْتَاجُ إلى النية في حصول الرِّيِّ والتبريد به، فكذلك في حصول التطهير، يوضِّحُه: أنه خلق طاهرًا وطهورًا، وطاهريَّتُهُ لا تتوقَّفُ على نِيَّة، فكذلك طهوريته، يزيدُه إيضاحًا: أن عمله في أقوى الطهارتين -وهي طهارة الخبث- لا تتوقَّف على نية، فعدم توقف عمله على النية في الطهارة الأخرى أولى، وإنما قلنا: إنها أقوى الطهارتين؛ لأن سببها وموجبَها أمرٌ حِسِّيٌّ وخبث مشاهد؛ ولأنه لابُدَّ لها (4) من التُّرَاب، فقد ظهرتْ قوَّتُها حِسًّا وشرعًا، يزيدُه بيانًا: أن قوله – صلى الله عليه وسلم -: “خُلِقَ الماءُ طَهُورًا” (5) صريحٌ في أنه مخلوقٌ على هذه الصِّفة، و”طهورًا” منصوبٌ على الحال، أي: خلق على هذه الحالة من كونه طهورًا، وإن كانت حالاً لازمةً فهي كقولهم: خَلَقَ اللهُ الزَّرَافَة يَدَيْها أطولَ من رجْلَيْها، (ظ/ 194 ب)
__________
(1) انظر “الفنون”: (1/ 293، 299) لابن عقيل.
(2) (ظ): “سائلاً”.
(3) (ق وظ): “ووصفه”.
(4) (ق): “لا يعلم بدلها”، و (ظ): “لا بدل لها”.
(5) أخرجه أحمد: (17/ 359 رقم 11257)، وأبو داود رقم (66) والترمذي رقم (66)، والنسائي: (1/ 174) وغيرهم من حديث أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه- بلفظ: “الماء طهور لا ينجسه شيء”، ولم أجده باللفظ المذكور.
والحديث حسنه الترمذي، وصححه أحمد وابن معين وابن حزم، انظر: “التلخيص”: (1/ 13)، وله شواهد كثيرة.
(3/1137)
فهذه الصِّفةُ وهي الطُّهرية مخلوقةٌ معه، نُوِيَتْ أو لم تُنْوَ.
والاستدلالُ بهذا قريبٌ من الاستدلال بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)} [الفرقان: 48]، يوضح ذلك أيضًا: أن النيَّة: إن اعْتُبرت بجَرَيَان الماء على الأعضاء فهو حاصل، نوى أو لم ينوِ، وإن اعْتُبرت لحصول الوضاءَة والنظافة؛ فكذلك لا يتوقَّفُ حصولُها على نية، وإن اعتُبِرت لإزالة الحدث المتعلِّق بالأعضاء؛ فقد بَيّنَّا: أن الخَبَثَ (1) المتعلِّقَ بها أقوى من الحَدَث، وزوال هذا الأقوى لا يتوقَّفُ على النية فكيف الأضعف؟.
يوضحُه أيضًا: أنا رأينا الشريعةَ قد قسمت أفعالَ المكلَّفين إلى قسمين:
قسم: يحصل مقصودُه والمُرادُ منه بنفس وقوعه، فلا يعتبرُ في صحَّته نيةٌ؛ كأداء الديون، وردَّ الأمانات والنفقات الواجبة، وإقامة الحدود، وإزالة النجاسات، وغسل الطِّيْب عن المُحْرِم، واعتداد المفارقة وغير ذلك. فإن مصالحَ هذه الأفعال حاصلةٌ بوجودها ناشئة من ذاتها، فإذا وُجِدتْ حصلتُ مصالحها فلم تتوقَّفْ صحتها (2) على نية.
القسم الثاني: ما لا يحصلُ مُراده ومقصوده منه بمجرَّدِه، بل لا يُكْتَفَى فيه بمجرد صورته العارية عن النية؛ كالتلفُّظ بكلمة الإسلام، والتلبية في الإحرام، وكصورة التَّيَمّم (ق/ 279 أ) والطَّواف حول البيت، والسَّعي بين الصَّفا والمروة، والصلاة والاعتكاف والصيام، ولما كان
__________
(1) (ق): “الحدث”.
(2) (ق): “مصالحها”.
(3/1138)
إزالةُ الخَبَثِ من القسم الأول اكتُفِيَ فيه بصورة الفعل لحصولِ مقصودِهِ.
وقد علَّلنا أن المُرَادَ من الوضوء النظافةُ والوضاءةُ، وقيام العبد ين يدي الرب تعالى على أكمل أحواله، مستورَ العورة، متجنِّبًا للنجاسة، نظيفَ الأعضاء وضيئَها، وهذا حاصلٌ بإتيانه بهذه الأفعال نَوَاها أو لم يَنْوِها.
يوضحُه: أن الوضوء غيرُ مراد لنفسه بل مراد لغيره، والمرادُ لغيره لا يجبُ أن يُنوى لأنه وسيلة، وإنما تعتبر النِّيَّةُ في المواد لنفسه إذ هو المقصود المُرادُ، ولهذا كانت نيَّهُ قطع المسافة في الحج والجمعة غيرَ واجبة ولا تتوقَّفُ الصِّحَّةُ عليها، وكذلك نتَّة شراء الماء، وشراء العبد في عتق الكَفَّارة، وشراء الطعام فيها غير واجبة (1)؛ إذ هذه وسائلُ مرادة لغيرها.
وكذلك الوضوء وسيلةٌ ترادُ للصلاة، فهي كطهارة المكان والثياب.
يوضحه أيضًا: أن النِّيَّةَ لو اعْتُبرت في الوضوء لاعْتُبِرت في سائر شروط الصلاة، كسَتْر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما، ولا أرى منازِعِيّ القومِ يتمتكَّنون من الجواب عن هذه الكلمات بجوابٍ شافٍ، وهذه أجوبتُهم في طرايقهم فعليك بمراجعتها.
ونحن لا نرتضي هذا الرأيَ، ولكن لم نَرَ استدلال منازعيهم وأجوبتهم لهم أقوى من هذه الأدلة، وما ذلك لضعفِ المسألةِ من جانِبهم؛ ولكن لأنَّ الكلامَ في مسألة النية شديدُ الارتباط بأعمالِ القلوبِ، ومعرفةِ مراتبِها وارتباطِها بأعمالِ الجوارح، وبنائها عليها
__________
(1) من قوله: “ولا تتوقف صحة … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1139)
وتأثيرها فيها صحَّةً وفسادًا، وإنما هي الأصلُ المُرادُ المقصودُ، وأعمالُ الجوارح تَبَعٌ: ومكمِّلَةٌ ومُتَمّمَةٌ، وأن النية بمنزلة الرُّوحِ، والعملُ بمنزلة الجَسَدِ: والأعضاء، الذي إذا فارق الرُّوحَ فمَوَاتٌ، وكذلك العملُ إذا لم تَصْحَبْهُ النيةُ فحركة عابثٍ. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلُها، وأحكام الجوارح متفرِّعةٌ عليها.
وكذلك أيضًا: لا يتحقَّقُ الكلامُ في المسألة إلا بعد معرفة حقيقة النّيَّة، وهل هي من جنس العلوم والتَّصَوُّرات أو من جنس الإرادات والعزوم؟ أو حقيقتُها مركبةٌ من الأمرين؛ وأما من قَدَّر انبساطها وانقسامها على حروف معينة، لكلِّ حرف منها جزءٌ من أجزاء النِّيَّة، فلم يحصِّل معنى النِّيَّة فَضْلاً عن أن يتمكَّنَ من رَدِّ قول منازعه (ق/ 279 ب) في اعتبارها.
وكذلك من ظنَّ أنها لا تتحقَّقُ إلا بجَرَيان ألفاظ من اللِّسان يخبرُ بها عنها، لم يحصِّلْ أيضًا معناها، فيجبُ أن نعلم حقيقَتَها أوَّلاً ومنزلَتَها من أعمال القلوب، وأنه يستحيل عليها الانبساطُ والانقسامُ، وأنه لا مدخلَ للألفاظ: فيها ألبتَّةَ، ويفرَّقُ بين النية المتعلِّقة بالمعبود التي هي من لوازم الإسلام وموجباته، بل هي رُوحه وحقيقته التي لا يقبلُ اللهُ من (ظ/ 195 ب) عاملٍ عملاً بدونها ألبتة، وبينَ النية المتعلقة بنفس العمل، التي وقع فيها النزاعُ في بعضِ المواضع، ثم يعرف ارتباطها بالعمل وكيف: قصد بها تمييز العبادة عن العادة إذ كانا في الصورة واحدًا، وإنما يتميَّزان بالنية.
فإذا عدمتِ النيةُ كان العمل عاديًّا لا عباديًّا، والعاداتُ لا يُتَقَرَّب
(3/1140)
بها إلى بارئ البَرِيَّاتِ وفاطرِ المخلوقات، فإذا عَرِيَ العملُ عن النية؛ كان كالأكل والشرب (1) والنوم الحيوانى البهيمي الذي لا يكونُ عبادة بوجه، فضلاً عن أن يُؤْمَرَ به ويُرَتَّبَ عليه الثواب والعقاب والمدحُ والذَّمُّ، وما كان هذا سبيلُه لم يكنْ من المشروع (2) المتقرَّب به إلى الرَّبِّ تبارك وتعالى.
وكذلك -أيضًا- يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، فيُميَّزُ فرضها عن نفلها ومراتبها بعضها عن بعض، وهذه أمورٌ لا تَحَقُّقَ لها إلا بالنية ولا قَوَامَ لها بدونِها ألبتة، وهى مرادةٌ للشارع بل هى وظائف العبودية، فكيف يؤدي وظائفَ العبودية (3) من لا يخطرُ بباله التمييزُ بين العبادات والعادات، ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف ومنازلها من العبودية، هذا أمر ممتنع عادةً وعقلاً وشرعًا، فالنية هى سرُّ العبوديَّة ورُوحُها، ومحلُّها من العمل مَحلُّ الرُّوح من الجَسَد، ومُحَالٌ أن يعتبرَ في العبودية عمل لا روح له؛ بل هو بمنزلة الجسد الخراب، وهذا معنى الأثر المروي موقوفًا على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: “لا عَمَلَ لِمنْ لا نِيَّةَ له، ولا أجْرَ لمن لا حَسَنَةَ له” (4).
وقد قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]__________
(1) (ق) بدلاً من “كان كالأكل والشرب”: “وترتب عليه الثواب والعقاب”.
(2) من قوله: “ويرتب عليه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) “فكيف يؤدي وظائف العبودية” سقطت من (ق).
(4) قال ابن رجب في “جامع العلوم والحكم”: (1/ 69): “رواه ابن أبى الدنيا [في كتاب الإخلاص والنية] بإسناد منقطع”، وأخرجه البيهقي: (1/ 41) من حديث أنسٍ مرفوعًا، وفي سنده ضَعْف.
(3/1141)
فَنفَى سبحانه أن يكونَ أمَرَ عبادَهُ بغير العبادة التي قد أخلص عاملُها له فيها النِّيَّة، ومعلوم أن إخلاص النِّيَّةِ للمعبود أصلٌ لنية أصل العبادة، فإذا لم يأمرْهم إلا بعمل هو عبادةٌ قد أخلص عاملُها النيَّةَ فيها (1) لرَبِّه عز وجل، ومعلومٌ أن النية جزءٌ من العبادة، بل هي رُوح العبادة، كما تبيَّنَ = عُلِم أن العمل الذي لم يُنْوَ ليس بعبادة ولا مأمور به، فلا يكونُ فاعلُه متقرِّبًا به إلى الله، وهذا مما لا يقبلُ نزاعًا.
ومن نُكَت المسألة: أن يفرَّقَ بين الأفعال التي لا تقعُ إلا منويَّةً عادة وبين الأفعال التي تقع منويةً وغيرَ منوية، فالأول: كالوضوء المرتَّب عضوًا بعد عضو، فإنه لا يكادُ يُتَصَوَّرُ وقوعُه من غير نية، فإن (ق/ 280 أ) عِلْم الفاعل بما يفعلُه وقَصْده له هو النية، والعاقلُ المختار لا يفعلُ فعلاً غلا مسبوقًا بتصوره وإرادته، وذلك حقيقة النية، فليست النية أمرًا خارجًا عن تصوُّر الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله.
وبهذا يعْلمُ غلطُ من ظن أن للتَّلَفُّظ (2) مدخلاً في تحصيل النِّيَّة، فإن القائل إذا قال: “نويتُ صلاةَ الظهر، أو نويتُ رفع الحَدَث”، إما أن يكون مخْبرًا أو منشئًا، فإن كان مخبِرًا؛ فإما أن يكون إخبارُه لنفسه أو لغيره، وكلاهما عبَثٌ لا فائدة فيه؛ لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمَّن تعريفَ المخبر ما لم يكن عارفًا به، وهذا مُحالٌ في إخباره لنفسه، وإنْ كان إخبارًا لغيره بالنية، فهو عَبَثٌ محضٌ، وهو غيرُ مشروع ولا مفيدٌ، وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته، بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحُبِّه وبغضه، بل قد تكونُ في هذا الإخبار فائدةٌ، وأما إخبار المأمومين أو الإمام
__________
(1) من قوله: “ومعلوم أن … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) (ع): “التلفظ”، و (ظ): “اللفظ”.
(3/1142)
أو غيرهما بالنية فعبثٌ محضٌ، ولا يصحُّ أن يكون ذلك إنشاء، فإن اللفظ لا يُنشئُ وجودَ النيّة، وإنما إنشاؤُها إحضارُ حقيقتها في القلب لا إنشاء اللَّفظ الدَّالِّ عليها؛ فعُلِمَ بهذا أن التَّلَفُّظَ بها عَبَثٌ محضٌ، فتأمَّلْ هذه النكتة البديعة.
والمقصودُ أن مثل هذه الأفعال المرتبة، التي لا تقعُ إلا عن علم وقصد، لا تكونُ إلا منويَّةً. وهذا بخلاف الاغتسالِ مثلاً، فإنه قد يقعُ لتنظيفٍ أو تبريد ونحوهما، فإن لم يقصدْ به رفع حَدَثه لم يكن منويًّا.
وكذلك أفعالُ الصلاة المرتبة التي يتبعُ بعضُها بعضًا لا تقعُ إلا منويَّةً. ولو تكلَّفَ الرجلُ أن يصلِّي أو يتوضأ بغير نِيَّةٍ لتعذَّر عليه ذلك، بل يمكن تصوُّرُه فيما إذا قصد تعليمَ غيره (1)، ولم يقصد العبادةَ، أو صلَّى وتوضأ مُكرهًا، وأما عاقلٌ مختار عالم بما يفعلُهُ يقعُ فعلُه على وفق قصده، فهذا لا يكونُ إلا مَنْوِيًّا.
فالنيةُ هي القصد بعينه، ولكن بينَها وبين القصد فَرْقَان:
أحدهما: أن القصد يتعلَّقُ بفعل الفاعل نفسه، وبفعل غيره، والنيةُ لا تتعلَّقُ إلا بفعله نفسه، فلا يتصوَّر أن ينويَ الرجلُ فعلَ غيره، ويتصوَّر أن يقصدَه ويريده. الفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا لفعل مقدور يقصده الفاعل، وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه. ولهذا جاء في حديث أبي كَبْشَةَ الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن
__________
(1) (ع): “قصده تعليم لغيره”.
(3/1143)
النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إنَّما الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِي مَالِهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا (ق/280 ب) بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ عِنْدَ اللهِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزقْهُ مَالاً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلان فَهُوَ بنِيَّتِهِ وَأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وعَبْدٍ رَزقَهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْه عِلْمًا … ” فَذكرَ شَرَّ مَنْزِلَتَه (1) عِنْدَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: “وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلانِ فَهُوَ بِنِيَّتَهِ، وَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاءٌ” (2).
فالنيةُ تتعلَّقُ بالمقدورِ عليه والمعجوزِ عنه، بخلاف القصد والإرادة فإنهما لا يتعلقانِ بالمعجوز عنه، لا من فعله ولا من فعل غيره، وإذا عُرِف حقيقة النية ومحلها من الإيمان وشرائعه تبيَّن الكلام في المسألة نفيًا وإثباتًا بعلم وإنصاف؛ ولنذكرْ كلماتهم وما فيها من مقبولٍ ومردود.
فأما قولهم: إن الماءَ خُلق بطبعه مُبَرِّدًا ومُرْوِيًا وسيَّالاً ومُطَهِّرًا، وحصولُ هذه الآثار منه لا تفتقر إلى نية، إلى آخره.
فيقال: إن أردتمْ بكونه مطهِّرًا يطبعه أنه منظِّفٌ لمحل التطهير، فمسلَّم. ولكن نزاعنا في أمر وراءَهُ، وإن أردتم أنه يفتتحُ به الصلاة ويرفعُ المانعُ الذي جعله الشارعُ صادًّا عن الدخول فيها بطبعه من غير اعتبار نية؛ فدعوى مجردة لا يمكنكم تصحيحُها ألبتة، بل هي بمثابة
__________
(1) (ظ): “فذلك شرٌّ منزلةً”، وتمام الحديث: “فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربَّة، ولا يَصِل فيه رَحِمه، ولا يعلم لله فيه حقَّه، فهذا بأخبث المنازل”.
(2) أخرجه أحمد: (29/ 562 رقم 18031)، والترمذي رقم (2325) وغيرهم من حديث أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه-. قال الترمذي: “هذا حديث حسن: صحيح”.
(3/1144)
قول القائل: استعماله عبادة بمجرد طبعه، فحصول التَّعَبُّد والتقرُّب (1) به لا يحتاجُ إلى نية، وهذا بيِّنُ البُطلان، وهذا حرفُ المسألة (2): وهو أن التَّعَبُّدَ به مقصودٌ وهو متوقِّفٌ على النية، والمقدمتانِ معلومتانِ غنيتانِ عن تقرير.
وقد أجابهم بعض الناس بأن منع أن يكونَ في الماء قوَّة أو طبعٌ، وقال: هذا مبنيٌّ على إثبات القُوَى والطبائع في المخلوقات، وأهلُ الحقِّ ينكرونه، وهذا جوابٌ فاسدٌ يرغب طالب الحق عن مثله! وهو باطلٌ طبعًا وحِسًّا، وشرعًا وعقلاً، وأهلُ الحق هم المُتَّبِعُون للحَقِّ أين كانَ، والقرآن والسُّنَّة مملوآن من إثبات الأسبابَ والقُوَى، والعقلاء قاطبةً على إثباتها سوى طائفة من المتكلِّمين حَمَلَتهم المبالغةُ في إبطال قول القَدَرِيَّة النُّفَاة (3) على إنكارها جملةً.
والذي يكشفُ سِرَّ المسألة: أن التبريدَ والرِّيَّ والتنظيفَ حاصلٌ بالماء ولو لم يُرِدْهُ، وحتى لو أراد أن لا يكونَ، وأما التعبُّدُ لله بالوضوء فلا يحصلُ إلا بنيَّة التَّعَبُّدِ، فقياسُ أحد الأمرين على الآخر مِنْ أفسد القياس، فالحاصلُ بطبع الماء أمر غيرُ التعبد الذي هو مقوم لحقيقة الوضوء الذى لا يكونُ وضوءًا إلا به، وبهذا خرج الجوابُ عن قولهم: “إن عملَه في رفع الخَبَث إذا لم (4) يتوقَّفْ على نِيَّةٍ، فَأَنْ لا يتوقَّفَ (ف/ 281 أ) رفعُهُ للحَدَث أوْلى” فإن رفع الخَبَث (5) أمرٌ حِسِّيٌّ
__________
(1) (ظ): “والثواب”.
(2) يعني: سرها، أو محل النزاع فيها. وقد استعمل المؤلف هذا التعبير في عدد من كتبه.
(3) (ع): “والنفاة”.
(4) (ق): “الذي لا”.
(5) (ع): “الحدث”.
(3/1145)
مشاهَدٌ لا يستدعي أن يكونَ رافِعُه من أهل العبادة، بل هو بمنزلة كَنْس الدار، وتنظيفِ الطُّرُقات، وطرح المَيْتات والخبائث.
يوضِّحُه: أن زوالَ النَّجاسة لا يفتقرُ إلى فعل من المكلَّف ألبتَّةَ، بل لو أصابها المطرُ فأزال عينَها طَهُرَ المحلُّ بخلاف الطَّهارة من الحَدَث، فإن الله أمَرَ بأفعال متميِّزة لا يكونُ المكلَّفُ مؤدِّيًا ما أُمِر به إلا بفعلها الاختياري الذي هو مَنَاطُ التكليف، وبهذا خرج الجوانبُ عن قولهم: “النية إن اعْتُبرت بجَرَيان الماء على الأعضاء، أو لحصول الوَضاءة لم يفتقرْ إلى نيَّة … ” إلى آخره.
قولهم: “الشريعةُ قسمت الأفعالَ إلى قسمين؛ قسم: يحصلُ منه مقصوده بمجرده (ظ/196 أ) من غير نيَّة، وقسم: لا يحصل إلا بالنيَّة”؛ فمسلَّم.
قولُهم: “إنَّ الوضوءَ من القسم الأول” دعوى محل النِّزاع، فلا يقبلُ.
قولهم في تقريرِها: “المقصود (1) الوَضاءة والنظافة وقيام العبد بين يدي رَبَّه على أكمل أحواله”.
فجوابه: أن لله على العبد عُبودِيَّتين: عبوديَّة باطنة وعبوديَّة ظاهرة، فله على قلبه عبوديَّةٌ، وعلى لسانه وجوارحه عبوديةٌ، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تَعَرِّيه (2) عن حقيقة العبوديَّة الباطنة مما لا يُقَرِّبُه إلى ربِّهِ، ولا يُوجِبُ له ثوابه وقبول عمله، فإنَّ المقصود امتحانُ القلوب وابتلاء السرائر، فعمل القلبِ هو روُح العبودية ولُبُّها، فإذا خلا عملُ الجوارح منه كان كالجسدَ المَوَات (3) بلا رُوح، والنية هي
__________
(1) (ظ): “لمقصود”.
(2) (ع): “نفرته”.
(3) ليست في (ع).
(3/1146)
عملُ القلب الذي هو مَلِكُ الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي، فكيف يسقطُ واجبُه، ويعتبر واجبُ رعيتِه وجندِه وأتباعه اللاتي إنما شُرِعَتْ واجباتُها لأجله ولأجل صلاحه، وهل هذا إلا عكسُ القضية وقلب الحقيقة!.
والمقصودُ بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما هو صلاحُ القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه، ومن تمام ذلك قيامُه هو وجنودُه في حضرة معبوده وربِّه، فإذا بعث جنودَهُ ورعيِته، وتغيَّب هو عن الخدمة والعبودية، فما أجدَرَ تلك الخدمَةَ بالرَّدِّ والمقت، وهذا مَثَلٌ في غاية المطابقة، وهل الأعمالُ الخاليةُ عن عمل القلب إلا بمنزلة حَرَكات العابثين، وغايَتُها أن لا يَتَرَتَّبَ عليها ثوابٌ ولا عقابُ؟!.
ولما رأى بعضُ أربابِ القلوب طريقةَ هؤلاء انحرفَ هو إلى أن صرف هَمَّه (1) إلى عبوديَّةَ القلب، وعطَّل عبودية الجوارح، وقال: (ق/ 281 ب) المقصودُ قيامُ القلبِ بحقيقةِ الخدمة (2)، والجوارح تَبَعٌ. والطائفتان متقابلتان أعظمَ تقابَل؛ هؤلاء لا التفاتَ لهم إلى عبوديَّة جوارحهم، ففسدت عبوديةُ قلوبهم، وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم، ففسدت عبوديَّة جوارِحِهِم، والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبوديَّة ظاهرًا وباطنًا، وقدموا قلوبَهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاءَ تَبَعًا لها، فأقاموا المَلِكَ وجنودَه في خدمة المعبود، وهذا هو حقيقةُ العبودية.
ومن المعلوم أن هذا هو مقصودُ الرَّبِّ تعالى بإرسالِهِ رُسُلَه،
__________
(1) (ع): “هو إلى صَرْف همته”.
(2) (ق): “العبودية”.
(3/1147)
وإنزالِهِ كُتُبَهُ، وشَرْعِهِ شرائِعَه، فدعوى المدَّعي أن المقصودَ من هذه العبودية حاصل، وإن لم يصحبْها عبوديَّةُ القلبِ من أبطل الدعاوى وأفسدها، والله الموفق.
ومن تأمَّلَ الشريعة في مصادرها ومواردها؛ علمَ ارتباطَ أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع (1) بدونِها، وأن أعمالَ القلوب أفرضُ على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُمَيَّزُ المؤمنُ عن المنافق إلا بما في قلب كلِّ واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينها، وهل يُمْكِنُ أحدٌ الدخولَ في الإسلام إلا بعمل قلبه قبلَ جوارحه، وعبوديَّةُ القلب أعظمُ من عبوديَّة الجوارحِ وأكبرُ (2) وأدْوَمُ، فهي واجبةٌ في كلِّ وقت، ولهذا كان الإيمانُ واجبَ القلب على الدَّوام، والإسلامُ واجبَ الجوارح في بعض الأحيان، فمركَّبُ الإيمانِ القلبُ، ومركَّب الإسلامِ الجوارحُ، فهذه كلمات مختصرةٌ في هذه المسألة، لو بُسِطَتْ لقاْمَ منها سِفْرٌ ضخمٌ، وإنما أُشيرَ إليها إشارة.
وحرفُ المسألة: أنَّ أعمالَ الجوارح (3) إنما تكونُ عبادةً بالنيَّة، والوضوءُ عبادةٌ في نفسِه، مقصودٌ مرتَّبٌ عليه الثواب، وعلى تركه العقابُ، وكما يجبُ في العِبادات إفرادُ المعبود تعالى عن غيره بالنِّيَّةِ والقصد، فيكون وحدُه المقصودَ المُرادَ (4) بها لا سِواه، فكذلك يجبُ فيها تمييزُ العبادة عن العادة، ولا يقعُ التمييزُ بين النوعين مع اتحاد صورة
__________
(1) (ق): “تقع”.
(2) (ق وظ): “وأكثر”.
(3) “أن أعمال الجوارح” سقطت من (ق).
(4) بعده في (ظ) والمطبوعات: “فكما أنه يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى بها” والمعنى بدونها مستقيم، وزيادتها تكرار وحشو.
(3/1148)
العملين إلاَّ بالنية، فعملٌ لا يصحبُه إرادة المعبود غيرُ مقبول ولا معْتَدٌّ به، (ظ/196 ب) وكذلك عملٌ لا تصحبُه إرادةُ التَّعَبُّدِ له والتَّقَّرُّب إليه غيرُ مقبولٍ ولا معتدٍّ به، بل نيَّةُ التقرُّب والتعبُّد جزءٌ من نيَّةُ الإخلاص، ولا قَوَام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد، فإذا كانتْ نِيَّةُ الإخلاصِ شرطًا في صحَّة كلِّ أداء العبادة، فاشتراط نيةِ التَّعَبُّدِ أولى وأحرى، ولا جوابَ عن هذا ألبتةَ إلاَّ بإنكار أن يكون الوضوءُ عبادةً، وذلك يلتحقُ بإنكار المعلوم من الشَّرْع بالضَّرورة، وهو بمنزلةِ إنكار كَوْنِ الصوم والزكاة والحجِّ والجهادِ وغيرِها عباداتٍ، واللهُ الموفق للصواب.
فائدة (1)
ذكر أحمد بن مروان المالكي (2) عن ابن عباس: أنه سئل عن ميت مات ولم يوجد له كفن قال: “يُكَبُّ على وجهه ولا يُسْتَقْبَلُ (ق/ 282 أ) بفرجه القبلة”.
قلت: هذا بعيدُ الصِّحَّة عن ابن عباس، بل هو باطلٌ، والصواب أنه يُسترُ بحاجز من تراب، ويوضعُ في لحده على جنبه مستقبلَ القبلة، كما ينامُ العُرْيان الذي نُشر عليه ملاءة أو غيرها، وإذا كان عليه حاجزٌ من تُراب وهو مستقبلُ القبلةِ كان بمنزلة من عليه ثيابه.
فائدة (3)
* وذكر أيضًا (4) عن مجاهد قال: جلست إلى عبد الله بن
__________
(1) هذه وما بعدها في (ظ): “مسألة”.
(2) هو: الدينوري صاحب “المجالسة وجواهر العلم”: ت (333)، وقد ذكر هذا الأثر في كتابه السالف: (3/ 331 رقم 953) مسندًا، وسنده ضعيف.
(3) من (ق).
(4) في “المجالسة”: (3/ 376 رقم 1007) مسندًا، وفيه انقطاع.
(3/1149)
عُمر (1) وهو يصلي، فخفَّفَ ثم سلَّم، وأقبل إليّ، ثم قال: “إن حقًّا عليَّ أو سُنَّة إذا جلس الرجلُ إلى الرجل وهو يصلِّي التَّطَوُّعَ أن يخفِّفَ ويقبلَ إليه”.
* وذكر أيضًا (2) عن ابن عباس قال: “ما مِنْ يومٍ إلا وليلَتُهُ قَبْلَهُ إلا يومَ عَرَفَةَ فإن ليْلَتَهُ بعدَهُ”.
قلت: هذا مما اختُلف فيه، فحُكِي عن طائفة: أن ليلة اليوم بعده، والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله، ومنهم من فصَّل بين اللَّيلة المضافة إلى اليوم، كليْلة الجمعة والسبت والأحد وسائر الأيام، والليلة (3) المضافة إلى مكان أو حال أو فعل، كليْلة عرفة وليلة النَّفْر، ونحو ذلك، فالمضافةُ إلى اليوم قبلَه، والمضافة إلى غيره بعدَه، واحتجُّوا بهذا الأثر المرويِّ عن ابن عباس، ونُقِض عليهم بليلة العيد، والذي فهمه الناس قديمًا وحديثاً من قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بصِيَامٍ منْ بَيْنِ الأيَّامِ، وَلا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي” (4) إنها الليلةُ التي تُسفِرُ صبيَحتُها عن يوم الجمعَة، فإن الناس يُسارعونَ إلى تعظيمها، وكثرة التعبُّد فيها عن سائر اللَّيالي، فنهاهم – صلى الله عليه وسلم – عن تخصيصها بالقيام، كما نهاهم عن تخصيص يومِها بالصيام، والله أعلم.
* قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه “الجامع لذكر أئمة الأمصار، المُزَكِّين لرواة الأخبار”: سمعت أبا تراب المذكِّرَ يقول: سمعت
__________
(1) في الأصول: “عَمرو” وفي المطبوعات والمجالسة: “عُمر”.
(2) في “المجالسة” (2/ 372 رقم 540) مسندًا.
(3) (ع): “الليالى”.
(4) أخرجه البخاري رقم (1985) ومسلم رقم (1144) من حديث أبي هريرة – رضى الله عنه-.
(3/1150)
إبراهيم بن عبد الرحمن بن سهل يقول: سمعت العباس بن محمد الهاشمي يقول: دخل يحيى بن مَعينٍ مصرَ فاستقبلته هدايا أبي صالح كاتبِ الليث وجاريةٌ ومائةُ دينار فقبلَها، ودخل مصر، فلما تأمل حديثه قال: لا تكتبوا عن أبي صالح.
قال الحاكم: هذه من أجلِّ فضائل يحيى إذ لم يُحَابِ أبا صالحٍ وهو في بلدِه ونعمتِه.
أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، نا جدي: سمعتُ عليَّ بن المديني، يقول: كان أبو الجَعْد والد سالم بن أبي الجعد إذا تغدَّى جمع بَنِيه، فكانوا ستةً: اثنان مُرْجئان واثنان شِيعِيَّانِ واثنانِ خارجيَّانِ، فكان أبو الجَعْد يقول: لقد جمعُ اللهَ بينَ أيديكم وفرَّق بين أهوائِكُمْ (1).
قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي، حدثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، أخبرنا عبد الله بن علي بن المديني، قال: سمعت أبي يقول: خمسةُ أحاديث يروونها ولا أصلَ لها عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديث: “لو صَدَقَ السَّائِلُ ما أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ” (2)، وحديث: “لا وَجَعَ إلاّ وَجَعُ (ق/ 282 ب) العَيْنِ ولا غَمَّ إلا غَمُّ الدَّيْن” (3)، وحديث: “إن الشَّمْس رُدَّتْ على علِيَّ بن أبي طَالِبٍ” (4)، (ظ/197 أ) وحديث أنه – صلى الله عليه وسلم – قال: “أنا أكرمُ على اللهَ مِن أَنْ يَدَعَني تَحْتَ الأرضِ مِائَتَيْ
__________
(1) الخبر في “طبقات ابن سعد”: (6/ 292).
(2) انظر: “التمهيد”: (5/ 297)، و”كشف الخفاء”: (2/ 203).
(3) أخرجه الطبراني في “الأوسط”: (7/ 38)، وابن حبان في “المجروحين”: (1/ 350)، وغيرهم، وذكره ابن الجوزي في “الموضوعات”: (2/ 244)، وفي إسناده كذَّاب.
(4) أخرجه الطحاوي في “المشكل” رقم (1068)، والطبراني في “الكبير”: (24/ 145)، وهو لا يصح، انظر “منهاج السنة النبوية”: (8/ 164 فما بعدها).
(3/1151)
عامٍ” (1)، وحديث: “أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ إنهما كانا يَغْتَابَانِ” (2).
قال كاتبه:: ونظيرُ هذا قول الإمام أحمد: أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: حديث: “مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فكأنَّما آذَانِي”، وحديث: “مَنْ بَشَّرَنِي بخُروجِ آذَارَ ضَمِنْتُ له على اللهِ الجَنَّةَ”، وحديث: “للسَّائِل حَقٌّ وإنْ جَاءَ عَلى فَرَسٍ”، وحديث: “يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ يَوْمُ رَأَسِ سَنَتِكُمْ” (3).
قال الحاكمُ: سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق الثقفي يقول: شَهِدت محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- ودُفِع إليه كتابٌ من محمد بن كَرَّام يسأله عن أحاديثَ منها: سفيان بن عيينة، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “الإيمَانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ”، ومعْمَر، عن الزُّهري، مثله؛ فكتبَ البخاريُّ على ظهر كتابه: من حدَّث بها استوجَبَ الضَّرْبَ (4) الشديدَ والحبسَ الطويلَ.
سمعت أبا الحسين (5) محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت
__________
(1) انظر: “كشف الخفاء”: (1/ 161).
(2) أخرجه الطحاوي في “شرح المعاني”: (2/ 99) وغيره، قال الحافظ في “الفتح”: (4/ 210): “أخرجه الطحاوي وعثمان الدارمي والبيهقي في “المعرفة” وغيرهم من طريق يزيد بن أبي ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان، ومنهم من أرسله، ويزيد بن ربيعة متروك … ” وذكر كلام ابن المديني.
(3) أسندها عن أحمد ابنُ الجوزي في “الموضوعات”: (2/ 236)، وقال العراقي في “التقييد والإيضاح”: (ص/ 223): “لا يصح هذا الكلام عن الإمام أحمد … ” ثم تكلم عليها حديثاً حديثاً، وبيَّن ما فيها من الكلام.
(4) ليست في (ظ)، وكتب في هامش (ق): “لعلها العقاب”.
(5) (ظ): “أبو الخير”!.
(3/1152)
أبا العباس الدَّغُولي يقول: قلت لأبى حاتمٍ الرَّازي: هل تعرفُ في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحدًا اسمه أحمد؟ قال: لا أعلمُه، قلت: فهل تعلمُ في الصَّحابة من اسمُه (1) إسماعيلُ؟ قال: لا، قلت: فهل تعلمُ فيهم من اسمه أيوب؛ قال: لا، قلت: فهل تعرف فيهم أحدًا اسمه أسيد؟ قال: لا أعلمه، قلت: فهل كان فيهم من اسمه أيمن؟ قال: لا أعلم، قلت: فكان فيهم من اسمه أشعث؛ قال: لا، غير أشعث بن قيس الكِنْدي، قلت: فهل كان فيهم من اسمُه أمية؛ قال: صحابى واحد يقال له: أمة بن مخشي الخُزاعي، قلت: فهل كان فيهم من اسمه أسلمُ؟ قال: واحد، أسلم أبو رافع مولى النبي – صلى الله عليه وسلم -، قلت: فهل كان فيهم غير أُهْبان بن صَيْفي؟ قال: أُهْبَانُ بن أوس، قلت: فهل كان فيهم من اسمه أبيضُ غير ابن حمَّال؟ فقال: لا أعلمه، قلت: فهل كان فيهم أغَرُّ غير الأغَرَّ المُزَنِيِّ؟ قال: لا أعلَمُه، قلت: فهل كان فيهم (2) من اسمُه أرقم؛ قال: نعم أرقم بن أبى الأرقم، قلت: فهل كان فيهم من اسمه إبراهيم، قال: نعم إبراهيم اسم قديم قد تسمى به رجل قد سمِع من النبي – صلى الله عليه وسلم – رواه المكيُّون عن عطاء بن إبراهيم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “قابِلوا بين النِّعَالِ” (3).
قال كاتبه: وفي كتاب ابن حِبَّان في ترجمة الصحابة (4): أسلم آخر
__________
(1) (ق): “أحدًا اسمه”.
(2) من قوله: “أبيض غير … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) أخرجه ابن أبي عاصم في “الآحاد والمثانى”: (3/ 243)، والطبراني في “الكبير”: (1/ 333) وغيرهم، والحديث ضعفه ابن عبد البر في “الاستيعاب”: (1/ 61)، والحافظ في “الإصابة”: (1/ 16).
(4) “الثقات”: (3/ 18).
(3/1153)
غير أبي رافع، قال: “أسلم بن عَبْدَل (1) لما أسلمَ أسلمتِ اليهودُ بإسلامه” لم يَزِدْ، تمَّ الانتقاء.
* * *
يا جامعَ المال ما أَعْدَدْتَ للحُفَرِ … هل يُغْفِلُ الزَّادَ من أضْحَى عل سَفَرِ
(ق/ 283 أ) أفنيتَ عمرَك في اللَّذَّاتِ تطلُبُها … وا خَيْبَةَ السَّعْيِ، بل وا ضَيْغَةَ العُمُرِ
قِفْ في ديارِ بني اللذات معتَبِرًا … وانظرْ إليها ولا تسألْ عن الخَبَرِ
ففي الذي فَعَلَتْ أيدي الشَّتَاتِ بهمْ … من بعد أُلفَتِهِمْ معنى (2) لمعتَبِرِ
غيره (3):
قد عرف المُنْكَرُ واستْنْكِرَ الْـ … ـمعروفُ في أيامِنا الصَّعْبَهْ
وصار أهلُ العلمِ فى وَهْدَةٍ … وصار أهلُ الجهلِ فى رُتْبَهْ
فقلتُ للأبار أهلِ التُّقَى … والدِّين لما اشتَدَّتِ الكُرْبَهْ
لا تُنْكِروا أحوالَكُمْ قد أتت … نَوْبَتُكُمْ في زمن الغُرْبَهْ
(ظ/ 197 ب) غيره:
اقْنَعْ بأيْسَرِ ميسورٍ من الزَّمَنِ … واشكرْ لرَبِّكَ ما أولاكَ مِنْ مِنَنِ
واذكرْ ملابسَ مِنْ عَدْنٍ يُخَصُّ بها … ذوو التُّقَى، واهجر الأبرادَ من عَدَن
إنْ شئتَ أن تدخلَ الجنَّاتِ مجتنِيًا … قطوفَها فتَوَقَّ النارَ بالجُنَنِ
__________
(1) كذا في الأصول، وفي “الثقات”: “عبيد”.
(2) في هامش (ق): “ظ: كافٍ”.
(3) الأبيات الأربعة سقطت من (ع)، وتأخرت في (ق) بعد الأبيات التي تليها.
(3/1154)
وباشرِ الناسَ بالمعروفِ مجتهِدًا … وراقبِ اللهَ في سِرٍّ وفي عَلَنِ
حديث: روى البيهقيُّ (1) من حديث أبي بكر الحنفيِّ، ثنا سفيان الَثَّوْرِيُّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عاد مريضًا فرآه يصلِّي على وسادة، فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلِّىَ عليه فأخذه فرمى به. وقال: “صَلِّ عَلَى الأَرْضِ فإنِ اسْتَطَعْتَ، وَإلاّ فَأوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ”. قال البيهقيُّ: “هذا الحديث يُعَد في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري” تم كلامه.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب “العلل” (2): “سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: إن هذا خطأ، إنما هو عن جابرٍ قولُه “أنه دخل على مريض”. قيل له: فإن أبا أسامة قد رواه عن الثوري مرفوعًا، قال: ليس بشيء هو موقوف” تم كلامُهُ.
ورواه يحيى بن أبي طالب، ثنا عبدُ الوهاب بن عطاء، ثنا سفيان الثَّوري فذكره بمثله. رواه البيهقي (3).
فهؤلاء ثلاثة رفعوه: أبو أسامة وعبدُ الوهاب بنُ عطاء وأبو بكر الحنفيُّ: فأما أبو أسامة فالعَلَمُ المشهور. وأما أبو بكَرِ الحنفيُّ فمن رجال الصحيحين ووثقه أحمد. وأما عبد الوهاب بن عطاء فاحتج به مسلم.
والظاهر أن الحديثَ موقوفٌ كما ذكره ابن أبي حاتم على أبيه، والله أعلم.
والآثارُ في ذلك معروفةٌ عن الصحابة، كما روى مالك في “الموطأ” (4) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: “إذا لم يستطعِ المريضُ
__________
(1) في “الكبرى”: (2/ 306).
(2) (1/ 113).
(3) في “الكبرى”: (2/ 306).
(4) (1/ 168).
(3/1155)
السجودَ أَوْمَأَ برأسه إيماءً ولم يرفعْ إلى جبهته شيئًا”.
وقد رفعه عبد الله بن عامر الأسنمي، عن نافع (1)، وقد ضعَّفه أحمدُ وأبو زُرْعَةَ، والصوابُ وقفه.
وروى شعبة، عن أبى إسحاق السَّبِيعيِّ، عن زَيْد بن معاوية، عن عَلْقَمَةَ، قال: دخلت مع عبد الله بن مسعود على أخيه نعودُه وهو مريض، فرأى مع أخيه مَرْوَحَةً يسجُدُ عليها، فانتزعَها منه عبد الله، وقال: اسجدْ على الأرض فإنْ لم تستطعْ فأَوْمِ إيماءً واجعلِ (ق/283 ب) لسجودَ أخفضَ من الركوع (2). وزيد هذا ثقة (3).
حديث: قال حنبل: قال أحمد (4) في حديث حَجَّاج المِصِّيصِيِّ، عن شَريك، عن إبراهيم بن حزم، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبى هريرة قال: “كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل الخَلاءَ أتَيتُهُ بماء فاستنجى، ثم مَسَحَ بيدِهِ على الأرضِ، ثم تَوَضَّأ” (5) فقال أحمد: هذا حديث منكر إنما هو عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ولم يرفَعْهُ.
فائدة (6)
قال بعضهم: قولُ العامَّةِ: “نُسَيَّاتٌ” ليس بلحن؛ لأن الجوهريَّ
__________
(1) أخرجه البيهقي: (2/ 306).
(2) أخرجه عبد الرزاق: (2/ 477)، والبيهقي: (2/ 307).
(3) ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي، وذكره البخاري في “التاريخ”، وابن أبي حاتم في كتابه، ولم يذكرا. فيه جرحًا ولا تعديلاً.
انظر: “لسان الميزان”: (2/ 511)، و”ثقات العجلي” (ص/ 171).
(4) “قال أحمد” ليست في (ع).
(5) أخرجه أحمد: (15/ 533 رقم 9861) عن حجاجٍ به.
(6) هذه الفائدة ليست (ع).
(3/1156)
حكاه (1)، وكأنه جَمْعُ نُسَيَّهِ بتصغير نِسْوَةٍ.
قلت: وعلى هذا فلا يقالُ إلا على جماعات متعدِّدَةٍ منهنَّ؛ لأنه جمعُ الجمع، والعامَّةُ تطلقه على الجماعة الواحدة منهنَّ.
فائدة
قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ، فكأنَّما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ” (2). سرُّ هذا التشبيه -والله ُكل أعلم-: أن اللاعبَ بها لما كان مقصودُه بلعبه أكلَ المال بالباطل الذي هو حرامٌ كحرمة لحم الخنزير، وتوصَّل إليه بالقمار، وظنَّ أنه يُفيدُه حِلَّ المال، كان كالمتوصِّل إلى أكل لحم الخنزير بذكاته، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – (ظ/198 أ) شَبَّهَ اللاَّعب بها بغامس يده في لحم الخنزير ودمه، إذ هو مقدِّمَةُ الأكلِ، كما أن اللعب بها مقدمةُ أكل المال، فإن أكَلَ بها المال كان كأَكْل لحم الخنزير. والتشبيه إنما وقع في مقدِّمة هذا بمقدمة هذا، واللهُ أعلم.
فائدة
تفسير النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – البقر التي رآها في النوم تُنْحَرُ بالنَّفَر الذي أصيبوا (3) من أصحابه يوم أحد (4).
قيل: وجهُ هذا التأويل أن “البقر والنفر” مشتركان في صورة الخَطِّ،
__________
(1) في “الصحاح”: (6/ 2508).
(2) أخرجه مسلم رقم (2260) من حديث بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه-.
(3) (ق): “قتلوا”.
(4) أخرجه البخاري رقم (3622)، ومسلم رقم (2272) من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.
(3/1157)
ويمتازُ أحدهما عن الآخر بالنَّقْط، وهذه جهةٌ من جهات التعبير. وهذا قولٌ فاسد جدًّا! ولم يكن النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – يدركُ شيئًا من الخَطِّ أصلاً، ولا هذه جهةٌ: صحيحةٌ من جهات التأويل، فلا يؤوَّلُ النردُ بالبَرْد، ولا الزَّبَد بالزَّنْد (1)، ولا العين بالغَبْن، ولا الحَيَّة بالجنة، وأمثال ذلك.
وقيل: وجه الشبة أن البقر معها أسلحتُها التي تقاتل بها وهي قرونُها، وكانتِ العربُ تستعملُ الصَّيَاصِيَ (2) والقُرونَ في الرِّماح عند عدم الأسِنَّةِ. وهذا أقربُ من الأول، ولكنه مشتركٌ بين المسلمين والكفار، فإن كل طائفة معها سلاحُها.
وأجودُ من هذين أن يقال: وجهُ التشبيه أن الأرض لا تُعْمَرُ ولا، تُفْلح إلا بالبقر، فهم عمارَةُ الأرض، وبها صلاحُ العالم وبقاءُ معيشتهم وقوامُ أمرِهم، وهكذا المؤمنون، بِهم صلاحُ الأرض وأهلها وهم زينتُها، وأنفعُ أهل الأرض للناس، كما أن البقر أنفع الدَّوابِّ للأرض، ومن وجه آخَرَ وهو: أن البقر تُثير الأرضَ وتُهَيِّئُها (3) لقبول البَذْر (ق/284 أ) وإنباته، وهكذا أهلُ العلم والإيمان يثيرونَ القلوبَ ويُهَيِّئونها لقبول بذر الهدى فيها ونباته وكماله، والله أعلم.
فائدة (4)
قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “رَأَى عِيسَى رَجُلاً يَسْرِقُ فَقَالَ: سَرَقْتَ. قال: كَلاّ
__________
(1) “ولا … ” سقطت من (ظ)، و (ق): “ولا الزند بالزبد” والنَّقط غير محرر، ويمكن قراءته على أنحاء شتى.
(2) هي القرون نفسها.
(3) (ع): “وترخيها”.
(4) ليست في (ظ)، وانظر “إغاثة اللهفان”: (1/ 183)، و “فتح الباري”: (6/ 565).
(3/1158)
وَالّذِي لا إلهَ إلاَّ هُوَ. فقال عيسى: آمَنْتُ باللهِ وكَذَّبْتُ بَصَرِي” (1).
قيل: هو استفهام من المسيح، لا أنه إخبار، والمعنى: “أسرقت” فلما حلف له صدقه، ويردُّ هذا قولُه: “وكذبتُ بَصَري”، وقيل: لما رآه المسيح أخذَ المالَ بصورة السارق فقال: سرقت؟ فقال: كلا، أي: ليس بسرقة، إما لأنه مالُه أو له فيه حق، أو لأنه أخده ليقلبَهُ ويعيدَهُ، والمسيحُ – صلى الله عليه وسلم – أحال على ظاهر ما رأى، فلما حلف له قال: “آمَنْتُ بالله وكَذَّبْتُ نفسي في ظني أنها سرقةٌ” لا أنه كَذَّبَ نفسَه في أخده المال عيانًا، فالتكذيبُ واقعٌ على الظَّنِّ لا على العِيان، وهكذا الروايةُ “وكَذَّبْتُ نَفْسِي” (2) ولا تنافِيَ بينها وبين رواية: “وكَذَّبْتُ بَصري”، لأن البصرَ ظنَّ أن ذلك الأَخْذ سرقةٌ، فأنا كذبته في ظنِّ أنه رأى سرقة، ولعله إنما رأى أخذًا ليس بسرقة.
وفي الحديث معنى ثالث -ولعله أَلْيَقُ به- وهو: أن المسيحَ – صلى الله عليه وسلم – لعظمة وقارِ الله في قلبه وجلالِه ظنَّ أن هذا الحالف بوحدانية الله صادقًا، فحمله إيمانُهُ بالله على تصديقه، وجوَّز أن يكون بصرُة قد كذبه، وأراه ما لم يَرَ، فقال: “آمنْتُ باللهِ وكذبْتُ بَصَري”.
ولا ريبَ أن البَصَرَ يعرِضُ له الغلطُ، ورؤية بعض الأشياء بخلاف (3) ما هي عليه، ويُخَيِّلُ ما لا وجود له في الخارج، فإذا حكم عليه العقلُ تبين غلطُه. والمسيحُ – صلى الله عليه وسلم – حكَّم إيمانه على بصره فكذب بصره (4)
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3444)، ومسلم رقم (2368) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) من قوله: “في ظني أنها … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) (ق): “على غير”.
(4) “فكذب بصره” ليست في (ع).
(3/1159)
ونسب الغَلَطَ إليه، والله أعلم.
فائدة
قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “الأَنْبياءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ”، وفي لفظ: “إخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ، أمّهاتُهمْ شَتَّى ودِينُهُمُ وَاحِدٌ” (1).
قال الجوهري (2): بنو العَلاَّت: هم أولادُ الرجل من نسوةٍ شتّى، سميتْ بذلك لأن الذي تزوَّجها على أولى كانت قبلها، ثم عَلَّ من الثانية العَلَل، والشُّرْبُ الثاني يقال له: عَلَلٌ بعدَ نَهَل، وعَلَّهُ يَعِلُّهُ: إذا سقاه السَّقْيَة الثانية.
وقال غيره: سمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضَرَائِر، والعَلاَّتُ: الضرائر، وهذا الثاني أظهرُ.
وأما وجة التشبيه (3)؛ فقال جماعة -منهم القاضي عِياضُ (4) وغيره-: معناه أن الأنبياءَ مختلفونَ في أزمانهم، (ظ/ 198 ب) وبعضهم بعيدُ الوقت من بعض، فهم أولاد عَلاَّتٍ، إذ لم يجمَعْهم زمانٌ واحد، كما لم (ق/ 284 ب) يجمعْ أولادَ العَلاّتِ بطنٌ واحد، وعيسى لما كان قريبَ الزمان من النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم يكنْ بينهما نبيٌّ، كانا: كأنهما في زمان واحد، فقال – صلى الله عليه وسلم -: “أنا أوْلى النَّاسِ بعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ”، قالوا: كيف يا رسولَ الله؟ فقال: “الأَنْبِياءُ إخْوَةٌ مِنْ عَلاّتٍ” الحديث.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (3442)، ومسلم رقم (2365) من حديث أبي هريرة – رضى الله عنه-.
(2) “الصحاح”: (5/ 1773).
(3) (ظ): “التسمية”.
(4) في “إكمال المعلم”: (7/ 337).
(3/1160)
وفيه وجهٌ آخر أحسن من هذا، وهو: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – شَبَّه دين الأنبياء الذي اتفقوا عليه من التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريكَ له، والإيمانُ به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه = بالأب الواحد؛ لاشتراك جميعهم فيه وهو الدينُ الذي شرعه اللهُ لأنبيائه كلِّهم، فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
وقال البخاريُّ في “صحيحه”: باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد، وذكر هذا الحديث (1)، وهذا هو دينُ الإسلام الذي أخبر اللهُ أنه دينُ أنبيائِهِ ورسلِهِ من أولهم نوح إلى خاتَمِهم محمد – صلى الله عليه وسلم -، فهو بمنزلة الأب الواحد.
وأما شرائعُ الأعمال والمأمورات فقد تختلفُ، فهي بمنزلة الأمهَّات الشَّتَّى، فإنّ لقاحَ تلك الأمهات من أبٍ واحد، كما أن مادَّة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه، فهذا أولى المعنيين بالحديث، وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجبُ أن يُشَبِّهَ زمانَهم بأمهاتهم، ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك، وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزلة الدين، وأصالة هذا وتذكيره وفرعيَّه الأم وتأنيثها، واتحاد الأب وتعدد الأم، ما يدلُّ على أنه معنى الحديث، والله أعلم.
فائدة
في قوله تعالى: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} دون: “بَعَثَ بعبده”، و”أرسل به”
__________
(1) لم أجد الترجمة التي ذكرها المصنف في الصحيح، وذكر البخاريُّ هذا الحديث في موضعين متتاليين في باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ … } “الفتح”: (6/ 549 – 551).
(3/1161)
ما يفيدُ مصاحَبَتَهُ له في مَسْراه، فإن الباء هنا للمصاحبة، كهي في قوله: “هَاجَرَ بِأَهْلِهِ وسَافَرَ بغُلامِهِ” وليست للتعدية، فإنَّ (أسرى) يتعدَّى بنفسه، يقال: سَرَى به وأَسْرَاه، وهذا لأن ذلك السُّرَى كان من أعظم أسفاره – صلى الله عليه وسلم -، والسفرُ يعتمدُ الصاحبَ، ولهذا كان – صلى الله عليه وسلم – إذا سافر يقول: “اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ” (1).
فإن قيل: فهذا المعنى يُفهم من الفعل الثلاثي لو قيل: “سَرَي بعبده”، فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء؛ ففيه أجوية:
أحدها: أنهما بمعنًى، وإنَّ أَسْرَى لازمٌ كـ: سَرَى، تقول: “سَرَى زيدٌ وأَسْرَى”، بمعنى واحد، هذا قول جماعة.
(ق/285 أ) والثاني: أن (أسرى) مُتَعَدٍّ ومفعوله محذوف، أي: “أَسْرى بِعَبْدهِ البُرَاقُ”، هذا قول السهيلي (2) وغيره، ويشهد للقول الأول قول الصِّدِّيق: “أسْرَيْنا لَيْلَتَنا كُلَّها ومن الغَدِ حتى قام قائمُ الظَّهِيرَةِ” (3).
والجواب الصحيحُ: أن الثُّلاثِيَّ المتعدِّي بالباء يفهم منه شيئانِ؛ أحدهما: صدور الفعل من فاعله، والثاني: مصاحبته لما دخلت عليه الباء.
فإذا قلت: “سَرَيْتُ بزَيْدٍ وسَافَرْتُ به”، كنتَ قد وُجد منك السُّرَى والسفر مصاحبًا لزيد فيه، كما قال:
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (1342) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.
(2) كما في “الروض الأنف”: (2/ 148).
(3) في حديث الهجرة، أخرجه البخاري رقم (3615)، ومسلم رقم (2009) من حديث البراء بن عازب عن أبي بكر -رضي الله عنهما-.
(3/1162)
* ولقد سَرَيْتُ على الظَّلام بمِغْشَمٍ (1) *
ومنه الحديث: “أقرع بين نسائه، فأيَّتُهُنَّ خرجَ سهمُها، خرج بها” (2).
وأما المتعدي بالهمزة فيقتضى إيقاعَ الفعل بالمفعول فقط، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78] {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ} [الشعراء: 57] .. ونظائره، فإذا قُرِن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاعَ الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء، ولو أتى فيه بالثلاثى فُهِم منه معنى المشاركة في مصدرِهِ، وهو ممتنعٌ، فتأمَّلْه.
فائدة (3)
كانت كرامة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالإسراء مفاجأةً من غيرِ ميعاد؛ ليُحْمَلَ عنه ألمُ الانتظار، ويفاجأ بالكرامة بغتةً. وكرامة موسى بعدَ انتظارِ أربعينَ ليلةً.
فائدة (4) لما سافر موسى إلى الخضر وجَدَ في طريقه مسَّ الجُوع والنَّصَبِ، فقال لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)} [الكهف: 62] فإنه سفرٌ إلى مخلوق.
__________
(1) البيت لأبي كبير الهذلي، انظر “الحماسة”: (1/ 73)، وتمامه:
* جَلْدِ من الفِتيانِ غيرِ مُثَقّل *
(2) قطعة من حديث الإفك، تقدم تخريجه.
(3) ليست في (ظ).
(4) ليست في (ع).
(3/1163)
ولما واعَدَهُ ربُّه ثلاثينَ ليلةً وأتَّمها (ظ/199 أ) بعشر، فلم يأكلْ فيها، لم يجدْ مسَّ الجُوع ولا النَّصَب فإنه كان سَفَرٌ إلى ربه تعالى، وهكذا سفرُ القلب وسيرُه إلى ربِّه لا يَجِدُ فيه من الشَّقاء والنَّصَب ما يجِدُه في سفره إلى بعض المخلوقين.
فائدة
تسخيرُ البراق لحَمْل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ليلةٍ واحدة مسيرةَ شهرينِ ذهابًا وإيابًا أعظمُ من تسخير الريحِ لسليمان مسيرةَ شهرين في يوم ذهابًا وإيابًا، فإن الريحَ سريعةُ الحركة، طبعُها الإسراع بما تحملُهُ، وأما البراق فالآية فيه أعظمُ.
فائدة
شقُّ صدر النبي – صلى الله عليه وسلم – والاعتناءُ بتطهير قلبهِ وحشْوُهُ إيمانًا وحكمَةً، دليلٌ على أنَّ محلَّ العقلِ القلبُ، وهو متَّصِلٌ بالدِّماغ.
واستدلَّ بعضُ الفقهاءِ بغسل قلبه – صلى الله عليه وسلم – في الطِّسْتِ من الذهب على جواز تحلية المصاحف: بالذهب والمساجد، وهو في غاية البُعْدِ! فإن ذلك كان قبل النُّبُوَّة، ولم يكنْ ذلك من ذَهَب الدنيا، وكان كرامةً أُكْرِمَ بها – صلى الله عليه وسلم -، وكان من فِعْل الملائكة بأمر الله، وهم ليسوا داخلينَ تحتَ تكاليف البشر.
وأبعدُ منها احتجاجُ من احتجَّ به على جواز انتفاع الرجل بالحرير تَبَعًا لامرأته كالفراش (ق/ 285 ب) واللِّحاف والمخدَّة، قال: لأن الملكَ لا حرجَ عليه، والنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – انتفعَ بذلك تَبَعًا. وقد أبعدَ هذا القائلُ النَّجْعَةَ، وأتى بغير دليل!.
(3/1164)
فائدة
الفعل إن كان منشأَ المفسدة الخالصة (1) أو الراجحة فهو المُحرَّم، فإن ضَعُفت تلك المفسدهُ فهو المكروه، ومراتبه في الكراهة بحسب ضعف المفسدة، هذا إذا كان منشأً للمفسدة.
وأما إن كان مُفْضِيًا إليها فإن كان الإفضاءُ قريبًا فهو حرام أيضًا كالخَلْوة بالأجنبية، والسَّفَر بها، ورؤية محاسنها، فهذا القسم يُسْلُبُ عنه اسمُ الإباحَةِ وحكمُها.
وإن كان الإفضاءُ بعيدًا جدًّا لم يسلبْ اسمَ الإباحة ولا حُكْمَها، كخَلْوَة ذي الرَّحِم المَحْرَمِ وسفره معها، وكنظر الخاطب الذي مقصودُه الإفضاء إلى المصلحة الرَّاجحة، فإن قربَ الإفضاء قربًا ما فهو الوَرَع، وهو في المراتب على قَدْر قرب الإفضاء وبعده، وكلما قَرُبَ الإفضاءُ كان أَوْلى بالكراهة والوَرَع، حتى ينتهيَ إلى درجةِ التَّحريم.
فائدة
قولُ الملائكة للنبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة الإسراء: “مَرْحَباً بِهِ” أصلٌ في استعمال هذه الألفاظ وما ناسَبَها عند اللِّقاء نحو: أَهلاً وسهلاً، ومرحبًا وكرامَةً، وخيْرَ مَقْدَمٍ وأيْمَنَ (2) مَوْرِدٍ ونحوها.
ووقع الاقتصارُ منها على لفظ: “مَرْحَبًا” وحدها؛ لاقتضاءِ الحال لها، فإن الرَّحْبَ (3) هو السَّعَةُ، وكان قد أفضى إلى أوسع الأماكن، ولم يطلقْ فيها “سهلاً”؛ لأن معناه: وطِئْتَ مكانًا سهلاً، والنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – كان محمولاً إلى السماء.
__________
(1) (ع): “الحاصلة”.
(2) (ع): “وأتم”.
(3) (ع): “المرحب” و (ظ): “الترحيب”.
(3/1165)
فائدة (1)
قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث أبي موسى: “واللهِ لا أحْمِلُكُمْ، وما عِنْديَ ما أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ” (2) يحتمل وجهينِ:
أحدُهما: أن يكون الكلام جملةً واحدةً، والواو واو الحال، والمعنى: لا أحملُكم في حالٍ ليس عندي فيها ما أحملكم عليه، ويؤيد هذا جوابه – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: “ما أنا حَمَلْتْكُمْ، اللهُ حَمَلَكُمْ”، وعلى هذا فلا تكونُ هذه اليمينُ محتاجةً إلى تكفير.
ويحتمل أن تكونَ جملتينِ؛ حَلَف في أحدهما أنه لا يحملُهم، وأخبر في الثانية أنه ليس عنده ما يحمِلُهم عليه، ويؤيِّدُ هذا قوله في الحديث لما قيل له: إنك حَمَلْتنا، وقد حلفت، فقال: “إنِّي لا أَحْلِفُ على يَمِينٍ، فأرَى غَيْرَها خَيْرًا منها إلا كفَّرْتُ عنْ يميني وأَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ”. ولمن نَصَر الاحتمالَ الأول أن يجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا استئنافٌ لقاعدةٍ كان سبيها اليمينُ ليبيِّنَ فيها للأمَّة حكمَ اليمين، لا أنه حَنَث في تلك اليمين وكفَّرها.
الجواب الثاني: أن هذا كلامٌ خرج على التقدير، أي: ولو حنثتُ (ق/ 286 أ) لكفَّرتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خيرٌ، واللهُ أعلم.
فائدة
قول النبي – صلى الله عليه وسلم – عن يوسف: “إنه أُوتِيَ شَطْرَ الحُسْنِ” (3).
__________
(1) “فائدة” ليست في (ع).
(2) أخرجه البخاري رقم (4415)، ومسلم رقم (1649) من حديث أبي موسى الأشعري- رضى الله عنه-.
(3) قطعة من حديث أنسٍ في الإسراء، أخرجه البخاري رقم (3570)، ومسلم رقم (162).
(3/1166)
قالت طائفة: المراد منه أن يوسف أوتِيَ شَطْر الحسن الذي أوتيه محمد – صلى الله عليه وسلم -، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – بلغ الغاية في الحُسْن، ويوسُف بلغ شطْرَ تلك الغاية. قالوا: ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قَتَادَةَ عن أنس، (ظ/199 ب) قال: “ما بَعَثَ اللهُ نبِيًّا إلا حَسَنَ الوَجْهِ، حَسَنَ الصَّوْتِ، وكان نَبِيُّكُمْ – صلى الله عليه وسلم – أحْسَنَهُمْ وَجْهًا، وأحْسَنَهُمْ صَوْتًا” (1).
والظاهر أن معناه: أن يوسف عليه السلام اختص عن الناس بشَطْر الحسن، واشتركَ الناسُ كلُّهم في شطره، فانفرد عنهم بشطره وحدَه، هذا ظاهرُ اللفظ فلماذا يُعْدَلُ عنه؛ واللام في “الحُسْن” للجنس لا للحُسْن المعين المعهود المختص بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، وما أدري ما الذي حَمَلَهم على العُدول عن هذا إلى ما ذكروه؟.
وحديث أنس لا يُنافي هذا، بل يدلُّ على أن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كان أحسنَ الأنبياء وجهًا وأحسنَهم صوتًا، ولا يلزمُ من كونه – صلى الله عليه وسلم – أحسنَهم وجهًا أن لا يكونَ يوسفُ اختصَّ عن النَّاس بشطر الحسن، واشتركوا هم في الشطر الآخر. ويكون النبي – صلى الله عليه وسلم – قد شارك يوسُفَ فيما اختصَّ به من الشطر وزاد عليه بحسنٍ آخر من الشَّطر الثاني (2)، واللهُ أعلم.
فائدة
قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ ولا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ” (3)؛
__________
(1) أخرجه الترمذي في “الشمائل”: (ص/ 150)، وابن عدي في “الكامل”: (2/ 434) وغيرهم من حديث أنس، وهو ضعيف من مناكير حسام بن مِصَكّ. ضعَّفه ابن عدي، والذهبى في “الميزان”: (1/ 477).
(2) من قوله: “ويكون النبي … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) أخرجه مسلم رقم (2598) من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
(3/1167)
لأنَّ اللعنَ إساءةٌ، بل من أبلغ الإساءة، والشفاعةُ إحسانٌ، فالمُسيءُ في هذه الدَّار باللعن يسلبه اللهُ الإحسانَ في الأخرى بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصُدُ ما يزرعُ، والإساءةُ مانعةٌ من الشَّفاعة التي هي إحسان.
وأما منعُ اللعن من الشهادة فإنَّ اللَّعنَ عداوةٌ، وهي منافيةٌ للشَّهادة، ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – سيِّدَ الشفعاء وشفيعَ الخلائق؛ لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم – صلى الله عليه وسلم -.
فائدة
السِّرُّ -والله أعلم – في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أبي بكر وعُمر وعثمان: أن عَلِيًّا لو تولَّى الخلافة بعد موته لأوشكَ أن يقولَ المُبْطِلون: إنه مَلِكٌ وَرِثَ مُلْكَهُ أهلُ بيته، فصان اللهُ منصبَ رسالته ونبوَّته عن هذه الشُّبهة، وتأمَّلْ قولَ هِرَقْلَ لأبي سفيانَ: هل كان في آبائه مَنْ مَلِكَ؟ قال: لا، فقال له: لو كان في آبائه مَلِكٌ لقلتُ: رجلٌ يطلبُ مُلْكَ آبائه (1). فصان اللهُ منصبَه العَلِيَّ من شبهة المُلْكِ في آبائه وأهل بيته وهذا -والله أعلم- هو السِّرُّ في كونه لم يُورَثْ هو والأنبياءُ، قطعًا لهذه الشُّبْهة، لئلا يظنَّ (ق/286 ب) المُبْطِلُ أن الأنبياءَ طلبوا جمعَ الدنيا لأولاهم ووَرثَتِهِم كما يفعلُهُ الإنسانُ من زهده في نفسه وتوريثه مالَهُ لولده وذُرِّتَّتِهِ، فصانهم اللهُ من ذلك، ومنعهم من توريث ورثَتِهم شيئًا من المال، لئلا تتطرَّقَ التهمةُ إلى حُجَج الله ورسله، فلا يبقى في نُبُوَّتِهم ورسالتهم شبهةٌ أصلاً.
__________
(1) في حديث أبي سفيان مع هرقل، أخرجه البخاري رقم (7)، ومسلم رقم (1773) من حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-.
(3/1168)
ولا يقال: فقد وَلِيَها عليٌّ وأهل بيته؛ لأن الأمر لما استقر (1) أنها ليست بملك موروثٍ، وإنما هي خلافةٌ نبوَّةٍ تُسْتَحَقُّ بالسَّبْق والتَّقَدُّم، كان عليٌّ في وقته هو سابقَ الأمة وأفضَلَها، ولم يكنْ فيهم حين وَلِيَها أولى بها منه، ولا خيرًا منه، فلم يحصلْ لمُبطل بذلك شبهةٌ والحمد لله تعالى.
فائدة
في شراءِ أَرْض مسجدِ المدينة من اليتيمين وجَعْلها مسجدًا من الفقه: دليلٌ على جواز بيع عقار اليَتيم، وإن لم يكنْ محتاجًا إلى بيعه للنَّفقة، إذا كان في البيع مصلحةٌ للمُسلمينَ عامة لبناء مسجد أو سور أو نحوه. ويؤْخَذُ من ذلك أيضًا بيعُه إذا عُوِّضَ عنه بما هو خير له منه.
وفي نَبْش قبور المشركين من الأرض وجعلها مسجدًا دليلٌ على طهارة المقبرة، وأن الصَّلاةَ فيها لم يُنْهَ عنها لنجاستها، وإنما هو صيانةً للتَّوحيد، وسدًّا لذريعة الشِّرْك بالقبور، الذي هو أصل عبادة الأصنام، كما قال ابن عباس وغيره.
فائدة
في استئجار النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – عبدَ الله بن أُرَيْقِط الدِّيلي هاديًا في وقت الهجرة (2)، وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطِّبِّ والكُحْل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكنْ ولايةً تتضمَّنُ (ظ/ 200 أ) عدالةً، ولا يلزمُ من مجرَّد كونِه كافرًا أن لا يوثَقَ به في شيء أصلاً، فإنه لا شيءَ أخطرُ من الدلالة في الطريق،
__________
(1) (ع): “سبق”.
(2) أخرجه البخاري رقم (3905) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(3/1169)
ولاسِيَّما في مثل طريق الهجرة.
فائدة
في حديث عبد الله بن جحش أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كتب له كتابًا وأمره أن لا يقرَأهُ حتى يسيرَ يومين، وأن عبد الله امتثلَ أمرَه ففتح الكتاب بعد اليومين، فقرأه .. الحديث (1).
فيه من الفقه: جوازُ الشهادة على الكتاب الذي لا يُدْرَى ما فيه، بل إذا قال: هذا كتابي فاشهدْ عليَّ بما فيه، جازت الشهادةُ، وهي مسألةُ خلاف مشهورة، وتسمى: “شهادة التقليد”، ويدلُّ عليها أيضًا: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يبعث كتبه إلى الملوك والنَّواحي ولا يقرؤها على من يبعثُها معه، بل يقول: “هذا كِتَابِي فَأَوْصِلْهُ إلى فُلانٍ”، وكذلك عمل به خلفاؤُه من بعده.
وفيه: جوازُ تراخي القبولِ عن الإيجاب، فإنَّ في الكتاب: “أن اقرأه ولا تُكْرِهْ أحدًا، فمن أجابك فامضِ به حتى تنزلَ نَخْلَةَ”.
وفيه مسألةٌ بديعة (ق/287 أ) وهي: جواز العقد والتَّوْليَة على أمرٍ مجهولٍ حالَ العقد، يتبيَّنُ في ثاني الحال.
فائدة
قول النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أنشدته قُتَيْلَةُ بنتُ الحارث شِعْرَها المعروفَ، ترثي به أخاها النَّضْر: “لو سَمِعْتُ هذا قَبْلَ قَتْلِهِ لمْ أَقْتُلْة” (2)، ليس
__________
(1) أخرجه ابن جرير: (2/ 360)، والبيهقي: (9/ 58 – 59) وغيرهم عن عروة مرسلاً، وله شواهد.
(2) أخرجه الزبير بن بكار -كما في “الإصابة”: (4/ 389 – 390) -، وابن عبد البر =
(3/1170)
فيه النَّدَمُ على قتله؛ فإنه لم يقتلْهُ إلا بالحقِّ، ولكن كان – صلى الله عليه وسلم – رفيقًا رحيمًا يقبل الشفاعة، ويمنُّ على الجاني، فمعناه: لو شفَعَتْ عندي بما قالتْ قبل أن أقتلَهُ لَقَيِلْتُ شفاعَتَها وتركْتُهُ.
وقريب من هذا قوله – صلى الله عليه وسلم – “لو اسْتَقْبلْتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها مُتْعَةُ” (1)، ليس فيه ندامةٌ (2) على أفضل مما أتى به من النُّسُك، فإن الله لم يكن ليختارَ له إلا أفضلَ الأنساك وأعلاها، ولكن كاد لمحبَّته تآلف قلوبِ أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهِم بأن يفعل كما فعلوا، ودَّ لو أنهَ أَحَلَّ كما أحلُّوا، ولكن منعه سَوْقُ الهَدْي، وعلى هذا فيكون اللهُ تعالى قد اختار له أفضلَ الأنساك بفعلِهِ، وأعطاه ما تمنَّاه من موافقة أصحابه، وتأليف قلوبهم بِنِيَّتِهِ ومُناه، فجمح له بين الأمرين، وهذا هو اللائقُ به صلواتُ الله وسلَامُه عليه.
فائدة
استشكلَ الناسُ من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي – صلى الله عليه وسلم – (3) “، وذلك ينافي الإيمان، وقد أذِنَ لهم فيه، وأجيب عنه بأجوبة:
__________
= في “الاستيعاب”: (4/ 390 – بهامش الإصابة) وقال الزبير: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات، ويقول إنها مصنوعة.
(1) أخرجه البخاري رقم (1651)، ومسلم رقم (1216) من حديث جابر – رضي الله عنه -.
(2) (ع وق): “ندمة”.
(3) أخرجه البخاري رقم (4037)، ومسلم رقم (1801) من حديث جابر -رضي الله عنه-.
(3/1171)
أحدها: أنَّ الإكراه على التَّكَلُّم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرًا مرَّةً طمأْنِينَةِ القلب بالإيمان، وكعب كان قد اشتدَّ في أذى المسلمين وبالغ في ذلك، فكان يحرِّضُ على قتالهم، وكان في قتلِه خلاصُ المسلمين من ذلك، فكأنَّه أكرَه الله عنه – النّاسَ على النُّطق بما نَطَقُوا به وألجأهم إليه، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتِهم، مع طمأْنِينَةِ قلوبِهم: بالإيمان، وليس هذا بقويٍّ.
الجواب الثاني: أن ذلك النيل والكلام لم يكن صريحًا بما يتضمَّن كفرًا، بل تعريضًا وتوريةً مقاصِدُ صحيحةٌ موهِمَةٌ موافَقَته في عرَضِه، وهذا قد يجوزُ في الحرب الذي هو خُدعة.
الجواب الثالث: أن هذا الكلام والنيل كان بإذنه – صلى الله عليه وسلم – والحقُّ له، وصاحبُ الحق إذا أَذنَ في حقِّه لمصلحةٍ شرعية عامَّة لم يكن ذلك: محظورًا.
فائدة
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “ما يَنْبَغِي لِنبِيٍّ إذَا لَبسَ لأُمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَه وَبَينَ أَعْدائهِ” (1) احتج من يقولُ: إنَّ النوافلَ تلزمُ بالشروع، وأن الشروعَ فيها جار مجرى التزامِها (2) بالنَّذر، فإن الشروع التزام بالفعل، والنَّذْر التزامٌ بالقول، والالتزامُ بالفعل أقوى لأنه الغاية.
__________
(1) أخرجه أحمد: (23/ 99 رقم 147787)، والدارمي: (2/ 129)، والنسائى في “الكبرى” رقم (7647) من حديث جابر -رضي الله عنه- وسنده صحيح، وله شاهد من حديث أبي عبَّاس أخرجه الحاكم: (2/ 128 – 129)، والبيهقي: (7/ 41).
(2): (ع): “جارٍ مجراها: بالتزامها”.
(3/1172)
وفي الاستدلال بالحديث شيءٌ، فإن (ق/ 287 ب) فيه الإشارةَ إلى الاختصاص بقوله: “ما ينبغي لِنبِيٍّ”، ولم يقل: “ما ينبغي لأحد” ولا: “ما ينبغي (ظ / 200 ب، لكم”، فدلَّ “على مُخَالَفَةُ حكم غيره له في هذا وأنه من خواصه، ويدلُّ عليه أنَّه – صلى الله عليه وسلم – كان إذا عمل عملًا أثبتَهُ، وداوَمَ عليه، ولهذا لما قضى سُنَّةَ الظهر بعد العصر أثبتها وداوم عليها (1).
وقولهم: الشُّروع التزامٌ بالفعل يقال: تعنونَ بالالتزام إيجابَه إيَّاه على نفسه، أم تعنون (2) به دخوله فيه؟.
الأول: محل النزاع، والثاني: لا يفيد، وبه خرج الجواب عن قولكم: الالتزام بالفعل أقوى.
وسرُّ المسألة: أنَّ الشارعَ في النافلة لم يلتزمها (3) التزامَ الواجبات، بل شرع فيها بنيةِ تكميلها وفعلها فعل سائر النوافل، وأما الناذر لها فبنذره قد الحزمَ أَدَاءَها كما يؤدي الواجباتِ، فافترقا.
فائدة
عتبةُ بنُ أبي وقاص الذي كسر رَبَاعِيَةَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – يوم أُحد، قال بعض العلماء بالأخبار: إنه استقْرَى نسلَه فلا يبلغُ أحدٌ منهم الحُلُمَ
__________
(1) في هامش (ع) حاشية نصُّها: “خالف هذا المؤلف -رحمه الله- في كتابه “الهدي” (3/ 211) فقال: إن من لبس لأمة حربه تعين عليه الجهاد، ولم يجعله من الخصائص كما قال الأكثرون.
وشيخه أَبو العباس -رحمه الله- جنح إلى عدم التخصيص فِى تعليقه على “المحرر”؛ لكن جعل [مأخذ] كونه شروعًا في فرض كفاية وأنه يلزم به، وهذا أقعد مما ذكره هنا في ….. ” اهـ.
(2) من قوله: “بالالتزام … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) (ع): “يلزمها”.
(3/1173)
إلَّا أبْخَرَ أو أَهْتَمَ (1) يعرفُ ذلك فيهم وهو مِنْ شؤم الآباء على الأبناء.
واخْتُلِف فيما وقع للنبي – صلى الله عليه وسلم – من هذا ونحوه، فقيل: هو قبلَ نزول قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، وقيل: العصمةُ الموعودُ بها عصمةُ النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكُلِّيَّة، بل أبقى الله تعالى لرسوله ثوابَ ذلك الأذى، ولأُمته حُسْن التَّأَسِّي به، إدْا أودي أحدُهم نظرَ إْلى ما (2) جرى عليه – صلى الله عليه وسلم – فتأسَّى وصَبَرَ، وللمُؤْذِينَ الأشقياءِ الأَخْذةُ الرَّابِيَةُ.
فائدة
قيل: إنما فَدَّى: النبي – صلى الله عليه وسلم – سعدًا بأبويه (3) لما ماتا عليه، وأما الأَبوان المسلمان فلا يجوز أن يُفَدَّى بهما، وهذا لا يحتاجُ إليه، فإنَّ التفديةَ نُقِلت بالعُرْف العام عن وضعها الأول، وصارت علامةً على الرضى والمحبة، وكأنه قال: افْعَلْ كدْا مغبوطًا مرضيًّا عنك.
فائدة
في حديث أبي لُبَابَةَ لما بلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – ارتباطه قال: “لَوْ أَتَانِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَإِذ فَعَلَ فَلَسْتُ أُطْلِقُهُ، حَتَّى يُطْلِقَهُ اللهُ”، فأنزل الله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى قوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102] فأطلقه النبي – صلى الله عليه وسلم – حينئذٍ (4). وفي هذا ما يدُلُّ
__________
(1) البَخَر هو: نَتَن الفم، والهَتَم: سقوط الأسنان من مقدم الفم.
(2) (ظ): “ذكر ما … “.
(3) أخرجه البخاري رقم (2905) ومسلم رقم (2411) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه ابن جرير: (6/ 460)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي =
(3/1174)
على صحَّة قول المفسرين: إنَّ (عسى) من الله واجب (1)، وفيه: أنَّ فاطمةَ جاءت تحلُّه فقال: لا إلَّا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقال: “فَاطِمَةُ بُضْعَةٌ مِنِّي” (2).
فإن قيل: فهل يَبَرُّ الحالفُ بمثل هذا لو اتَّفَقَ اليوم؟.
قيل: لا، إما أنَّه مختصٌّ بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، وإما لأن فاطمةَ بضعةٌ منه قطعًا، واللهُ أعلمُ.
فائدة
اختلف الناسُ (ق / 288 أ) في جواز إطلاق “السَّيِّد” على البَشَر، فمنعه قومٌ، ونُقِل عن مالك، واحتجُّوا بأنه – صلى الله عليه وسلم – (3) لما قيل له: يا سَيِّدَنا، قال: “إنَّمَا السَّيِّد اللهُ” (4)، وجوَّزه قوم، واحتجُّوا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – للأنصار: “قومُوا إلى سَيِّدكُمْ” (5)، وهذا أصحُّ من الحديث الأول.
__________
= في “الدلائل”: (4/ 15 – 16) من حديث ابن عباسٍ في قصة تخلف أبي لبابة ونفرٍ معه عن غزوة تبوك.
وذكر هذه القصة آخرون في شأن أبي لبابة مع بني قُريظَة أخرجه البيهقي في “الدلائل”؛ (4/ 16 – 17) من مرسل سعيد بنُ المسيب، وأخرجه غير واحد عن مجاهد كما في “الدر المنثور”: (3/ 488).
(1) جاء هذا عن ابن عبَّاس والحسن، انظر “الدر المنثور” ت (3/ 488، 490).
(2) لم أجد هذه الزِّيادة في شئٍ من ألفاظ حديث أبي لبابة السالف، وهذه اللفظة أخرجها البخاري رقم (3714)، ومسلم رقم (3449) من حديث المِسْوَر بنُ مخرمة -رضي الله عنه-.
(3) (ق): “بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – “.
(4) أخرجه أحمد: (26/ 235 رقم 16307)، وأَبو داود رقم (4806)، والنسائي في “الكبرى” رقم (10076) وغيرهم من حديث عبدِ الله بنُ الشخير -رضي الله عنه- وسنده صحيح.
(5) أخرجه البخاري رقم (4121)، ومسلم رقم (1768)، من حديث أَبى سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(3/1175)
قال هؤلاء: والسيد أحدُ ما يُضاف إليه، فلا يقال لتميميٍّ: إنَّه سيِّد كِنْدَةَ، ولا يقال لملك: إنه سيد البشر، قال: وعلى هذا فلا يجوزُ أن يُطلَقَ على الله هذا الاسم. وفي هذا نظرٌ، فإن السَّيِّدَ إذا أُطْلِقَ عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرَّبِّ، لا بالمعنى الذي يُطْلَقُ على المخلوق.
فوائد (1)
وأخلاقٍ كأخلاقِ الزِّجَاج … دَقَفْت بها فصارتْ كالزُّجَاج
إلى أن عُدْنَ لي عَسَلًا وماءً … كذاك يكونُ عاقَبِةُ العِلاجِ
الأول: جمع زُجٍّ وهو نَصْلُ الرُّمْحِ، والثاني: القوارير.
ما أنت أوَّل سارٍ غرَّهُ قمرٌ … ورائد أعجبتْهُ خضْرَةُ الدِّمَنِ
فاربأْ بنفسك عني إنني رجلٌ … مثلُ المُعَيْدِيِّ، فاسمعْ بي ولا تَرَني (2)
[غيره] (3):
إذا اشتاقَتِ الخيلُ المَنَاهِلَ أَعْرَضَتْ … عن الماءِ فاشْتَاقَتْ إليها المَنَاهِلُ
تَحَامَى الرَّزَايَا كُلَّ خُفٍّ وَمَنْسِمٍ … وتَلْقى رَدَاهُن الذُّرَى والكَواهِلُ
وتَرْجِعُ أعقابُ الرِّماحِ سَلِيمةً … وقد حُطِّمَتْ في الدَّارِعِينَ العَوَامِلُ
* من أراد من العمَّال أن ينظر قَدْرَه عند السلطان فلْيَنْظرْ ماذا يُوَلِّيه (4).
__________
(1) ليست في (ظ)، و (ع): “فائدة”. ومن هنا إلى (ص / 1233) منتقى من “المدهش” لابن الجوزي. وقد أعاد المؤلف هذا الانتقاء في كتابه الآخر “الفوائد”: (ص/ 145 – 151، 357 – 405) مع تغيير وتصرف.
(2) البيتان للحريري صاحب المقامات انظر: “وفيات الأعيان” ت (4/ 66 – 67).
(3) القائل أَبو العلاء المعري “شروح سقط الزند”: (2/ 541).
(4) انظر: “المدهش”: (ص/ 296).
(3/1176)
* وحَّدَ زيد وما رأى الرسولَ، وكَفَرَ ابن أُبَيٍّ وقد صلى معه القبلتين (1).
* لما تقدَّم اختيارُ الطين المنهبط، صعِدَ على النار المرتفعة، فكانت الغلبةُ لآدَمَ في حرب إبليس (2).
* سبق العلم بنبوة موسى وإيمانِ آسية، فسِيْق تابوتُهُ إلى بيتها، فجاء طفل بلا أمٍّ إلى امرأة بلا وَلَد (3).
* يا من هو من جملة عسكر الرسول أيحسُنُ بك كل يوم هزيمة (4).
* الحيوانات تذِلُّ في طلب القُوت، والفيل يتملَّقُ حتَّى يأكلَ (5).
إن كان يوجبُ ضرِّي (6) رحمتي فرِضًى …. بسوءِ حالي وحِلٌّ للضَّنَى بَدَنِيِ
منحتُك القلبَ لا أبغي به ثَمَنًا ….. إلَّا رضاكَ، ووافقري إلى الثَّمَنِ (7)
* غيره:
أحنُّ بأطراف النهار صَبَابَةً …. وباللَّيل يدعونى الهوى فأُجِيبُ (8)
__________
(1) انظر: “المدهش”: (ص / 296 – 297)، لكن فيه: “وحَّد قُس” وليس فيه: “القبلتين”.
(2) “المدهش”: (ص / 297).
(3) “المدهش”: (ص / 297).
(4) بنحوه في “المدهش” (ص/ 143).
(5) المصدر السابق.
(6) في النسخ، و”الفوائد”: (ص/ 146) للمؤلف: “صبري”، والتصويب من “المدهش” ويدل عليه بقية البيت.
(7) البيتان في “المدهش”: (ص/ 423) وقبلي ثلاثة أبيات.
(8) البيت في “المدهش”: (ص/ 420).
(3/1177)
* آخر:
سأُتعِبُ نفسي أو أصادفُ راحةً … فإن هوانَ النفسِ أكرم للنَّفسِ (1)
* يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك؟ إنما خُلقت الأكوانُ كلُّها لك، يا مَنْ غُذِي بِلِيان البِرِّ، وقُلِّبَ بأيدي الألطاف، كلُّ الأشياءِ شجرةٌ وأنْت الثمرة، وصورةٌ وأنت المعنى، وصَدَفٌ وأنت الدّرُّ، ومَخيضٌ وأنت الزُّبْدُ، منشورُ اختيارنا لك واضحُ الخَطِّ، ولكنَّ استخراجَكَ ضعيفًا، (ق/ 288 ب) متى رُمْتَ طلبي فاطلبني عندَك.
ويْحَكَ لو عَرَفتَ قَدْرَ نفسِكَ ما أهَنْتها بالمعاصي، إنَّما أبْعَدْنَا إبليسَ لأنَّه لم يسجُدْ لك وأنت في صُلْب أبيك. فواعجبًا كيف صالحْتَهُ وتَرَكْتَنَا، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)}.
لو كان في قلبكَ محبَّةٌ لبان أثرُها على جسدِكَ، “عَجِبَ رَبُّنا من رجل ثَار عن وِطائه ولِحافِه إلى صلاته” (2) تأمل معنى: ثَارَ، ولم يقلِ: قَامَ؛ لأن القيام قد يقعُ بفُتور. فأما الثَّوَرانُ فلا يكونُ إلَّا بإسراع حَذَرًا من فائت (3).
__________
(1) البيت في “المدهش” (ص/ 342) في أبيات أخرى.
(2) قطعة من حديث أخرجه أحمد: (7/ 61 رقم 3949)، وأَبو داود رقم (2536)، وابن حبان الإحسان”: (6/ 297) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- وسنده جيد، إلَّا أنَّ الدارقطني قد أعله بالوقف كما في “العلل”: (5/ 267).
(3) من قوله: “يا من هو ….. ” إلى هنا بنحوه من “المدهش”: (ص / 340 – 341)، وانظر: “الفوائد”: (ص/ 147) للمصنف.
(3/1178)
* ما انتفعَ آدَمُ في بليَّةَ {وَعَصَى} بكمالِ {وَعَلَمَ}؛ ولا ردَّ عنه عزُّ {اسْجُدُواْ} وإنما خلَّصه ذلُّ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} (1).
* لما عشقت اللبلابة (2) الشجر تقلقلت طلبًا للعناق، فقيل لها: مع الكثافة لا يمكن! فرضيت بالنُّحُول والْتَفَّتْ (3).
تلقَّ قلبي فمَد أرسلتُه عجلًا … إلى لِقَائِكَ والأشواقُ تَقدُمُهُ
ولا تَكِلْنِي على بعْدِ الدِّيارِ إلى …. صبري الضعيفِ فصبري أنتَ تَعْلَمُهُ (4)
* غيره:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسِلٌ … فريحٌ الصَّبا مني إليك رسولُ (5)
* ملأوا مراكبَ القلوب مَتَاعًا لا ينفق إلَّا على المَلِكِ، فلما هَبَّتْ رياحُ السَّحَر أقلعتْ تلك المركبُ (6).
* قطعوا باديةَ الهوى بأقدام الجدِّ، فما كاد إلَّا القليل حتى قدِموا من السَّفَر، فاعتنقَتْهُم الرَّاحةُ في طَريق التَّلَقِّي، فدخلوا بلدَ الوصل وقد حاروا رِبْحَ الأبَدِ (7).
* فرَّغَ القومُ قلوبَهم من الشَّواغل، فضُرِبَتْ فيها سُرَادقات المَحَبَّة،
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 406).
(2) اللبلاب: نبت يلتوي على الشجر. “اللسان”: (1/ 735).
(3) “المدهش” ت (ص/ 329).
(4) البيتان في “الدهش” (ص/ 255) مع ثالث، وكذا في “الفوائد” (ص/ 148).
(5) البيت في “المدهش”: (ص/ 233).
(6) “المدهش”: (ص/ 156).
(7) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 164).
(3/1179)
فأقاموا العيونَ تحرسُ تارةً، وترشُّ الأرض أخرى (1).
* سرادقُ المحبَّة لا تُضْرَب إلَّا في قاعٍ فارغٍ نَزِهٍ، “فرِّغ لي بيتًا أسْكُنه” (2).
* اعْرِف مِقْدارَ ما ضاعَ منكَ، وابْكِ بكاءَ مَنْ يدري مقدارَ الفائتِ (3).
* لو تَخَيَّلْتَ قربَ الأحباب لأَقَمْتَ المآتمَ على بُعْدِكَ، لو استنشقتَ ريح الأسحار لأفاق قلبُك المخَمورُ.
* مَن استطالَ الطريقَ ضَعفَ مشيُهُ.
وما أنْتَ بالمشتاقِ إنْ قلتَ بيننا …. طوالُ اللَّيالي أو بعيدُ المَفَاوزِ
* أما علمت أن الصادق:.
* إدْا همَّ ألْقَى بين عينيه عزمَه (4) *
* إذا نزل آبُ في القلب سكنَ آذارُ في العَيْن (5).
* من قَبَّل فَمَ اللَّذَّةِ لا يُنْكِرْ عَضَّ أسنانِ النَّدامة.
__________
(1) “المدهش” (ص/ 222).
(2) “المدهش”: (ص / 227).
(3) “المدهش”: (ص / 161).
(4) صدر بيت لسعد في ناشب كما في “الحماسة”: (1/ 69 – 70) وعجزه.
* ونكَّبَ عن ذِكْر العواقب جانبًا *
(5) “المدهش”: (ص / 235)، والمعنى: إذا نزلَت حرارة الحب فِى القلب، رأيت كل ما في المحبوب جميلًا. كّنى عن شدة الحرارة بـ “آب”، وعن جمال الربيع بـ “آذار”.
(3/1180)
* هان سهرُ الحراس لما علِموا أنَّ أصواتَهم بِسَمع المَلِك.
* “رفيقُك قَيْسِيٌّ وأنت يَماني”.
* إذا كنت كلَّما لاحتْ لك شهوةٌ طفيل العرائس، فانتظرْ قتْلَة وضَّاح اليَمَن (1).
* من لاحَ له كمالُ (2) الآخرة هان عليه فِراقُ الدنيا.
* إذا لاحَ للباشقِ الصيدْ نَسِيَ مألوفَ الكَفِّ.
* يا أقدامَ الصَّبرِ احملي بَقِيَ القليلُ (3).
* تذكَّرْ حلاوةَ الوِصَالِ يَهُنْ عليكَ مرُّ المُجَاهَدةِ (4).
* قد علمَتْ أينَ المنزل فاحْدُ لها تَسِرْ (5).
* قال أَبو يزيدَ: ما زلت أسوقُ نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتُها إليه وهي تضحكُ (6).
* الهِمَّةُ العَلِيَّةُ من استعدَّ صاحبُها للقاء الحبيب، وقدَّم التَّقادم بين يَدَي الملتقى، فاستبشر عند القدوم: {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
__________
(1) طفيل العرائس هو: من يُنْسَب له الطفيليون، وكان يتتبع الأعراس، ووضاح اليمن: شاعر من أجمل الناس، قتله الوليد بنُ عبدِ الملك في صندوق. انظر: “ثمار القلوب”: (1/ 205 – 208) للثعالبي.
(2) (ق وظ): “جمال”.
(3) “المدهش”: (ص/ 274).
(4) نحوه في “المدهش”: (ص/ 188)، وانظر: “الفوائد”: (ص/ 150).
(5) “المدهش”: (ص/ 274).
(6) “المدهش”: (ص/ 463).
(3/1181)
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} (1) [البقرة: 223].
* الجنَّةُ ترضى منك بأداء الفرائض، والنارُ تندفعُ عنك بترك المعاصي، والمحبّة لا تقنعُ منك إلَّا ببذل الرُّوح (2). {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 111].
بدَمِ المُحب يُبَاعُ وَصْلُهُمُ … فمن الذي يبتاعُ بالثَّمَنِ (3)
* للهِ ما أحلى زيارةً تَسعى فيها أقدامُ الرِّضا على أرض الاشتياق (4).
زُرْناكِ شوقًا ولو أنَّ النوى بَسَطَتْ … فُرُشَ الفلا بَيْنَنَا جَمْرًا لزُرْنَاكِ (5)
* ما سافر الخليلُ سَفَرًا، ولا سَلَكَ طريقًا أطْيَبَ من الفَلاةِ التي دَخلها حين خرج من كِفَّة المَنْجنيق، رآه جبريلُ قد ودع بلدَ العادة فظن ضعفَ قدم التَّوَكُل فعرض عليه زاد: “ألك حاجة”؟ فرده بَأَنَفَةٍ: “أما إليك فلا” (6).
لَمَّا تكامل وفاؤه لِمَا أُمِر به جاءته خِلْعَةُ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}.
قالتْ لِطَيْفِ خَيَالٍ زْارَها ومضى …. باللهِ صِفْهُ ولا تُنْقِصْ ولا تَزِدِ
فقالَ: خَلَّفْتُهُ لو ماتَ من ظَمَأٍ … وقلتُ: قِفْ عن وُرودِ الماءِ لم يَردِ
قالت: صدقتَ الوَفا في الحُبِّ شيمتُهُ (7) … يا بَرْدَ ذاك الذي قالتْ على كَبِدِي (8)
__________
(1) انظر “الفوائد”: (ص / 150).
(2) المصدر نفسه.
(3) “المدهش”: (ص/ 291)، وفيه “بالمسعر”.
(4) بنحوه في “المدهش”: (ص / 275).
(5) “المدهش”: (ص / 275).
(6) “المدهش”: (ص/ 275 – 276).
(7) (ق) والمدهش: “عادته”.
(8) الأبيات في “المدهش”: (ص/ 314)، ونسبها في “الخريدة” (1/ 118) إلى =
(3/1182)
* غيره:
إن قومي يومَ بانوا … فرَّقوا بيني وبيني
فإذا كنت أنا الرَّهْـ … ـــــــنُ فمن يقبضُ دَيْني
* غيره:
وكم مُغْرَمٍ بين تلك الخِيَا … مِ تحسَبُّهُ بعضَ أطنابِها (1)
* للنفس حظٌّ وعليها حقٌّ {فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ}، {وَذِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ}، وإن رأيتمْ منها فُتورًا فاضرِبوها بسَوْط الهَجْر في المضاجِعِ {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}، ارفقوا بمطايا الأبدانِ، فقد أَلِفَتِ التَّرَفَ {وَلَا تُضَارُّوهُنَ لِتُضَيِّقُوْا عَلَيْهِنَّ} (2).
* إن هذا الدينَ متين فأوغِلوا فيه برفق، لا تحملوا على النفوس فوق الطَّاقة إلى أن تتمكَّنَ المحبَةُ فلها حينئذ حكمُها.
* شرابُ الهوى حُلْوٌ، لكنه يورثُ الشَّرَقَ.
* مَنْ تَذَكَرَ خَنْقَ الفخ هانَ عليه هجرانُ الحَبَّةِ.
* يا معرقلًا في شَرَك الهوى جَمْزَةُ (3) عزمٍ وقد خرقت الشَّبَكةَ، لا بُدَّ من نفوذِ القَدَر فاجنحْ للسَّلْم (4).
__________
= أَبى المطاع ابن ناصر الدولة.
(1) البيت في “المدهش”: (ص / 227) وفيه: “وكم ناحل”.
(2) انظر: “المدهش”: (ص/ 310).
(3) (ق): “حموة”، والجمز: العدو والإسراع، أو القفز.
(4) العبارات الثلاث انظرها في “الفوائد”: (ص/ 125).
(3/1183)
* أيُّ تَصَرُّفٍ بقيَ لك في قلبِك وهو بين إصبعين (1).
* يا منقطعينَ عن القوم، سيروا في باديةِ الدُّجَى، وأنِيْخوا بوادي الذُلِّ، فإذا فُتِحَ بابٌ للواصِلِينَ فدونَكم، فاهجموا هجومَ الكذَّابين (2) وابسطوا أكُفَّ {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} لعل هاتف الرحمة يقول، {لَا تَثْرِيبَ} (3).
* {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} واستقرضَ منك حبَّة فبخلتَ بها، وخلَقَ سبعةَ أبحرٍ، واستقرض منك دمعةً فقحطتْ عينُك بها (4).
* إطلاق البصر ينقش في القلب صورةَ المنظور، والقلبُ كعبةٌ، وما يرضى المعبودُ بمزاحمة الأصنامِ (5).
* لذَّاتُ الدُّنيا كسوداء، وقد غَلَبَتْ عليكَ، والحور العين يعجبنَ من سوء اختيارِكَ عليهنَّ، غير أنَّ زوبعة الهوى إذا ثارت سَفَتْ في عين البصيرةِ فخفِيَتِ الجَادَّةُ (6).
* تدور عينك على المُحَرَّمات كأنك قد ضاع منك شيء، ورواحل همَّتك في الهوى ما يُحل لها قَتَبٌ:
* إن قهَرَ نفسَك (ق/ 289 ب)، حبُّ الفاني فذكِّرْها العيشَ (7) الباقيَ،
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 298).
(2) (ظ): “اللوانين”.
(3) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 484).
(4) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 340).
(5) “المدهش”: (ص/ 363).
(6) انظر: “الفوائد”: (ص/ 125 – 126).
(7) (ق وظ): “النفيس”.
(3/1184)
فإن أَبَتْ إلَّا ببيع الغَبْنِ، فاحجُرْ عليها حَجْرَ السَّفِيهِ، وغّط بصَرَ باشِقِكَ إلى أن ينسى ما رأى، واغسل باطنَ (1) عينيكَ بطَهوِر المدامع، وكلما لَذكَّرتَ ما أبصرتَ فأطرِقه بدمعة، (ظ/ 202 أ) لعل فَرْطَ البكاءِ يدفعُ (2) فسادَ البصر فَيَصْلحَ لرؤيةِ الحبيب:
وكيف ترى ليلى بعينٍ تَرَى بها … سِواها وما طَهَّرْتَها بالمدامعِ
وتسمعُ منها لفظةً بعد ما جرى … حديثُ سواها في خروقِ المسامعِ
* غيرُه:
إذا لم أَنَلْ منكمْ حديثًا ونظرةً … إليكمْ فما نَفْعِي بسَمْعِي وناظِرِي (3)
* تزَيَّنَتِ الجنَّةُ للخطَّاب فجدُّوا في تحصيل المهر.
* تعرَّفَ ربُّ العزّة لعباده المحبين فعملوا على اللِّقاء، وأنت مشغولٌ بالجِيَف (4).
* ما يُساوي ربُعُ الدِّينار خجلُ الفضيحة فكيفَ بألَمِ القَطْع؟!.
* المعرفة بساط لا يطأُ عليه إلَّا مقَرَّبٌ، والمحبة نشيد لا يطربُ عليه إلَّا محبٌّ مغرَمٌ، والحبُّ غدير في صحراءَ ليس عليه جادّةٌ، فلهذا قل وُرَّادُهُ (5).
__________
(1) (ق): “ناظر”.
(2) (ق وظ): “يدبغ”.
(3) البيت لصُرَّدُرّ، وهو في “المدهش”: (ص / 436) وصدره هناك:
* إذا لم أفُزْ منكم بوعدٍ ونظرةٍ *
(4) انظر: “الفوائد”: (ص/ 126).
(5) (ق): “وارده” و (ظ): “روَّاده”.
(3/1185)
* المحب يهرب إلى العُزلةِ والخَلوةِ بمحبوبِهِ والتعلُّقِ بذكره، كَهَربِ الحوتِ إلى الماءِ والطِّفْلِ إلى أُمِّهِ:
وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّني … أحدَّثُ عنكِ النفسَ بالسِّرِّ خاليًا (1)
* لو رأيت المحبِّينَ في الدُّجى تمرُّ عليهم زُمَرُ النُّجومِ مرَّ الوصائف، إلى أن يُقْبِلَ هودجُ “هل من سائل”، فينثرون عليه الأرواح نَثْرَ الفَرَاش على النار.
* ليس للعابدينَ مستراحٌ تحت شجرة طوبى، ولا للمحبِّين قرارٌ إلَّا يومَ المزيد، فمَثِّلْ لقلبك الاستراحةَ تحتَ شجرهَ طوبى يَهُنْ عليك النَّصَبُ، واستحضرْ يومَ المزيد يَهُنْ عليك ما تتحمَّلُ من أجله (2).
* كنوز الجواهر مُوْدَعة في مصر الليل، فَتَتَبَّعْ آثارَ المحبِّين لعلك تظفر بكَنْزٍ.
* أنْت طفلٌ في حِجْر العادة، مشدودٌ بقُماط الهوى، فما لك ولِمزَاحمةِ الرِّجالِ.
* أين أنت والمحَبَّة وأنت أسيرُ الحبَّة؟! تَمَسَّكْتَ بالدنيا تمسُّك الرَّضيع بالظِّئر، والقومُ ما أعاروها الطَّرْفَ (3).
* أفٍّ لبَدَوِيٍّ لا يُطْرِبُه ذكرُ حاجر (4).
* انقسم الصالحون عند السِّياق: فمنهم من أخذه القَلَقُ فكان
__________
(1) البيت في “المدهش”. (ص/ 439)، و”الفوائد”: (ص/ 126).
(2) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 524)، و”الفوائد”: (ص/ 126).
(3) انظر لهذه والتي قبلها: “المدهش”: (ص/ 352).
(4) “المدهش” (ص/ 310).
(3/1186)
يقولُ: ويل لي إن لم يغفرها، أنا أمضي إلى النار أو يغفر، ومنهم من غَلَبَ عليه الرجاء كبلالٍ الحَبَشِيِّ، كانت زوجتُه تقول: واحُزْنَاهُ وهو يقول: واطَوَبَاهُ، غدًا ألقى الأحبَّهْ، محمَّدًا وحِزْبَهْ، واهًا لبلالٍ عَلِمَ أنَّ الإمامَ لا يَنسى المُؤَذَنَ (1)!.
* اشتَغِلْ به في الحياة يَكْفِكَ ما بعدَ الموتِ (2).
* دق كؤوس الرحيل، فثار (3) الرَّكْبُ وتأهَّبوا للمسير، وعُكِمَت أحمالٌ الزَّاد وسارتْ رفقةُ المتهجِّدين، وأنت في الرَّقدة الأولى بَعْد، كيف تُطِيق السهرَ مع الشبع؟ (ق / 290 أ) أم كيف تُزاحمُ أهلَ العزائم بمناكب الكَسَل (4)؟!.
* هيهاتَ ما وصل القومُ إلى المنزل إلَّا بعد مواصلة السَّرَى، ولا عبروا إلى مِصْر (5) الراحة إلَّا على جسر التعب (6).
وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوىً … سَمُّ الخَياطِ مع المحبوبِ مَيْدَانُ (7)
* لو رأيت أهلَ القبورِ في وَثَاقِ الأسر فلا يستطيعونَ الحركةَ إلى نجاةٍ، {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}.
* يا منفقًا بضاعة العمر في مُخَالَفَةُ حبيبه والبعد منه، ليس في
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 352).
(2) “الفوائد”: (ص/ 126).
(3) (ظ): “فسار”.
(4) “المدهش”: (ص/ 432 – 433).
(5) (ظ): “مقرّ”.
(6) “المدهش”: (ص/ 157).
(7) “المدهش”: (ص/ 385) ونسبه للغزي.
(3/1187)
أعدائك أشدُّ شرًّا عليك منكَ.
ما يَبْلُغ الأعداءُ مِن جاهلٍ … ما يَبْلُغ الجاهلُ من نفسِهِ (1).
* [غيرُه]:
هذا المحبُّ لديك فانظرْ هل تَرَى … قلبًا فإن صادفتَ قلبًا فاعذُلِ (2)
* غايةُ العاذلِ إيصال اللَّوْم إلى الأُذُن، فأما القلب فلا سبيلَ له إليه (3).
* سفر الليل لا يُطيقهْ إلَّا مضمِرُ المجاعَةِ، تَمرُّ النَّجائبُ في الأول، وحاملات الزاد في الآخر، ولو وردْتَ ماءَ مَدْينَ لوجدت عليه {أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} (4).
* إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسُفَ في أجفان يعقوبَ.
* لو أحببتَ المخدوم حضر قلبك في خدمته (5).
فيا دارَها بالحَزْن إِنَّ مَزَارَها … قريبٌ ولكنْ دونَ ذلك أهوالُ (6)
* العروسُ تَلْبَسُ عند العرض تحتَ الثياب شعارَ الخوف من
__________
(1) البيت وما قبله في “الفوائد” (ص / 126 – 127)، والبيت لصالح بن عبدِ القدوس، انظر:
(2) بلا نسبة في “المدهش”: (ص/ 443) وقبله بيت، لكن أوله: “هذي حشاي … “.
(3) المصدر نفسه.
(4) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 462).
(5) “المدهش”: (ص / 455).
(6) البيت لأبي العلاء المعرِّي “سقط الزند”: (3/ 1228)، وهو في “المدهش”: (ص/291).
(3/1188)
الرَّدِّ، وفوق الثياب حُلَّةَ الانكسار، (ظ/ 202 ب) وحمرةُ الخجل تُغْنِيها عن تخميرٍ مستعارٍ؛ لأنها لا تدري على ماذا تقدُم، فكيف يسكنُ من لا يعلم العواقب؟.
* مداراة قيس تمكن ولكن لا مع ذكر ليلى (1).
* انقسم العباد ثلاثة أقسام: فمنهم من لاحظَ الحصادَ فزادَ في البَذْر. ومنهم من رأى حقَّ المخدوم فقام بأدائه. ومنهم مَنْ خَدَم حُبًّا وشوقًا فتلذَّذَ بالخدمة وهذه الخدمةُ لا ثقلَ لي؛ لأن محركَها الحبُّ وغيرها ثقيل على البَدَن.
* نوق أبدان المحبِّين لا تُحِسُّ بالنَّصَب، وأسماعُها مشغولةٌ بصوت الحادي، وقلوبها معلَّقَةٌ بالمنزل.
* مَنْ عَبَدَهُ خوْفًا أَمَّنَه، ومن عَبَدَهُ رجاءً أعطاه أَمَلَهُ، ومن عبده حبًّا {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ}.
* شعر (2):
يَرَاها بعين الشَّوق قلبي على النَّوَى … فتحْظَى ولكنْ مَنْ لعيني برؤياها
وهبكم منعتمْ أن يراها بعيِنهِ … فهل تمنعونَ القلبَ أن يَتَمَنَّاها (3)
*كم دخل المجلسَ عاصٍ في باطنه باطيةُ خمر، فما زالت تعمل فيها حِدَّةُ شمس التذكير، حتَّى انقلبتْ خَلًّا فَحَلَّتْ.
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 482).
(2) من (ق).
(3) البيتان من قصيدة لمهيار الديلمي: “ديوانه” (4/ 183 – 184).
(3/1189)
يكون أُجَاجًا دونكمْ فإذا انتهى …. إليكم تَلَقَّى نَشْرَكُمْ فيَطِيبُ (1)
فصل (2)
حَلِيَ الشيءُ في عيني، وحَلا في فمي.
الحَذْفُ: بالعصا، والخَذْفُ: بالحَصى.
حَسَرَ عن رأسه، وسَفَرَ عن وجهه.
وافْتَرَّ عن نابه، وكَشَّرَ عن أسنانه.
وأبدى عن ذِرَاعيه، وكَشَفَ عن ساقيه.
مائدةٌ: لما عليها الطَّعام، وخِوَانٌ: لما لا طَعَامَ عليه.
عَرْقٌ: للعَظْمِ عليه اللَّحْمُ، وعُرَاقٌ: جمعُه، وبدون اللَّحم: عظمٌ.
كأسٌ: لما فيه شرابٌ، وبدونه: زجاجةٌ.
وإناءٌ وقَدَحٌ وكُوزٌ: لدي العُرْوة، وبدونها: كُوبٌ.
رُضَابٌ: للرِّيق (ق/ 290 ب) في الفم، فإذا انفصلَ فبُصَاق.
أرِيكَةٌ: للسريرٌ عليه قبَّة، وبدونها: سريرٌ.
خِدْرٌ: للخِباء فيه المرأة، وبدونها: سِتْرٌ.
ظَعِينَةٌ: للمرأة في الهَوْدَجِ (3).
__________
(1) البيت في “المدهش” (ص/ 316)، وهذا البيت والفقرة قبله ساقطة من (ق).
(2) (ظ): “فائدة”.
(3) من قوله: “خدر ….. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/1190)
قَلَمٌ: للمَبْرِي، وبدون بَرْيِهِ: أنبوبٌ.
عِهْنٌ: للصوف المصبوغ، وبدون صَبْغه: صوف.
وَقودٌ: للحطب المشتعل نارًا، وبدونها: حَطَبٌ.
رَكَيَّةٌ: للبئر ذي الماء، ورَاوِيةٌ: للإبل حاملات الحاء.
سَجْلٌ: للدلو فيها الماء، فإذا مُلِئَتْ فهي: ذَنُوب، وَدَلْوٌ: بدونهما.
نَفَقٌ: إذا كان له منفذٌ، وبدونه: سَرَبٌ.
نَعْشٌ: للسَّرير عليه المَيِّتُ، وبدونه: سرير.
خَاتَم: لذي الفَصِّ، وبدونه: حَلَقةٌ.
رُمْحٌ: لذي الزُّجِّ، وبدونه: قنَاةٌ.
لَطِيمَةٌ: للإبل التي تحمل الطِّيبَ والبَرَّ خاصة، وحَمُولَة: للحاملاتِ الأمتعة، وَبدَنَةٌ: للمهداة.
هَضْبَةٌ: للحمراء من التلول.
غيثٌ: للمطر في إبَّانِهِ، وإلَّا فمطرٌ.
الفَرْك: البغضُ بين الزوجين خاصة.
الشَّيْئمُ: نظرُ البرقِ وحده.
الواعِيَةُ: الصائِحَةُ على الميت خاصَّة (1).
الإباقُ: هربُ العبد خاصَّة.
__________
(1) انظر: “اللسان”: (15/ 397)، و”النهاية”: (5/ 207).
(3/1191)
القُتَارُ (1): ريح الشواء خاصة.
القَذْفُ: الشتم بالزِّنا خاصة.
لا يؤبَه بِهِ ولَهُ، وأمَّا: “إليه” فمن لَحْن الخاصة.
يتفُلُ: بالكسر والضم، ويفْسُقُ، مثله.
آسيتُكَ وآكلتُكَ وآخيتُكَ. وحكى أَبو عبيد (2): “واسَيْتُكَ … ” بالواو فيهن فليس إذًا من لحن الخاصة (3)، وله وجه في العربية، فإنهم يقولون: “أُواسيه” بقلب الهمزة واوًا في المستقبل، فأعطوها ذلك في الماضي.
لا يقال: “أقْلَبه” إلا في موضع واحد: “أَقْلَبَتِ الخُبْزَةُ” إذا حان وقتُ قَلْبِها (4).
* القوة الماسكة: ليس بغلط كما زعم طائفةٌ؛ لأنه قد ورد. (مَسَكَ) ثلاثي (5).
تَعَسَ: بفتح العين (6).
* ما أُعْطِيَ أحدٌ النَّصْفَ فأباه إلَّا أَخَد أقَلَّ منه.
* أعجبني الشيءُ: يُرَادُ به معنيانِ (7):
أحدهما: سرَّني وهو: من الإعجابِ، والثاني: بمعنى دعاتي إلى التَّعَجُّب
__________
(1) كدُخان وزنًا ومعنى.
(2) لعله في “الغريب المصنف”.
(3) من قوله: “بالواو فيهن … ” إلى هنا سقط من (ق).
(4) انظر: “اللسان”: (1/ 686) وهى لغة ضعيفة عن اللحياني، وفي (ع): “قَلَبت … “.
(5) انظر: “تصحيح التصحيف”: (ص/ 460) وهامشه.
(6) ويكسرها، كما في “اللسان والقاموس والمصباح”.
(7) انظر: “المصباح المنير”: (ص / 149).
(3/1192)
منه منقول من عَجِبَ يُعْجَبُ، مُعَدَّى بالهمزة. قال كعب بنُ زهير (1):
لو كنتُ أَعْجَبُ من شيءٍ لأعجبَني … سعْيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القَدَرُ
(ظ/ 203 أ) فأعجبني هنا من العَجَب لا من الإعجاب، فتقول: “أعْجَبَني” و”ما أَعْجَبَني” بالاعتبارين.
* يَحْدُر في قراءته: يُسرِعُ، ويَهْدِرُ: يهتاجُ في قراءته مع غلُوِّ صوته فيها، من قولهم: هَدَرَ الفحلُ: إذا هاج، وهدَرَ الحَمَامُ، وهَدَرَتِ الضَّفادع، فليس من لحن العامَّة.
* إذا حلَّتِ الشمسُ بالشَّرَطَيْنِ (2): بفتح الشينِ والراءِ، وضمُّهما لَحْن.
* يقال: عَنِيتُ في كذا، فأنا عانٍ فيه، و”عُنِيتُ به” مبنيٌّ للمفعول، فأنا مَعْنيٌّ به، وحكى ابنُ الأعرابي الفتح -أيضًا- فيه، وقال غيره: “عُنيت” بالضم أي: قصدت بها (3)، و”عَنَيْتُ” بالفتح، أي: قَصَدتُ، تقول: عَنَيت كذا، أي: قصدته غير معدًّى بالباء فهذا من القصد، وأمَّا من العَناء فإنما يقال: مُعَنَّى، وأما مِنَ العِناية فإنما يقال: عُنِيَ به، مبني للمفعول.
فصل (4)
بلالُ بنُ حَمَامة وأَبوه رَباح، ابنُ أم مكتوم وأَبوه عَمْرو، بشير بنُ
__________
(1) “ديوانه”: (ص/ 168).
(2) نجمان من الحمل. انظر: “اللسان”: (7/ 330).
(3) من قوله: “به مبني … ” إلى هنا ساقط من (ظ) والمطبوعات.
(4) هذا الفصل والذي يليه من أنواع علوم الحديث، نوع: “من نُسِب إلى غير أبيه، ومنه: من نسِب إلى أمّه”. انظر: “علوم الحديث”: (ص/ 370) لابن الصلاح، و”تدريب الراوي”: (2/ 845 – فما بعدها).
وهذا الفصل والذي يليه نقله المؤلف من “المدهش”: (ص/ 54) لابن الجوزي.
(3/1193)
الخَصاصية وأَبوه (ق/ 1291) مَعْبَدٌ، الحارث بنُ البَرْصاء وأَبوه مالك، خفَافُ بنُ نُدْبَة وأَبوه عُمَيْرٌ، شرَحْبِيل بنُ حَسَنَةَ وأَبوه مالك، مالك بنُ نُمَيْلة وأَبوه ثابت، مُعَاذٌ وَمعَوِّذٌ ابْنَا عفراء وأَبوهما الحارث، يعلَى بنُ مُنْيَة وأَبوه أميَّة، عبدِ اللهْ بنُ بُحَيْنَةَ وأَبوه مالك.
فصل
إسماعيل بنُ عُلَيَّة وأَبوه إبراهيم، منصور بنُ صَفِيَّة وأبوه عبدِ الرحمن، محمد بنُ عائشة وأَبوه حفص، إبراهيم بنُ هَرَاسة وأَبوه سلمة، محمد ابن عَثْمَة وأَبوه خالد.
فصل (1)
* عطاء عن أبي هريرة: “فى كلِّ صَلاةٍ قِرَاءَةٌ” (2).
وعطاء مرفوعًا: “لا يَجْتَمِعُ حُبُّ هؤلاءِ الأربعةِ إلَّا في قَلْبِ مُؤْمِنٍ” (3) فذكر الخلفاء الأربعة.
وعطاء عنه مرفوعًا: “إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا صَلَاةَ إِلا المَكْتُوبَةُ” (4).
وعطاء عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – “سجد في {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ” (5).
وعطاء عنه مرفوعًا: “إذا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ يَقولُ اللهُ تعالى:
__________
(1) هذا الفصل من “المدهش”: (ص/ 59 – 61).
(2) أخرجه البخاري رقم (722)، ومسلم رقم (396).
(3) أخرجه عبد بنُ حُميد في: مسنده “المنتخب”: (3/ 216)، وأَبو نعيم في “الحلية”: (5/ 203)، والخطيب في “التاريخ”: (14/ 332).
(4) أخرجه مسلم. رقم (710).
(5) أخرجه مسلم رقم (578).
(3/1194)
ألَا دَاعٍ” (1).
الأول: ابنُ أبي رَبَاح، والثاني: الخُرَاساني، والثالث: ابن يَسَار، والرَّابع: ابن ميناء، والخامس: مولى أم صُبَيَّةَ.
* * *
* عَمْرَةُ: أنَّها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها ما سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول في الفرار من الطاعون؟ قالت: سمعته يقول: “كالفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ” (2).
وعَمْرَةُ قالت: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة ورأينا المصحفَ الذي قُتل وهو في حجره، فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}. قالت عَمْرَةُ: فما مات منهم رجل سوِيًّا (3).
وعَمْرَة عن عائشة: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “ينهى عن الوصال” (4).
الأولى: بنت عبدِ الرحمن (5)، الثانية: بنت قيس العَدَوِيَّة، الثالثة:
__________
(1) أخرجه الدارمي: (1/ 414)، وأحمد: (2/ 272) رقم 967) وسنده ضعيف لجهالة عطاء مولى أم صُبَيَّة.
(2) أخرجه أحمد: (6/ 82)، وإسحاق فى “مسنده: (3/ 986)، والبخاري فِي “التاريخ”: (2/ 198)، وعمرة هى بنت قيس العدوية.
(3) أخرجه عبد الله بنُ أحمد في زوائده على “فضائل الصحابة” رقم (817)، وعنه ابن نقطه في “التقييد”: (1/ 234). عن عمرة بنت أرطاة العدوية، لكن أخرجه ابن أَبى عاصم في “الزهد”: (1/ 127) من حديث عمرة بنت قيس العدوية.
(4) أخرجه أَبو يعلى: (4/ 247)، والرامهرمزي في “المحدَّث الفاصل”: (ص/ 338) من طريق عَمْرة عن عائشة.
(5) لم يذكر المؤلف شيئًا من حديث عَمْرة بنت عبدِ الرحمن، فلعلّه سقط منه =
(3/1195)
بنت أرطاة، الرابعة: يقال لها: الصاحية.
* * *
* حمَّاد، عن ثابت، عن أنس: سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – في النِّخْل صوتًا (1) ….. الحديث.
حماد، على ثابت، على أَنس: “رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على عبد الرحمن صُفْرَةً” (2). الحديث.
حمَّاد، عن ثابت، عن أنس يرفعه: “مَثَلُ أُمّتِي كالمَطَرِ” (3).
الأول: ابن سَلَمة، والثاني: ابن زيد، والثالث: الأَبَحُّ.
* * *
* قَتَادة يروي عن عِكْرِمَةَ مولى ابن عبَّاس. وعن عكرمة ابنُ خالد: ضعيف.
* وكيع يروي عن النَّضر بنُ عدي: ثقة، وعن النَّضْر بن عبد الرحمن: ضعيف.
__________
= سهوًا، وحديثها الذي ذكره في “المدهش” هو قول عائشة – رضي الله عنها -: لو أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأى ما أحدث النساء لمنعهن المساجد … “.
(1) أخرجه مسلم رقم (2363) وهو حديث تأبير النخل الذي قال فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – “أنتم أعلم بأمور دنياكم ….. ” ولفظ المؤلف عند البزار في مسنده كما في “الإحكام”: (6/ 209) لابن حزم.
(2) أخرجه البخاري رقم (5155)، ومسلم رقم (1427).
(3) أخرجه أحمد: (19/ 334 رقم 12327)، والترمذي رقم (2869). وغيرهم، وحسنه التِّرمِذي والحافظ ابن حجر في “الفتح”: (7/ 8).
(3/1196)
* حفص بنُ غِيَاث يروي عن أشعث بنُ عبدِ الرحمن: ثقة، وعلى أشعث بنُ سوَّار: ضعيف.
* * *
* موسى بنُ عُبَيْدة الرَّبَذي كان أخوه عبدِ الله بنُ عبيدة أسنَّ منه بثمانين سنةً.
* طالب أسنُّ من عَقِيل بعشر سنين، وَعَقِيل أسنُّ من جعفر بعشر، وجعفر أسنُّ من عليٍّ بعشر.
* يزيدُ (ق/ 291 ب) وزياد ومُدْرِك بنو المُهَلَّب بنُ أبي صُفْرَةَ وُلدوا في عام واحد، وقُتلوا في عام واحد. وعاش كل منهم ثمانيًا وأربعين سنة.
* أربعةُ أنفس وُلد لكل منهم مائة ولد: أنسُ بنُ مالك، وعبد الله ابن عمر الليثي، وخليفة السعدي، وجعفر بنُ سليمان الهَاشمي.
* علي بنُ الحسين، وعلي بنُ عبدِ الله بنُ عبَّاس، وعلي بنُ عبدِ الله بنُ (ظ/203 ب) جعفر: بنو عمٍّ، ولكل منهم ابن اسمه محمد، والكلُّ أشراف، والكلُّ علماء، والكل خِيار (1).
فصل (2)
* الله سبحانه مهَّد الأرضَ لآدم وذريته قبل خلقه، فقال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وقضى أن يعرِّف قدر المخالفة
__________
(1) من قوله: “موسى بنُ عبيدة … ” إلى هنا من “المدهش”: (ص/ 66 – 67).
(2) من (ع).
(3/1197)
وأقام عذره بقوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} [البقرة: 36]، وتداركه برحمتِه (1) بقوله: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] يا آدم: لا تجزع من كأس خَطَأٍ كان سببَ كَيْسِكَ، فقد استخرجَ منك داءَ العجب وألبسك رداءَ العبودية: “لو لم تذنبوا”.
لا تحزنْ بقولِي لك: {اهْبِطُواْ مِنْهَا} فلك خلقتُها، ولكن اخرجْ إلى مزرعة المُجاهدة: واجتهد في البَذْر، واسقِ شجرةَ النَّدَمِ بساقية الدمع؛ فإذا عاد العُودُ أخضرَ فَعُدْ لما كان (2).
* * *
* منصب الخُلَّة منْصبٌ يقبل المزاحمَة بغير المحبوب، وأخْذُ الولد شعبةٌ من شعاب القلب. غار الحبيبُ على خليله أن يُسْكِنَ غيرَهُ في شُعْبة من شِعَاب قلبه فأمره في بذبحه، فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة، وخَلَصتِ المحبَّةُ لأهلها، فجاءته البشرى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)}.
ليس المراد أن يُعَذَّب، ولكن يُبْتلى ليُهَذَّبَ.
ليس العجبُ من أَمْرِ الخليل بذبح الولد، إنما العجبُ من مباشرة الذبح بيده، ولولا الاستغراق في حبِّ الآمِرِ؛ لَمَا هان مثلُ هذا المأمور، فلذلك جُعِلتْ أَثارُهما مثابةً للقلوب تحِنُّ إليها أعظمَ من حنين الطيور إلى أوكارها (3).
* * *
__________
(1) (ع): “وتدركه الشيطان برحمة”! وهو سبق قلم.
(2) بنحوه في “المدهش”: (ص/ 77).
(3) الفقرة الأخيرة في “المدهش” (ص/ 87).
(3/1198)
* قول لوط لقومه: {يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)} [هود: 78] يجمع أنواعًا من الاستعطاف (1):
أحدها: خطابُهم بخطاب النَّاصح المُشفق بقوله: {يَاقَوْمِ}، ولم يقل: يا هؤلاء.
الثاني: عرضُه بناتِه عليهم بقوله: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي}.
الثالث: تنجيزُ ذلك بالإشارة بلفظ الحضور.
الرابع: ترغيبُه فيهن لطهارتهن وطِيْبِهنَّ.
الخامس: تذكيرُهم بالله تعالى بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ}.
السادس: المطالبةُ بحفظ الذِّمام، وترك الأذى بقوله: {وَلَا تُخْزُونِ}.
السابع: التوبيخُ الشديدُ بقوله: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)}.
* * *
* لمَّا تمكَّن الحسدُ من قلوب إخوة يوسف -عليه السلام- أُرِيَ المظلوم مآلَ الظالم في مرآةِ {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} (2).
* شكرُك لا يساويَ قَدْرَ قُوتِكَ.
* لا كانتْ دابَّةٌ لا تعمل بعَلَفِها.
__________
(1) انظر بعضها في “المدهش” (ص/ 91).
(2) “المدهش”: (ص/ 94).
(3/1199)
* متى رأيت العقلَ يؤثرُ الفانيَ على الباقي فاعلم أنه قد مُسِخَ (1).
* ومتى رأيت القلبَ قد ترحَّل منه حبُّ الله والاستعداد للقائِهِ، وحلَّ به حبّ المخلوق والرضا بالحياةِ الدُّنيا والطمَأْنينَة بها، فاعْلَم أنَّه قد خُسِف به.
* ومتى أقحطتِ العينُ (ق/ 292 أ) من البكاء من خشْيَةِ الله؛ فاعلمْ أن قحْطَها من قسوةِ القلبِ، وأبعدُ القلوب من الله القلبُ القاسي (2).
* ومتى رأيتَ نفسَك تهربُ من الأُنْس به إلى الأُنسِ بالخَلْق، ومن الخَلْوَة مع الله إلى الخَلْوة مع الأغيار، فاعلم أنك لا تصلُح له.
* ومتى رأيتَهُ يستزيد غيرَك وأنتَ (3) لا تطلبُ، ويستدني سِوَاكَ وأنتَ لا تقربُ. فإن تحركت لك قَدَمٌ في الزِّيارة تخلَّفَ قلبُكَ في المنزلِ؛ فاعلم أنه الحجابُ والعذابُ.
* مزاجُ الإيمان منحرفٌ عن الصِّحَّة، ونبضُ الهوى شديدُ الخَفَقانِ، تحكَّمَتْ أخلاطُ الشَّهَواتِ فى أعضاءِ الكَسَل، فَثَّبَطَتْ عن الحَرَكَةِ، فتولَّدَتِ الأمراضُ المختلفةُ، هذا وما يسهُلُ عليك شربُ مُسْهِلٍ، فإنْ تداركتَ المرضَ وإلَّا قَتَلَ، لو احتميتَ ساعةً لم تَحْتَجْ إلى معالجةِ الدَّواء مُدَّة، من ركب ظهرَ التَّفريط والتَّواني نَزَلَ به دارَ الحسرة والنَّدامةِ (4).
* ربُّك يحِبُّ حياةَ نفسِك، وأنت تريدُ قتلَها، يُريدُ بها اليُسْرَ،
__________
(1) للفقرات الثلاث انظر: “المدهش”: (ص/ 151).
(2) انظر: “الفوائد” (ص/ 182).
(3) (ق): “يستزيدك وأنت”.
(4) “المدهش”: (ص / 151 – 152).
(3/1200)
وأنت تريدُ العُسْرَ، يُريدُ بها الكرامةَ وأنت جاهدٌ في إهانتِها.
* ما يَبْلُغُ الأعداءُ من جاهِلٍ (1) *
* من أدلَج في غياهبِ اللَّيل على نجائب الصبَّر صَبَّحَ منزلَ السرور، ومن نام على فراش الكسل أصبح ملقًى بوادي الأسف، الجدُّ كلُّه حَرَكَةٌ، والكسل كلّه سكون، فُتُورُكَ عن السَّعي في طلب الفَضائل دليلٌ على تأنيث العزم.
* إذا أردتَ أنَّ تعرِفَ الديكَ من الدجاجة وقتَ خروجه من البيضة فعلِّقه بمنقاره فإن (ظ / 204 أ)، تحرَّك فديك وإلا فدجاجة.
الدنيا كامرأة بَغِىٍّ لا تثبتُ مع زوجٍ، فلذلك عِيبَ عُشَّاقُها.
مَيَّزْتُ بين جَمَالِها وفَعَالِها … فإذا الملاحةُ بالقَبَاحَةِ لا تَفِي
حَلَفَتْ لنا أنَّ لا تخونَ عهودَها … فكأنما حَلَفَتْ لنا أن لا تَفِي (2)
* ما حَظِيَ الدينارُ بنقش اسم المَلِك فيه حتَّى صبرتْ سَبِيكَتُهُ على التَّرْداد إلى النار، فنفتْ عنها كلَّ خَبَثِ، ثم صبرتْ على تقطَيعِها دنانيرَ، ثُمَّ صبرتْ على ضربها على السِّكَة، فحينئذ يظهرُ عليها رقْمُ النقش، فكيف يطمعُ في نقشِ: فِى قُلُوبِهِم {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} مَنْ كُلُّه خَبَثٌ (3)؟!.
* مكابَدَةُ البادِيَةِ تهون عند ذكرِ البيت (4) المُضْحي بوادِي الجُوع،
__________
(1) تقدم، وعجزه: * ما يبلغ الجاهلُ من نفسِه *
(2) من قوله: “من أدلج … ” إلى هنا من “المدهش”: (ص/ 154 – 155).
(3) “المدهش”: (ص/ 157)، ومن قوله: “ثم صبرت … ” ساقط من (ق).
(4) كذا في (ع)، وفي (ق): “الموت”، و (ظ): “اللبيب”، و”المدهش”: “منى”.
(3/1201)
والمُعْشي بوادي السَّهَر، إلى أن تَلُوحَ أعلامُ المنزل. إذا وَنَتِ الرَّكاب في السير، فبثُّوا حُداة العزم في نواحيها يطيبُ لها السُّرَى (1).
* إذا حال غيمُ الهوى بين القلوبِ وبينَ شمسِ الهُدى تحيَّرَ السَّالِكُ.
* الحيوانُ البهيمُ يتأمَّلُ العواقب، وأنت لا ترى إلَّا الحاضرَ. ما تكاد تهتمُّ بمؤونة الشتاءِ حتَّى يقوى البَرْدُ، ولا بمؤونة الصَّيفِ حتَّى يقوى الحَرُّ، والذَّرُّ يَدَّخِرُ الزَّادَ من الصَّيف لأيامِ الشِّتاءِ. وهذا الطائرُ إذا علم أن الأنثى قد حَمَلَتْ أخذ ينقُلُ العِيدانَ لبِنَاء العُشِّ قيل الوضع، أَفَتُراك ما علمتَ قربَ رحيلِكَ إلى القبرِ، فلَا بعثتَ فراشَ: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44].
* وهذا اليَرْبوعُ لا يتَّخِذُ بيتًا إلَّا في موضع صُلْب (2)، ليسلَمَ من الحافر، ويكونُ مرتفعًا ليسلمَ من السيلِ، (ق/292 ب) ويكونُ: عند أكمَةٍ أَو صخرةٍ لئلا يَضِلَّ عنه، ثمِ يجعلُ له أَبوابًا، ويرقِّقُ بعضَها فلا يُنْفِذُه، فإذا أُتِى من باب مفتوحٍ دفعَ برأسِهِ ما رَقَّ من التُّراب وخرجَ منه، وأنتَ قد ضيَّقْتَ على نفسِكَ الخناق، فما أبقيتَ للنَّجاة موضَعًا.
* النَّفْسُ كالعدوِّ إدْ عرفتْ صولةَ الجِدِّ منكَ اسْتَأسَرَتْ لك، وإن أنِسَت عنك المهانةَ أَسَرَتْك، امنعْها ملذوذَ مُبَاحاتِها ليقعَ الصُّلْحُ على تَرْكِ الحَرام، فإذا ضَجَّت (3) لطلبِ المُبَاح {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}.
* الدنيا والشيطان عَدُوَّانِ خارجانِ عنك، والنفسُ عَدوٌّ بينَ
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 158).
(2) “المدهش”: “طيب”.
(3) (ق وظ): “احتجت”.
(3/1202)
جنبيك، ومن سُنَّةِ الجهاد: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ}، ليس المُبارِزُ بالمحاربة كالكمين الذي يطْلُعُ عليك من حيث لا تشعرُ.
* أقلُّ ما تفعلُ النفسُ معك أنَّها تمزِّق العمر بكفِّ التَّبذير والبطالة، اخْلُ معها في بيتِ الفِكْر سُوَيْعَةً، ثم انظرْ هل هي معك أو عليك؟ ثم عامِلْها بما تعاملُ به واحدًا منهما (1).
* لم تبكِ الدُّنيا عليه لم تَضْحَكِ الآخِرَةُ إليه، سيُقْشعُ غيمُ التَّعَبِ عن فجرِ الأَجر (2) كم صَبَرَ بَشَرٌ (3) عن شهوةٍ حتَّى سَمِعَ: كُلْ يا مَنْ لم يَأْكُلْ، ما مُدَّ سِجافَ (4) {نِعْمَ الْعَبْدُ} على قُبَّة {وَوَهَبْنَا لَهُ} حتَّى فُصِّل على قدر {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}.
* كيف يفْلِحُ من يشكو اللَّيلُ إلى ربِّه من طول نومِهِ، والنهارُ من قبيح فعلِهِ، كيف يفلحُ من هو جيفة بالليل قُطْرُبٌ (5) بالنهار، ينصبُ ميزان البَخْس، ومكيال التَّطفيف، والغَدْر ثالثةُ الأثافي.
* لو فكِر الطائرُ في الذَّبح ما حام حَوْلَ الفخ، لولا صبرُ المُضْمَرات على قلَّة العَلَف ما قيل لها سوابقُ (6).
مما أضرَّ بأهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ …. هَوَوْا، وما عَرَفوا الدُّنيا، وما فَطِنوا
__________
(1) هذه المواعظ من قوله: “الحيوان البهيم يتأمل … ” إلى هنا من “المدهش”: (ص/ 160 – 161) بتصرف.
(2) (ق وظ): “الآخرة”.
(3) بشر بنُ الحارث الحافي.
(4) السِّجاف: الستر.
(5) القطرب: اللص.
(6) “المدهش”: (ص / 530 – 531).
(3/1203)
تفنى نفوسُهُمُ شوْقًا وأعينُهُمْ (1) … في إثْرِ كلِّ قبيح وجهُهُ حسنُ
تَحَمَّلوا حمَلَتْكمْ كلُّ ناجِيةٍ (2) … فكُلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ اليَوْمَ مؤتَمَنُ
ما في هوادِجِكُمْ من مُهْجَتِي عِوَضٌ … إن مِتُّ شَوْقًا، ولا فيها لها ثَمَنُ
سهرتُ بعد رحيلي وَحْشَةً لكُمُ … ثم استمرَّ مَرِيرِي وارْعَوَى الوَسَنُ
لا تلقَ دَهْرَكَ إلَّا غَيْرَ مكترِثِ …. ما دامَ تصحبُ فجه رُوحَكَ البَدَنُ
فما يُدِيمُ سُرورٌ قد سُرِرتَ بهِ … ولا يردّ عليكَ الفائت الحَزَن (3)
* إذا لم تكنْ من أنصار الرَّسُول فَتُنَازِلَ الحربَ فكن من حرَّاس الخِيَامِ، فإن لم تفعل فكن من نَظَّارَةِ الحرب الذين يتمنَّوْن الظَفَرَ للمسلمين، ولا تكنِ الرابعةَ فتهلِكَ.
* إذا رأيتَ البابَ مسدودًا وجهِكَ فاقْنَعْ بالوقوفِ خارجَ الدَّار، مستقبِلًا البابَ، سائِلًا مستعْطِيًا فعسى، ولكنْ لا تُوَلِّ ظهرَك وتقول: ما حِيلَتي، وقد سُدَّ البابُ (ق / 293 أ) دوني.
* لما نادى منادي الإفضال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} سارتْ نجائبُ الأعمالِ [إلى] باب الجزاءُ، فصِيْحَ بالدَّليل: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك} [الإسراء: 74] فقال: “ما منكم من يُنجيه عملُه” (4).
* إن لم تقدرْ على مشارعِ أربابِ العزائمِ فَرِدْ باقي الحِياض،
__________
(1) في “الديوان” و”المدهش”: “تفنى عونهم دمعًا وأنفسهم”.
(2) هي الأصول مشتبهة، وتقرأ: “رابحة”.
(3) الأبيات في “المدهش”. (ص/ 525)، وهى للمتنبي “ديوانه”: (4/ 234 – 235 – مع شرحه). والبيتان الأخيران مقدمان في الديوان والمدهش.
(4) من قوله: “إذا لم تكن من …. ” إلى هنا بنحوه من “المدهش”: (ص/527).
(3/1204)
فمَنْ لم يكن عندَهُ أبنُ لبون قُبِلَتْ منه ابنةُ مَخاضٍ.
* لا تحتقرْ معصيهْ فكم أَحْرَقَتْ شَرَرَهْ، أما عرفت سرَّ: {ولَا تَقرَبَا هَذِهِ الْشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، لو قنع ابن آدم (1) لاكتفى، ولكن كانت المِحْنة في الشَّرَه.
* الخَلْوَةُ شَرَكٌ لصيد المؤانسة، أخفى الصَّيادينَ شخصًا وأقلُّهم حركةً أكثرُهم التقاطًا للصَّيد، ما صاد هِرٌّ نوا (2).
أبدًا نفوسُ العاشقينَ …. إلى ربوعِكُمُ تَحِنُّ (3)
وكذا القلوبُ بذِكْرِكُمْ … بعدَ المخافةِ تَطْمَئِنُّ (4)
* غيره:
طُلول إذا يشكو إليها مُتَيَّمٌ … شكا غيرُ ذي نُطْقٍ إلى غير ذي فَهْمِ (5)
* غيره:
وإنَّما عُمْرُ الفتى سوقٌ له … يصدُرُ عنه غانِمًا أو خاسرًا (6)
* غيره:
__________
(1) (ع وظ): “آدم”.
(2) أي: صاح.
(3) في “المدهش”:
أبدًا نفوس الطالبيـ … ـن إلى طلولكم تحن
(4) من قوله: “إن لم تقدر … ” إلى هنا من “المدهش”: (ص/523 – 524).
(5) البيت في “المدهش”: (ص/ 524)، لكن صدره:
* طلول إذا دمعي شكى البين بينها *
(6) البيت في “المدهش”: (ص / 517) مع اختلاف، وقبله بضعه أبيات.
(3/1205)
نْرَاعُ إذا الجنائزُ قابَلَتْنا …. ونَلْهُو (1) حين تَخْفَى ذاهِبَاتِ
كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لظهورِ ذِئْبٍ … فلمَّا غَابَ عَادَتْ راتِعَاتِ (2)
* خذ نفسَك بالعزائم لا تُرَخِّصْ، حائطُ الباطن خَرَابٌ فعلام إِذًا تجَصِّصُ (3).
* العلم والعملُ توأمان أمُّهما علوُّ الهمَّةِ (4).
* والجهلُ والبطالة توأمانِ أمُّهما إيثارُ الكسلِ.
* أيها المعلَمِ تثبَّتَ على المُبتدي، {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}، فللعالِم رسوخٌ وللمتعلِّم قَلقٌ: ويا أَيُّها الطالبُ تواضعْ في الطَّلَب فإن الترابَ بَيْنا هو تحت الأخمص صار طَهورًا للوجه (5).
* تُجلَى عليك عروسُ المعرفة ولكن على غير كفؤ، وإنَّما يحلُّ النظر إذا كان العقدُ جائزًا.
* فغضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير (6) *
* ليس العالِمُ شخصًا واحدًا، العالِمُ عَالَمٌ، تصانيف العَالِمِ أولادُه المُخَلَّدون دونَ أولادِه، من خُلِقَ للعِلْمِ شَفَّ جوهرُه من الصِّغَر، طولُ السَّهَرِ مُفضٍ إلى طِيب المَرْقد:
__________
(1) في “المدهش”: “ونسكن”.
(2) البيتان في “المدهش”: (ص / 518)، ونسبهما في (شرح ديوان المتنبي: 3/ 11) إلى زين العابدين.
(3) “المدهش”: (ص / 518).
(4) “المدهش: (ص/ 507).
(5) هذا المقطع من “المدهش”: (ص / 507).
(6) صدر بيت لجرير يهجو الراعى النميري عجزه:
* فلا كعبًا بلغت ولا كلابا *
(3/1206)
والهُوْن في ظلِّ الهوينا كامنٌ …. وجلالةُ الأَخْطار في الإِخْطار (1)
* مياه المعاني مخزونةٌ في قلب العالِمِ يفتحُ منها للسَّقي سَيْحًا بعد سَيْح، ويدَّخِرُ أصفاها لأهل الصَّفاء، فإذا تكاثَرَتْ عليه نادى: للسبيل فيبقى علمُه سَيْحًا، ولهذا تَتَضاعفُ عليه زكاةُ الشكر.
كل وقت تسافر بضائعُ فكرِه من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين، فينادى عليها دلَّال لسانه، وهو يعرضها في مواسمِ النُّصحِ على تجَّار الطلب والإرادة: مَنْ يشتري حكمةً وعلمًا بتخيير الثمن (2)، فيا مَنْ يرى عُلُوَّ تلك المرتبة لا تنسَ الدَّرجَ.
كم خاضَ بحرًا مِلْحًا حتَّى وقع بالعَذْب، وكم تاهَ في مَهْمَهٍ قفرٍ حتَّى سمِّي بالدليل، وكم أَنْضَى مراكبَ الجسم ورفضَّ شَهَوات الحِسِّ وواصلَ السُّرَى (ظ / 205 أ) ليلًا ونهارًا، وأوقد نارَ الصبر في دياجى الهوى، فإن وثِقْتم بأمانَتِهِ فهذا تخيير الشِّرَاءِ (3).
* الدنيا تُفَوِّق سهامَها نحو بنيها وتقول: خذوا حِذْرَكم، فلهذا دَمُ قتيلها هَدَر (4).
* غاب الهدهدُ (ق/293 ب) عن سليمانَ ساعةً فتواعده، فيا مَنْ
__________
(1) البيت لأبي الحسن التِّهامي من قصيدته المشهورة فى رثاء ابنه أبي الفضل “ديوانه”: (ص/ 157)، وهو في “المدهش”: (ص/ 507) ووقت في الأصول تحريفات أصلحناها.
(2) “المدهش”: “حكمةً بقبول”.
(3) من قوله: “ليس العالم شخصًا … ” إلى هنا من “المدهش”: (ص / 507 – 508). والكلمة الأخيرة في الأصول: “السرى” والمثبت من “المدهش”.
(4) نحوه في “المدهش”: (ص/ 509).
(3/1207)
أطالَ الغيبَةَ عن ربِّه هل أمنتَ عْضبَهُ (1)؟.
* تخلَّفَ الثلاثةُ عن الرسول في غزوة واحدة، فجرى لهم ما سمعتَ، فكيف بمن عمره في التَّخَلُّف عنه؟.
* إذا سَكِرَ الغرابُ بشراب الحِرْص تنَقَّلَ (2) بالجِيَفِ، فإذا صحا من خُمَاره نَدِمَ على الطَّلل، خالفَ موسى الخَضِرَ في طريق الصُّحْبة ثلاث ميت، فحل عقدَة المصال بيد: {هَذَا فِرَاقٌ بَيْنِى وَبَيْنِكَ}، أفما تخافُ يا مَنْ لم يَفِ لربِّه قَطُّ أن يقولَ في بعض زلَّاتك: هذا فراقُ بيني وبينك (3).
* أعظم عذابِ أهل جهنَّم جهلُهم بالمُعَذِّب، لو صحَّتْ معرفتهم بالمالكِ لما استغاثَوا بمالك، وقع بينهم شخصٌ ليس من الجنس، كان في باطنه ذرَّةٌ من المعرفة، فكلما حملتَ عليه النار اتّقاها بدرع: “يا حَنَّان يا منَّان”، كأنَّ موتَه في المعاصي سكتةٌ، فقُبِرَ في جهنَّمَ، فلما تحرَّك الرُّوح في الباطن، أخرج من القبر (4).
* حرصُ العصفور يخنقُه، وقنع العنكبوت في زاوية البيت الضَّعيف يسوق إليها الذُّباب قوتًا لها، رُبَّ ساعٍ لقاعدِ. أرسلتَ قلبك مع كلِّ مطلوب من الهوى، ثم تبعث وراءَه وقتَ الصلاة، فربَّما لا يلقاهُ الرسول فتصلي بلا قلبٍ.
خَلَّفْتَ قلبَكَ في الأظعانِ إذ نَزَلَتْ …. بالمَأْزِمَيْنِ عدَاةَ النَّفْر بالنَّفرِ
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 490).
(2) ما ينتقل به على الشراب.
(3) “المدهش”: (ص/ 490).
(4) “المدهش”: (ص/ 491).
(3/1208)
ورحتَ تطلبُ في أرض العراق ضحًى … ما ضاعَ عندَ مِنًى فاعجبْ لذا الخَبَرِ
لما طَرَقْنا مِنًى كان الفؤادُ معي … فضَلَّ عنِّيَ بين الضَّالِ والسَّمُرِ
يا أرجلَ العيسِ تُهنيكَ الرِّمالُ فما … أمشي بوجدي غدًا إلَّا على الأثر
* يا من فقد قلبه لا تيأس من عوده.
فقد يجمعُ اللهُ الشتيتين بعدَما … يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أنْ لا تَلاقِيَا (1)
الهوى قاطن والصواب خاطر، وطرد القاطن صعبٌ، وإمساك الخاطر أصعب (2).
* إنك لم تزلْ في حبس، فأولَّ الحبوس: صُلْبُ الأَب، والثاني: بطنُ الأم، والثالث: القُماط والمهد، والرابع: المكتب، والخامس: الكَدُّ على العيال، والسادس: مرض الموت، والسابع: القبر، فإن وقعت في الثامن نسيت مَرارَةَ كلِّ حبس تقدم.
ادخُلْ حَبْسَ التَّقوى باختيارِك أيامًا ليحصُلَ لك الإطلاق على الدَّوام، ولا تؤثرْ إطلاقَ نفسِك فيما تحبُّ فإنه يؤثرُ حَبْسَ الأبد.
العذْلُ على حمل العشق علاوةٌ.
ومُرَنَّح فَطَن النسيم بوجده … فروى له خبر العذيب مُعَرِّضًا (3)
* متى تركت المعصية وما حللت عُقَدَ الإصرار، لم يُفِدْ شيئًا، كما لو سكن المرضُ من غير استفراغ، فإنّه على حاله، إن لم يتحقَّق
__________
(1) البيت لمجنون بني عامر انظر: “الأغاني”: (2/ 76).
(2) “المدهش”: (ص / 486).
(3) “المدهش”: (ص / 482).
(3/1209)
قصد القلب لم يؤثرِ النُّطقُ شيئًا (1)، يمينُ المُكْرَهِ لا تنعقدُ (2).
* ويحُك نفسك سلعَتُكَ وقد استامها المُشتري بأفخرِ الثَّمَن، (ق/294 أ) فاجهَدْ في إصلاح عُيوبِها لعلَّه يرضى بها.
منامُ المنى أضغاثٌ، ورائدُ الآمال كذوبٌ، ومرتَعُ الشَّهَواتِ وخيمٌ (3) العَجْزُ شَرِيك الحِرمانِ، التفريطُ مصائب (4) الكسل. قُفْلُ قلبِكَ رومِيٌّ ما يقعُ عَليه فشٌّ (5).
متى خَامَرَ من جنود عزمِكَ عليك واحدٌ، لم تأمنْ قلب الهزيمة عليك.
وإذا كان في الأنابيب خُلْفٌ … وقَعَ الطَّيْشُ في رؤوسِ الصِّعادِ (6)
* كُنْ قَيِّمًا على جوارحِك ورَعيَّتك إذا وفَّيْتَها الحظوظَ فاستوفِ منها الحقوقَ.
تأمل قوله تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)} [طه: 117]، كيف شَرَك بينهما في الخروج، وخص الذِّكَرَ بالشَّقَاء، لاشتغاله: بالكسْب والمعاش، والمرأة في خِدْرها.
تَزَوَّدْ من الماء القَرَاح (7) فلن تَرَى …. بوادي الغَضَا ماء نُقَاخًا ولا بَرْدا
__________
(1) من قوله: “كما لو … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) “المدهش”: (ص / 478).
(3) “المدهش”: “ومرعى المشتهي هشيم”.
(4) “المدهش”: “مضارب”.
(5) الفش: الحلّ، يقال: فشَّ القِرْبة حل وِكاءها.
(6) جمع صَعْدَة، وهي: القناة. “اللسان”: (3/ 255) والبيت للمتنبي “ديوانه”: (2/ 43)، وفيه “في صدور الصعاد”.
(7) “المدهش”: “النقاخ”: وهو: العَذْب.
(3/1210)
وَنَل مِن نسيمِ البانِ والرَّنْد نفحةً …. فهيهاتَ وادٍ يُنْيِتُ البانَ والرَّنْدا
وكُرَّ إلى نجدٍ بطَرْفِكَ إنه …. متى تسرِ لا تنظرْ عقيقًا ولا نجدا (1)
انظر يمنَةً فهل ترى إلَّا محنة، ثم اعطِفْ يسْرَةً فهل ترى إلَّا حسرةً، أما الرَّبْعُ العَامِرُ فَدَرَسَ، وأما أَسْر المَمَاتِ ففَرَسٌ، وأما الراكبُ فَكَبَتْ به الفَرَسُ، ساروا في ظُلَم ظلامهم، فما عندَهم قَبَسٌ، ووقفت بهم سفن نجاتِهم لأن البحرَ يَبَسٌ. وانقلبت تلك الدولُ كلُّها في نَفَس، وجاء مُنْكَرٌ بآخر “سبأ”، ونَكِيرٌ بأول “عَبَسَ”. أفلا يقوم لنجاته مَنْ طالما قد جَلَسَ.
يا نفسِ ما هي إلَّا صبرُ أيامِ … كأن مُدَّتَها أضغاثُ أحلامِ
يا نفسِ جوزي عن الدُّنيا ولَذَّتِها …. وخَلِّ عنها فإن العيشَ قدامي (2)
* ألا يصبر طائر الهوى عن حَبَّةٍ مجهولةِ العاقبة، وإنَّما هي ساعةٌ ويصلُ إلى برج أَمْنِه، وكم فيه من حبة:
وَإنْ حَنَنْتَ للحِمَى وروضِهِ … فبِالغَضا ماءٌ وروضاتٌ أُخَرْ
حاصلُ الكُتُب من الطَّير أقوى عَزِيمة منك، فلعل وضْعَكَ على غير الاعتدال، لَا تكون الرُّوح الصافيةُ إلَّا في بَدَد معتدل، ولا الهمة العالية إلَّا لنَفْس نفيسة.
إذا حمل الطائر الرسالةَ صابرَ العزيمةَ ولازَمَ بطونَ الأوديةِ، فإن خَفِيَتْ عليه الطريقُ تَنَسَّمَ الرياحَ وتلمَّحَ قرصَ الشمسِ وتستَّرَ، وهو
__________
(1) “المدهش”: (ص / 479 – 480).
(2) البيتان لأبى العتاهية “ديوانه”: (ص/ 391)، والبيت الثاني في الديوان:
يا نفس كوني عن الدنيا مُبَعَّدة …. وخلِّفيها فإن الخير قُدَّامي
(3/1211)
مع شدَّة جوعِه يحذرُ الحَبَّ الملقى خوفًا من دفينةْ فخٍّ توجِبُ تعرقلَ: الجناح، وتضييعُ ما حمل، فإذا بلَّغَ الرسالةَ أطلقَ نفسَهُ ديَ أغراضِها داخل البُرْج.
فيا حاملي كتُب الأمانة أكثركم على غير الجادَّة، وما يستدلُّ منكمْ من قد رَاقَهُ الحَبُّ، فنزل [ناسيًا] (1) ما حمل فارتُهِنَ وَذبحَ، ومنكم منْ تعرْقَل جناحُه وهو ينتظر الذبحَ، فلا الحَبَّةُ حصلتْ ولا الرسالةُ وصلتْ:
قَطَاةٌ غَرَّهاْ شَرَكٌ فباتَت … تُجَاذِبُه وقد عَلِقَ الجناحُ
فلا في اللَّيلِ نالتْ ما تَمَنَّتْ … ولا في الصُّبْح كان لها سَراحُ
لو صابرتم مشقَّةَ الطَّرِيقِ (ق / 294 ب)، لانتهى السفرُ، فتوطَّنتُمْ مستريحينَ فِى جنَّات عَدْن، يا مهملينَ النظرَ في العواقب أسلفوا في وقت الرُّخص، فما يؤمَن تغْيُّرُ الأسعارِ، لا ترم بسهام النظر فإنها واللهِ: فيك تقعُ، ربَّ راعي مُقْلة أهملها فأُغِيرَ على السَّرْح (2).
كلُّ الحوادثِ مَبْداها من النَّظَرِ … ومعظم النَّار من مستصغرِ الشَّرَرِ
كم نظرةٍ فعلتْ في قلب ناظرِها …. فعلَ السِّهامِ بلا قوسٍ، وَتَرِ (3)
* غيره:
وأرى السِّهامَ تؤم (4) من يرمي بها … فعلامَ سهمُ اللَّحْظِ يُصْمِي من رَمَى (5)
__________
(1) من “المدهش”.
(2) “المدهش”: (ص 473/ -475).
(3) تقدم الكلام عليهما.
(4) (ق وظ): “نام” و (ع): “تام”، والمثبت من “المدهش”.
(5) البيت في “المدهش”: (ص / 458).
(3/1212)
* اعرف قَدْرَ لطفِهِ بك، وحفظِه لك، إنما نهاك عن المعاصي، حماية لك وصيانةً، لا بخلًا منه عليك، وإنَّما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانًا لا حاجة منه إليك، لمَّا عرفْتَه بالعقل حَرَّمَ ما يزيلهُ وهو الخمرُ صيانة لبيت المعرفة، يا متناولًا للمُسكِر لا تفعلْ، يَكْفِيكَ سُكْرُ جهلِكَ، فلا تجمعْ بين سُكْرَيْنِ.
* سلعةُ {وَإِنِّى لَغَفَّارٌ} لا تُبْذَلُ إلَّا بثمن {لِمَنْ تَابَ} خارجًا من سَبِيكة {وَآمَنَ} عن سكة {وَعَمِلَ صَالِحًا} من دار ضَرْب {ثُمَّ اهْتَدَى}.
* إن لم تقدر على الجِدِّ في العمل فقفْ على باب الطَّلَب، تعرَّضْ لنفحةٍ من نَفَحَات الرَّبِّ، ففي لحظةٍ أفْلَحَ السَّحَرَةُ:
لا تَجْزَعَنْ مِنْ كلِّ خَطْبٍ [عَرَى] (1) … ولا تُرِي الأعداءَ ما يُشْمِتُ
واصبرْ فبالصَّبْرِ تنالُ المُنَى … “إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا”
ثَمَنُ المعالي الجِدُّ، والفتورُ داءٌ مُزْمن.
من السَّلوة في عَيْنيك …. آياتٌ وآثارُ
إذا ما بَرَدَ القلب … فما تُسخِنْهُ النارُ (2)
* الوجودُ بحرٌ، والعلماء جواهرُه، والزُّهَّاد عنبرُه، والتُّجَّارُ حِيتانه، والأشرارُ تماسيحُه، والجهَّال على ظهره كالزَّبَدِ.
لو كشفت لك الدنيا ما تحتَ نِقابها لرأيت المعشوقةَ عجوزًا، وما ترضى إلَّا بقتل عُشَّاقها، وكم تدللت عليهم بالنشوز، أذاقَتْهم بَرْد
__________
(1) (ع وق): “فادح” وليست فى (ظ) والمثبت من “المدهش”.
(2) “المدهش”: (ص/ 475 – 476).
(3/1213)
كان الأمانيِّ (1) فإذا هم في وسط تَمُّوزَ.
* تطلبُ مشاركةَ الغانمينَ وما شهدْتَ الحربَ، ويحك الغنيمةُ لمن شَهِدَ الوَقْعَةَ.
البلايا تُظهِرُ جواهرَ: الرّجالِ، وما أسرَعَ ما يُفْتَضَحُ المُدَّعِي.
تنامُ عيناك وتشكوا الهَوى …. لو كنت صَبًّا لم تكنْ هكذا (2)
* يا مؤثرًا ما يَفْنَى على ما يَبْقَى، هذا رأي هواك فهلا استشرتَ العقلَ لتعلَم أنصحَهُما لكَ، لا تَحْقِرَنَّ يسيرَ المعصية فالعُشب الضعيف يُفْتَلُ منه حبالٌ تَجُرُّ السُّفنَ، أَوَ ما نفدت في سَدِّ سبأٍ حيلة جُرَذٍ، العمرُ ثوب غيرُ مكفوف، وكلُّ نَفسٍ خيطٌ يَسَلُّ منه، أنتَ أجيرٌ وعليك عملٌ، فأخِّرْ ثيابَ الرَّاحةِ إلى انقضاء العمل، كم غرقت سفينة في بحر سوف (3).
ساروا ولا يسألون ما فَعَل الـ …. ــفجر ولا كيف مالت الشُّهُبُ
عوَّدهم هجرهم مطالبةَ الرَّ … احةِ أن يظفروا بما طلبوا
* الشجاع يَلْبَسُ (ق/295 أ) القلبَ على الدِّرع، والجبان يلبَسُ الدرعَ على القلب.
أعظم البلايا تردُّدُ الرَّكْبِ إلى بلد الحَبيب يودِّعون الدِّمَنَ.
ومعالٍ لو ادَّعاها سِواهُمْ …. لَزِمَتْهُ جِنَايةُ السُّرَّاق (4)
__________
(1) “المدهش” كانون الأول”.
(2) “المدهش”: “نائمًا”.
(3) “المدهش”: (ص/ 470 – 471).
(4) البيت للمتنبي “ديوانه”: (2/ 368).
(3/1214)
[وقال آخر]:
نالوا السماءَ وحطُّوا من نفوسِهمُ … إنَّ الكرامَ إذا انْحطوا فقد صعِدوا
* لو صدق عزمُكَ قذفَتْكَ ديارُ الكَسَل إلى بيداء الطَّلَب (1).
* الناقد يخافُ دخولَ البَهْرجِ عليه واختلاطَه بماله والمبهرِجُ آمن، هذا الصِّدِّيقُ يُمسِكُ بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني المواردَ، وعُمَرُ يناشد حذيفة؛ هل أنا منهم (2)، والمخَلِّطُ على بساط الأمن.
* إذا جنَّ الليل وقع الحربُ بين النوم والسهو، فكان الشوق والخوفُ في مقدمة عسكر اليَقَظة، وصار الكَسَل والتَّواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل العزمُ حملةً صادقةً هزم جنودَ الفُتور والنوم، فحصل الظفرُ والغنيمةُ، فما يطلُع الفجرُ إلَّا وقد قُسِمَتِ السُّهمانُ وما عند النائمين خَبَرٌ.
قام المُتهجِّدونَ على أقدام الجدِّ تحت ستر الدُّجى، يبكون على زمنٍ ضاع في غير الوصال.
* ما زالت مطايا السَّهَو تذرعُ بيداءَ الدُّجى، وعيونُ آمالها لا ترى إلَّا المنزلَ، وحادي العزم يقول: يا رفقةَ اللَّيلِ طابَ السَّيْرُ فاغتنِموا المَسْرَى، فمنْ نام طولَ اللَّيْل لم يَصِل. إلى أنَّ هبَّ نسيمُ السَّحَر، فقام الصارخُ يبغي ظلام الليل، فلما همَّ بالرَّحيل تشَبَّثَ القوم بأذياله يبكونَ على فِراقِ المحبوب، فلما طَلَعَ الفجرُ حدا حاديهم:
* عند الصَّبَاحِ يحمَدُ القوم السُّرَى *
__________
(1) “المدهش”: (ص / 465 – 466).
(2) يعني: المنافقين.
(3/1215)
* يا من يستعظمُ أحوالَ القوم تنقَّل في المراقي تَعْلُ (1).
* من جمع بين العلم بالسُّنَّة ومتابعتها أنتجَا له المعاني البديعة، فهي تُنادي على رؤوس الأَشهاد؛ وُلِدْتُ من نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ.
ومن قَرَن بين البدعة والهوى أنتجا له ضروبُ الهَذَيانِ، فهي تُنادي على رؤوس الأشهاد: أيها الفَطِنُ لا تعْترَّ.
* إذا فَتَحَت الوردةُ عينَها فرأتِ الشَّوْكَ حولها، فَلْتَصْبِرْ على مجاورته قليلًا، فوحدَها تُقْصَدُ وتُقَبَّلُ وتُشَمُّ.
* إذا تكلمَ مَنْ يريدُ الدنيا بكلامه، فإنه كلما حفر في قَلِيب قلبه وأمعنَ في الاستنباط، انهار عليه ترابُ الطمع فطمَّه (2).
* إذا رأيت سربالَ الدنيا قد تقلَّص عنك (3) فاعلم أنه لطف بك؛ لأن المنعم لم يقبِضْهُ بخلًا أن يتمزَّق، ولكن رفقًا بالسَّاعي أن يَتَعَثَّرَ.
* فَتِّش على القلب الضَّائع قبل (ظ / 256 ب) الشُّروع، فحضورُ القلب أوَّلُ منزل من منازل الصلاة، فإذا نزلْتَه انتقلْتَ إلى بادية المعنى، فإذا رحلتَ عنها أنَّحتَ بباب المُنَاجَاةِ، فكان أوّلَ قِرَى ضيفِ اليَقَظة كشفُ الحجابِ لعينِ القلبَ، فكيف يَطمع في دخولِ مكَّةَ مَنْ لا خرج إلى البادية بعدُ (4).
إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم {أخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} استغرقت إحساس
__________
(1) “المدهش”: (ص / 461 – 463).
(2) “المدهش”: (ص / 460).
(3) (ق وظ): “عليك”.
(4) في “المدهش” ” … : مكة منقطع قِبَل الكوفة”.
(3/1216)
الناظرات {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وما شعرنَ، فكيف بالحال (ق/ 295 ب) يوم المزيد؟! لو أحببت المعبودَ لحضرَ قلبُك في عبادته.
قيل لعامر بنُ عبدِ قيس: أما تسهو في صلاتك؟ قال: أَوَ حديثٌ أحبُّ إليَّ من القرآنِ حتَّى أشتغلَ به؟!.
وكان مسلمُ بنُ يسار لا يلتفتُ في صلاته حتَّى انهدمتْ ناحيةٌ من المسجد فزعَ لها السوق فما التفتَ، وكان إذا دخل منزله سكتَ أهلُ بيته، فإذا قام يُصَلِّي تكلَّموا وضَحِكوا علمًا منهم بالغَيبة.
وقيل لبعضِهم: إنا لنُوَسْوِسُ في صلاتِنا، قال: بأيِّ شيءٍ؟ بالجَنَّة والحُور العِينِ والقِيَامة؟ قالوا: لا بل بالدنيا، فقال: لأَنْ تختلفَ فيَّ الأَسِنَّةُ أحَبّ إليَّ من ذلك.
تقف في صلاتك بجَسَدِك وقد وجهتَ وجَهَكَ إلى القِبْلة، ووجهت قلبَكَ إلى قُطْر آخَرَ، ويحَكَ ما تصلُحُ هذه الصَّلَاةُ مَهْرًا للجنة فكيف تصلح ثمنًا للمحبة.
رأتْ فأرةٌ جملًا فأعجبها فَجَرَّتْ خِطَامَهُ فتَبِعَها، فلما وصَلَتْ إلى باب بيتِها وقفَتْ فنادى بلسان الحال: إمَّا أن تَتَّخِذي دارًا تَليقُ بمحبوبِكِ أو محبوبًا يَلِيقُ بداركِ، وهكذا أنتَ: إما أن تَصَلِّيَ صلاةً تليقُ بمعبودِكَ وإما أنَّ تَتَّخِذَ معبودًا يليقُ بصلاتك (1).
* تعاهَدْ قلبَكَ فإن رأيتَ الهوى قد أمال أحدَ الحِمْلين فاجعل في الجانب الآخر ذكرَ الجنَّة والنار ليعتدلَ الحِمْلُ، فإن غلبكَ الهوى فاستغِثْ بصاحب القلب يُعِينكَ على الحِمْل، فإن تأخَّرَتِ الإجابةُ
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 454 – 456).
(3/1217)
فابعثْ رائدَ الانكسار خلْفَها تجدْهُ “عندَ المُنْكسرة قلوبُهم”.
* اللطفُ مع الضعف أكثرُ فتضاعفْ ما أمْكَنَكَ.
لما كانْتِ الدجاجةُ لا تحنو على الولدِ أُخُرِجَ كاسِيًا (1)، ولما كانتِ النملةُ ضعيفَةَ البصر أُعِينَتْ بقوَّة الشَّمِّ فهي تجدُ ريح المطعوم من البعد، ولما كانت الخُلْدُ (2) عمياءَ، أُلهِمَتْ وقتَ الحاجَةِ إلى القوت أن تفتحَ فاها، فيبعث إليها الذباب فيسقط فيه فتناول منه حاجتها.
الأطيار تَتَرَنَّمُ طولَ النهار، فقيلَ للضِّفْدَع: ما لك لا تَنْطِقِينَ؟ فقالت: معَ صوتِ الهَزَار (3) يُستبشعُ صوتي، ولكن الليلَ أجملُ بي.
* لا تنسَ العِنَايَةَ بالسحرة، جاءوا يحاربونَه ويحَاربون رسُلَه، وخِلَعُ الصُّلْحِ قد فصِّلَتْ، وتيجانُ الرِّضى قد رُصِّعت، وشراب الوصال يروقَ، فَمَدُّوا أيديَهم إلى ما اعتصروا من خَمرة الهوى، فإذا بها قد انقلبت خَلًّا فأفطروا عليه فسَكِروا بشراب المحبَّةِ، فلما عَرْبَدَتْ عليهم المحبَّة صُلبوا في جذوع النخل.
واعجبًا لعَزَمات ما ثنَاها {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ} (4).
* سجدوا له سجدةً واحدة فما رقعوا رؤوسَهم حتَّى رأوا منازلَهم من الجنة، فغلبهم الوجدُ وتمكَّنَ منهم الشوقُ، فقالوا: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)}:
__________
(1) ويحتمل أن تكون: “كاسبًا” بالوحدة.
(2) ضرب من الجرذان أعْمَى.
(3) هو: العندليب.
(4) “المدهش”: (ص/ 450 – 451).
(3/1218)
تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بساكن ذي الغَضا … ويَصْدَعُ قلبي أنَّ يَهُبَّ هبوبُها
قريبة عهدٍ بالحبيبِ وإنما … هوى كلِّ نفسِ حيث حَلَّ حبيبُها (1)
* (ق/ 296 أ) قطعت نياقُ جدِّهم باديةَ الليل، ولم تجدْ مسَّ التعبِ، فالطريق إلى المحبوبِ لا تطولُ:
بعيدٌ على كسلان أو ذي مَلَالَةٍ … وأمَّا على المشتاقِ فهو قريبُ
يا حاضرينَ معنا بنيَّةِ النُّزهة لستم معنا، عُودوا إلى أوكار الكَسَلِ، فالحربُ طعنٌ وضربٌ ويا مودِّعينَ أرجحوا فقد عبرْنا “العُذَيْبَ”، وعن قريب تأتيكُم أخبارُنا بعد “فَيْد”، ويا أيها الحادي عَرَضَ الخَيْفُ من مِنَى. تُعَلِّمْكَ الدُّموعُ كيف ترمي حَصَى الجِمار (2).
* ضيفُ المَحبَّة ماله قِرىً إلَّا المُهَجُ، إذا رأيت محبًّا ولم تدرِ لمن (ظ 207/ أ)، فضع يَدَك على نبضه وسَمِّ له من تظنّه به، فإن النبضَ ينزعج عند ذكره {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (3).
*حرُّ الخوف صيفُ الذُّوَبَان، وبرودة الرَّجاء شتَاءُ العطلةِ (4)، ومن لُطِفَ به زمانه كلُّه فصل الربيع:
عينٌ تُسَرُّ إذا رَأَتْكَ وأختُها …. تَبْكي لطُولِ تباعدٍ وفِرَاق
فاحفظْ لواحدةٍ دوامَ سرورِها … وَعِدِ التي أبكيتها بتَلاقِ (5)
__________
(1) البيتان في “المدهش”: (ص/ 446).
(2) “المدهش”: (ص/ 447)، وليس فيه البيت “بعيد … “.
(3) “المدهش”: (ص / 440).
(4) كذا في الأصول، و”المدهش”: “الغفلة”.
(5) “المدهش”: (ص/ 436).
(3/1219)
* إذا رُزِقْتَ يَقَظَة فصُنْها في بيت عُزْلة، فإنَّ أيدي المُعَاشرة نَهَّابَةٌ احذر معاشرةَ البَطَّالينَ فإن الطبع لصٌّ، لا تُصَادِقَنَّ فاسقًا ولا تَثِقْ إليه، فإنَّ مَنْ خانْ أَوَّلَ منعمٍ عليه لا يَفي لك.
يا فرخَ التوبة لازم ذِكْرَ الخلوة، فإن هِرَّ الهوى صَيُودٌ، إيَّاكَ والتَّقَرُّبَ من طرف الوَكْر، والخروجَ من بيت العُزْلة، حتى يَتكامَلَ نَبَاتُ الخوافي وإلَّا كنت رزقَ الصَّائدِ.
الأُنْسُ بالخَلْق دِبْقٌ (1)، أوَّل ما يعرقل (2) جناحُ الطَّرِ، والمُخالطةُ توجِبُ التَّخليطَ، وأيسرها تشتيتُ الهِمَّةِ وضعف العزيمةِ:
أقَلُّ ما فْي سُقوطِ الذِئْب في غَنَمٍ … إن لم يُصِبْ بعضَها أن تَنْفِرَ الغَنَمُ
* إن لم تكن من جملة المستحقِّين للميراث فكن في رفقة: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى}.
ويْحَك لا تحْقر نفْسَك فالتائبُ حبيبٌ، والمُنْكَسِرُ صحيح، إقرارُك بالإفلاسِ عينُ الغنى، تنكيسُ رأسِكَ بالنَّدم هو الرِّفْعَةُ، اعترافُك بالخطأ نْفسُ الإصابة.
عرضتْ سلعة العبوديَّةِ في سوق البيع، فَبَدلَتِ المَلائكةُ نَقدَ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} فقال آدم: ما عندي إلَّا فلوسُ إِفلاس نقشُها {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} فقيل: هذا الذي يُنْفقُ على خزانة الخاص، أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من زَجَل المُسَبِّحِينَ.
* إن كان يأجوجُ الطَّبعْ ومأجوجُ الهوى قد عاثوا في أرضِ القُلوبِ
__________
(1) “المدهش”: “رِبْق” وهو الحبل الذي تُشد له الغنم، والدِّبق الغِراء الذي تُصاد به الطيور.
(2) (ظ): “يعلق”.
(3/1220)
فأفسَدوا فيها، فأعِينوا المَلِكَ بقوَّة يجعلْ بينكمْ وبينَهم رَدْمًا، اجمعوا له من العزائمِ ما يُشَابهُ {زُبَرَ الْحَدِيدِ}، ثم تفكَروا فيما أسلفْتُم، ليثورَ صعداء الأسفِ، فلا يَحتاج أن يقولَ لكم: {انْفُخُوا}.
شدوا بنيانَ العزمِ بهجر المألوفاتِ والعوائدِ، وقد استحكَمَ البناء، فحينئذ أَفْرغوا عليه قِطْرَ الصَّبْر، وهكذا بنى الأولياءُ قبلَكم فجاء العدوُّ {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}.
ضاقت أيام الموْسم فَأَسْرعوا بالإبِلِ. لا تَفُتكُمُ الوَقْفَةُ (1).
* إذا لم تُخْلِصْ فلا تتعبْ، لا تَحْدُ ومالَكَ بعيرٌ، لا تمدَّ القوسَ وما لها وَتَرٌ.
(ق/296 ب) كم بَذَلَ نَفسَه مراء لمدْحَةِ (2) الخَلْقُ، فذهبت نفسُه وانقلبت المدح ذمًا، ولو بذلها لله لبقيتْ ما بَقِي الدهر، عملُ المرائي بَصَلة كلُّها قشور، المرائى يحشو جرابَ الزوادة رملًا يثقله في الطريق ولا ينفعه، ريحُ الرِّياء جيفةٌ تتجَافاهَا (3) مسامُّ القلوب.
* لما أخد دودُ القَزِّ ينسِجُ أقبلتِ العنكبوتُ تتشبَّه، وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نَسْجي أرديةُ الملوك ونَسْجُكِ شبكةُ الذباب، وعند مس الحاجةِ يتبيَّنُ الفَرقُ.
إذا اشتبكتْ دموعٌ في خدودٍ … تَبين مَنْ بكى ممن تَبَاكى (4)
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 426 – 429).
(2) (ق): “ليمدَحَه”. وما بعدها في الأصول هكذا “وانقلبت المدح” ولعلها: “المدحة”، وفي “المدهش”: “وانقلبت والمدح”.
(3) كذا في (ع)، و (ق): “تتحاشاها”، و”المدهش”: “تتحاماها”.
(4) البيت للمتنبي “ديوانه”: (2/ 394 – شرحه).
(3/1221)
* شجرةُ الصنوبر تثمرُ في ثلاثين سنة، وشجرة الدّبَّاء تصعد في أسبوعين، فتقول للصنوبرة: إن الطريق التي قطعتِها في ثلاثين سنة قطعتُها في أسبوعين، ويقال: لي شجرة، ولك: شجرة. فقالت الصنوبرة: مهلًا حتى تهبَّ رياحُ الخريف، فإنْ ثبَتِّ لها تمَّ فخركِ.
كان التَّصَوّف والفقرُ في مواطن القلوب فصار في ظواهر الثيِّاب. كان حُرقَة فصار خِرقَة (1)، غيِّرْ زِيَّك أيَّها المرائي فإنه يصيح بك: خذوني، السيفُ والدِّرع للزَّمِنِ هتكة فضيحة (2)، البَهْرجُ يتَبينُ عندَ الحَكِّ.
* لو أبصرتَ طلائع الصِّدِّيقينَ في أوائلِ الركْب، أو سمعتَ استغاثةَ المُحِبِّينَ في وسط الركْب، أو شاهدتَ سَاقَةَ المستغفرينَ: في آخر الركْبِ؛ لعلمتَ أنَّك قد انقطَعتَ تحتَ شجرة (3) أمِّ غَيْلان (4).
* وا حسرتا لمنقطع دون الرَّكْب يَعُدُّ (ظ / 207 ب) المنازلَ:
أَعُدُّ اللَّيالي ليلة بعد ليليةٍ … وقد عشتُ دهرًا لا أعدُّ اللياليا
وقد يجمعُ اللهُ الشَّتِيتَينِ بعدما … يَظُنَّانِ كلَّ الظَّنِّ أن لا تَلاقيا (5)
* إلامَ الرَّواح في الهوى والتَغْليس؟ وحتَّامَ السَّعيُ فْي صحبةِ إبليسَ، وكم بهرجة في العمل وتدليسٍ! أين أقرانك (6) هل تسمع لهم
__________
(1) تحتمل قراءة هذه العبارة على أنحاء شتى.
(2) في “المدهش”: “لِزَمنِ هتكة، ولمقْعد فضيحة … “، و (ع): “هتيكة”.
(3) “شجرة” ليست قي (ع).
(4) “المدهش”: (ص/ 418 – 420).
(5) تقدم التخريج 3/ 1209، وانظر “المدهش”: (ص/ 415 – 416).
(6) (ظ): “ابن آدم إنك”.
(3/1222)
مِنْ حسيسٍ، أعلمت أنهم اشتدَّ ندمهم وحسرتُهم على إيثار الخسيس، تاللهِ لقد ودّوا أن لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المَسيس:
عينُ المنية يَقْظَى غيرَ مُطْرِفَةٍ (1) … وطَرفُ مطلوبها مُذْ كانَ وَسنَانُ
جهلًا تَمَكَّنَ منه حينَ مولدِهِ … فالنطْق صاحِ ولُبُّ المرءِ سكرانُ
* لا تنفع الرياضة إلاّ في نجيبٍ، لو سُقِيَ الحنظلُ بماء السّكَّر لم يخرجْ إلا مُرًّا، شجر الأثْلِ والصَّفْصَافِ والجوزِ ونحوها، لو دام الماء في عروقها لا تثمرُ أبدًا.
سحابُ الهدى (2) قد طَبَّقَ بيْد الأكوان، وأمطر مشارقَ الأرض ومغاربها، ولكن قيعان أرض قلبَك “قيعان لا تمسك ماء، ولا تُنبتُ كلأً” ومع هذا فلا تيأس فقد يستحيل الخمر خلاًّ، ولكن إنما ذلَك لطيب العنصر.
* خلا الفكر بالقلب قي بيت التلاوة، فجوى ذكر الحبيب وأوصافه، فنهض الشوق على قدم السَّعي.
من لم يشاهد جمالَ يوسفَ لم (ق / 297 أ) يعرِفْ ما الذىِ آلَمَ قلبَ يعقوبَ:
من لم يَبِتْ والحبُّ حَشْوُ فؤادِهِ … لم يَدْرِ كيف تَفتُّت الأكبادِ (3)
* يا مَن هبَّتْ على قلبه جَنوبُ المُجَانبة، فتكاثفَ عليه غيْمُ الغَفلة، فأظلم أفُقُ المعرفة، لا تيأسْ فالشمسُ تحت الغيم، لو تَصَاعَدَ منك
__________
(1) (ع): “مُطرقة” وهي محتملة.
(2) (ق): “الهوى”.
(3) “المدهش”: (ص/ 410 – 413).
(3/1223)
نَفَسُ أَسَفٍ استحالت شمالًا فتقطَّع السحابُ، فبانت الشمسُ تحتَه (1).
* لما كان رزقُ الطائر اختلاسًا لم يُجْعَلْ لهْ أسنان؛ لأن زمن الانتهاب لا يحتملُ المضغ، وَجعِلَ له حَوْصَلَةٌ كالمِخلاة ينقل إليها ما يستلبُ، ثم تنقلُه إلى القائصة في زمن الإمكان، فإن له فراخ أسهمَهم قبلَ النَّقْل.
كلما طالت ساق: ألحيوان طال عُنُقهُ لِيُمكِنهُ تناولُ الأطعمةِ من الأرض.
* رميتَ صخرةَ الهوى على ينبوع الفِطْنة , فاحتبسَ الماءُ، فإن لم تُطِقْ رفعَها فانقبْ حولَها، لعل ينابيع الماء تَنفجَّرُ.
لو بعتَ لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قَارون، لكنت مغبونًا العقد (2).
* عشَاقُ الدنيا بين مقتول ومأسور {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ}.
* يا طالبي (3) العِلم قد كتبتم ودرستُم، فلو طَلَبَكُم العلمُ في بيت العملِ فَلَستُمْ، وإنْ ناقشكم على الإخلاص أفلسْتُمْ، شجرةُ الإخلاص {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} ولا يضرُّها زعازع {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وأما شجرة الرياء فإنها تجْتثُّ عند نسمة “من كان يعبُدُ شيئًا فَلْيَتْبعه” (4).
__________
(1) “المدهش”: (ص / 405).
(2) “المدهش”: (ص / 403 – 404).
(3) “المدهش”: “يا معاشر العلماء”.
(4) “المدهش”: “نسمة (وَقِفُوْهم) “.
(3/1224)
رياء المرائين صيّر مسجد الضرار مزبلة وخربة {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا}، وإخلاص المخلصين رفح قدر التفَث “ربَّ أشْعَثَ أغْبرَ”.
قلب من تُرائيه بيَد من أعرضتَ عنه، يصرفهُ عنك إلى غيرك، فلا على ثَوَاب المُخلصيَنَ حصلتَ، ولا إلى ما قصدتَهُ بالرياء وصلتَ، وفات الأجرُ والمدحُ، فلا هذا ولا هذا.
لا تنقشْ على الدرهم الزائف اسمَ الملِكِ، فإنه لا يدخلُ الخِزَانَةَ إلا بعد النقْد.
المخلص يتبهرجُ على الخلق بستر حاله، وببهرجته يصح له النقدُ، والمرائي يتبرطلُ على باب الملك يوهم أنه من الخواص، وهو غريبٌ، فَسَلْه عن أسرار الملِك يُفْتَضَحْ، فإن خفِيَ عليك فانظر حالَه مع خاصَّة الملِكِ (1).
* يا مَنْ لم يصبِرْ عن الهوى صبرَ يوسفَ، يتعيَّن عليك بكاء يعقوبَ، فإن لم تطِقْ فذل إخوته يوم {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}.
إذا طال لبث الطين على حَافات الأنهار تكامَل رِيُّهُ، فإذا نضبَ عنه الماءُ استلبتِ الشمس ما فيه من الرطوبة فيشتد شوقه إلى الماء، فلو وضَعت منه قطعةً (ظ / 208 أ) على لسانك لأمسكه وعَلِق به شوقًا إلى الوِرْد، فيا من نضبَ ماءُ معاملته هل أحسستَ بالعطش؟!.
* وقالوا يعودُ الماءُ في البئرِ بعدَما *
وكانتْ بالحِجاز لنا ليالٍ … نَهَبْناهن من أيدي الزمان (2)
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 397 – 399).
(2) “المدهش”: (ص/ 394 – 395).
(3/1225)
*آخر:
ولا تنصبْ خيامَك في محلٍّ … فإن النازلينَ على ارتحالِ (1)
* مدارأة الضعفاء باللُّطف، فإذا قووا شُدِّدْ عليهم. “مُروهمْ بِالصَّلاةِ لِسَبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْير”.
* كان الإسلامُ في بدايته كالنطفة فاقتنع بلفظة التوحيد، فلما نُفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففُرضت الصلاة, فلما تحرَّكْ وجبت الهجرة، فلما اشتد وجبتِ الزكاةُ، فلما قَربت الولادة لزم الحجُّ، فلما ظهر طفلًا حبِي بلطف {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة {لَا تَقْنَطُوا} فلما ترعرع قال المؤدب: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} فلما بلغ أشده واستوى جاء: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}.
* في المتعبدون بالليل يقربون (2) إلى نوق الأبدان حَبَطَ الرُّقاد, فإذا تناولت سدَّ الفاقَةِ رفعتْ رؤوسَها، فإذا الدليلُ على الجادَّة، فتأخذ في السير.
من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم، فأربابُ العزائم يُؤَذَّن في محلَّتهم بليل، ويقام لهم أول الوقت، ومَنْ دونهم يصَلّون في أول الوقت، وأهل الفتور في آخره.
إذا هجمت جنودُ الرُّقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين: “الصَّلاة خيرٌ من النوم”، وهتف رقيب المعاتبة: “كذب من ادَّعى
__________
(1) “المدهش”: (ص/ 397).
(2) (ع): “يقومون”.
(3/1226)
محبتي، حتى إذا جَنَّه الليلُ نام عني” فيصيح المشتاقُ:
سلوا الليلَ عني مُذْ تنَاءَتْ دِيَارُكُمْ … هل اكْتَحَلَتْ بالغُمْض لي فيه أجفانُ
ثم تمر بالمتهجدين سيارة النجومِ، فيبعثون مع كل فَيْج (1) رسالة فتسلم أخبارَه الجوابَ (2) إلى ركب السحر، فتهب لمجيئها رياحُ الأسحار، فيقول المنتظر: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.
* سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طَلَب، فلما وُجِدَتْ بَسَطَتْ أكفَّ السُّؤالِ لطلب تكميلها، فالأجنةُ في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق، والبذر تحت التراب يطلب قوتَهُ من الريِّ، ومخُّ الثمار ينتظر من فضله كمالَ نُضْجهِ، ومراكب البحار ترجو تحريكَها بالرياح، وأصحابُ البضائع ينتَظرون وفودَ الأرباحِ عليهم، وطلابُ العلم يسألون فتح متعلقِ الفهم، وأهل المجاهدة يرومون المعاونةَ على الطيع (3)، والمظلوم يترقَّبُ طلوعَ فجر النصر، والمريض يتململُ بين يديه طلبًا للطْفِهِ، والمكروبُ ينتظرُ كشفَ ما به، والخائفُ يترقب بريدَ الأمن، والأبدان المتمزِّقة في اللحود تنتظرُ جمع الشَّمل بعد الشَّتَات، وعرائس الجنان يسألنَ سلامةَ بعولتهن وتعجيلَ اللقاء.
فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعثِ نكَّسَ صاحبُ الزلَلِ رأسَ الندم طلبًا للعفو، ومدَّ العابدُ يدَ التقاضي بالمسلَم فيه عند حلول الأجل، وحَدَّقَ الزاهد إلى جزاء الصبر، وأشرفَ المحِبُّ على
__________
(1) الفيج: الجماعة من الناس. و (ق): “مع فج”.
(2) (ق): “فتسَلم أحساره”.
(3) غير محررة في (ع).
(3/1227)
أطلال الشوق إلى الحبيب، وصاح العارفُ بلسان الوَجْدِ إذ لم يبقَ وقت للصَّمْت:
لى عندَكم دَيْنٌ فوا عجبًا … الدَّيْنُ لي وفؤاديَ الرهْنُ
[غير]:
عدمتُ دوائي بالعراقِ وربما … وجدتُ بنجد لي طبيبًا مداوِيَا
ويا جبلَ الرَّيَّان إن تعْرَ منهُمُ … فإنْي سأكسوك الدمُوعَ الجواريَا
ومِنْ حذري لا أسألُ الركْبَ عنهُم … وأَعْلاق وجدي باقيات كما هيَا
ومنْ يسألِ الركْبَان عن كُلِّ غائبٍ … فلابُدَّ أن يلقى بشيرًا وناعِيَا (1)
فائدة
من له غوصٌ في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لبِّ المعنى، والواقف مع الألفاظ مقصور النظر على الزينة (2) اللفظية: فتأمل قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)} [طه: 118 – 119]، كيف قابلَ الجوعَ بالعُرْي، (ظ / 208 ب) والظمأ بالضُّحْي، والواقف مع القالب ربما يخيل إليه أن الجوعَ يقابَل بالظمأ والعُرْي بالضُّحْي. والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحهَ والجلالة؛ لأن الجوعَ ألَمُ الباطنِ والعريَ ألَمُ الظاهر، فهما متناسبان في المعنى، وكذلك الظمأ مع الضُحْي؛ لأن الظمأ موجبٌ لحرارة الباطن والضّحْي موجبٌ لحرارة الظاهر،
__________
(1) الأبيات للشريف الرضي “ديوانه”: (ص/ 968).
(2) (ق): “الرتبة”.
(3/1228)
فاقتضت الآية نفيَ جميع الآفات ظاهرًا وباطنًا.
وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان (1) قال يومًا للمتنبي: قد انتُقِدَ عليك قولك (2):
وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقفٍ … كأنَّك في جَفْنِ الرَّدى وهو نائمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزِيمَةً … ووجْهُكَ وضَّاحٌ وثغرُك باسمُ
قالوا: ركَّبْتَ صدرَ كلِّ بيت على عَجُز الآخر، وكان الأوْلى أن تقولَ:
وقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقفٍ … ووجهُكَ وضَّاحٌ وثغركَ باسمُ
تمرُّ بِكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزِيمَةً … كأنَّكَ في جَفْن الرَّدَى وهو نائمُ
فيتم المعنى حينئذ؛ لأن انبساط الوجه ووضوحَه مع الوقوف في موقف الموت أشبهُ بأوصاف الكُماة، والسَّلامة من الرَّدَى مع مرور الأبطال كَلْمَى هزيمةً أعجب في حصول النجاة.
وهذا كما انتُقِدَ على امرئ القيس قوله (3):
كأنيَ لم أركبْ جوادًا للَذَّةِ … ولم أَتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخَال
ولم أَسبأ الزِّقَّ الروِيَّ ولم أَقُلْ … لِخَيلِيَ كُرِّي كرّةً بعد إجفالِ
__________
(1) سيف الدولة الحمداني.
(2) “ديوان المتنبي”: (3/ 386 – 387 – بشرح العكبري)، وذكر هذه القصة شارح الديوان، والأصفهاني في “
الخريدة”: (1/ 43)، وابن الأثير في “المثل السائر”: (3/ 193 – 194).
(3) “ديوانه”: (ص/ 35).
(3/1229)
فلو قال:
كأني لمْ أركبْ جوادًا ولم أقلْ … لِخَيْلِيَ كُري كَرةً بعدَ إجْفَالِ
ولم أسْبَأِ الزقَّ الروِيَّ لِلَذَّة … ولمْ أَتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخَالِ
كان أَشْبَهَ بالمعنى؛ لأن ركوبَ الخيل أشْبَهُ بالكَرِّ على الأبطال، وسَبْأُ الزِّق أليقُ بتبَطُن الكواعب (1).
فقال المتنبّه: -يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب-: اعلم أن القَزَّاز (2) أعلمُ بالثوب من البَزَّار؛ لأن القزَّاز يعلمُ أوله وآخره، والبزَّاز لا يَرَى منه إلا ظاهِرَه. وهذا الانتقاد غير صحيح، فإني قلت:
* وقعْتَ وما في الموتِ شك لواقفٍ *
فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت، ثم تمَّمتُ المعنى بقولي:
* كأنك في جَفْنِ الرَّدى وهو نائمُ *
والرَّدى: الموتُ بعينه، فكأني قلت: وقفتَ في مواضع الموت ولم تَمت، كأن الموت نائم عنك، فحصل المعنى مناسبًا للقصد، ثم قلت:
*تمر بك الأبطالُ كَلْمى هزيمة*
ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل، فقلت:
__________
(1) من قوله: “لأن ركوب … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) في المصادر: “لحائك”، وهما بمعنى.
(3/1230)
*ووجهك وضاحٌ وثغرُك باسمُ*
لتحصل المطابقة بين عُبوس الوجه وقُطوبه (ق/298 ب) ونَضَارته وشحوبه، وإن لم تكن ظاهرة في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراكِ دقائقِ المعاني قدم راسخٌ.
وأما قول امرئ القيس:
*كأنيَ لم أركب جوادًا للذة*
فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب، ليحصِّل لذة ركوبِ مهر الحرب، وركوب مُهر اللذة.
وأما البيت الثاني: فمن شأن الشارب إذا انتشى أن تتحرك كوامنُ صدره، ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج، فلما ذكر الشرب وحاله وتخيل نفسه كذلك، فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة، فأردفه بما يليق به.
ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم (1).
إذا ظفرتُ من الدنيا بقربِكُمُ … فكُل ذنب جناه الحبُّ مغفور
فصل (2)
* مَنْ نبَتَ جسمُه على الحرام فمكاسبه كبريتٌ به يوقَدُ عليه، الحجز المغصوبُ في البِناء أساس الخَرَابِ.
__________
(1) كذا، وكأن المؤلف ينقل عن غيره، ولم نتبين من هو.
(2) هذا الفصل من “المدهش” (ص/387 – 389) بتصرف، و”فصل” ليست في (ق وظ).
(3/1231)
أتُرَاهم نسوا طيَّ الليالي لمن تقدمهم {وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ} فما هذا الاغترار؛ وقد {خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ}، {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} من لهم إذا طلبوا العودةَ فـ {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}.
سبحان الله كم بكت دى تنعُّم الظَّالم عينُ أرملة، واحترقت كبِدُ يتيم، وجَرَتْ دمعة مسكين {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)} [المرسلات: 46] {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)} [ص: 88] ما ابيض لون رغيفهم حتى اسودَّ لون ضعيفهم، وما سمنت أجسامهم حتى انتحلت أجسام من استأثروا عليه.
لا تحتقرْ دعاءَ المظلوم فشررُ قلبهِ محمولٌ بعجيج صوته إلى سقف بيتِكَ، (في / 259 أ) ويْحَك نِبالْ أدعيتهَ مُصِيبة وإن تأخَّرَ الوقتُ، قوسُهُ قلبُهُ المقروحُ، ووَتَرهُ سوادُ اللَّيل، وأستاذُه صاحب: “لأنصرنك ولو بعد حين”، “وقد رأيت ولكن لستَ تعتبِرُ” (1).
احذر عداوة منِ ينام وطرفه باك، يقلِّب وجهه نحو السماء، يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاءِ منك، فربَّما ولعلَّما، إذا كانت راحةُ اللذة تُثمر ألمَ العقوبة لم يحسُنْ تنَاولها.
ما تساوي لَذَّةُ سنة غَمَّ ساعة فكيف والأمر بالعكس!.
كم في يمِّ الغرورِ من تمساحٍ فاحذر يا غائص، ستعلم أيّها الغريمُ قِصَّتَكَ عند تعلّقِ الغرماء بك.
إذا التقى كلُّ ذي دَيْن ومَاطِلُهُ …. ستعلم ليلى أيَّ ديْن تَدَيَّنتْ
__________
(1) في “المدهش”: “قوسه حرقه، ووتره قلقه، ومرماته هدف (لأنصرنك)، وسهم سهمه الإصابة “وقد رأيت وفي الأيام تجريب”.
(3/1232)
من لم يَتبع بمنقاش العدل شَوْكَ الظلم من أيدي التَّصرف، أثَّرَ ما لا يُؤمَنُ تَعَدَيهِ إلى القلب، يا أربابَ الدّوَل لا تعَرْبِدوا في سُكْر القُدْرة، فصاحبُ الشرطةِ بالمَرصاد.
سليمان الحكم قد حبس آصِفَ العقوبة في حصن: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)} [مريم: 84]، وأجرى رَحَى الرخا: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} [النساء: 165]، فلو هبت سموم الجزاء من مَهَبِّ: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ} [الأنبِاء: 46]، قلعت سكر: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} [آل عمران: 178]، (ق/ 299 أ) فإذا طوفَانُ التَّلَفِ ينادي فيهم: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 43]. فالحذر {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] [الزمر: 56).
وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيتَ؟ فإنك لا تلقى كَدَرًا إلاّ من طريق جناية (1): {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].
كان لبَّانٌ يشُوب الماءَ باللَّبن، فجاء سيلٌ فذهب بالغنم، فجعل يبكي (2)، فهتف به هاتف: اجتمعت تلك القَطَرَاتُ فصارت سيلًا، ولسانُ الجواءِ يناديه: “يداكَ أوْكَتا وفوكَ نَفَخَ”.
اذكر غفلتك عن الآمر والأمرُ وقت الكسب، ولا تنسَ اطِّراح التقوى عند معاملة الخلق، فإذا انْقَضَّ عاصِفٌ فسمعتَ صوت سوطِهِ يضرب عقد الكسب جزاء لخيانَةِ العقودَ، فلا تستعظمْ ذاك فأنتَ الجاني، والبادءُ أظَلمُ (3).
__________
(1) (ق): “خيانة”.
(2) “فجعل يبكي” ليست في (ع).
(3) هنا انتهى الانتقاء والنقل من كتاب “المدهش” لابن الجوزي.
(3/1233)
فائدة (1)
ما يقول الفقيهُ أَيدَهُ اللـ … ــــــــــــهُ ولا زاكَ عندَهُ إحسان
في فتى عَلَّق الطَّلاق بشهرٍ … قبلَ ما قبلَ قبلِهِ رمضانُ
في هذا البيت ثمانية أوجه: أحدها: هذا، والثاني: “بعد ما بعده: بعده”، والثالث: “قبل: ما بعد بعده”، والرابع: “بعد ما قبل قبله”، فهذه أربعة متقابلة، والخامس: “قبل ما بعد قبله”، والسادس: “بعد ما قبل بعده”، والسابع: “بعد ما بعد قبله”، والثامن: “قبل ما قبل بعده”.
وتلخيصها: أنك إن قدمت لفظة (بعد) جاء أربعة: أحدها: بعدات كلها، والثانية: بعداد وقيل. الثالثة: بعد وقبلان. الرابعة: بعد وقبل ثم بعد. وإِن قدمت لفظة (قبل) جاءت أربعة كذلك.
فإذا عرفتَ هذا؛ فضابط الجواب عن هذه الأقسام الثمانية: أنه إذا اتفقت الألفاظ فإن كانت “قبلا” فيكون الشهر هو الذي تقدمَه رمضان بثلاثة أشهر، فيقعُ الطلاقُ في ذي الحجَّة، فكأنه قال: “أنت طالق في شهر ذي الحجَّة”؛ لأن المعنى: أنتِ طالق في شهر رمضاِن قبل قبل قبله، فلو قال: رمضان قبله طلقت في شوال، ولو قال: قبلَ
__________
(1) هذان البيتان وشرحهما ذكرهما شهاب الدين القرافي في “الفروق”: (1/ 63 – 68) وذكر أنهما من نوادر الأبيات وأشرفها معنى وأدقها فهمًا وأغربها استنباطًا، ثم ذكر أنه يمكن أن يستخرج منهما سبع مئة مسألة وعشريك مسألة، وأن هذين البيتين قد وقعا للعلامة أبي عمرو بن الحاجب فأفتى فيهما، وذكر نص فتواه، ثم زاد عليه أمورًا لم يتعرض لها.
ونقل هذه الفائدة عن “البدائع” المرداوي في “الإنصاف”: (9/ 47)، والبهوتي في “كشاف القناع”: (5/ 283)، وذكرها جماعة من الحنفية في كتبهم.
(3/1234)
قبلِهِ لطلقت في ذي القعدة، فإن قال: قبلَ قبلِ قبلِهِ طلقتْ في ذي الحِجّة.
فإن كانت الألفاظُ “بعدًا” طلقت في جُمَادى الآخِرة؛ لأن المعنى: أنتِ طالقٌ في شهر يكونُ رمضان بعدَ بعدِ بعدِهِ، ولو قال: رمضانُ بعدَه طلقتْ في شعبان، ولو قال: بعدَ بعدِه طلقتْ في رجب، فإذا قال: بعدَ بعدِ بعدِهِ طلقتْ في جُمَادى الآخِرَةِ.
وإن اختلفتْ الألفاظُ -وهي في ستِّ مسائلَ- فضابطُها: أن كلَّ ما اجتمعَ فيه قل وبعد فألْغِهِما نحو: قبكَ بعده، وبعدَ قبلِهِ، واعْتبرِ الثالث، فإذا قال: قل بعدِ بعدِه، أو: بعدَ قبلِ قَبْلِهِ، فألغ اللَّفظين الأوَّلين يصير كأنه قال في الأول: بعدَه رمضانُ فيكون شعبانَ، (ق / 299 ب) وفي الثاني كأنه قال: قبْلَا رمضانُ فيكون شوال. وتقرير هذا (ظ/209 ب): أن كلَّ شهر واقع قبلَ ما هو يعدَه وبعدَ ما هو قبلَه.
وإن توسَّطت لفظةٌ بين مضادَّين لها نحو: قبل بعد قَبْله، وبعدَ قبلِ بعد، فألغِ اللَّفظينِ الأولَيْنِ، فيكون “شوَّالًا” في الصورة الأولى، كأنه قال: في شهر قبله رمضانَ، و”شعبانَ” في الثانية، كأنه قال: بعدَهُ رمضانُ.
وإذا قال: بعدَ بعدِ قبله، أو قبلَ قبْلِ بعدِهِ، وهما تمام الثمانية طلقتْ في الأولى في “شعبانَ”، كأنه قال: بعدَه رمضانُ، وفي الثانية في “شوال” كأنه قال: قبلَهُ رمضانُ.
فائدة (1)
قال بعض الفضلاء بيتًا من الشعر يشتمل على أربعين ألف وثلاث
__________
(1) ليست في (ق).
وهذا البيت وما فيه من الاحتمالات ذكره القرافي في “الفروق” (1/ 68 – 69).
(3/1235)
مائة وعشرين بيتًا من الشعر، وهو لزين الدين المغربي (1):
لقلبي (6) حبيبٌ مليحٌ ظريفٌ … بديعٌ جميلٌ رشيقٌ لطيفٌ
وبيانُ ذلك: أن هذا البيتَ ثمانيةُ أجزاء، يمكنُ أن يُنْطَقَ بكل جزء من أجزائه مع الجزء الآخر، فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات، فالجزءان الأوَّلان “لقلبي حبيب” يتصوَّر منهما صورتان بالتقديم والتأخير.
ثم خذ الجزء الثالث فيحدثُ منه مع الأولين ستُّ صور؛ لأن له ثلاثةَ أحوال؛ تقديمه عليهما وتأخيره وتوسطه، ولهما حالان، فاضرب أحواله في الحالين يكن ستة.
ثم خذ الجزء الرابع، وله أربعةُ أحوال، فاضرِبْها في الستة التي قبله تكن أربعة وعشرين.
ثم خذ الخامسَ تجدْ له خمسة أحوال، فاضرِبها في الصُّور المتقدمة، وهي أربعة وعشرون تكنْ مئة وعشرين.
ثم خذ السادس تجِدْ له ستة أحوال، فاضربها في مائة وعشرين تكن سبع مئة وعشرين.
ثم خذِ السَّابِع تجد له سبعةَ أحوال، فاضربها في سبع مئة وعشرين تكن خمسةَ آلاف وأربعين.
ثم خذ الثامن تجد له أحوال ثمانية، فاضربها في خمسة آلاف
__________
(1) (ق): “المعرى” و (ع): “المقري” والمثبت من “الفروق”. ولم أتبين من هو: (2) “الفروق” “بقلبي”.
(3/1236)
وأربعين تكنْ أربعين ألفًا وثلاث مئة وعشرين بيتًا فامتحنها تجدها كذلك.
ومثله لي قُلْته في القدس:
محبٌّ صبورٌ غريبٌ فقيرٌ … وحيدٌ ضعيف كتومٌ حمولٌ (1)
فائدة
في دخول الشرط على الشرط (2)، وهو صور:
إحداها: “إنْ خَرَجتِ ولَبِستِ فأنت طالقٌ” لا يحنَثُ إلا بهما كيفما كانا.
الثانية: “إن لَبِتِ فخرجتِ” لم يحنَثْ إلا بخروج بعد لُبْسٍ.
الثالثة: “إنْ لبتِ ثم خَرَجتِ” لا يحنث إلا بخروجها بعد لبسها لا معه، ويكون متراخيا، هذا بناءَ على ظاهر اللفظ، وأما قَصْده فيُرَاعى، ولا يلتفت إلى هذا.
الرابعة: “إن خَرَجتِ لا إن لَبسْتِ” يحنَثُ بالخروج وحدَهُ ولا يحنَثُ باللّبس، ويحتمل هذا التعليقَ أمرين:
أحدهما: أن يجعل الخروج شرطًا ويَنْفِي أن يكون اللّبْس شرطًا، فحكمه (ق/300 أ) ما ذكرنا.
الثاني: أن يجعل الخروجَ مع عدمِ اللبس شرطًا، فلا يحنثُ
__________
(1) (ق): “جهول”.
(2) “فائدة في دخول الشرط على الشرط” سقطت من (ق)، و”على الشرط” ليست في (ع)، وقد تقدم هذا البحث في أول الكتاب: (1/ 101 – 106)، وذكر له المؤلف هناك عشر صور.
(3/1237)
بخروج معه لبس، ويكون المعنى: “إن خرجت لا لابسة أو غير لابسةٍ” فإنْ خرجت لابِسةً لم يَحْنَثْ.
الخامسة: “إن خَرَجتِ بل إن لَبسْتِ”، فلا يحنثُ إلا باللُّبس دون الخروج، ويحتمل هذا التعليق أيضًا أمرين:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن يكون كلّ منهما شرطًا فيحنث بأيِّهما وجد، ويكوِن الإضراب إضرابَ اقتصار لا إضرابَ إلغاء، فكأنه يقول: لا أقتصرُ على جعل الأوَّل وحده شرطًا، بل أيّهما وُجد فهو شرطٌ، فعلى التقدير الأوَّل: يكون إضرابَ إلغاءِ ورجوع. وعلى الثاني: إضراب اقتصار وإفراد.
السادسة: “إن خرجتِ أو إن لَبِسْت” يحنث بأيهما وُجِد.
السابعة: “إن ليسْت لكنْ إن خرَجْتِ” فالشرطُ الثاني، وقد لغا الأول بـ (لكن)؛ لأنهَا للاستدراك.
الثامنة: -وهي أشكلها- “إن لَبسْتِ إنْ خَرَجْتِ” وهذه مسألةُ دخول الشرط على الشرط، ويحتمل التعليق في ذلك أمرين:
أحدهما: أن يُجعلَ كلُّ واحدٍ منهما شرطًا مستقلًا، فيكون كالمعطوف بالواو سواء ولا إشكال.
والثاني: أن يجعلَ أحدهم شرطًا في الآخر.
فاختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة (1)؛ فقال أصحاب مالك: هو تعليق للتعلق، ففي هذا الكلام تعليقان:
__________
(1) انظر “الفروق”: (1/ 81 – 82) والمؤلف من هنا ينقل منه مع بعض التصرف.
(3/1238)
أحدهما: “إن لَبست فأنتِ طالِقٌ” ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج، فكأنه قال: شرطُ نفوذ هذا التعليق الخروج، فعلى هذا لا يحنَثُ حتى يوجدَ الخروجُ بعد اللبْس، وممن نصَّ عليها ابن شاس في “الجواهر” (1).
وقال أبو إسحاق في “المهذب” (2) وقد صور المسألة: “إن كَلَّمْتِ زيْدًا، إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالِقٌ”؛ إنْ دَخَلَتِ الدارَ ثمَ كلمَتْ زيدًا طلقَتْ، وإن كلمَتْ زيدًا (ظ/ 215 أ) أولًا، ثم دخلتِ الدارَ لم تطلقْ؛ لأنه جعل دخولَ الدار شرطًا في كلام زيد، فوجبَ تقديمه عليه، وهذا (3) عكس قول المالكية، ورجَّحَ أبو المعالى قولَ المالكية في “نهايته” (4).
وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله عز وجل في مواضع:
أحدها: قوله حكايةً عن نوح: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]، وهذا ظاهر في أن الشَّرْطَ الثانى شرط في الشرط الأول، والمعنى: إن أراد الله أن يُغْوِيَكمْ لم يَنْفَعْكمْ نصحي إن أردته، وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق.
الموضع الثاني: قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50]، قالوا: فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية، لأن إرادة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متأخرة عن هِبَتِهَا، فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد، والإيجاب هو هبتها.
__________
(1) (2/ 207).
(2) (10/ 215 – مع شرحه للعمراني).
(3) (ع): “هكذا”.
(4) هو كتابه الكبير: “نهاية المَطْلب في دراية المَذْهب”، لم يطبع بعد.
(3/1239)
ونظيرُ هذا أن يقولَ: “إن وَهَبِت لي شَيئًا إنْ أردْتُ قَبُولَهُ أخذْتهُ”، فإرادةُ القبول متأخِّرة عن الهِبة، فلا يكونُ شرطًا فيها، (ق/ 300 ب) قال الأوَّلون: يجوز أن تكونَ إرادةُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – متَقَدِّمة، فلما فهمت المرأة منه ذلك وَهَبَتْ نفسَها له، فيكون كالآية الأولى، وهذا غيرُ صحيح، والقصَّة تأباه، فإنَّ المرأةَ قامت، وقالت: يا رسولَ الله إنى وَهَبْتُ لك نفسِي، فصَعَّدَ فيها النَّظَرَ وصَوَّبَهُ، ثم لم يَتزوَّجْها وزوَّجَها غيْرَه (1).
الموضع الثالث: قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)} [الواقعة: 86 – 87]، والمعنى: فلولا ترجِعُونها، أي: تَردّون الرُّوح، إذا بلغتِ الحُلْقُومَ، إنْ كنتمْ غيْرَ مربوبين مملوكين، إن كنتم صادقين، وهنا الثانى شرط للأول، والمعنى: إنْ كنتُم صادقينَ في قولكم فهلاّ تَرُدُّونها إن كنتم غيرَ مدِينينَ، ويدلّ عليه قول الشاعر أنشده أبو عبد الله بن مالك (2):
إنْ تَستَغيثوا بنا إنْ تُذْعَروا تَجِدُوا … منَّا معاقلَ عِزٍّ زانَها الكرَمُ
ومعلوم أن الاستغاثة إنما تكون بعد الذعر، فالذعر شرطٌ فيها، ومن هذا قول الدُّريدي (3):
فإنْ عَثَرْتُ بَعْدَها، إنْ وَألَتْ … نَفْسِيَ مِنْ هاتا فقُولا: لا لَعَا
__________
(1) متفق عليه، البخارى رقم (2310)، ومسلم رقم (1425) من حديث: سهل بن سعد -رضى الله عنهما-.
(2) صاحب الألفية، أنشده في كتابه “التسهيل – مع شرحه المساعد”: (3/ 173) وكذا ابن هشام فى “المغني”: رقم (848)، وهو في “الخزانة”: (11/ 358).
(3) هو: أبو بكر ابن دريد صاحب “الجمهرة” وغيرها، وهذا البيت ضمن “المقصورة”: (ص/ 20 – مع شرحها للتبريزي).
(3/1240)
ومعلوم أن العثور مرةَ ثانيةَ إنما يكون بعد النجاة من الأولى، فوَألَت شرط في الشرط الثاني، وعلى هذا فإذا ذكرت الشرطينِ، وأتيت بالجواب كان جوابًا للأول خاصة، والثاني جرى معه مجرى الفَضْلة والتَّتِمة كَالحال وغيرها من الفَضَلات قاله ابن مالك (1).
وأحسنُ من هذا أن يقال: ليس الكلامُ شرطين يستدعيان جوابَيْنِ؛ بل هو شرطٌ واحد وتعليق واحد، اعْتُبر في شرطه قيدٌ خاصٌّ جعل شرطًا فيه، وصار الجواب للشرط المقيد، فهو جواب لهما معًا بهذا الاعتبارِ، وإيضاحه: أنك إذا قلت: “إن كَلَّمتِ زيْدًا إن رَأَيْتِهِ فأنتِ طَالِق” جعلت الطلاق جزاء على كلامٍ مقيد بالرُّؤية لا على كلام مطلق، فكأنه قال: “إن كلمتِهِ ناظِرَةً إليه فأنتِ طالِقٌ”، وهذا يبينُ لك حرف المسألة ويزيلُ عنك إشكالَها جملةً، وبالله التوفيق.
فائدة (2)
قولهم: الأعمُ لا يستلزمُ الأخصَّ عينًا، وإنما يستلزم مطلقَ الأخصِّ ضَرُورَةَ وقوعه في الوجود، ولابدَّ في هذا من تفصيل: وهو أن الحقيقةَ العامة تارةَ تقعُ في رْتب متساوية، فهذه تستلزمُ الأخص عينًا ولابدَّ، كما إذا قال: “افْعَلْ كَذا”، فإنه أعمُّ مِنْ مَرَّة ومرات، وهو يستلزمُ المرَّة الواحدة عينًا، و”أَنْفِق مالًا” يستلزم أقَل القليل عينًا، وتارة يقع في رتبَ غير متساوية كالحيوان والعدد، فإنهما لا يستلزمان أحدَ أنواعهما عينًا، والله أعلم.
__________
(1) قاله في شرح الخلاصة، كما صرح بذلك القرافي، ونقله عنه في “الفروق”: (1/ 83) وعنه ينقل المؤلف.
(2) “الفروق”: (2/ 13 – 15)، وأطال القرافي في تقرير ذلك وضرب الأمثلة، وانظر تعقب سراج الدين ابن الشاط عليه في ذلك في حاشيته “إدرار الشروق … “.
(3/1241)
فائدة (1)
حمل المطلق على المقيد في الكلِّي شيءٌ، وحمل المطلق على المقيد في الكلية شيء آخر.
فالأول: كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] وقيدها بالإيمان في مكان آخر، فهذا إذا حُمل المطلقُ على المقيَّد فيه، لم يكن متضمِّنًا لمخالفة أحدهما، بل هو عمل بهما وتوفيَة بمقتضاهما، ولو (ق/ 301 أ)، عُمِل بالمطلق دود المقيد لخالف ولابد.
وأما الثاني: فكما إذا كان الإطلاقُ في العام كقوله: “في كلِّ أرْبَعِينَ شَاةً شاةٌ” (2)، فإذا قيل: “في الغَنَم السائمةِ في كل أربعينَ شاةً شاةٌ (3) فليس هذا من باب حَمل المطلق على المقيد، فإن اللفظ عام متناول لجميع أفراده، فحَمْله على التخصيص إخراج لبعض مدلوله، والفرق بين إخراج بعض مدلول اللفظ وبين تقييدٍ سُلِبَ عنه اللَّفظُ؛ الأوَّل: رافعٌ لموجب الخطاب.
والثاني: رافع لموجب الاستصحاب، وإنما يرجعُ هذا إلى أصل آخرَ، وهو تخصيصُ العموم بالمفهوم، فتَأمَّلْه.
فائدة (4)
وعلى هذا فلا ينبغي أن يقال: يُحْمَل المطلق على المقيَّد مطلقًا، بل يفرق بين الأمر والنهي، فإن المطلقَ إذا كان في الأمر لم يكن
__________
(1) “الفروق”: (1/ 190 – 191).
(2) أخرجه أحمد: (33/ 220 رقم 20016)، وأبو داود رقم (1575)، والنسائي: (5/ 25) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وسنده حسن.
(3) أخرجه البخاري رقم (1454).
(4) “الفروق”: (1/ 191 – 192).
(3/1242)
عامًّا، فحَمْله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصًا.
وإذا كان الإطلاقُ في النهي، فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي، فإذا حُمل عليه (1) مقيَّد آخرُ كان تخصيصًا.
ومثاله قوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يمْسِكَنَّ أحَدكم ذَكرَه بيَمِينِه” (2) فهذا عامّ في الإمساك وقتَ البول ووَقت الجِماع، وغيرهما، وقال: “لا يمْسِكَن أحدكم ذَكره بيَمِينِهِ وهو يَبوُل” (3) فهذا مقيد بحالة البول، فحَمْل الأول عليه تخصيص محض.
فائدة (4)
حملُ المطلق على المقيَّد مشروط بأن لا يقيدَ بقيدَيْنِ متنافيين، فإن قيِّدَ بقيدينِ متنافيينِ أمتنع الحمل وبقي على إطلاقه، وعلم أن القيدينِ تمثيل لا تقييدٌ، مثاله قوله – صلى الله عليه وسلم – في ولوغ الكلب: “فَلْيَغْسِلْهُ سَبعَ مَرَّات إحْدَاهن بالتراب” (5) مطلق، وفي لفظ: “أولاهنّ” (6) وهذا مقيد بالأول.
َ وفي لفظ “أخْرَاهُن” (7) وهذا مقيد بالآخرة، فلا يحمل على
__________
(1) (ع وظ): “على”.
(2) أخرجه البخاري رقم (154)، ومسلم رقم (267) من حديث أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-.
(3) لحديث السالف، وهذا لفظ مسلم.
(4) “الفروق”: (1/ 192).
(5) أخرجه البخاري رقم (172)، ومسلم رقم (279) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(6) هذا اللفظ في مسلم.
(7) أخرجه الترمذي رقم (91)، والبيهقي: (1/ 241).
(3/1243)
أحدهما، بل يبقى على إطلاقه (1).
فائدة
إنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزمْ حملُه تأخيرَ البيان عن وقت الحاجةِ، فإن استلزمَهُ حُمل على إطلاقه، وله مثالان:
أحدهما: قوله – صلى الله عليه وسلم – بعرفات: “مَنْ لم يَجِدْ نعْلَيْنِ، فَلْيلْبس خُفَّيْنِ” (2) ولم يشترط قطعًا، وقال بالمدينة على المِنبَر لمَنْ سأله ما يَلبسُ المحرم؛: “مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيلْبس خفَّيْنِ (3)، ولْيقْطَعْهمَا أسفَلَ مِنْ كعْبَيهِ” (4).
فهذا مقيَّد ولا يحمَلُ عليه ذلك المطلقُ؛ لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي، لم يشهدوا خُطبته بالمدينة، فلو كان القطع شرطًا لبيَّنَه لهم، لعدم علمهم به، ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدَّم من خطبته بالمدينة.
ومن هنا قال أحمد ومَن تَابَعَهُ: إن القطع منسوخٌ بإطلاقِهِ بعرفات اللُّبْس، ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجة.
المثال الثاني: قول لمن سألته عن دم الحيض: “حُتِّيهِ ثم اغْسِلِيهِ” (5)
__________
(1) انظر “فتح الباري”: (1/ 331 – 333).
(2) أخرجه البخاري رقم (1841)، ومسلم رقم (1178) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.
(3) من قوله: “ولم يشترط … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) أخرجه البخاري رقم (307)، ومسلم رقم (1177) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.
(5) أخرجه البخاري رقم (307)، ومسلم رقم (291) من حديث أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما -، وروي من حديث جماعة من الصحابة.
(3/1244)
ولم يشترط عددًا مع أنه وقت حاجة، فلو كان العددُ شرطًا لبيَّنَه لها، ولم يُحِلْها على غَسْل ولوغ الكلب، فإنها ربَّما لم تسمعه، ولعله لم يكنْ شُرعَ الأمر بغسل ولوغه.
فائدة (1)
نهى رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – (ق/301 ب) عن بيع الطَّعام قبل قبْضِهِ (2)، ونهى عن بيع ما لم يُقْبَض في حديث حكيم بن حزامِ وزيد بن ثابَت (3). فقال أصحابُ مالك: النهيُ مخصوصٌ بالطَّعام دون غيره؛ فمنهم من قال: هو من باب حَمْل المطلَق على المقيَّد، وهو فاسد كما تقدم، فإنه عام وخاص، ولفظه: “إذا اشْتَرَيْتَ شيئًا، فلا تَبِعْه حتى تَقْبِضَهُ”.
ومنهم من قال: خاصٌّ وعامّ تعارضا، فقدَّم الخاصَّ وهو أفسدُ من الأول، إذ لا تعارض بين ذِكْر الشيءِ بحكيم، وذكرِ بعضه به بعينه.
ومنهم (ظ / 211 أ) من قال: هو من باب تخصيص العموم بالمفهوم، وهذا المأْخَذ أقرب، لكنه ضعيف هنا؛ لأنَّ الطعام هنا وإن كان مشتقًا فاللَّقبيَّةُ أغلبُ عليه، حيث لم يَلحْ معنى يقتضي اختصاصَ النهي به دونَ الشراب واللباس والأمتعة، فالصواب التعميم (4).
__________
(1) نظر “الفروق”: (1/ 193).
(2) أخرجه البخاري رقم (2132)، ومسلم رقم (1525) من حديث ابن عباسٍ، وأخرجاه -أيضًا- من حديث ابن عمر – رضي الله عنهم -.
(3) حديث حكيم بن حزام أخرجه أبو داود رقم (3503)، والترمذي رقم (1232)، والنسائي: (7/ 289) وغيرهم.
وحديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود رقم (3499).
(4) وهذا الأخير تعليل المصنف، ردَّ به على القرافى في جعل المسألة من باب تخصيص العموم بالمفهوم.
(3/1245)
فائدة (1)
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “جعِلَتْ لى الأرْضُ مسجدًا وطهورًا” (2)، وفي لفظ: “وتُرابها طَهورٌ” (3) فقيل: يحْتص الطهور بالتُّراب حملًا للمطلق على المقيد، وهو ضعيف؛ لأنه من باب الخاص والعامِّ.
وقل: هو من باب التَّخصيص بالمفهوم.
وأعترض عليه بثلاثة أمور:
أحدها: أن دلالةَ العُمومِ أقوى؛ لأنها لفظية متَفقٌ عليها.
الثاني: أنه مفهومُ لقبِ وهو أضعف المفهومات.
الثالث: أن التَّخصيص بالتربة خرجَ لكونها غالب أجزاءِ الأرض، والتخصيص إذا كان له سبب لم يعتبرْ مفهومه.
وأجيب: بأن ذكر التربة الخاصَّة بعد ذكر لفظ الأرض عامًا في مقام بيان ما أختصَّ به وأمتنَ الله عليه وعلى الأمَّة به = دليلٌ ظاهر على اختصاص الحكم باللفظ الخاص، فإن عدولَه عن عطفه على اللفظ العام إلى اسم خاص بعدَه يتضمن زيادةَ اللَّفظِ والتفريق بين الحُكْمين، وأن الطهور متعلِّق بالتربة، وكونها مسجدًا متعلقٌ بمسمَّى الأرض، مُفْهم تقييدَ كلِّ حكم بما نُسِبَ إليه، وتخصيصه بما جعل خبرًا عنه، وهذا واضح.
__________
(1) “الفروق”: (1/ 194).
(2) أخرجه البخاري رقم (335) ومسلم رقم (521)، من حديث جابر ابن عبد الله – رضي الله عنهما -.
(3) رواية مسلم رقم (522) من حديث حذيفة -رضي الله عنه-
(3/1246)
فائدة (1)
استشكل جمهور الفقهاء مذهبَ مالكٍ فيمن قال لنسائه: “إحداكن طالق”، فإن الجميعَ يحرمْنَ عليه بالطَّلاق.
وقالوا: هذا إلزام بالطَّلاق لمن لم يُطَلِّقْها وهو باطلٌ. قالوا: ويلزمُ من هذا خلافُ الإجماع ولابدَّ؛ لأن الله تعالى أوجبَ إحدى خصال الكفَّارة، فإضافة الحكم لأحد الأمور إن اقتضى التعميمَ وجبَ أن يوجبوا جميعَ الخصال، وهو خلاف الإجماع، وإن لم يقتض العمومَ وجبَ أن لا يقتضيَهُ في قوله: “إحداكنَّ طالِقٌ”؛ لأنه لو عمَّ لعم بغير مقتضٍ، وهو باطلٌ (ق/ 302 أ) بالإجماع.
ولكن لقوله -رضي الله عنه- غَوْرٌ، وهو الفرق بين إيجاب القَدْر المشترك وتحريم القَدْر المشترك، فالإيجابُ في الكفارة إيجاب لقدْر مشترك (2)، وهو مسمَّى أحد الخصال، وذلك لا يقتضي العمومَ، كما إذا أوجب عتقَ رقية، وهي مشتركةٌ بين الرّقاب لم يَعمَّ سائرها.
وأما تحريم القَدْرِ المشترك فيلزمُ منه العموم؛ لأن التحريم من باب النهي، وإذا نهى عن القَدْر المشترك كان نهيًا عن كلِّ فرد من أفراده بطريق العموم، وإذا ثبتَ هذا؛ فالطلاق تحريمٌ لأنه رافع لحل النِّكاح، فإذا وقع في القَدْر المشترك -وهو إحدى نسائِهِ- عمَّ جميعَهُنَّ، كما لو قال: واللهِ لا قَرِبْت إحداكُن شهرًا.
وأما أصحاب أحمد فإنهم قالوا: إذا قال: “عَبْدي حرٌّ وامرأتي
__________
(1) “الفروق”: (1/ 157 – 158).
(2) قوله: “وتحريم القدر … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3/1247)
طالقٌ”، عتقَ عليه جميعُ عبيده وطلقَ جميع نسائه، ولكن ليس بناء منهم علي هذا المأْخَذ؛ بل لأن عندهم المفرد المضاف يَعُمُّ كالجمع المُضاف.
وأما أصحاب أبي حنيفة والشافعي فلم يقولوا بالعموم في واحدة من الصُّورتين.
وقال أصحابُ مالك (1): إذا قال لعبيده: “أحدكم حرٌّ”، كان له أن يختارَ من شاء منهم فيعَيِّنهُ للعتق، ولا يعتق الجميع، قالوا: لأن العتق قربةٌ وطاعة لا تحريم، فهو إيجاب للقدْر المشترك، وإن لزم منه التحريمُ، ولهذا لو قال: “لله على أن أعتقَ أَحَدَكم”، لزمه عتق واحد دون الجميع.
فيقال (2): لا فرق بين الطلاق والعتق في ذلك، وقول الجمهور أصحُّ، وقولكم: إن الطلاقَ تحريم ليس كذلك، بل هو كاسمه إطلاق وإرسال للمرأة، ويلزم منه التحريم، كما أن العتاق إرسال للأَمَة، ويلزم منه التحريم، فهما سواء.
ويدل عليه أنه لو قال: “إن كلَّمْتُ زيدًا فلله عليَّ أن أطلّقَ واحدة منكنَّ أو إحداكنَّ”، لم يلزمْه طلاقُ جميعهن (ظ / 211 ب) عندَ من يعَيِّنُ عليه الوفاء عينا دون الكفَّارة، ومعلوم قطعًا أن القائل لنسائه: “إحداكُنَّ طالق”، غيرُ مُطَلِّق لبقِيَتهن لا بلفظه ولا بقصده، فكيف يطلقْنَ جميعًا، فلو طلقْنَ لطلُقْنَ يغير مقتضٍ لطلاقهنَّ.
ويدكُ على أن الطلاقَ ليس بتحريم أن الله تعالى أباحَه، ولم
__________
(1) انظر “الفروق”: (1/ 158 – 159).
(2) هذا الجواب للمؤلف.
(3/1248)
يُبحْ قطُّ تحريمَ الحلال، والتحريم ليس إلى العبد، إنما إليه الأسباب، والتحليل والتحريم يتبعُها فهو كالعِتْقِ سوَاء. وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، ثم فرض تحلَّةَ اليمين في تحريم الحلال، وقد طلقَ – صلى الله عليه وسلم – حفصة (1)، ولم يكنْ ذلك تحريمًا لها، ولو كان الطلاق تحريمًا لشُرعَتْ فيه الكفارة كما شرِعَتْ في تحريم الحلال، وكما شرِعَتْ في الظِّهَار الذي هو تحريمٌ.
فإن قيل: فما تقولونَ إذا قال لنسائه: “إحداكُنَّ عَلَيَّ حرامٌ”، فإن هذا تحريم للمشترك فينبغي أن يعمَّ؟.
قيل: هذا السؤال (ق/302 ب) غيرُ مسموع منكم، فإن التحريم عندَكم طلاق، فهو كقوله: إحداكنَّ طالق، وأما من يجعله تحريمًا تُزيله الكفارةُ كالظهار كقول أحمد ومن وافقه، فعندَهم لا يعمُّ، لأنه مطلق في إثبات، فهو كقوله: “حَرُمَتْ واحِدَة منكُنَّ”، بخلاف ما إذا ورد المطْلَقُ في نفيٍ، كقوله: “واللهِ لا قَربْتُ واحدة منكنَّ”، أو في نهي كقوله: “لا تَقْرَبْ واحِدَة منهنَّ” فإنه يعم.
فائدة
ارتفاع الواقع شرعًا مُحال، أي: ارتفاعُه في الزَّمن الماضي، وأما تقديرُ ارتفاعه مع وجوده ممكن، وله أمثلة:
أحدها: أنّ من يقول: الفسخُ رفعٌ للعقد من أصله، فيستتبع الولدَ والثمرَةَ والكسبَ، نقول: يقَدَّر ارتفاعُه من أصله واقعًا لا أنا
__________
(1) أخرجه أبو داود رقم (2283)، والنسائي: (6/ 213)، وابن ماجه رقم (2016) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما -.
(3/1249)
نقولُ برفعِه من أصله.
الثاني: إذا قال لامرأته: “إن قدِمَ زيدٌ آخرَ الشهر فأنتْ طالقٌ أوَّلَهُ”، وقلنا: تطلق من أوَّل الشهر بقدومه آخرَه، فإنا نقدر ارتفاع تلك الإباحةِ قبلَ قدومِهِ، لا أنا نرفعها ونجعلُ الوطءَ حرامًا، بل نقدْر أن تلك الإباحةَ في حكم العَدَم تنزيلًا للموجود منزلةَ المعدوم.
وثالثها: أنا ننزلُ المجهولَ كالمعدوم في بابْ اللُّقَطَة، فينتقل المُلكُ بعد الحول إلى الملتقِطِ مع بقاء المالك، تنزيلًا له منزلةَ المعدوم.
ورابعها: أنَّا في المفقود نزَّلنا الزَّوْجَ الذي فُقِدَ منزلَةَ المعدومِ، فأبحنا لامرأته أن تعتَدَّ وتتزوَّجَ، كما قضى فيه الصحابةُ.
وخامسها: أن مَنْ مات ولا يُعرَف له قرابة كان ماله لبيت المال، تنزيلًا للمجهول منزلةَ المعدوم، ولا نقولُ: نوقفه حتى يتبين له قرابةٌ، وكذلك لو علمنا له وارثًا وأحدًا وشككنا في غيرِهِ، دَفَعْنا إلى المعلوم ميراثهُ ولم نوقِفهُ إلا إن تُيُقِّن أنه كان له وارث وشككنا في عَدَمِهِ، فإنه ينبني على تقدير وجوده لأنه الأصل.
وعكس هذا تنزيلُ المعدوم منزِلةَ الموجود تقديرًا لا تحقيقًا، وله أمثلة:
أحدها: أن المقتولَ خطأ تورثُ عنه دِيَتُهُ المستحقة بعد موته، تنزيلًا لحياته المعدومة وقتَ ثُبوت الدِّيَة منزلةَ الحياة الموجودة ليثبت له المُلْكُ.
ثانيها: لو أعْتَق عبده عن غيره، فإنا نقدرُ المُلْكَ المعدوم للمعتَق عنه منزلةَ الموجود الثابت له ليقعَ العتقُ عنه.
(3/1250)
ثالثها: الأجزاءُ التي لم تخلقْ بعدُ في بيع الثمار بعد بُدُو صلاحها، فإنها تنزلُ منزلةَ الموجود، حتى يكونَ موردًا للعقد.
ورابعها: المنافع المعدومة في الإجارة، فإنها تنزلُ منزلةَ الموجود (1)، ونظائرُ القاعدتين كثيرة.
فائدة (2)
القياس وأصول الشرع (ق / 303 أ) يقتضي أنه لا يصِحُّ رفضُ شيء من الأعمال بعد الفَراغ منه، وأن نِية رفضِه وإبطاله لا تؤثِّرُ شيئًا، فإن الشارع لم يجعلْ ذلك إليه، ولو صحَّ ذلك لتمكَّن المكلَّفُ من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمن الماضي، فيقصدُ إبطال ما مضى من حَجِّه وجهاده وهجرته وزكاته، وسائر أعماله الحسنة والقبيحة، فيقصدُ إبطالَ زناه وسرقته، وشربه وقتله، ورباه وأكله أموالَ اليتامى، وغير ذلك، فما بالُ الوضوء والصلاة، والصوم والحجّ دون سائر الأعمال؟.
خرج فيها الخلاف، فالمشهورُ في مذهب مالك صحة الرَّفض في الصَّلاة والصوم، وفي الحجِّ والطهارة (ظ / 212 أ) خلافٌ، وفي الطهارة خاصة وجهان لأصحابنا.
وليس في هذه المسائل نصٌّ ولا إجماع، ولا فرقٌ صحيح بينها وبين سائر الأعمال، بل المعلوم من قاعدة الشَّرْع: أن إبطالَ ما وقع من الأعمال إنما يكون بأسباب نَصَبها الله تعالى مبطلات لتلك الأعمال، كالردَّة المبطلة للإيمان، والحَدَث المبطل للوضوء، والإسلام المبطل
__________
(1) من قوله: “حتى يكون … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) “الفروق”: (2/ 26 – 29).
(3/1251)
للكفر، والتَّوْبة المبطلة لآثار الذنوب، وقريب منه: المنُّ والأذى المُبْطِل للصدقة، وفي الرِّياء اللاحق بعد العمل خلاف، فهذه الأسباب جعلها الشارعُ مبطِلات لآثار الأعمال، وأما الرفض (1) فلا دليل في الشرع يدلُّ على أنه مبطِل، ولا يمكن طرده، وليس له أصل يُقاس عليه، بل قد يقترن بالعمل أمورٌ تمنعُ صحَّتَه وتَرَتُّبَ أَثرِهُ عليه، كالرياء والسُّمعة وغيرهما، وليس هذا إبطالًا لما صَحَّ، وإنما هو مانعٌ من الصِّحَّة.
فائدة (2)
الأسبابُ الفعلية أقوى من الأسباب القولية، ولهذا تصِحُّ الفعليّة من المحجور عليه دون القولية، فلو استَولَدَ ثبَتَ استيلادُه، ولو أَعْتق كان لَغْوًا، ولو تَمَلَّكَ مالًا بالشِّراء كان لغوا (3)، ولو تملَّكه باصطياد أو احتطاب ونحوِهِ مَلَكَهُ، وكذلك لو أحياه مَلَكه بالإحياء.
ثم قيل: الفرق بينهما احتياجُه إلى الفعل دود القول، فإنا لو منعناه من وطء أَمَتِه أضرَرْنا بها (4)، ولا حاجةَ به إلى عِتْقها (5).
وهذا عْير طائل، فإنه قد يحتاجُ إلى القول -أيضًا- كالشِّراء والنكاح والإقرار؛ ولكن الفرق: أن أقوالَه يمكن إلغاؤُها، فإنها مجرَّدْ كلام لا يترتَبُ عليه شيء، وأما الأفعال فإذا وقعتْ لا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال: إنه لم يسرق ولم يقتلْ ولم يستولدْ ولم يُتلِفْ،
__________
(1) (ع): “الفرض”.
(2) “الفروق”: (1/ 203: 205).
(3) “ولو تملك مالًا بالشراء كان لغوًا” سقطت من (ع).
(4) سياق الكلام في “الفروق” يدل على وقوع الضرر بالمحجور عليه، وليس بالأمة.
(5) يعني: من جهة الطبع. وما سيأتي من الرد هو من كلام المصنف.
(3/1252)
وقد وُجدتْ منه هذه الأفعال، فجرى مجرى المكْرَه في إلغاء أقواله، ومجرىَ المأذون له في صحَّة أفعاله، والله أعلم.
قاعدة
الحائض إذا انقطع دمُها فهي كالجُنُب فيما يجبُ عليها ويحرُمُ، فيصِحُّ صومُها وغسْلها، وتجبُ عليها الصَّلاةُ، ولها أن تتوضأَ وتجلسَ في المسجد، ويجوزُ طَلاقها على أحد القولين، إلا في مسألة واحدة فإنها تخالفُ الجُنُبَ فيها وهي: جواز وطئها، فإنه يتوقَّفُ على الاغتسال، والفرق بينها وبين الجنب في ذلك: أن حَدَث الحَيْض أوجب تحريمَ الوطء، وحدثه لا يزول إلا بالغُسْل، بخلاف حدث الجَنَابة فإنه لا يوجِب تحريم الوطء، ولا يمكنُ ذلك فيه أَلْبتة.
واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي: نقضُ الشعر للغسْل، فإنه يجبُ على الحائِض في أحد القولين دون الجُنب، ولا حاجةَ إلى هذا الاستثناء، فتأملْه.
قاعدة
في المسائل التي يتعلَّق بها الاحتياطُ الواجب وترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، ومدارها على ثلاثة قواعد: (قاعدة): في اختلاطِ المباح بالمحظور حسّا: (وقاعدة): في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلَّف. (وقاعدة): في الشَّكِّ في العين الواحدة، هل هي قسمٌ من المباح أو من قِسْم المحظور؛ فهذه القواعد الثلاث هي معاقِدُ هذا الباب.
فأما القاعدة الأولى: وهي اختلاط المباح بالمحظور حِسًّا؛ فهي قسمان:
(3/1253)
أحدُهما: أن يكون المحظور محرَّمًا لعينه، كالدَّم والبول والخمر والميتة.
والثاني: أن يكون محرَّمًا لكسبه (1) لا أنه حرامٌ في عينه، كالدِّرْهَم: المغضوب مثلًا، فهذا: القسم الثاني لا يوجبُ اجتنابَ الحلال ولا يُحرِّمه ألبتَّةَ، بل إذا خالط مالَه درهَمٌ حرامَ أو أكثر منه أخرجَ مقدارَ الحرام وحلَّ له الباقي بلا كراهة، سواء كان المخرَجُ عينَ الحرام أو نظيرَة؛ لأن التحريمَ لم يتعلقْ بذات الدرهم وجوهره، وإنما تعلَّقَ بجهة الكسب فيه، فإذا خرج (2) نظيرُه (3) من كلِّ وجه لم يبقَ لتحريم ما عَدَاه معنى، هذا هو الصحيحُ في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخَلْق إلا به.
وأما القسمُ الأول وهو: الحرام لعينهِ كالدَّمِ والخمر ونحوهما، فهذا إذا خالط حلالًا وظهر أثرهُ فيه حَرُمَ تناول الحَلال، ولا نقول: إنه صَيرَ الحَلالَ حرامًا، فإن الحلالَ لا ينقلبُ حرامًا ألبتة ما دام وصفه باقيًا، وإنما حَرم تناولُه لأنه تعذر الوصولُ إليه إلا بتناول الحرام فلم يَجز تناولُه، وهذه العلة بعينها منصوصةٌ للإمام أحمد، وقد سئل: بأي شيءِ يحرم الماءُ إذا ظهرتْ فيه النجاسة؛ فأجاب بهذا، وقال: حرَّم الله تعالى الميْتةَ والدَّمَ (ظ / 212 ب) ولحمَ الخِنزير، فإذا خالطتْ هذه الماءَ فمتناولُهُ كأنْ قَد تناوَل هذه الأشياء، هذا معنى كلامه، هذا (ق / 304 أ) إذا ظهر أثر المخالِط.
فلو استُهلِكَ ولم يظهرْ أثرُه، فهنا معتركُ النِّزال وتلاطم أمواج
__________
(1) (ق): “لسبيه”.
(2) (ق): “أُخْرج”.
(3) من قوله: “لأن التحريم: … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1254)
الأقوال، وهي مسألةُ الماء والمانع إذا خالطته النجاسةُ فاستُهلكت ولم يظهر لها فيه أثر ألبتة، والمذاهب فيها لا تزيدُ على اثني عشر مذهبًا (1) نذكرُها في غير هذا الموضع إن شاء الله.
أصحُها: مذهبُ الطهارة مطلقًا، مائعًا كان ما خالطه أو جامدًا، ماء أو غيره، قليلًا كان أو كثيرًا، لبراهينَ كثيرةِ قطعيّة أو تكاد، تُذْكر هناك إن شاء الله (2).
وعلى هذا فإذا وقعتْ قطرةٌ من لبن في ماء فاستُهْلِكَتْ وشَرِبه الرَّضِيعُ لم تنتشرِ الحرمة، ولو كانت قطرةَ خمر فاستُهلكت في الماء ألبتةَ لم يُحَدَّ بشربه، ولو كانت قطرةَ بول لم يُعَزِّر بشرُبِه، وهذا لأن الحقيقة لما اسْتهْلكت امتنع ثُبوت الاسم الخاص بها، فبقِيَ الاسمُ والحقيقةُ للغالب فيتعيَّنُ ثبوت أحكامِه؛ لأن الأحكام تتبعُ الحقائقَ والأسماء، وهذا أحدُ البراهين في المسألة.
فصل (3)
وأما القاعدة الثانية: وهي اشتباه المُباح بالمحظور.
فهذا إن كان له بدل لا اشتباهَ فيه انتقَلَ إليه وترَكَه، وإن لم يكن له بَدَل ودعَتِ الضَّرُورة إليه، اجتهَد في المباح واتَّقى الله ما استطاع. فإذا اشتبه الماءُ الطاهر بالنجِس انتقلَ إلى بَدَلِهِ وهو التيمم، ولو اشتبها عليه في الشُّرب اجتهد في أحدهما وشَرِبَهُ.
__________
(1) (ع): “درهما”!!
(2) انظر: “إعلام الموقعين”: (2/ 11 – 14)، و”تهذيب السنن – مع المختصر”: (1/ 56 – 74)، وليس فيها الأقوال المشار إليها هنا.
(3) (ق): “مسألة”، وانظر مما سيأتي: (4/ 1340 – 1341).
(3/1255)
وكذلك لو اشتبهت مَيتَة بمذكَّاةٍ انتقل إلى غيرهما، ولم يتحرَّ فيهما، فإن تَعَذَّرَ عليه الانتقال ودعتْهُ الحاجةُ اجتهدَ.
ولو اشتبهت أخته بأجنبية انتقلَ إلى نساءٍ لم يشتبهْ فيهنَّ، فإن كان بلدًا كبيرًا تحرَّى ونكحَ.
ولو اشتبه ثوبٌ طاهر بنجس انتقل إلى غيرهما، فإن لم يجدْ فقيل: يصلِّي في كل ثوب صلاةً ليؤديَ الفرض في ثوب مُتَيَقنِ الطَّهارة، وقيل: بل يجتهدُ في أحد الْثوبين ويصلِّي، وهو اختيار شيخنا أبي العباس (1) -قدَّس الله روحه-، قال: لأن اجتنابَ النجاسة من باب التروك، ولهذا لا تشترطُ له النيَّةُ (2).
ولو صلَّى في ثوب لا يعلم نجاسَتهُ ثم عَلِمَها بعد الصَّلاة لم يُعِدْ الصلاة، فإن اجتهد فقد صلَّي ثوب يغلبُ على ظنه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير.
قلت: وهذا كما لو اشترى ثوبًا لا يعلم حالَه، جاز له أن يصَلِّيَ فيه اعتمادًا على غَلَبَةِ ظَنِّه، وإن كان نَجِسًا في نفس الأمر، فكذلك إذا أدّاه اجتهادُه إلى طهارةْ أحد الثوبين، وغلبَ على ظنه، جاز أن يُصَليَ فيه، وإن كان نَجسًا في نفس الأمر، فالمؤثِّر في بطلان الصلاة العلمُ بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة، بدليل ما لو جَهِلَها في الصلاة ثم علمها بعد الصَّلاة لم يعد الصلاة (3)، (ق / 304 ب) فهذا القول ظاهرٌ جدًّا، وهو قياسُ المذهب.
__________
(1) انظر: “الاختيارات الفقهية” (ص/ 5).
(2) انظر: “مجموع الفتاوى”: (18/ 258).
(3) “لم يعد الصلاة” ليست في (ظ وع).
(3/1256)
وقيل: يُرَاعَى في ذلك جانب المشَقَّةِ، فإذا كثرَتِ الثيابُ اجتهدَ في أحدِها، وإن قَلَّتْ صلى بعدد الثِّياب النَّجِسة وزاد صلاة، وهو اختيار ابن عَقِيل.
* ومن هذا الباب: ما لو استيقظَ فرأى في ثوبه بَلَلًا واشتبه عليه: أمَنِيّ هو أم مَذْىٌ؟ ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة، إلا أن أصحابَ الإمام أحمد قالوا: إن سبق منه سببٌ يمكن إحالة كونه مَذْيًا عليه، مثل القُبْلَة والملاعبة والفِكْر مع الانتشار فهو مَذي، إذ الظاهر أن الذَّكَر بعد ذلك إنما انكسر به فهو المُتيَقَّنُ، وما زاد عليه فمشكوك فيه، فلا يجبُ عليه الغسْل بالشَك، وإن لم يتقدَّم منه شيء من ذلك فهو مَنِيٌّ في الحكم، إذ هو الغالب على النائم، ولم يتقدَّم سببٌ يعارضُهُ، والنوم في مظنَّة الاحتلام، وقد قام شاهدُ المظنَّةِ ظاهرًا فوجبَ القضاءُ (1) بموجب شهادته، وقوة هذا المسلك مما لا يخفى على مُنْصف.
* ومن هذا الباب: إذا اشتبهتْ عليه جهةُ القِبْلَة؛ ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: يجتهد ويصلِّي صلاة واحدة، هذا أصحُّ الأقوال، وهو المشهور في المذاهب الأربعة (2).
والثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدِّيَ مُتَيقنًا، كما قالوا في الثياب النجِسَة، وكما قالوا فيمن فاتته صلاةٌ من يوم لا يعلمُ عينها: صلَّى خمسَ صلوات.
__________
(1) في (ظ): “القياس”.
(2) “في المذاهب الأربعة” في (ظ) بعد قوله: “أصح الأقوال”.
(3/1257)
والقول الثالث: أنه قد سقطَ عنه فرض الاستقبال في هذه الحال، فيصلي حيث شاءَ، وهذا مذهبُ أبي محمد بن حزم (1)، واحتجَّ بأن الله تعالى إنما فرضَ الاستقبال على العالِم بجهةِ الكعبة القادر على التَّوجه إليها، فأما العاجز عنها فلم يفرضِ الله عليه التَّوجُّهَ إليها قط، فلا يجوزُ أن يلْزَمَ بما لم يُلْزِمْا الله ورسولُه به، وإذا لم يكنْ التَّوَجه واجبًا عليه لأن وجوبَه مشروط بالقُدْرة، صلَّى إلى أيِّ جهة شاءَ، (ظ / 213 أ) كالمسافر المتطَوِّع، والزَّمِن الذي لا يمكنه التَّوَجُّه إلى جهة القِبلة.
قلت: وهذا القول أرجحُ وأصحّ من القول بوجوب أربع صلوات عليه، فإنه إيجابُ ما لم يوجبْهُ اللهُ ورسوله، ولا نظيرَ له في إيجابات (2) الشارع ألبتة، ولم يُعْرف في الشريعة موضعٌ واحد أوجب اللهُ على العبد فيه أن (ق / 305 أ) يوقعَ الصلاة ثم يُعيدها مرة أخرى، إلا لتفريط في فعلها أولًا كتارك الطُّمَأْنينة، والمصلِّي بلا وضوء، ونحوه، وأما أن يأمرَهُ بصلاة فيصليها بأمره، ثم يأمرُهُ بإعادتها بعينها؛ فهذا لم يقعْ قطُّ، وأصول الشريعة تردُّه، وقياسُ هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم = قياس لمختلَفِ فيه على مثلِهِ، وهل الكلام إلا في تَينَكِ المسألتين أيضًا؟! فلو أن حكمهما ثَبَتَ بكتاب أو سنَّة أو إجماع لكان في القياس عليهما ما فيه، بل لم يكنْ صحيحًا؛ لأن جهة الفرق إما مساويةٌ لجهة الجمع أو أظهر، وعلى التَّقديرين فالقياس مُنْتَفٍ.
يبقى النظرُ في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة
__________
(1) “المحلى”: (3/ 228).
(2) (ع): “إيجاب”.
(3/1258)
القلة على الآخر؛ فمن نصرَ التخيير احتجَّ بما في الترمذي و”سنن ابن ماجه” عن [عبد الله بن] عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفر في ليلة مظلمة فلم نَدرِ أين القبلَة، فصلَّى كلّ رجل على حِيَالِه، فلما أصبحْنا ذكرنا ذلك للنَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – فنزل: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (1) [البقرة: 115] قال الترمذي: “هذا حديث حسن، إلا أنه من حديث أشعث السَّمَّان، وفيه ضعف”.
وروى الدَّارَقُطنيّ (2) من حديث عطاء، عن جابر، قال: كنَّا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في مَسِير فأصابنا غيمٌ فتحيَّرنا فاختلفنا في القِبلة، فصلّى كل رجل منا على حِدَة، وجعل أحدنا يُخط بين يديه لنعلَمَ أمكِنتنا، فذكرنا ذلك للنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فلم يأمرْنا بالإعادة وقال: “قَدْ أجْزأتكمْ صَلاتُكمْ” (3)، قال الدَّارقطني: رواه محمد بن سالم، عن عطاء. قال: ويروى أيضًا عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن عطاء، وكلاهما ضعيف. وقال العقيلي: “لا يروى من هذا الحديث من وجه يثبت” (4).
واحتجوا أيضًا بما تقدَّم حكايته: أن اللهَ لم يأمرْ بالاستقبال إلا
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (2957)، وابن ماجه رقم (1030)، والدارقطني: (1/ 272) وغيرهم من حديث ابن ربيعة.
قال الترمذي: “هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان … وأشعث يُضعف في الحديث” اهـ.
ونقل المزي في “التحفة”: (4/ 228)، والعظيم أبادي في “التعليق المغني” عن الترمذي أنه قال: “ليس إسناده بذاك … ” وهو مخالف لما نقله المؤلف هنا، ولما نقلناه عن “الجامع”.
(2) “السنن”: (1/ 271).
(3) وأخرجه الحاكم: (1/ 206).
(4) “الضعفاء”: (1/ 31).
(3/1259)
من كان عالِمًاْ به قادرًا عليه، وأما العاجزُ الجاهلُ فساقطٌ عنه فرِض الاستقبال فلا يكلَّفُ به.
ومن نصر الاجتهادَ احتجَّ بأن اللهَ تعالى أوجبَ على العبد أن يتَّقيه ما استطاعَ، وهذا يقتضي وجوبَ الاجتهاد عليه في تقوى ربِّه تعالى، وتقْوَاه هي فعلُ ما أمر به وترك ما نهى عنه.
قالوا: وأيضًا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصَّلاة لم يَجُزْ له أن يستقبلَ أيَ جهةٍ شاء ابتداءً، بلْ ينظرُ إلى مطالع الكواكب ومساقِطِها وسُمُوت جهة القبلة، حتى إذا علم جهَتَها استقبلها، وهذا نوع اجتهاد، وأَدِلة الجهة متفاوتَةٌ في الخَفاء والظهور، فيجبُ على كلّ أحد فعلُ مقدوره من ذلك، فإن لم يُصبْها قطعًا أصابها ظنًا، وهو الذي يقدر عليه، فمتى تركَ مقدوره لم يكنْ قد اتَّقى الله بحسب استطاعَتِهِ.
وقولكم: إن الله إنما أوجَب الاستقبالَ على القادر عليه، العالمِ به، قلنا: الله سبحانه (ق / 305 ب) أوجبَ على كل عبد ما تؤدِّيه إليه استطاعته من طاعته، فإذا عَجَز عن هذا اليقين (1) وأدلة الجهة سقط عنه، ولكن من أين يسقطُ عنه يَذل وُسعه ومقدورِه اللاَّئق به؟!.
فصل (2)
ومنْ هذا الباب: لو طلَّق إحدى امرأتيه بعينها، ثم اشتبهت عليه بالأخرى، فقيل: يَجب عليه اعتزالهما ويوقِف الأمرَ حتى يَتبَيَّنَ الحالَ: وعليه نفقتهما، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى
__________
(1) (ع): “هذا عن اليقين”.
(2) (ق وظ): “فائدة”.
(3/1260)
الروايتين، وهي اختيارُ صاحب “المغني” (1).
وقيل: يُقْرِع بينهما، كما لو أَبْهَمَ الطلاق في واحدة لا بعينها، وهذا هو المشهورُ في المذهب، وهو اختيارُ عامَّة أصحاب أحمد، ونصَّ عليه الخِرقيُّ في “المختصر” (2) فقال: “ولو طلقَ واحدة من نسائه وأُنسِيَها أخرجَت بالقُرْعَةِ”.
قال المانعون من القُرعة: في هذه الصّورة اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلا تحِل له إحداهما بالقُرْعة، كما لو اشتبهت أختُه بأجنبية، لم يكن له أن يعقدَ على إحداهما بالقُرعة.
قالوا: ولأن القرعةَ لا تُزيل التحريم من المطَلَّقة، ولا ترفعُ الطلاق عمن وقَع عليه، ولا تُزيل احتمالَ كون المطلَّقة غير مَنْ وقعت عليها (ظ / 213 ب) القرعة، بدليل أن التحريمَ لو ارتفع بالقُرعة لما عاد إذا ذَكَرها، فلما عاد التَّحريمُ بالذكر دل على أن القُرْعة لم ترفَعْ تحريم المطَلَّقة.
قالوا: وأيضًا القُرعة لا يؤمنُ وقوعها على غير المطلقة، وعدولُها عن المطلقة، وذلك يتضمنُ مفسدتين (3): تحريم المحللة له بلا سَبَب، وتحليل المحرَّمة عليه، مع جواز كونها المطلقَة.
قالوا: وأيضًا فلو حلف لا يأكل تَمْرَة بعينها، ثم وقعت في تَمْر، فإنها لا تخرجُ بالقرعة. ولو حَلَفَ لا يكلمُ إنسانًا بعينه، ثم اختلطَ في آخرين لم يَخْرج بالقرعة، إلى أمثال ذلك من الصُّور، فهكذا هذا.
__________
(1) (10/ 522).
(2) مع “المغني”: (10/ 522).
(3) (ع): “مقدمتين”.
(3/1261)
قالوا: وأيضًا فلا نعلمُ سَلَفًا باستعمال القُرْعة في مثل هذه الصورة.
قالوا: وأيضًا لو حَلَف لا يأكلُ تمرة فوقعت في تَمْر فأكل منه واحدة، فقد قال الخِرَقِيّ: لا تحِل له امرأته حتى يعلَم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرَّمَها مع أن الأصلَ بقاءُ النكاح، ولم يعارضه يقينُ التحريم، فهاهنا أولى (1).
قالوا: وأيضًا فقد قال الخِرَقِى فيمن طلَّقَ امرأتَهُ ولم يَدْر أواحدة طَلَّقَ أو ثلاثًا: اعتزلَها وعليه نفقتها ما دامتْ في العِدَّة، فإن راجَعها في العِدَّة لم يَطَأْها حتى يَتَيَقنَ (2) كم الطّلاق، فلم يُبِح له وِطْأَها لاحتمال كون الطلاق ثلاثًا، والأصلُ عدمُه، واحتمال كون غير من خرجت عليها القرعة هي المطلقةَ كاحتمال كون هذه مطلقة ثلاثًا، بل هو هناك أقوي، فإن في صورة الشَّكِّ فْي عدد الطلاق لم يتيقنْ تحريصًا (ق/306 أ) يرفع النكاحَ، والأصلُ بقاء الحِلِّ، وفي المنْسِيَّة قد (3) تَيَقنَّا ارتفاع النكاح جملة عن إحداهما وأنها أجنبيةٌ، وحصل الشَّكُّ في تعيينها.
قالوا: ولا يصحُّ قياسُ هذه الصورة على ما إذا طلق واحدة مبهَمَةً، فقال: واحدة منكن طالِق، فإن (4) له أن يعَيِّنَها بالقرعة؛ لأن الطلاقَ هاهنا لم يثبتْ لواحدة بعينها، فإذا عَيَّنَتْها القرعة تعيَّنت لأن الشارع جعل القرعةَ صالحة للتعيين منشئة له، وفي مسألتنا المطلقة معيَّنة في نفسها لا محالة، والقرعة ترفعُ الطلاقَ عنها، ولا توقِعُهُ على غيرها كما تقدم.
__________
(1) “المعنى”. (10/ 523).
(2) (ق): “يتبين”.
(3) من قوله: “أقوى فإن … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) (ظ): “جاز”.
(3/1262)
وسرُّ المسألة: أن القرعةَ إنما تعملُ في إنشاء التَّعيين الذي لم يكنْ، لا في إظهار تعيين كائن (1) قد نُسي، فهذا ما احتج به من نصر هذا القول.
وأما من نصرَ القولَ بالقُرعة، فقالوا: الشارع جعل القرعةَ معيِّنة في كلِّ موضع تتساوى فيه الحقوق ولا يمكنُ التَّعيينُ إلا بها، إذ لولاها لزمَ أحدُ باطلين: إما الترجيحُ بمجرد الاختيار والشَّهوة، وهو باطلٌ في تصرَّفات الشارع، وإما التَّعطيلُ ووقف الأعيان، وفي ذلك من تعطُلِ الحقوق وتضرُّرِ المكلفين ما لا تأتي به الشريعةُ الكاملة، بل ولا السيَاسةُ العادلة، فإن الضَّرَر الذي في تعطيل الحقوق أعظمُ من الضَّرَر المقدَّر في القُرعة بكثير، ومحال أن تجيءَ الشريعةُ بالتزام أعظم الضَّرَرَيْنِ لدفع أدناهما.
وإذا عرِفَ هذا؛ فالحقُّ إذا كان لواحدٍ غير معين فإن القُرْعة تُعَيِّنُهُ، فيُسْعد اللهُ بها من يَشاء، ويكون تعيينُ القُرعة له هو غايةَ ما يقدرُ عليه المكلَّفُ، فالتعيينُ بها تعيينٌ لتعلُّق حكم الله لما عيَّنته، فهي دليل من أدلَّة الشرع واجبٌ العمل به، وإن كان في نفس الأمرِ بخلافه؛ كالبَيِّنة والإقرار والنكول فإنها أدلة منصوبة من الشَّارع لفَصْل النزاع، وإن كانت غيرَ مطابقة لمتعلِّقها في بعض الصور، فلهذا نصب الشارع القرْعة معيِّنةَ للمستحق قاطعةً للنزاع.
وإن تعلَّقت بغير صاحب الحقِّ في نفس الأمر، فإن جماعة المستحقِّين إذا استووا في سبب الاستحقاق لم تكن القُرعةُ ناقلةً لحق أحدهم ولا مُبْطِلَةً له، بل لما لم يكنْ (2) تعميمُهم كلُّهم ولا حرمانُهم
__________
(1) (ف وظ): “كامن”.
(2) كذا في (ع وق) ومعناه متَّجِه، و (ظ): “لما يمكن”.
(3/1263)
كلُّهمِ، وليس أحدُهم: أولى بالتَّعيين من الآخرين، جُعِلَتِ القُرعَةُ فاصِلة بينهم مُعَيِّنَة لأحدهم، فكأن المقرع يقول: اللَّهُمَّ قد ضاق الحقُّ عن الجميع وهم عبيدُك، فخصَّ من تشاءُ منهم به، ثم تُلقى القرعةُ فيسعدُ اللهُ بها من يشاءُ ويحكمُ بها على من يشاءُ.
فهذا سرُّ القرعة في الشرع، وبهذا عُلِمَ بطلان قول من شبهها بالقِمار، الذي هو ظلم وجَوْرٌ، فكيف يُلْحَق غايةُ الممكن من العدل (ق / 306 ب) والمصلحة بالظلم والجور، هذا من أفسد القياسْ وأظهره بطلانًا، وهو كقياس البيع على (ظ / 214 أ) الرِّبا، فإن الشريعةَ فرقت بين القُرعة والقمار، كما فرَّقَتْ بين الرِّبا والبيع، فأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا (1)، وأحل الشارع القرعةَ وحرم القمار. وقد قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} [آل عمران: 44] وقال تعالى (2) إخبارًا عن ذي النون: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)} [الصافات: 141] وقد احتجَّ الأئمة بشرع من قبلنا، جاء ذلك منصوصًا عنهم في مواضعَ، وقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – “أنه كان إذا أراد سفرًا أقْرعَ بين نسائه، فأيتُهُنَّ خرجَ سهمُها خرجَ بها معه” (3).
وثبت عنه في “الصحيح” (4) أيضًا: “أن رجلًا أعتقَ ستَّةَ مملوكين لا مالَ له سِوَاهم، فجزَّأهُمُ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – ثلاثةَ أجزاء، وضرب عليهم
__________
(1) من قوله: “فإن الشريعة … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) من قوله: “وما كنت لديهم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) أخرجه البخاري رقم (2593)، ومسلم رقم (2770) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(4) أخرجه مسلم رقم (1668) من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
(3/1264)
بسهمي رِقٍّ وسهم حريَّةٍ، فأعتقَ اثنينِ وأرَقَّ أربعة”، وكلّ ما ذكروه في الطلاق فهو منتقَضٌ عليهم بهذه الصورة، بل القرعةُ في الطَّلاق أولى؛ لأن القُرْعَةَ هاهنا إنما هى لجمع الحرية في بعضهم، وقد كان في الممكن أن يعتقَ من كل واحد سُدسهُ، ويَسْتَسْعي في بقية نفسه -كما يقول أبو حنيفة- أو يترَكُ رقيقًا، ومع هذا فأقرعَ بينهم لجمع الحرية في اثنين منهم، وعين بها عبدين من الستة مع تشوُّفه إلى العتق، وحكمه له بالسّرَاية (1) في ملكه وملك شريكه، فما الظَّنّ بالطَّلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله ورسوله؟!.
ولأنَّا لو لم نستعملِ القرعةَ في المنسيَّةِ لزِم أحد محذورين:
إمّا إيقاع الطلاق على الأربع إذ أنسيت بينهنَّ وهذا باطلٌ، لأنه يتضمَّن (2) تحريمَ من لم يطلقها ولا حرمها الله عليه.
وإمّا أن يعطَلَ انتفاعُه بهنَّ ويتركهُنَّ معلقاتٍ أبدًا إلى الممات، ومع هذا نوجب عليه نَفَقَتَهن وكسوتَهن وإسكانَهُنَّ، ونقول: لا يحلّ لك قربان واحدة منهنَّ، وعليك القيامُ بجميع حقوقهنَّ، فهذا لو جاءَ به الشارع لقوبل بالسمع والطاعة، ولكن حكمة شرعِهِ ورحمتِهِ تأباه، ولا شاهدَ من شرعه له يُرَدُّ إليه ويُعْتبر به.
وأما القول بالقُرْعة؛ فقد ذكرنا من أصول شرعه ما يَدلّ عليه، وأنه أولى الأقوال في المسألة، وقد روى البخاري في “صحيحه” (3): “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – عَرَضَ على قوم اليمينَ فأسرعوا، فأمرَ أن يسْهَمَ بينهم
__________
(1) (ع): “حكمه به فى السراية”.
(2) (ع): “لم يتضمن” وهو خطأ.
(3) رقم (2674) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(3/1265)
في اليَمين أيُّهم يحلف”.
وفي “السنن” و”المسند” عن أبي هريرة: “أن رجلينِ تَدَارءا في دابة ليس لواحد منهما بيِّنَة، فأمرهما النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أن يَسْتَهِما على اليَمين أَحَبّا أو كَرِها” (1).
وفي “المسند” و “السنن” أيضًا: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إذا كرِهَ الاثْنان اليَمِينَ أو استَحَباها فَليَسْتَهِمَا عَلَيْها” (2).
وفي “السنن” عن أم سلمة: أن رَجُلَيْن اختصما إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مواريث بينهما قد دَرست (ق/307 أ) ليس بينهما بَيِّنَةٌ، فقال: “إنكمْ تَختَصِمونَ إلَيَّ، وَإِنمَا أنا بشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، وَإِنّمَا أقضي بينكمْ عَلَى نحو مَا أسْمعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حق أَخِيهِ شيئًا فَلا يَأخذْهُ، فَإنما أَقْطَعُ لَه قِطْعَة مِنَ النَّارِ يَأتِي بِهَا أسْطَامًا فِي عُنقهِ يَوْمَ القِيَامَةِ” فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “أمَّا إذا قُلْتما فَاذْهَبا فَاقْتسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الحَق، ثمَّ اسْتَهِما عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيتحَلَّلْ كلّ واحدٍ مِنكمَا صَاحِبه” (3).
وأقرع سعد يوم القادسيَّة بين المؤذِّنِينَ (4).
فهذه قرعة في الحَضَانَةِ، وفي تخفيف السَّفينة، وفي السَّفَر بالزوجة،
__________
(1) أخرجه أبو داود رقم (3616)، وابن ماجه رقم (2329)، وأحمد: 16/ 228 رقم 10347)، وسنده صحيح.
(2) أخرجه أحمد: (13/ 525 رقم 8209)، وأبو داود رقم (3617) من طريق أحمد من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- واللفظ لأبي داود، وسنده صحيح.
(3) أخرجه البخاري رقم (2458)، ومسلم رقم (1713).
(4) أخرجه البيهقي: (1/ 438)، وسعيد بن منصور -كما في “التغليق”: (2/ 265)، وعلقه البخاري بصيغة التمريض، وهو منقطع. انظر: “الفتح”: (2/ 114).
(3/1266)
والبَدَاءة بها في القَسم، وفي الحَلْف على الحَق، وفي تعيين الحق المُتنازع فيه، وفي الأذانِ، وفي العِتْق وجمع الحرية، وتكميلها في رقيةٍ كامَلة.
وصحَّ عن علي أنه سُئِلَ عن رجل له أربع نسوة طَلقَ إحداهنَّ ونكح ثم مات، لا يدري الشهود أيَّتَهُنَّ طَلَّقَ، فقال: أقرع بين الأربع وأنذر منهن واحدة، وأقسم بينهنَّ الميراث (1).
فهذه قرعةٌ، إما في الطلاق وإما في الاستحقاق للمال، وأيًّا ما كان فالموانع التي ذكرتموها في الطلاق بعينها قائمةٌ في استحقاق المال سواء بسواء، فأيُّ فرقٍ بين تحريم مال أحلَّه الله تعالى وبين تحريم فرج أحلَّه اللهُ، فإن كانت القرعةُ تتضمَّن أحدَ الفسادين فهي متضمنَةٌ للآخر قطعًا، وإن لم تتضمنِ الآخرَ لم تتضمَّنْ ذلك.
وقولُكُم: المالُ أسهل، لا ينفعكم في دفع هذا الإلزام، والله أعلم.
قالوا: ونحن نجيبُ عن كلماتكم؛ أما قولكم: اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فَلَمْ يحل المشتبِهَة بالقرعة، كما لو اشتبهت قبلَ (ظ/ 214 ب) العقد أختُه بأجنبية.
فجوابه: أن الأصل قبل العقدِ التَّحريم، وقد شككنا في دفعه والأصل بقاؤه، فمعنا ثَمَّ أصل مستصْحَبٌّ لا يجوزُ تركُه إلا بسبب يزيلُه، ولا كذلك في مسألتنا إذ قد ثبتَ الحِل قطعًا، فنحن إذا أخرجنا المطلقة بالقرعة، بقيت الأخرى على الحِلِّ المستصحبِ قبل الطلاق، وقد شككنا في إصابة الطلاق لها، فنتمسكُ بالأصل حتى
__________
(1) ذكره ابن قدامة في “المغني”: (10/ 523) عن علي، وأخرج البيهقي: (7/ 364) نحوه عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -.
(3/1267)
يثبت ما يُزيلُهُ، وهذا واضح.
وقد اتفق على هذا الأصل -أعني استصحاب ما ثَبتَ- حتي يْثبتَ رفْعُهُ.
وأما قولكُم: القرعة لا تُزيل التَّحريم من المطلَّقَةِ؛ ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه، ولا تزيل احتمال كون المطلَّقة غير من وقعتْ عليها القرعة.
فجوابه: أنه منقوضٌ بالعِتْق، وما كان جوابكم عن العِتق فهو جوابُنا بعينه، ومنقوضٌ بالقُرْعة في المُلك المُطلق، فحق المالك في ملك المال كحقِّه في مُلك البُضْع، والعِتق بالقُرعة يتضمَّن إرقاقَ رقبة من ثَبتَ له الحُرِّيَّةُ، وسقوط الحجِّ والجهاد عنه، وثبوت أحكام العبيد له على تقدير (ق / 307 ب) كونه هو المعتَقَ في نفس الأمر، وإن كانت أَمَة تضمَّن إباحةَ فرجها لغير مالكها، ومع هذا فالقرعةُ معيِّنة للمعتق، فتعيِينها للمُطَلَّقةِ كذلَك أو أولى.
وجواب آخرُ: وهو أن القُرْعة لم تزلْ تحريمًا ثابتًا في المُطَلَّقة، وإنما عيَّنتْ حكمًا لم يكن لنا سبيل إلى تعيينه إلا بالقُرْعة، واحتمالُ أن كون غيرِ التي خَرَجَتْ لها القُرْعَةُ هي المطَلَّقَةَ في نفسِ الأمر، مما لم يُكَلفْنا به الشارع لتعذر الوصول إلى علمه فنزِّل منزلةَ المعدوم.
وهذا كما أن احتمالَ كون غيرِ الأمَةِ التي خرجت لها القُرْعَةُ هي الحُرَّةَ في نفس الأمر ساقط عنا لِتَعَذر علمنا به فنزَلَ منزلةَ المعدوم (1).
وكذلك كوِن مالك المال الضائع موجودًا: في نفس الأمر لا يمنعُ
__________
(1) هذه الفقرة سقطت من (ق).
(3/1268)
من نقله عنه إلى الملتقِط بعد حَوْلِ التعريف لتعذُّر معرفته، فنُزَلَ منزَلةَ المعدوم.
وكذلك حَكَمَ الصحابةُ -عمرُ وغيرُهُ- في المفقود: تَتَزوج امرأته، وإن كان باقيًا حيًا على وجه الأرض، وقد أُبيحَ فرجُ زوجته لغيره من غير طَلاق منه ولا وفاة لِتَعَذُرِ معرفته، فنزلَ منزلةَ المعدوم.
قولكم: لو ارتَفَعَ التحريمُ بالقُرعة لما عاد إذا ذَكَرَها.
قلنا: ارتفاعُ التحريمِ مشروط باستمرارِ النسيان، فإذا زال النِّسيان زال شرط الارتفاع، فالقرعةُ إنما صرنا إليها للضرورة، ولا ضرُورة مع التَّذكُر.
قولكم: القرعَة لا يؤمَن وقوعها على غير المطَلَّقة، وعدولها عن المطلقة، وذلك يتضمَّن مفسدتين … إلى آخره.
قلنا: منقوض بالعتق وبالملك المطْلَق، وأيضًا: لما كان ذلك مجهولًا معجوزًا عن علمه نزل منزلةَ المعدوم، ولم يضر كونُ المستحقِّ في نفس الأمر غيرَ المستحِق بالقُرْعة كما قدمنا من النظائر، فلسنا مؤاخَذِين بما في نفس الأمر ما لم نَعْلَمْ به.
وهذه قاعدة -أيضًا- من قواعد الشَّرع وهي: أن المؤاخذةَ وتَرَتُّب الأحكام على المكلف إنما هي على علمه لا على ما في نفس الأمر إذا لم يعلمْه، وعليها جل الشريعة في الطَّهارات والنَّجاسات والمعاملات والمناكحات والأحكام والشَّهادات، فإن الشاهد إذا عرف أن لِزيدٍ قِبَل عمْرو حقًا، وجبَ عليه أن يشهدَ به، وإن كان قد بريءَ إليه منه، ويحكُم به الحاكم، فالشريعة غير مُنكرٍ فيها ذلك، وهل تتمُّ مصالح العباد إلا بذلك؟!.
(3/1269)
قولكم: لو حَلَفَ لاْ يأكل تمرة ولا يكلم إنسانًا، ثم اختلط المحلوفُ عليه بغيره لم يخرجْ بالقُرعة.
فيقال: هذه المسألة ليست منصوصًا عليها، ولا يُعْلَم فيها إجماع البتة فإن كانت مثلَ مسألتنا سواءٌ، فالصوابُ التسَّوِيَة بينهما، وإن كان بينهما فرقٌ بطَلَ الإلحاقُ فبطَلَ الإلزام بها على التقديرين، نعم غايةُ ما يفيدُكم إلزام المفرِّق بينهما بالتناقض (1)، وأنه يجبُ عليه التسويَةُ بينهما في الحُكْم، وهذا ليس بدليل مثبت (2) لكم حَكمَ المسألة، إذ مُنازعُكم يقول: تنَاقضِي في الفرق بينَ المسألتين ليس بدليل على صحَّة ما ذهبتم (ق / 308 أ) إليه، فإن كان التفريق باطلًا جاز أن يكون الباطل في عدم القول بالقُرعة في مسألة الإلزام، ولا يتعين أن يكون الباطلُ القولَ بها في المسألة المتنازع فيها فهذا جواب إجماليٌّ كاف، فكيف والفرق بينهما في غاية الظُّهور؟! فإنه إذا حلفَ لا يأكلُ تمرةً بعينها، ثم وقعت في تمر (ظ/215 أ) فأكل منه واحدة، فإنه لا يحنث حتى يأكلَ الجميع، أو ما يُعْلَم بهْ أنه أكلها، وما لم يتيقن أكلُها لم يتيقن حِنْثهُ، فلا حاجة إلى القُرْعة، وكذلك مسألةُ كلامِ رجل بعينه.
فإن قيل: فهل يأمنونَه بالإقدام على الأكل مع الاختلاط؟.
قيل: الورع أن لا يقدمَ على الأكل، فإن أكل لم يحنَثْ حتى يتيقن أَكْلُهُ لها.
__________
(1) (ظ): “إلزام المفرق بينهما وإن كان بينهما فرق بطل التقديران بالتناقض” وهو تكرار عن السطر قبله!.
(2) (ظ): “يثبت”.
(3/1270)
قولكم: لا سَلَفَ بالقُرْعَة في هذه الصُّورة.
فيقال: سبحان الله تعالى! وأيُّ سلف معكم؟ يوقفُ الرجلُ عن جميع زوجاته وجعلهن معلَّقات لا مزَوَّجات ولا مُطَلَّقات إلى الموت، مع وجوب نفقتهن وكسوتهن وسُكناهن عليه؟.
وينبغي أن يُعْلمَ: أد القول الذي لا سَلَفَ به الذي يجِبُ إنكاره: أن تكون المسألة قد وقعت في زمن السلف، فأفتَوْا فيها بقول أو أكثرَ من قول، فجاء بعضُ الخلف فأفتى فيها بقول لم يقلْه فيها أحدٌ منهم، فهذا هو المنكر.
فأما إذا لم تكنِ الحادثةُ قد وقعتْ بينهم وإنما وقعتْ بعدَهم، فإذا أفتى المتأخرون فيها بقول لا يُحْفَظُ عن السَّلف لم يُقلْ: إنه لا سَلَفَ لكم في المسألة، اللهم إلا أن يفتوا في نظيرها سواء بخلافِ ما أفتى به المتأخِّرونَ، فيقال حينئذٍ: إنه لا سَلَفَ لكم بهذه الفتوى، وليس هذا موضعَ بسط الكلام في هذا الموضع، فإنه يستدعي تحريرًا أكثرَ من هذا.
وأما قولكم: لو حَلَفَ لا يأكل تمرةً وقعتْ في تمر، فأكَلَ منه واحدةً، فإن الخِرَقِيَّ يحرم عليه امرأتَه حتى يعلمَ أنها ليست التي حلف عليها (1)، مع أن الأصلَ بقاءُ النكاح فهاهنا أولى.
قلنا: الخِرَقي لم يصرح بالتَّحريم، بل أفتى بأنه لا يقربُ زوجَتَهَ حتى يَتبَيَّنَ الحال، وهذا لا ينتهضُ للتحريمِ، ولفظ الخِرقي في “مختصره” (2)
__________
(1) (ظ): “التي وقعت عليها اليمين”.
(2) مع “المغني”: (10/ 523).
(3/1271)
هكذا: “وإذا حَلَفَ بالطَّلاق أن لا يأكلَ تمرةً، فوقعت في تمر، فإن أكلَ منه واحدةً مُنِعَ من وطء زوجته، حتى يعلمَ أنها ليستِ التي وقعتْ عليها اليمينُ، ولا يتحَقَّقُ حِنْثَهُ حتى يأكُلَ التمرَ كُلَّه” هذا لفظه.
وآخر كلامه يدلُّ على أن منعه من وَطْئِها إنما هو على سبيل الوَرعَ، فإنه لا يحَرِّمُها عليه بحنث مشكوكٍ فيه، وهذا ظاهرٌ.
وأما مسألة من طلَّقَ ولم يدرِ أواحدة طَلَّقَ أم ثلاثًا فالاحتجاجُ بها في غاية الضعف. وكذلك الإلزامُ بها، فإنَّ الخِرَقِيَّ بناها على كونِ الرَّجعيَّةِ مُحَرَّمَة، ولهذا صرَّح في “المختصر” (1) بذلك في تعليل المسألة فقال: “وإذا طلَّقَ فلم يدرِ أواحدة طلق أم ثلاثا أعتزلَها، وعليه نفقتُها ما دامتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها في العِدَّةِ لم يطأْها حتى يَتَيَقَّن كم الطلاقُ؛ لأنه متيقِّنٌ للتحريم شاكٌّ في التَّحليل”.
فالخِرَقيُّ يقول: هو قد تيَقَّنَ وقوعَ التحريم (2) وشكَّ، هل الرجعةُ رافعةٌ له أمْ لا؟ وعيره ينازعُه في إحدى المقدمتين، ويستفصلُ في الأخرى فيقول: لا نسلِّمُ أن الرجعية محرَّمَةٌ فلم يتيقن تحريمًا ألبتة، وعلى تقدير أن تكون محرَّمَة، فالتحريم المُتَيَقَّنُ أيّ تحريم يعنون به؛ تحريمًا تُزيله الرجعة أو تحريمًا لا تُزْيله؟ الأول: مُسَلَّم ولا يفيدُكم شيئًا، والثاني: ممنوعٌ، وعلى التقديرين فلا حُجَّة لكم في هذه المسألة ولا إلزامَ، فإنها ليست منصوصةً ولا متفقًا عليها، ولا تَلْزمُه أيضًا، فإنه بناها علي أصله من كون الرجعية محرَّمَةً، فقد تَيَقَّنَ تحريمَها، وشكَّ في رفع هذا التحريم بالرَّجعة، ولا كذلك فيمن
__________
(1) المصدر نفسه: (10/ 514).
(2) (ظ): “الطلاق”.
(3/1272)
خرجت القرعةُ على سواها، فإنه لم يُتَيَقَّنْ تحريمُها، وإزالة التحريم بالقُرعة، فافترقا.
وأما قولكم: لا يصحُّ قياسُها على ما إذا طلَّقَ واحدةً مبهمةً حيث يُعَيِّنها بالقُرعة؛ لأن الطلاق لم يثبت لواحدةٍ بعينها، فيعينها بالقُرعة بخلاف المنسيَّة.
قلنا: لا ريْبَ أن بين المسألتين فرقًا، ولكن الشأن في تأثيره ومنعه من إلحاق إحداهما بالأخرى، فإن صحَّ تأثيرُ الفرق بَطَلَ هذا الدليل المعين، ولا يلزمُ من بطلانِ دليل معيَّن بطلانُ الحكم، إلا أن لا يكونَ له دليلٌ سواه، ونحن لم نحتجَّ بهذا الدليل أصلًا حتى يلزمُ بطلانُ ما ذكرناه، وإن بَطَلَ تأثير الفَرْق وجب إلحاقُ إحدى الصورتين بالأخرى.
ونحن نبيَن -بحمد الله- أن هذا الفرقَ مُلْغًى، فنقول: إذا قال لنسائه: “إحداكُنَّ طالق”، فإما أن يُنفذَ الطلاق على واحدة منهن عقِبَ إيقاعه، أو لا يَقَعُ إلا بتعيينه، والثاني: باطل؛ لأن التعيينَ ليس بسبب صالحٍ للتطليق، فلا يصحُّ إضافةُ الطلاق إليه، فتعيَّنَ أن الطلاقَ استندَ إلى إيقاعه أولًا، فقد وقع بواحدة منهن ولابُدَّ، والأقوال هنا ثلاثة:
أحدها: أنه يملكُ تعيينَ المُطَلَّقة فيمنْ شاء، وهذا قولُ الشافعي وأبي حنيفة.
والثاني: أنه تطلق عليه الجميعُ، وهذا قول مالك ومَنْ وافقه.
والثالث، أنه يخْرِجُ المُطَلَّقَةَ بالقُرْعة، وهذا مذهبُ أحمد، وهو قول عليٍّ وابن عباس ولا يعرفُ لهما مخالفٌ في الصحابة، وبه قال
(3/1273)
الحسن البصري وأبو ثَوْر وغيرُهما، وهو الصحيحُ من الأقوال، فإن طلاقَ الأربع -مع كون اللَّفظ غيرَ صالح له والإرادةُ غيرَ متناوِلة له- مخالِفٌ للأصول، وإيقاعٌ للطلاق من غير سَبَبِهِ، وقد تقدّم الكلامُ على مأخذ هذا القول وما فيه فلا نعيدُه، وعلى هَذا القول فلا قرعةَ ولا تعيينَ، وإنما الكلامُ على قولي القرعة والتَّعيين، فنقول: القولُ بالقرعة أصحُّ، وإذا كان القولُ بها أصَحَّ في هذه المسألة، فالقولُ بها في مسألة المنسيَّة أولى، فهذانِ مقامانِ بهما يتمُّ الكلام في المسألة، فأما المقامُ الأول: فيدلُّ عليه أن القرعة قد ثبَتَ لها اعتبارٌ في الشرع -كما قدَّمناه- وهي أقربُ إلى العدل، وأطيبُ للقلوب، وأبعدُ عن تهمة الغَرَض والميلِ بالهوى، إذ لولاها لزمَ أحد الأمرين؛ إما الترجيحُ بالمَيْل والغَرَض، وإما التَّوَقُّفُ وتعطيلُ الانتفاع، وفي كلٍّ منهما من الضَّرَر ما لا خفاءَ به، فكانت القُرْعَةُ من محاسن هذه الشَّريعة وكمالها وعموم مصالحها.
وأما تعيينُ المُطَلَّقةِ بعد إبهامها، وانتظارُ ما يعيُّنه النَّصيب والقسمة التي لا تتطرَّقُ إليها تهمةٌ ولا ظِنَّةٌ، فليس ذلك إلى المكلَّف، بل إليه إنشاءُ الطلاق ابتداءً في واحدة منهنَّ، وأما يكونَ إليه تعيينُ من جعل طريقَ تعيينه خارجًا عن مقدوره، وموكولًا إلى ما يأتي به القَدَر ويُخْرِجُهُ النَّصِيبُ المقسوم المغيَّبُ عن العباد = فكَلاَّ.
وسرُّ المسألة: أن العبدَ له التَّعييِنُ ابتداءً، وأما تعيينُ ما أبهمه أولًا فلم يُجْعَلْ إليه ولا مَلَّكهُ الشارعُ إياه.
والفرقُ بينهما: أن التعيينَ (1) الابتدائيَّ تعلَّقُ به إرادتُه وباشرَه
__________
(1) من قوله: “ابتداء، وأما … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3/1274)
بسبب الحُكْم، فتعيَّنَ بتعيينه وبمباشرته بالسبب، وأما التَّعيينُ بعد الإبهام فلم يُجْعَلْ إليه؛ لأنه لم يُبَاشِرْه بالسبب، والسبب كان قاصرًا عن تناوله معينًا، وإنما تناوله مُبْهمًا، والمكلَّفُ كان مخيَّرًا بين أن يوْقِعَ الحُكْمَ معيَّنًا فيتعين بتعيينه، أو يوقِعَهُ مبهمًا فيصيرَ تعيينُهُ إلى الشارع. (1).
وسر ذلك: أن الحكم قد تعلَّق في المبهم بالمشترك، فلابُدَّ من حاكم مُنَزَّهٍ عن التُّهمة، يُعَيِّنُ ذلك المشتركَ في فردٍ من أفراده.
والمكلَّفُ ليس بمُنَزَّهِ عن التُّهمة، فكانت القُرعة هي المعَيِّنَةَ، وأما إذا عيَّنه ابتداءً فلم يتعلَّقَ الحكمُ بمشترك، بل تعلَّق بما اقتضاه تعيينُه وغرضُه، فأنفذه الشارعُ عليه.
فهذا مما يدلُّك على دِقَّة فقه الصحابة – رضي اللهُ عنهم- وبُعد غَوْر مداركهم، ولهذا أفتى عليٌّ وابنُ عباس بالقرْعة ولم يجعلا التَّعْيينَ إليه، ولا يُحفظُ عن صحابيٍّ خلافَهما.
وإذا ثَبَتَ أن القُرْعَة في هذه الصُّورة راجحةٌ على تعيين المكلَّف، تبين بذلك تقريرُ المقام الثاني، وهو أن القولَ بها في مسألة المنسيَّة أولى؛ لأنها إذا عَمِلَتْ (2) في محلٍّ قد تعلق الحكمُ فيه بالمشترك، وهو إحدى الزوجات؛ إذ كلُّ واحدة منهنَّ يصدُق عليها أنها أحدها، وهذا هو مأخذُ من عمَّم الوقوع = فَلأَنْ تعملَ في محلٍّ تعلَّقَ الحكمُ فيه ببعض أفراده أولى، فإن الحُكْمَ في الأول كان صالحًا لجميع الأفراد لتَعَلُّقه بالقَدْر المشترك، ومع هذا فالقُرْعَةُ قطعتْ هذه الصلاحيَّهَ وخصَّتْها بفردٍ بعينه، والحكمُ في الثانية
__________
(1) من قوله: “والمكلف كان … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ع وظ): “علمت”.
(3/1275)
إنما تعلَّقَ بفردٍ بعينه، لكنه جهِلَ فاستفيدَ علمُهُ من القُرعة، ولما جُهِلَ صار كالمعدوم؛ إذ المجهولُ المطلَقُ في الشريعة كالمعدوم، وليس لنا طريِقٌ إلى اعتباره موجودًا إلا بالقُرْعة.
فإذا قطعتِ القُرْعَةُ الحقَّ المشتركَ من غير المُعَيِّن، فَلأَنَ تُعَيِّنَ مجهولًا لا سبيلَ إلى تعيينه إلا بها أولى وأحرى.
وإن شئتَ قلتَ: إخراجُ المجهول أيسر من تعيين المُبْهَمِ، وأوسعُ طريقًا، وأقلُّ مانعًا؛ لأن المبهم لم تثبتْ له حقيقةٌ معيَّنَةٌ بعد، ولا سيَّما: إذا كان مشتركًا بين أفراد تقتضيه اقتضاء واحدًا، فليس ثبوت التعيين لفرد أولى من ثبوته لغيره، والمجهولُ قد ثبتَتْ له حقيقةٌ أولًا ثم جُهِلَتْ، فيكفي في الدلالة عليها أيُّ دليل وُجِدَ، وأيُّ علامةٍ أمكنت، فإنها علامةٌ ودليلٌ على وجودها لا عِلَّةٌ لآنيتَها، وتعَيّن (1) المبهَم ليس دليلًا محضًا بل هو كالعِلَّةِ لآنيته وثُبوته، فإذا صلحت القرعةُ لتعيين المُبهم؛ فَلأَنْ تَصْلُحَ للدَّلالةِ على المجهول بطريق الأولى. ونحن لا ندَّعي -ولا عاقلٌ- أن القُرعة تجعلُ المخرج بها هو متعلَّق الحكم في نفس الأمر، يل نقولُ: إن القرعة تجعل المخرجَ بها متعلَّقَ الحكم ظاهرًا وشرعًا، وهو غايةُ ما يقدرُ عليه المكلَّف، ولم يكلِّف اللهُ علمَ الغيب ولا موافقةَ ما أن نفس الأمر، بل القرعةُ عندنا لا تزيد على البَيِّنةَ والنُّكول والأمارات الظاهرة التي هي طرقٌ لفصل النزاع.
فصل (2)
وأما القاعدة الثالثة: وهي قاعدةُ الشَّكِّ: فينبغي أن يُعْلَمَ أنه ليس
__________
(1) كذا في (ق)، وبقية النسخ محتملة الرسم.
(2) (ق): “فائدة”.
(3/1276)
في الشَّريعة شيءٌ مشكوكٌ فيه ألبتةَ، وإنما يعرض الشَّكُّ للمكلَّف لتعارُض أمَارتين فصاعدًا عنده، فتصيرُ المسألة مشكوكًا فيها بالنسبة إليه، ففي شَكِّيةٌ عنده، وربما تكون ظَنِّيَّةً لغيره أو له في وقت آخر، وتكون قطعيةً عند آخرين، فكون المسألةِ شكيَّة أو ظنيَّة أو قطعية ليس وصفًا ثابتًا لها، بل هو أمرٌ يعرِض لها عند إضافتها إلى حكم المكلَّف، وإذا عُرِف هذا فالشَّكُّ الواقعُ في المسائل نوعانِ:
أحدهما: شكٌّ سببه تعارُض الأدلة والأمارات، كقولهم في سؤُر البغل والحمار مشكوكٌ فيه فيُتوضأ به ويُتَيَمَّمُ، فهذا الشَّكُّ لتعارض دليلي الطهارة والنجاسة (1)، وإن كان دليلُ النجاسة لا يقاوِمُ دليل الطهارة، فإنه لم يقم على تنجيس سؤرهما دليلٌ، وغاية ما احتجَّ به لذلك قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحُمُر الأهلية: “إنها رِجْسٌ” (2)، والرِّجْسُ هو: النَّجَسُ، وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنه إنما نهاهم عن لحومها، وقال: “إنها رجسٌ” ولا ريب أن لحومَها (3) ميتة لا تعمل الذَّكاةُ فيها، ففي رِجْسٌ، ولكن من أين يلزم أن تكونَ نَجِسَةً في حياتها حتى يكون سُؤْرُها نَجِسًا؟ وليس هذا موضعَ المسألة.
ومن هذا: قولهم للدم الذي تراه المرأة بين الخمسينَ سنة إلى الستِّين: إنه مشكوكٌ فيه، فتصومُ وتصلِّي وتقضي فرضَ الصوم لتعارض دليلي الصِّحَّة والفساد، وإن كان الصحيحُ أنه حيْضٌ، ولا معارضَ (4)
__________
(1) (ظ): “الظاهر عن الصحابة”!.
(2) أخرجه البخاري رقم (2991) و (4198) وغيرها، ومسلم رقم (1940) من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
(3) (ظ): “شحومها”.
(4) (ق وظ): “تعارض”.
(3/1277)
لدليل كونه حيضًا أصلًا لا من كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا معقول، فليس هذا مشكوكًا فيه، والمقصودُ التمثيل.
القسم الثاني: الشكُّ العارض للمكلَّف بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه وخفائِها لنسيانه وذهولِه، أو لعدم معرفته بالسَّبب القاطع للشَّكِّ، فهذا القسمُ واقعٌ كثيرًا في الأعيان والأفعال، وهو المقصودُ بذكر القاعدة التي تضبطُ أنواعه.
والضابطُ فيه: أنه إن كان للمشكوكِ فيه حالٌ قبل الشَّكِّ استصحبها المكلَّفُ وبنى عليها حتى يَتَيَقَّنَ الانتقالَ عنها، هذا ضابطُ مسائله.
فمن ذلك: إذا شكَّ في الماء هل أصابته نجاسةٌ أم لا؟ بنى على يقين الطَّهارة.
ولو تَيَقَّنَ نجاسَتَهُ ثم شكَّ هل زالت أم لا؟ بنى علي يقينِ النَّجاسةِ.
الثالثة: إذا أحدثَ ثم شَكَّ هل تَوَضَّأَ أم لا؟ بنى علي يقين الحَدَث. ولو توضَّأَ وشَكَّ في الحدث بنى علي يقين الطَّهارة. وفروعُ المسألة مبنيةٌ على هذا الأصل.
الرابعة: إذا شكَّ الصائمُ في غروب الشمس لم يَجُزْ له الفطر، ولو أكلَ أفطرَ، ولو شَكَّ في طُلوع الفجر جاز له الأكلُ، ولو أكل لم يُفْطِرْ.
الخامسة: لو شكَّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا وهو منفردٌ بنى على اليقين، إذ الأصلُ بقاءُ الصلاةِ في ذمته، وإن كان إمامًا فعلى غالب ظَنِّه؛ لأن المأمومَ يُنَبِّهُهُ، فقد عارَضَ الأصْلَ هنا ظهورُ تنبيهِ المأموم على الصَّوابِ. وقال الشافعي ومالك: يبني على اليقين مطلقًا؛ لأنه الأصلُ.
(3/1278)
السادسة: إذا رمى صيدًا فوقعَ في ماء فشَكَّ هل كان موتُه بالجُرح أو بالماء؟ لم يأكلْه؛ لأن الأصل تحريمُه، وقد شكَّ في السَّبب المُبيح. وكذلك لو خالَط كلبُهُ كلابًا أُخَرَ ولمِ يَدْرِ أصادَةُ كلْبُهُ أو غيره لم يأكلْهُ؛ لأنه لم يَتَيَقَّنْ شروط الحِلّ في غير كلبه، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إنك إنما سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ ولم تُسَمِّ على غَيْرِهِ” (1).
السابعة: إذا شكَّ هل طاف ستًّا أو سبعًا أو رمى سِتَّ حَصَيَاتٍ أو سبعًا (2) بنى على اليَقِينِ.
الثامنة: إذا شكَّ هل عمَّ الماءُ بَدَنَهُ وهو جُنُبٌ أم لا؟ لَزِمَهُ يقينُ تعميمِهِ ما لم يكنْ ذلك وَسْواسًا.
التاسعة: إذا اشترى ثوبًا جديدًا أو لَبيسًا وشَكَّ هل هو طاهرٌ أو نَجِسٌ؛ بنى الأمرَ على الطهارة، ولم يلزمْهُ غسله.
العاشرة: إذا أصابه بَلَلٌ ولم يدرِ ما هو؟ لم يجِبْ عليه أن يبحَثَ عنه، ولا يسأل من أصابه به، ولو سألَه لم تجب إجَابتُه على الصحيح، وعلى هذا لو أصاب ذيلَهُ رطوبةٌ بالليل أو بالنهار لم يجِبْ عليه سَمُّها ولا تَعَرُّفُها، فإذا تَيَقَّنَها عَمِلَ بموجب يقينه.
الحادية عشرة: إذا كان عليه حق لله -عز وجل- من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام، وشكَّ هل أتى به أم لا؟ لزمه الإتيانُ به.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (175)، ومسلم رقم (1929) من حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه-.
(2) “أو رمى ست حصيات أو سبعًا” سقطت من (ع).
(3/1279)
الثانية: عشرة: إذا شكَّ هل مات مُوْروثُهُ فَيَحِلَّ له مالُهْ أو لم يَمُتْ؟ لم يَحِلَّ له المالُ حتى يَتيقَّنَ موتَه.
الثالثة عشرة: إذا شكَّ في الشَّاهد هل هو عدْلٌ أم لا؟ لم يحكمْ بشهادتِهِ؛ لأن الغالبَ في الناس عدمُ العَدَالَةِ، وقولُ من قال: الأصلُ في الناس العدالةُ كلامٌ مستدرَكٌ، بل العدالةُ طارئةٌ متجدِّدَةٌ (1) الأصلُ عدمُها، فإن خلاف العدالة مستندُهُ جهلُ الإنسانِ وظلمُهُ، والإنسانُ خُلِقَ جهولًا ظلومًا، فالمؤمنُ يكمل بالعِلم والعدل، وهما جمَاعُ الخير، وغيرُه بقي على الأصل، فلا الأصلُ في الناس العدالةَ ولا الغالبُ.
الرابعة عشرة: إذا شكُّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا؟ بنى على اليقين وألغى المشكوكَ فيه، واسْتُثنى من هذا موضعين:
أحدهما: أن يقعَ الشَّكُّ بعد الفَرَاغ من الصَّلاة فلا يلْتَفَتْ إليه، الثانى: أن يكون إمامًا فيبني على غالب ظنه.
فأما الموضعُ الأوَّلُ؛ فهو مبنيٌّ على قاعدة الشَّكِّ في العِبَادة بعد الفَراغ منها، فإنه لا يؤثِّرُ شيئًا، وفي الوضوءِ خلافٌ. فمن ألحقه بهذه القاعدة نَظَرَ إلى أنه قد انقضى بالفراغ منه، ومن نظر إلى بقاء حكمه وعمله، وأنه لم يفعل المقصودَ به، ألحقه بالشَّكِّ في العبادة قبلَ انقطاعها والفراغ منها.
وأما الموضعُ الثاني؛ فإنما استُثني لظهور قَطْع الشَّكِّ والرجوع إلى الصَّواب بتنبيه المأمومين له، فسكوتُهم وإقرارُهم دليلٌ على
__________
(1) (ظ): “حادثة تتجد”.
(3/1280)
الصواب، هذا ظاهرُ مذهب أحمد، ومذهبُ الشافعي أنه يبني على اليقين مطلقًا إمامًا كان أو منفردًا ولا يلتفتُ إلى قول غيره. ومذهبُ مالك أنه يبني على اليقين إلا أن يكونَ مستنكحًا (1) بالشَّكِّ، فإنه لا يلتفتُ إليه ويلْهى عنه، فإن لم يُمْكِنْهُ أن يَلْهَى عنه بنى على أول (2) خواطرِه، ومذهبُ أبي حنيفة أنه إن عَرَضَ له ذلك في أول صلاته أعادها، وإن عَرَضَ له فيما بعدَها بنى على اليقين.
الخامسة عشرة: إذا شكَّ هل دخل وقتُ الصلاة أو لا؟ لم يصَلِّ حتى يَتَيَقَّنَ دخولَه، فإن صلَّى مع الشَّكِّ ثم بان أنه صلَّى في الوقت، فقد قالوا: يُعيدُ صلاتَهُ، وعلى هذا إذا صلَّى وهو يَشُكُّ هل هو محدِثٌ أو مُتَطَهِّرٌ، ثم تيقَّنَ أنه كان متطهرًا، فإنه يعيدُها أيضًا، وكذلك إذا صلَّى إلى جهةٍ وشكَّ هل هي القِبلة أو غيرها، ثم تبيَّنَ له أنها جهةُ القبلة.
ولا كذلك إذا شَكَّ في طهارة الثوب والبَدَن والمكان، فصلَّى فيه ثم تَيَقَّنَ أن ذلك كان طاهرًا، لأن الأصل هنا الطهارة وقد تيقنه آخرًا، فتوسُّطُ الشَّكِّ بين الأصل واليقين لا يؤثر بخلاف المسائل الأُوَلِ؛ لأن الأصلَ فيها عدمُ الشُّروط (3) فالشَّك فيها مستنِدٌ إلى أصل يوجِبُ عليه حكمًا لم يأتِ به.
والذي تقتضيه أصولُ الشَّرْع وقواعدُ الفقهِ في ذلك هو التَّفرِقة بين المعذورِ والقادِرِ، فالمعذورُ لا يجبُ عليه الإعادةُ إذا لم يْنُسب إلى تفريط، وقد فعلَ ما أدَّاه إليه اجتهادُهُ وأصابَ، فهو كالمجتهد المُصيب.
__________
(1) أي: مغلوبًا.
(2) كذا في (ق) وهو الموافق لما في “مواهب الجليل”: (1/ 255)، و (ع وظ): “أنزل”.
(3) كذا في النسخ، والمطبوعات: “الشكّ”.
(3/1281)
وعلى هذا؛ فإذا تحرَّى الأسيرُ وفعل جهدَه فصام شهرًا يظنُّهُ رمضانَ وهو يشُكُّ فيه، فبان رمضانَ أو ما بعدَه، أجزأه مع كونه شاكًّا فيه.
وكذلك المصلِّي إذا كان معذورًا محتاجًا إلى تعجيل الصلاة في أوَّل وقتها؛ إنها لسَفَرٍ لا يمكنه النزولُ في الوقت ولا الوقوف، أو لمرضٍ يُغمَى عليه فيه، أو لغير ذلك من الأعذار، فَتَحَرَّى الوقتَ وصلَّى فيه مع شكِّه، ثم تبيَّن له أنه أوقع الصلاةَ في الوقت، لم تجِبْ عليه الإعادة، بل الذي يقوم عليه الدليلُ في مسألة الأسير أنه لو وافق شعبان لم تجبْ عليه الإعادةُ وهو قول الشافعي؛ لأنه فعلَ مقدورَةُ ومأمورَهُ، والواجبُ علي مثله صومُ شهر يظنُّه رمضان، وإن لم يَكُنْهُ (1)، والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز.
فإن قيل: فما تقولونَ في مسألة الصلاة إذا بان أنه صلاَّها قبلَ الوقت؟.
قيلِ الفرقُ بين المسألتين: أن الصوم قابلٌ لإيقاعه في غير الوقت للعُذر، كالمريض والمسافر والمُرضع والحُبلى، فإن هؤلاء يسوغُ لهم تأخيرُ الصوم ونقلُه إلى زمن آخَرَ نظرًا لمصلحتهم، ولم يُسَوَّغْ لأحدٍ منهم تأخير الصَّلاة عن وقتها ألبتَّةَ.
فإن قيل: فقد سُوِّغَ تأخيرُها للمسافر والمريض والممطور من وقتِ أحدهما إلى وقت الأخرى.
قيل: ليس بتأخير من وقت إلى وقت، وإنما جَعَلَ
__________
(1) (ع): “يمكنه”، و (ظ): “يظنه”.
(3/1282)
الشارعُ وقتَ العبادتين في حقِّ المعذور وقتًا واحدًا، فهو مصَلٍّ للصلاة في وقتِها الشرعي الذي جعله الشارعُ وقتًا لها بالنسبة إلى أهل الأعذار، فهو كالنائم والناسي (1) إذا استيقظ وذكر، فإنه يصلِّي الصلاة حينئذٍ؛ لكون ذلك وقتها (2) بالنسبة إليهما، وإن لم يكُنْ وقتًا بالنسبة إلى الذَّاكر المستيقظِ، على أن للشَّافعي قَوْلينِ في المسألتينِ، والله أعلم.
فصل (3)
ابن عُيَيْنَةَ، عن محمد بن المنكدر قال: إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم (4).
وقال سهل بن عبد الله: من أراد أن ينظرَ إلى مجالس (5) الأنبياء فلينظرْ إلى مجالس العلماء، يجيءُ الرجلُ فيقول: يا فلان أيْشٍ تقولُ في رجلٍ حَلَفَ على امرأته بكذا وكذا، فيقول: طلقت امرأتُه، وهذا مقامُ الأنبياء، فاعرِفوا لهم ذلك (6).
قال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُسْأَلُ أحدُهم عن المسألةِ فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّل، ما منهم من أحدٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفُتْيا.
__________
(1) (ق): “الساهي”.
(2) من قوله: “لها بالنسبة … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) (ق): “فوائد”، وهذا الفصل انتقاه المصنف من كتاب “أدب المفتي والمستفتي”: (ص/ 71 – 85) لابن الصلاح.
(4) أخرجه البيهقي في “المدخل إلى السنن”: (ص/438).
(5) (ع وظ): “محاسن” وكذا ما بعدها.
(6) انظر: “صفة الصفوة”: (4/ 66).
(3/1283)
وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كلِّ ما يستفتونه فهو مجنون.
وعن ابن عباس نحوه (1).
وقال حصَيْنٌ الأسديُّ: إن أحدَكم ليُفْتي في المسألة لو وَرَدَتْ علي عمر بن الخطاب لجمع لها أهلَ بَدْر، وعن الحسن والشَّعْبي مثله (2).
وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصَّفَّار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: سمعت محمد بن عَجْلانَ يقول: إذا أخطأ العالمُ لا أدري أُصِيبَت مقاتِلُه (3).
وروي ذلك بنحوه عن ابن عباس (4).
وذكر أبو عُمر (5)، عن القاسم بن محمد، أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أُحسنُه، فجعل الرجلُ يقول: إنى دُفِعتُ إليك لا أعرفُ غيْرَك، فقال القاسم: لا تنظرْ إلى طول لحيتي وكثرة النَّاس حولي، واللهِ لا أُحسِنُه، فقال شيخ من قُرَيْش جالس إلى جنبه: يا ابنَ أخي الزمْها فواللهِ ما رأيتُ في مجلسٍ أَنبل منك (6) اليوم، فقال القاسم: والله لأَنْ يُقْطَعَ لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلمَ بما لا أعلمُ.
__________
(1) هذه الآثار أخرجها ابن عبد البر في “جامع بيان العلم”: (1/ 1120 – 1125) وغيره.
(2) أخرجه البيهقي في “المدخل”: (ص / 434).
(3) أخرجه البيهقي في “المدخل”: (ص/ 436).
(4) أخرجه ابن عبد البر: (2/ 840).
(5) في “الجامع”: (2/ 837).
(6) (ع): “أمثل منك”.
(3/1284)
وذكر أبو عمر (1) عن ابن عُيَيْنَةَ وسُحنون: “أجسرُ النَّاسِ على الفُتْيا أَقَلُّهم علمًا”.
وكان مالك يقول: من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيبَ فيها أن يعوضَ نفسه على الجنَّة أو النَّار، وكيف يكونُ خلاصُه في الآخرة.
وسُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألةٌ خفيفةٌ سهلةٌ، فغضب وقال: ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ، ألم تسمعْ قوله جل ثناؤه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5] فالعلمُ كلُّه ثقيلٌ وخاصَّة ما يسأل عنه يومَ القيامة.
وقال: كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تصعُبُ عليهم المسائلُ ولا يُجيبُ أحدُهم في مسألة حتى يأخذَ رأيَ أصحابه (2)، مع ما رُزقوا من السَّداد والتوفيق مع الطهَّارة، فكيف بنا الذين غطَّتِ الخطايا والذنوبُ قلوبَنا؟!.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالك يسألُه عن شيء أيامًا ما يُجيبهُ، فقال: يا أبا عبد الله إني أريدُ الخروجَ، وقد طال التَّرَدُّدُ إليك، فأَطْرَق طويلًا، ثم رفع رأسه، وقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلمُ فيما أحتسبُ فيه الخيرَ، ولستُ أُحْسِنُ مسألتَك هذه (3).
وسُئِلَ الشافعيُّ عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تجيبُ يرحمُك اللهُ؟ فقال: حتى أدريَ الفضل في سكوتي أو في الجواب.
__________
(1) في “الجامع”: (2/ 1124 – 1125).
(2) (ع وظ): “صاحبه”.
(3) أخرجه البيهقي فى “المدخل”: (ص/ 437).
(3/1285)
وكان سعيد بن المُسَيِّب لا يكادُ يُفْتي فُتْيا، ولا يقولُ شيئًا، إلا قال: اللَّهُمَّ سَلِّمْني وسلِّم مني (1).
وقال سُحْنون: أشقى النَّاس من باعْ آخِرَتَهُ بدُنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، قال: ففَكَّرتُ فيه فوجدته المُفتي، يأتيه الرجل قد حَنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانثُ فيستمتعُ بامرأته ورقيقِه وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا (2).
وجاء رجلٌ إلى سُحْنون فسألَه عن مسألة، فأقام يتردَّد إليه ثلاثةَ أيام فقال: مسألتي أصلحك اللهُ اليوم ثلاثةَ أيام؟ فقال له: وما أصنع؟ مسألة (3) معضِلةٌ، وفيها أقاويلُ، وأنا متحيِّرٌ في ذلك، فقال: وأنْت أصلحك اللهُ لكلِّ مُعضِلة! فقال سحنونٌ: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذُلُ لحمي ودمي للنَّار، ما أكثرَ ما لا أعرفُ. إن صبرْتَ رجوتُ أن تنقلبَ بمسألتك، وإن أردتَ أن تمضيَ إلى غيري فامْضِ تُجَابُ في مسألتِكَ في ساعةٍ، فقال: إنما جئْتُ إليكَ فلا أستفتي غيرَك، قال: فاصبِرْ، ثم أجابه بعدَ ذلك.
وقيل له: إنك تسألُ عن المسألة، لو سئل عنها أحدٌ من أصحابك لأجاب فيها فتتوقَّفُ فيها، فقال: إن فتنة الجواب بالصَّواب أشدُّ من فتنة المال.
وقال بعضُ العلماء: قَلَّ من حَرَصَ على الفتوى، وسابق إليها وثابر عليها، إلا قلَّ توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا
__________
(1) المصدر نفسه: (ص/ 439).
(2) بنحوه في “السير” (12/ 66).
(3) (ظ): “ما أصنع بمسألتك؟ مسألتك … “.
(3/1286)
لذلك غَيْرَ مختار له ما وجد مندوحةً عنه، وقدر أن يُحِيلَ بالأمر فيه على غيره، كانت المعونَةُ له من الله أكثرَ، والصلاحُ في جوابه وفتاويه أغلبَ.
وقال بِشرٌ الحافي: من أحبَّ أن يُسألَ فليس بأهل أن يسْأَلَ.
وذكر أبو عمر (1)، عن مالك قال: أخبرني رجلٌ أنه دخل على ربيعةَ فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيكَ أمصيبةٌ دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، ولكن اسْتُفْتِيَ من لا علمَ له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيمٌ.
قال ربيعة: ولَبَعْضُ من يُفتي هاهنا أحقُّ بالسَّجن (2) من السُّرَّاق.
* * *
__________
(1) في “الجامع”: (2/ 1225).
(2) (ظ): “بالحبس”.
(3/1287)
ومن مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد (1)
قلت: يتوضَّأ الرجل في المسجد؟ قال: قد فعل ذلك قومٌ، قال إسحاق: هو حسنٌ ما لم يَسْتَنْجِ فيه (2).
قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: لا تُشَمِّتْه (3).
قلت: يُقَاتَلُ اللِّصُّ؟ قال: إذا كان مقبلًا فقاتِلْه، وإذا وَلَّى لا تُقَاتِلْ. قال إسحاق كما قال، ويناشدُه في الإقبال ثلاثًا، فإن أبى وإلا قاتله.
قلت: الضالَّة المكتومة؟ قال: الذي يكتُمُها إذا أَزَلْتَ عنه القطعَ فغرامة مثلها عليه، قال إسحاق كما قال: سُنَّة مسنونة.
قلت: سئل سفيان عن صبيٍّ افتضَّ صَبِيَّةً، قال: لها مَهْرُ مِثلها في مالِهِ، قال أحمد: يكون على عاقلته إذا بَلَغَ الثُّلُثُ، قال إسحاق كما قال سفيان: في ماله.
قلت: قال سفيان: استفتى يوسفُ بن عُمَرَ (4) ابنَ أبى ليلى في هذه، فقال: لها مهرُ مثلِها في ماله، قال أحمد: لا بل على عاقلته إذا بلغ الثلث، قال إسحاق، كما قال ابن أبي ليلى.
قلت: كأنه أراد -واللهُ أعلمُ- أرْشَ البكارة، فسماه مهرًا، أو يقال: إن استيفاء هذه المنفعة منه تجري مجرى جنايته عليها، فإذا
__________
(1) (ق): “مسألة” بدلًا من هذه الجملة.
(2) (ق): “يستقبح”.
(3) كذا بالأصول، والذي في “المسائل”: “شَمِّتْه”، وهكذا في مسائل عبد الله رقم (585) وابن هانئ: (1/ 91)، وفيها التصريح بأن التشميت إذا لم يسمع الخطبة.
(4) عامل هشام بن عبد الملك على العراق.
(3/1288)
أوجبت مالًا كان على من يحملُ جنايَتهُ، ولا ريبَ أن الوطءَ يجري مجرى الجنَاية، إذ لا بُدَّ فيه من عفو أو عقوبة، وجنايةُ الصَّبِيِّ علىَ النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته، وهذه جنايةٌ على منفعة الصِّبِيَّة فتكونُ على عاقلته، وهذا أصوبُ الاحتمالين، ولم أر أصحابنا تعرَّضوا لهذا (1) النَّصِّ ولا وجهه.
قلت: أيقطعُ في الطير؟ قال: لا يقطع في الطير، قال إسحاق كما قال.
قلت: لعله أراد به الطيرَ إذا تفلَّتَ من قفصه فصاده، وهو خلافُ ظاهرِ كلامِهِ، إذ يقالُ: الطيرُ لا تستقرُّ عليه اليدُ ولا يثبتُ في الحِرْز، ولا سيَّما إذا اعتادَ الخروجَ والمجيء كالحمام، وأجودُ من هذين المأخذين أن يقالَ: إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفصَ عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء، فإن مِلْك صاحبه عليه في الحالين واحد، وهو لو تَفَلَّت من قفصِه ثم جاء إلى دار إنسانٍ فأخذه لم يقطعْ، ولو صاده من الهواء لم يقطعْ، فكذلك إذا فتح قَفَصَه وأخذه منه، والقاضي تأوَّل هذا النَّصَّ على الطير غير المملوك، ولا يخفى فسادُ هذا التأويل، والذي عندي فيه: أن أحمدَ ذهب إلى قول أبي يوسف في ذلك، والله أعلم.
قلت: رجلٌ زَوَّجَ جارِيَتَهُ ثم وقع عليها؟ قال أحمد: أما الرجم فأدرأُ عنه ولكن أَضْرِبُه الحَدَّ، محصنًا كان أو غير مُحْصَنٍ.
قال إسحاق كما قال: يُجْلَدُ مئةً نكالًا كما قال عمر.
قلت: لعله سمى التعزير حدًّا، وبلغ به مئة، أو لما سقط عنه
__________
(1) (ق): “لمثل هذا”.
(3/1289)
الرجم حدَّه حدَّ الزاني غير المحصن.
قلت: سُئِل سفيانُ عن رجل قال لرجل: ما كان فلان لِيَلِد مثلك، قال: ما أرى في هذا شيئًا. فقال أحمد: هو تعريضٌ شديدٌ فيه الحَدُّ.
قلت: سُئِل سفيانُ عن رجل قال لرجل: أنت (1) أكثر زنًا من فلان، وقد ضُرِبَ فلانٌ في الزنا، قال: ما أرى الحَدَّ بَيِّنًا أرى أن يُعَزَّرَ، قال أحمد: هذا تعريضٌ يضرَبُ الحَدَّ. قال إسحاق كما قال.
فقد نصَّ على وجوب الحَدِّ بالتعريض، وهو الصَّواب بلا ريب، فإنه أنكى وأوجع من التصريح، وهو ثابت عن عمر (2).
قلت: قال سفيان: رمى الجمرتين ولم يقمْ عندهما فليذبحْ شاة، أو ليتصدَّقْ بصاع، قال أحمد: لا أعلمُ عليه شيئًا، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء. قال إسحاق كما قال أحمد.
قلت: الحائكُ يُدْفعُ إليه الثوب على الثُّلُث والرُّبُع؟ قال: كلُّ شيء من هذا، الغَزْل والدار والدَّابّة، وكلُّ شيءٍ يُدْفَعُ إلى الرَّجُل يعملُ فيه على الثُّلُث والرُّبُع، فعلى قصة خَيْبَرَ (3)، قال إسحاق كما قال (4).
قلت: من بنى في حق (5) قوم بإذنهم، أو بغير إذنهم؟ قال: إذا
__________
(1) من قوله: “ليلد مثلك … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف”: (5/ 500).
(3) وهي: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – عَامَل أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
أخرجه البخاري رقم (2328)، ومسلم رقم (1551) من حديث ابن عمر – رضى الله عنهما -.
(4) انظر “مسائل الكوسج” رقم (108).
(5) في “ظ”: “فناء”.
(3/1290)
كان بإذنهم فله عليهم نفقتُه، وإذا كان بغير إذنهم، قُلِعَ بناؤه، وأحبُّ إليَّ إذا كان البناءُ يُنتفعُ به هنا أحب إليّ أنْ يعطيه النفقة ولا يقلعُ بناءَه، قال إسحاق: كما قال سواء (1).
قلت: رجل ضَلَّ بعيرٌ له أعْجَفُ (2) فوجده في يد رجل قد أنفقَ عليه حتى سَمِنَ؟ قال: هو بعيرُه يأخذه، مَنْ أمرَ هذا أن يأخذَه؟ قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “دَعْها فإنَّ مَعَها حِذَاءَها وسِقَاءَها” (3).
قال إسحاق: إذا كان أخذه في دار مَضْيَعَةٍ فأنفق عليه ليردَّه إلى الأوَّل ويأخُذَ النفقةَ كان له ذلك (4).
قلت: ولا يناقضُ هذا قاعدَتَه فيمن أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه أنه يرجعُ عليه؛ لأن هذا متعدٍّ بأخذِ البعير، حيث نهاه الشارعُ عن أخذه، والله تعالى أعلم.
* * *
__________
(1) “مسائل الكوسج” رقم (113).
(2) أي: ضعيف.
(3) أخرجه البخاري رقم (91)، ومسلم رقم (1722) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(4) “مسائل الكوسج” رقم (119).
(3/1291)
فصول (1)
في أصول الفقه والجدل وآدابه والإرشاد إلى النافع منه كما جاء (2) في القرآن والسنة
فصل
النكرةُ في سياق النَّفي تعمُّ، مستفادٌ من قوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف: 49]، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وفي الاستفهام من قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وفي الشرط من قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مريم: 26]، {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6]، وفي النهي من قوله: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} [هود: 8]، وفي سياق الإثبات بعموم العلَّة والمُقتضي، كقوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]، وإذا أضيف إليها (كلٌّ) نحو: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ} [ق: 21]، ومن عمومها بعموم المقتضي: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)} [الشمس: 7].
فصل
ويستفادُ عمومُ المفرَدِ المُحَلَّى باللام من قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} [العصر: 2]، وقوله: {وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ} (3) [الرعد: 42]، {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} [النبأ: 40]، وعمومُ المفرد المضاف من قوله:
__________
(1) (ق): “فوائد شتى”.
(2) (ع): “مما كان”.
(3) هكذا في جميع النسخ، وهى قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو. وقرأ الباقون {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ}، انظر “المبسوط”: (ص/ 216].
(4/1305)
{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [التحريم: 12]، وقوله: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} [الجاثية: 29]، والمراد: جميعُ الكتبِ التي أحصيتْ فيها أعمالُهم.
وعموم الجمع المحلى باللام من قوله: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)} [المرسلات: 11]، وقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} [الأحزاب: 7]، وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]. . إلى آخرها. والمضاف من قوله: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]، وعموم أدوات الشرط الأسماء (1) من قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112} [طه: 112]، وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)} [الزلزلة: 7]، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197]، {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78]، وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68]، {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54].
هذا إذا كان الجواب طلبًا مثل هاتين الآيتين فإن كان خبرًا ماضيًا لم يلزم العموم، كقوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11]، و {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1].
وإن كان مستقبلًا فأكثر موارد للعموم كقوله: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 3]، وقوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30]، وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)} [الصافات: 35]، وقد لا تعُمُّ كقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4].
__________
(1) (ظ وق): “الا بما”.
(4/1306)
فصل
ويستفادُ كونُ الأمر المطلَق للوجوب: مِنْ ذَمِّه لمن خالَفه، وتسميته إيَّاه عاصِيًا، وترتيبه عليه العقابَ العاجلَ أو (1) الآجلَ.
ويستفادُ كونُ النهي للتحريم: من ذَمِّه لمن ارتكبه، وتسميتِه عاصيًا، وترتيبِه العقابَ على فعله.
ويستفاد الوجوبُ: بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفَرْض والكَتْب، ولفظة “على”، ولفظة “حق” على العباد وعلى المؤمنين، وترتيب الدم والعقاب على الترك، وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك.
ويستفادُ التحريمُ: من النَّهي، والتَّصريح بالتحريم والحظر، والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل. وقول: “لا ينبغي” فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلًا أو شرعًا، ولفظة: “ما كان لهم كذا” (2)، “ولم يكنْ لهم”، وترتيب الحدِّ على الفعل، ولفظة: “لا يحل ولا يصلح”، ووَصْف الفعل بأنه فساد، وأنه من تزيين الشيطان وعمله، وأنّ الله لا يحبُّه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يُزَكِّي فاعِلَه، ولا يكلِّمه، ولا ينظرُ إليه، ونحو ذلك.
وتستفادُ الإباحةُ من الإذن والتخيير، والأمر بعد الحظر، ونفي الجُنَاح والحَرَج والإثم والمؤاخذة، والإخبار بأنه معفوٌّ عنه، وبالإقرار على فعله في زمن الوحى، وبالإنكار على من حَرَّمَ الشيءَ، والإخبار بأنه خلق لنا كذا، وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل مَنْ
__________
(1) (ع): “دون”.
(2) (ق): “كذا وكذا”.
(4/1307)
قَبْلَنا لَهُ غَيْرَ ذامٍّ لهم عليه، فإن اقْتَرنَ بإخباره مدحٌ (1) دلَّ على رجحانه استحبابًا أو وجوبًا.
فصل (2)
وكل فعل عظَّمه الله ورسوله، أو مدحه، أو مدح فاعلَه لأجله، أو فَرِحَ به، أو أحبَّه أو أحبَّ فاعِلَه، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالطِّيْب أو البَرَكة أو الحُسْن (3)، أو نصبه سببًا لمحبته، أو لثواب عاجل أو آجل، أو نَصَبَهُ سببًا لذكره لعبده، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنُصْرة فاعله، أو بشارة فاعله أو وَصَف فاعلَه بالطيب، أو وَصَف الفعل بكونه معروفًا، أو نفى الحزنَ والخوفَ عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصبه سببًا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرُّسُل بحصوله، أو وصفه بكونه قُرْبةً، أو أقسم به أو بفاعله، كالقَسَم بخيل المجاهدين وإغارتها، أو ضحك الرَّبِّ جلَّ جلالُه من فاعله أو عَجَبه به، فهو دليلٌ على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب.
فصل (4)
وكلُّ فعل طلبَ الشرعُ تركَه أو ذمَّ فاعله، أو عتب عليه أو لعنه، أو مقته أو مَقَتَ فاعلَه (5)، أو نفى محَبَّتَهُ إيَّاه أو محبَّة فاعله، أو نفى
__________
(1) (ظ) زيادة: “مدح فاعله لأجله”.
(2) هذا الفصل وما سيأتي إلى (4/ 1316) نقله المؤلِّف من كتاب “الإمام في بيان أدلة الأحكام”: (ص/ 87 وما بعدها) للعزّ بن عبد السلام.
(3) (ع): “أو المن به”.
(4) انظر “الإمام”: (ص/ 105 – 106) للعِزِّ.
(5) (ق): “أو ذم فاعله، أو عيب عليه، أو مقت فاعله، أو لعنه أو نفى … “.
(4/1308)
الرضى به أو الرضاء عن فاعله، أو شبَّه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو جعله مانعًا من الهدى أو من القبول (1)، أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياءُ منه أو أبغضوه، أو جُعِلَ سببًا لنفي الفلاح، أو لعذابٍ عاجل أو آجل، أو لذمٍّ أو لوم، أو لضلالة أو معصية، أو وُصِفَ بخبث أو رجس أو نَجَس، أو بكونه فِسقًا، أو إثمًا أو سببًا لإثم أو رجس أو لعن أو غضب، أو زوال نعمة أو حلول نقمة، أو حدّ من الحدود، أو قسوة أو خِزْىِ أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله أو محاربته، أو للاستهزاء به وسُخْريته، أو جعله الربَّ سببًا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه بالصبر عليه، أو بالحِلْم والصفح عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نَسَبه إلى عمل الشيطان وتزيينه، أو تولِّي الشيطان لفاعله، أو وُصِف بصحفة ذم؛ مثل كونه ظلمًا أو بغيًا أو عدوانًا أو إثمًا، أو تبرأ الأنبياءُ منه أو من فاعله، أو شَكَوا إلى الله من فاعله، أو جاهروا فاعِلَه بالعداوة، أو نُصِبَ سببًا لخيبة فاعله عاجلًا أو آجلًا، أو رُتِّبَ (2) عليه حرمان الجنَّة، أو وُصِف فاعلُه بأنه عدُوٌّ لله أو أن الله عدُوُّه، أو أعلم فاعِلَهُ بحرب من الله ورسوله، أو حمَّل فاعلَهُ إثمَ غيره، أو قيل فيه: “لا ينبغي هذا ولا يصلحُ”، أو أمرَ بالتقوى عند السؤال عنه، أو أَمر بفعل يضادُّه، أو هَجْر فاعله، أو تلاعَنَ فاعلوه في الآخرة وتبرَّأ بعضُهم من بعض، أو وَصَف فاعله بالضَّلالة، أو أنه ليس من الله في شيءٍ، أو أنه ليس من الرَّسول وأصحابه، أو قُرِنَ بمحرم ظاهر التحريم في الحكم والخبرُ عنهما بخبر واحد، أو جَعَل اجتنابه سببًا
__________
(1) “أو من القبول” ليست في (ق).
(2) (ظ): “ثبت”.
(4/1309)
للفلاح، أو فِعْله (1) سببًا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل لفاعله: “هل أنت منتهٍ”؟ أو نهى الأنبياءَ عن الدُّعاء لفاعله، أو رتَّبَ عليه إبعادًا وطردًا.
ولفظة: “قُتِل من فَعَله”، أو: “قاتل اللهُ من فَعَله”، أو أخبر أن فاعله لا يكلِّمُه اللهُ يومَ القيامة ولا ينظرُ إليه ولا يُزَكِّيه، وأن الله لا يُصْلِحُ عملَهُ، ولا يهدي كيدَهُ، وأن فاعلَه لا يُفلحُ ولا يكونُ يوم القيامة من الشهداء ولا من الشُّفَعاء، أو أن اللهَ يغار من فعله (2)، أو نبه على وجه المَفْسَدَة فيه، أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفًا ولا عَدْلًا، أو أخبر أن من فعله قُيِّضَ له شيطان (3) فهو له قرينٌ، أو جَعَل الفعلَ سببًا لإزاغة الله قلبَ فاعله أو صرفه عن آياته وفهمِ كلامه، أو سؤال اللهِ سبحانه عن علَّة الفعل لمَ فَعَل؟ نحو: {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99]، {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]، {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75]، {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]، ما لم يقترنْ به جوابٌ من المسؤول، فإن اقترن به جوابٌ كان بحسب جوابه.
فهذا ونحوُه يَدُلُّ على المنع من الفعل، ودلالتُه على التحريم أطرَدُ من دلالته على مجرد الكراهة.
وأما لفظة: “يكرهُهُ اللهُ ورسولُه”، أو “مكروه”، فأكثر ما تُسْتَعملُ في المحرم، وقدْ يستعملُ في كراهة التنزيه. وأما لفظة: “أما أنا فلا
__________
(1) (ق): “جعله”.
(2) (ع): “أو أن الله تعالى يعادى فعله”.
(3) (ع): “الشيطان”.
(4/1310)
افعلُ”، فالمتحقِّق منه الكراهة، كقوله: “أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَكِئًا” (1)، وأما لفظة: “ما يكون لك وما يكون لنا”، فاطَّرَدَ استعمالُها في المحرم نحو: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} [الأعراف: 13]، {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} [الأعراف: 89]، {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116].
فصل
وتستفادُ الإباحةُ: من لفظ الإحلال، ورفع الجُنَاح، والإذن، والعفو، وإن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعلْ، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، وما يتعلَّقُ بها من الأفعال، نحو: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا} [النحل: 80] ونحو: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحى، وهو نوعان: إقرار الكتاب تبارك وتعالى وإقرار رسوله إذا علم الفعل. فمن إقرار الرَّبِّ تعالى قول جابر: “كنا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِل” (2)، ومن إقرار رسوله قول حسَّان لعمر: “كنتُ أُنشد وفيه من هو خير منك” (3).
فائدة
قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف: 31] جمعت أصولَ أحكام (4)
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (5398) من حديث أبي جحيفة -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه البخاري رقم (5207) ومسلم رقم (1440).
(3) أخرجه البخاري رقم (3212)، ومسلم رقم (2485) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4) (ع): “أحكام أصول”.
(4/1311)
الشريعة كلَّها، فجمعتِ الأمرَ والنهيَ والإباحةَ والخبر.
فائدة
تقديمُ العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدُلُّ على تحريمه، وقد عاتب اللهُ تعالى نَبِيَّهُ في خمسة مواضعَ من كتابه في: (الأنفال وبراءة والأحزاب وسوَرة التحريم وسورة عبس) خلافًا لأبي محمد ابن عبد السلام حيث جعل العتبَ من أدلة النهي (1).
فائدة
لا يصحُّ الامتنانُ بممنوع منه خلافًا لمن زعم أنه يَصِحُّ، ويُصْرف الامتنانُ إلى خلقِه للصبر عنه (2).
فائدة (3)
قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} [النساء: 77] جمعت بين التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والحضِّ على فعل الخير، والزَّجر عن فعل الشَّرِّ، إذ قوله: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} يتضمَّنُ حَثَّهْمْ على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر.
فائدة (4)
التعجُّبُ كما يدُلُّ على محبَّة الله للفعل نحو: “عَجِبَ ربُّكَ من
__________
(1) في كتابه “الإمام”: (ص/ 107).
(2) انظر المصدر السابق: (ص/ 86).
(3) انظر المصدر السابق: (ص/ 134).
(4) انظر “الإمام”: (ص/ 133 – 134) للعزِّ.
(4/1312)
شَابٍّ ليستْ له صَبْوةٌ” (1)، و: “يعجَبُ ربُّكَ من رجلٍ ثارَ من فِرَاشِهِ ووِطائِهِ إلى الصَّلاة” (2) ونحو ذلك، فقد يدُلُّ على بُغْض الفعل كقوله: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الرعد: 5]، وقوله: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12]، وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28]، وقوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} [آل عمران: 101].
وقد يدلُّ على امتناع الحكم وعدم حُسْنه، نحو: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} [التوبة: 7]، وقد يدلُّ على حسن المنع قدرًا، وأنه لا يليق به فِعْلُهُ، كقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86].
فائدة (3)
نفي التَّسَاوي في كتاب الله قد يأتي بين الفعلين، كقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [التوبة: 19] وقد يأتي بين الفاعلين، نحو: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 95]، وقد يأتي بينَ الجزاءينِ كقوله: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20].
وقد جمع اللهُ بين الثلاثةِ في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)}
__________
(1) أخرجه أحمد: (28/ 600 رقم 17371)، وأبو يعلى رقم (1749)، والطبراني في “الكبير”: (17/ 309) وغيرهم من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- بنحوه، وفي سنده ابن لهيعة، وأعله أبو حاتم بالوقف كما في “العلل”: (2/ 116).
(2) تقدم تخريجه (3/ 1178).
(3) انظر “الإمام”: (ص/ 139 – 142) مع اختلاف في التمثيل، فقد جعل العز الآية الأولى من نفي التساوي بين الجزائين.
(4/1313)
وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 – 22] فالأعمى والبصيرُ: الجاهلُ والعالم، والظلمات والنُّور: الكفر والإيمان، الظل والحرور: الجنة والنار، الأحياء والأموات: المؤمنونَ والكفَّار (1).
فائدة (2)
ضَرْبُ الأمثالِ في القرآن يُستفادُ منه أمورُ التَّذكير والوعظ، والحَثِّ والزَّجر، والاعتبار والتَّقرير، وتقريب المُراد للعقل، وتصويره في: صورة المحسوس، بحيث يكون نسبتُه للعقل كنسبته المحسوس إلى الحس.
وقد تأتي أمثالُ القرآن مشتملةً على بيان تفاوُت الأجر، وعلى المدح والذَّمِّ، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر.
فائدة (3)
السياق يرشدُ إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالَّة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فانظر إلى قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)} [الدخان: 49]، كيف تجدُ سياقَه يدُلُّ على أنه الذليلُ الحقيرُ.
__________
(1) (ظ): “المؤمن والكافر”.
(2) انظر: “الإمام”: (ص / 143 – 157) ملخَّصًا.
(3) المصدر السابق: (ص / 159).
(4/1314)
فائدة (1)
إخبار الرب تعالى (2) عن المحسوس الواقع له عدة فوائد:
منها: أن يكونَ توطئةً وتَقْدِمةً لإبطال ما بعدَه.
منها: أن يكونَ موعظةً وتذكيرًا.
ومنها: أن يكونَ شاهدًا على ما أخبر به من توحيده وصدق رسوله وإحياء الموتى (3).
ومنها: أن يُذكَرَ في معرِض الامتنان.
ومنها: أن يذكرَ في معرِض اللَّوم (4) والتوبيخِ.
ومنها: أن يذكرَ في معرِض المدح والذَّمِّ.
ومنها: أن يذكرَ في معرِض الإخبار عن إطلاع الرَّبِّ عليه، وغير ذلك من الفوائد.
فائدة
قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)} [يونس: 87] هو من أحسنِ النَّظْم وأبدعِه، فإنه ثنَّى أولًا؛ إذ كان موسى وهرون هما الرسولان المطاعان، ويجبُ على بني إسرائيل طاعةُ كلٍّ منهما سواء،
__________
(1) المصدر السابق: (ص/ 162 – 168) مختصرًا.
(2) من قوله: “تعالى: (ذق إنك … ) إلى بها سقط من (ظ).
(3) (ع): “وإيتاء القربى”.
(4) (ع): “الذم”.
(4/1315)
وإذا تَبَوَّءا البيوتَ لقومهما فهم تَبَعٌ لهما، ثم جَمَع الضميرَ فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}؛ لأن إقامتها فرضٌ على الجميع، ثم وحَّده في قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)}؛ لأن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه رِدْءًا ووزيرًا، فكما كان الأصل في الرسالة فهو الأصلُ في البشارة، وأيضًا فإن موسى وأخاه لما أُرسلا برسالة واحدة كانا رسولًا واحدًا كقوله تعالى: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ} [الزخرف: 46] فهذا الرسول هو الذي قيل له: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)}.
فائدة
الفقهاءُ يقولون: عَدَم المانع شرطٌ في ثبوتِ الحكمِ؛ لأن الحكمَ يَتَوَقَّفُ عليه، ولا يلزمُ من تحَقُق عدم المانع ثبوتُ الحكم، وهذا حقيقةُ الشرط، واعْتَرَضَ على هذا الشِّهابُ القَرَافِيُّ (1)، وزعم أنه غيرُ صحيح بأن قال: “المشكوكُ فيه ملغىً في الشريعة، فإذا شككنا في الشرط أو في السبب لم يترتَّبِ الحكمُ، وإذا شككنا في المانع رتبنا الحكمَ، كما إذا شككنا في رِدَّة زيد قبل وفاته، أو في طلاقه لامرأته لم يمنع ذلك تَرَتُّبَ الميراث”.
ثم قال: “فلو كان عدمُ المانع شرطًا لاجتمعَ النقيضانِ فيما إذا شَككْنا في طَرَيان المانع؛ لأن الشَّكَّ في أحد النقيضين يُوجِبُ الشَّكَّ فيِ النقيضِ الآخر، فإذا شَكَكْنا في وجودِ المائع شككنا في عدمه ضَرُورَة، فلو كان عدمُه شرطًا لكنَّا قد شككنا في الشرط، والشَّكُّ في الشرط يمنعُ تَرَتُّبَ الحُكم، والشَّكُّ في المانعِ لا يمنع تَرَتُّبَ الحُكم، فيجتمعُ النقيضان”.
__________
(1) في كتابه “الفروق”: (1/ 111 – 112).
(4/1316)
قلت: وهذا الاعتراضُ في غايةِ الفساد، فإن الشَّكَّ في عدم المانع إنما لم (1) يؤثِّرْ إذا كان عدمُه مستصْحَبًا بالأصل، فيكونُ الشَّكُّ في وجودِه ملغىً بالأصلِ فلا يؤثِّرُ الشَّكُّ، ولا فرقَ بيَنه وبينَ الشَّرط في ذلك، فلو شكَكْنا في إسلام الكافِرِ وعِتْقِ العبد عندَ الموت، لم نُوَرِّثْ قريبَهُ المسلمَ منه، إذا الأَصل بقاءُ الكفر والرِّقِّ، وقد شككنا في ثُبوتِ شرطِ التَّوريثِ.
وهكذا إذا شككنا في الرِّدَّة أو الطلاق لم يمنع الميراث؛ لأن الأصل عَدَمُهُما، ولا يمنعُ كون عدمهما شرطًا ترتُّب الحكم مع الشَّكِّ فيه؛ لأنه مستندٌ إلى الأصل، كما لم يمنع الشك في إسلام الميِّت الذي هو شرطُ التوريث منه؛ لأن بقاءَهُ مستَنِدٌ إلى الأصل، فلا يمنعُ الشك فيه من ترتب الحُكْم، فالضابطُ: أن الشَّكَّ في بقاء الوصف على أصله، أو خروجه عنه لا يؤثِّرُ في الحكم استنادًا إلى الأصل، سواءٌ كان شرطًا أو عدم مانع، فكما لا يمنعُ الشَّكُّ في بقاء الشرط من ترتب الحكم، فكذلك لا يمنعُ الشَّكُّ استمرارَ عدم المانع من ترتُّب الحُكم، فإذا شككنا هل وُجِد مانع الحكم أم لا؟ لم يمنع من تَرَتُّب الحكم ولا من كون عدمِهِ شرطًا؛ لأن استمرارَهُ على النفيِ الأصليِّ يجعلُه بمنزلة العَدَم المحقَّقِ في الشَّرْع، وإن أمكنَ خلافُه، كما أن استمرارَ الشرط على ثُبوته الأصلي يجعلُه بمنزلة الثابت المحقق شرعًا، وإن أمكن خلافُه (2)، فعلم أن إطلاق الفقهاء صحيحٌ، واعتراض هذا المعترض فاسدٌ.
ومما يُبيِّنُ لك الأمرَ اتِّفاقُ الناس على أنَّ الشرط ينقسمُ إلى
__________
(1) سقطت من (ق).
(2) (ق): “ما لم يُعْلَم”.
(4/1317)
وجودي وعدمى، يعني: أن وجود كذا شرط في الحكم، وعدم كذا شرط فيه، وهذا متَّفقٌ عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف، وما كان عَدَمُهُ شرطًا فوجودُهُ مانِعٌ، كما أن ما وجوده شرطٌ فعدمه مانعٌ.
فعدمُ الشرطِ مانع من موانع الحكم، وعدم المانع شرط من شروطه، وبالله التوفيق.
فائدة
الحاكمُ محتاج إلى ثلاثة أشياءَ لا يَصِحُّ له الحكمُ إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات.
فالأدلَّةُ، تُعَرِّفْهُ الحكمَ الشَّرعيَّ الكُلِّيَّ. والأسبابُ، تُعَرِّفُهُ ثبوتَه في هذا المحلِّ المُعيَّن أو انتفاءَه عنه. والبَيِّنات، تعرِّفْهُ طريقَ الحكم عند التَّنازعُ، ومتى أخطأ في واحدٍ من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم، وجميعُ خطأ الحكَّام مداره على الخطأ فيها، أو في بعضها.
مثالُ ذلك: إذا تنازعَ عندَه اثنان في ردِّ سلعة مشتراة بعيب، فحكمُهُ موقوفٌ على العلم بالدَّليل الشَّرعي الذي يُسَلِّطُ المشتريَ على الرَّدِّ، وهو إجماعُ الأمةِ المستندُ إلى حديث المُصرَّاة وغيره. وعلى العلم بالسَّبب المثبتِ لحكم الشَّارع (1) في هذا البيع المعَيَّن، وهو كون هذا الوصف عيبًا يسلَّط على الرَّدِّ أم ليس بعيب، وهذا لا يتوقَّفُ العلمُ به على الشَّرع بل على الحِسِّ أو العادة أو العُرْف أو الخبر، ونحو ذلك. وعلى البيِّنة التي هي طريقُ الحكم بين
__________
(1) (ع): “التنازع”.
(4/1318)
المتنازعين، وهى كلُّ ما يُبيِّن له صدق أحدِهما يقينًا أو ظنًّا من إقرار أو شهادةِ أربعةِ عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسارِ بتَلَف مالِه على أصحِّ القولين، أو شاهدين أو شهادة رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجل واحد وهو الذي يُسَمِّيه بعضُهم الإخبار، ويُفَرَّق بينه وبين الشهادة بمجرَّدِ اللفظ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابِلة والمُرْضعَة، أو شهادة النساء منفرداتٍ حيث لا رَجُلَ معهنَّ؛ كالحمَّامَات والأعراس على الصَّحيح الذي لا يجوزُ القولُ بغيره. أو شهادةُ الصبيان على الجِراح إذا لم يتفرَّقوا، أو شهادة الأربع من النِّسوة، أو المرأتين، أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك وأحمد وأبي حنيفة، وكتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتُب العلم، ونحو ذلك، كتنازع النَّجَّار والخيَّاط في القَدُوم والجَلَم (1)، والإبرة والذِّراعِ، وكتنازع الورَّاق والحدَّاد في الدَّواة والمسطرة والقَلَم، والمِطْرقة والكَلْبَتَيْنِ والسَّنْدَان (2)، ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثرُ أهلِ العلم لكل واحد من المتنازعين بآلة صَنْعَتِهِ بمجرَّد دعواه.
والشافعيُّ يقسم الخُفَّ بين الرَّجل والمرأة، ويقسِمُ الكتابَ الذي يُقرَأُ فيه (3) بينهما، وكذلك طيلسانه وعِمامته.
أو الشاهد واليمين، أو اليمين المردودة، أو النُّكول المجرد، أو القَسَامة، أو الْتِعان الزوج ونكول الزوجة، أو شهادة أهل الذِّمَّة في الوصِيَّة في السفر، أو شهادة بعضهم على بعض، أو الوصف للُقَطَةٍ،
__________
(1) الجَلَم: مقص يستعمل لجزّ الصوف، “اللسان”: (12/ 102).
(2) الكلبتان: آلة تكون مع الحدَّاد يأخذ بها الحديد المحمى، “اللسان”: (1/ 726)، والسندان: هي الزُّبرة التي يضرب عليها الحداد الحديد. “اللسان”: (15/ 91).
(3) (ظ): “يقرأونه”.
(4/1319)
أو شهادة الدار (1)، أو الحَبَل في ثُبوت زنا التي لا زوج لها، أو رائحة المسكر أو قيئه، أو وجود المسروق عند من ادُّعِيَ عليه سَرِقَتُهُ على أصحِّ القولين، أو وجوه (2) الآجُرِّ ومعاقد القُمُط وعقد الأَزَجَ (3) عند من يقول به، فهذه كلها داخلة في اسم البيِّنة، فإنها اسم لما يُبَيِّنُ الحقَّ ويُوضِّحُهُ.
وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه، حيث حكى عن شاهد يوسفَ اعتبارَه لقدِّ القميص، وحكى عن يعقوب وبنيه أخذَهُمُ البضائعَ التي باعوا بها بمجرَّدِ وجودِهم لها في رِحالِهم اعتمادًا على القرائن الظاهرة، بأنها وُهِبَتْ لهم ممن يمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها، وهم لم يشاهدوا ذلك، ولا أُعْلِموا به، ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة.
وكذلك سليمانُ بن داود حَكَمَ للمرأةِ بالوَلَد بقرينةِ رحْمَتِها له لما قال: “ايتُوْنِي بالسِّكِّيْنِ أَشُقَّهُ بَيْنَكما، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ هو ابْنُها، فَقَضَى به لها” وهذا من أحسن القرائن وألطفها.
وكذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – أَمَرَ بتعذيب أحد ابني الحُقَيق اليهودي ليَدُلَّهُ على كَنز حُيَيِّ بن أخطبَ وقد ادَّعى ذَهابَهُ، فقال: “هو أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالعَهْدُ قَرِيبٌ” (4)، فاستدلَّ بهذه القرينة الظاهرة على كَذِبهِ في دعواه، فأمر الزُّبيرَ أن يُعَذِّبَهُ حتى يُقِرَّ به، فإذا عذَّبَ الوالي المتَّهّمَ إذا ظهر له كَذِبُهُ ليُقِرَّ بالسرقة لم يخرجْ عن الشريعة، إذا ظهرت له رِيبة (5)، بل
__________
(1) وهي: أن يتنازع رجلان دابة فيتركاها فمن دخلت داره فهي له.
(2) (ق): “وجود”.
(3) تقدم شرح هذه الكلمات فيما سبق (3/ 1036).
(4) تقدم الحديثان؛ حكومة سليمان: (ص / 12)، وتعذيب ابني الحقيق: (ص/ 1037).
(5) (ع وق): “ريبته”.
(4/1320)
ضَرْبُهُ له في هذه الحال من الشَّرع.
وقد حَبَسَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تُهْمَةٍ، وقد عزم عليٌّ والزُّبَيْر على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها، لما تَيَقَّنا أن الكتابَ معها (1). فإذا غلب على ظنِّ الحاكم أن الحال المسروق أو غيره في بيت المُدَّعَى عليه أو معه، فأمر بتفتيشِهِ حتى يظهرَ المالُ، لم يكن بذلك خارجًا عن الشرع.
وقد قال النعمانُ بن بشير للمُدَّعِي على قوم سَرِقةَ مالٍ لهم: إن شئتمْ أن أضربَهم فإن ظهرَ متاعُكُمْ عندَهم، وإلا أخذتُ من ظهورِكم مثلَه، يعني: مثلَ ضَرْبِهِمْ، فقالوا: هذا حكمُك؟ قال: بل هذا حكمُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (2). رواه أحمد (3).
والرجوعُ إلى القرائن في الأحكام متَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، بل بين المسلمين كلِّهم. وقد اعتمد الصحابةُ على القرائن في الحدود؛ فرجموا بالحَبَل وجَلَدوا في الخَمْرِ بالقَيْءِ والرَّائحة، وأمر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – باستنكاه المُقِرِّ بالزِّنا (4) وهو اعتمادٌ على الرَّائحة.
والأمة مُجْمِعَةٌ على جواز وطء الزوج للمرأة التي تُهديها إليها النساء ليلة العُرْس، ورجوعه إلى دلالة الحال أنها هي التي وقع عليها العقدُ وإن لم يَرَها ولم يشهدْ بتعيينها رجلان.
__________
(1) تقدم تخريج هذه الأحاديث: (3/ 1037، 1089) من هذا الكتاب.
(2) أخرجه أبو داود رقم (4382)، والنسائي: (8/ 66) من حديث النعمان بن بشير.
(3) لم أر من عزاه إلى أحمد غير المصنف وقد ذكره هو في “الزاد” (5/ 52) ولم يعزه إلى أحمد، فلعله في غير المسند.
(4) أخرجه مسلم رقم (1695) من حديث بريدة بن الحُصَيب -رضي الله عنه-. والاستنكاه: الشم.
(4/1321)
ومُجْمعةٌ على جواز أكل الهدية وإن كانت من (1) فاسق، أو كافر أو صبيٍّ (2)، ومن نازع في ذلك لم يُمكنْه العملُ بخلافِهِ، وإِنْ قاله بلسانه.
ومجمعةٌ على جواز شراء ما بيد الرجل اعتمادًا على قرينة كونه في يده، وإن جازَ أن يكونَ مغصوبًا، وكذلك يجوزُ إنفاقُ النقدِ إذا أخبر بأنه صحيحٌ رجلٌ واحدُ، ولو كان ذِمِّيًّا، فالعملُ بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعُرْف (3).
فائدة (4)
الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم فالأولُ يتوقَّفُ على الشارع، والثاني يُعْلَم بالحِسِّ أو الخبر أو الشهادة (5).
فالأول: الكتابُ والسُّنَّة ليس إلا، وكلُّ دليل سواهما فمستنبطٌ منهما.
والثاني: مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه، فدليلُ مشروعيته يرجعُ فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليلُ وقوعه يرجعُ فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشُّروط والموانع.
__________
(1) (ق وظ): “مع”، ومحتملة للأمرين في (ع).
(2) (ظ): “فاسق أو كان صبي”.
(3) انظر ما تقدم في هذا الكتاب (3/ 1037 – 1089 – 1096)، و”الطرق الحكمية”: (ص/5 – 15).
(4) (ق): “قاعدة”.
(5) (ظ): “الزيادة”.
(4/1322)
ومن أمثلة ذلك: بيع المُغَيَّب في الأرض من السَّلْجم والجَزَر والقُلْقاس وغيره؛ فدليل المشروعية أو منعها موقوفٌ على الشارع لا يُعلمُ إلا من جهته، ودليلُ سبب الحكم أو شروطه أو مانعه يرجعُ فيه إلى أَهْله.
فإذا قال المانِعُ من الصِّحَّة: هذا غَرَرٌ؛ لأنه مستورٌ تحت الأرض، قيل: كون هذا غَرَزًا أو ليس بغَرَر، يرجعُ إلى الواقع لا يتوقَّفُ على الشرع، فإنه من الأمور العاديَّة المعلومة بالحِسِّ أو العادة، مثل كونه صحيحًا أو سقيمًا، وكبارًا أو صغارًا، ونحو ذلك، فلا يُسْتدلُّ على وقوع أسباب الحكم بالأدلَّة الشرعية، كما لا يُسْتَدلُّ على شرعيته بالأدلة الحسية، فكود الشيء متردِّدًا بين السَّلامة والعَطَب، وكونه مما يجهلُ عاقبتُهُ وتطوى مغَبَّتُه أو ليس كذلك يُعْلمُ بالحِسِّ أو العادة لا يتوقَّفُ على الشَّرع، ومن استدلَّ على ذلك بالشرع، فهو كمن استدلَّ على أن هذا الشرابَ مثلًا مسكرٌ بالشَّرع، وهذا ممتنعٌ بل دليلُ إسكاره الحِسُّ، ودليل (1) تحريمه الشرعُ.
فتأمَّلْ هذه الفائدةَ ونفعَها، ولهذه القاعدة عبارةٌ أخرى وهي: أن دليلَ سببية الوصف غيرُ دليل ثبوته، فيستدلُّ على سببيته بالشرع، وعلى ثبوته بالحِسِّ أو العقل أو العادة، فهذا شيءٌ وذاك شيءٌ.
فائدة
الأمر المطلق، والجرحُ المُطلق، والعلمُ المُطلق، والترتيبُ المُطلق، والبيعُ المُطلق، والماء المُطلق، والملكُ المُطلق، غيرُ مُطلقِ الأمرِ، والجرح، والعلم … إلى آخرها، والفرق بينهما من وجوه:
__________
(1) من قوله: “هذا الشراب … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(4/1323)
أحدها: أن الأمر المطلق لا ينقسمُ إلى أمر الندب وغيره، فلا يكون موردًا للتقسيم. ومطلق الأمر ينقسمُ إلى أمر إيجاب، وأمر نَدْب، فمطلقُ الأمر ينقسمُ، والأمر المطلقُ غيرُ منقسمٍ.
الثاني: أن الأمرَ المطلقَ فردٌ من أفراد مطلق الأمر، ولا ينعكسُ.
الثالث: أن نفيَ مطلَقِ الأمرِ يستلزمُ نفيَ الأمرِ المطلَق، دونَ العكس.
الرابع: أن ثبوت مطلَقِ الأمرِ لا يستلزمُ ثبوتَ الأمرِ المطلَقِ، دون العكس.
الخامس: أن الأمرَ المطلَقَ نوع لمطلق الأمر، ومطلَقُ الأمرِ (1) جنسٌ للأمر المطلق.
السادس: أن الأمرَ المطلقَ مقيدٌ بالإطلاق لفظًا، مجرَّدٌ عن التقييد معنى، ومطلق الأمر مجرَّد عن التقييد لفظًا مستعملٌ في المقيَّد وغيره معنًى.
السابع: أن الأمرَ المطلقَ لا يصلُحُ للمقيَّد، ومطلَقُ الأمرُ يصلُحُ للمطلَقِ والمُقيَّد.
الثامن: أن الأمرَ المطلَقَ هو المُقَيَّدُ بقيْد (2) الإطلاق، فهو متضمِّن للإطلاق والتَّقييد، ومطلق الأمر غير مقيَّد، وإن كان بعض أفراده مقيَّدًا.
التاسع: أن من بعضِ أمثلةِ هذه القاعدة: الإيمان المُطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق لا يطلقُ إلا على الكامل الكمالَ المأمور به،
__________
(1) من قوله: “لا يستلزم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ع): “تقييد”.
(4/1324)
ومطلقُ الإيمان يطلقُ على النَّاقص والكامل، ولهذا نفى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الإيمانَ المُطلق عن الزَّاني وشارب الخمر والسَّارق ولم ينفِ عنه مطلق الإيمان، فلا (1) يدخل في قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)} [آل عمران: 68]، ولا في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} [المؤمنون: 1]، ولا في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، إلى آخر الآيات، ويدخلُ في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وفي قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]، وفي قوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يُقْتَل مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ” (2)، وأمثال ذلك.
ولهذا كان قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] نفيًا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه.
منها: أنَّه أَمرهم أو أَذِن لهم أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقالُ له ذلك.
ومنها: أنَّه قال: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} ولم يقل: قالَ المنافقونَ.
ومنها: أن هؤلاء هم الجُفَاةُ الذين نَادوا رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتَهم فوقَ صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقًا وكفرًا.
ومنها: أنه قال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، ولم ينْفِ دخولَ الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلامَ كما نفى الإيمان.
ومنها: أنه قال: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا}
__________
(1) (ظ): “لئلآ”.
(2) أخرجه البخاري رقم (111) من حديث علي -رضي الله عنه-.
(4/1325)
أي: لا ينْقِصكم، والمنافق لا طاعةَ له (1).
ومنها: أنه قال: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ} [الحجرات: 17]، فأثبت لهم إسلامًا ونهاهم أن يَمُنُّوا علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يكنْ إسلامًا صحيحًا لقال: لم تُسْلِموا، بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] لما لم تطابقْ شهادتُهم اعتقادَهم.
ومنها: أنه قال: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} ولو كانوا منافقينَ لما منَّ عليهم.
ومنها: أنه قال: {أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} ولا ينافي هذا قوله: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} فإنه نفي (2) الإيمان المطلق، ومنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمِّنٌ لمطلق الإيمان.
ومنها: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما قَسَم القَسْمَ قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمن، فقال: “أو مُسْلِمٌ” (3) ثلاث مرات، فأثبت له الإسلامَ (4) دونَ الإيمانِ. وفي الآية أسرارٌ بديعة ليس هذا موضِعَها. والمقصودُ: الفرقُ بين الإيمان المطلقِ ومطلق الإيمان. فالإيمانُ المُطلق يمنعُ دخولَ النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلودَ فيها (5).
العاشر: أنك إذا قلت: الأمرُ المطلقُ فقد أدخلت الَّلام على الأمرِ، وهي تُفيدُ العمومَ والشُّمولَ، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق،
__________
(1) (ق): “والمنافقون لا طاعة لهم”.
(2) (ع): “لا ينفي” وهو خطأ.
(3) أخرجه البخاري رقم (27)، ومسلم رقم (150) من حديث سعد بن أبي وقاص – رضى الله عنه-.
(4) بعده في (ق): “ثلاث مرات”.
(5) وانظر “مجموع الفتاوى”: (7/ 238 – 253).
(4/1326)
بمعنى: أنه لم يُقَيَّدْ بِقَيدٍ يُوجِبُ تخصيصَه من شرط أو صفة أو غيرهما، فهو عامٌّ في كلِّ فرد من الأفَراد التي هذا شأنُها.
وأما مطلق الأمر؛ فالإضافة فيه ليست للعموم بل للتَّمييز، فهو قَدْرٌ مشتركٌ مطلقٌ (1) لا عامٌّ، فيصدق بفردٍ من أفراده، وعلى هذا فمطلقُ البيع جائزٌ والبيع المطلق ينقسمُ إلى جائز وغيره، والأمر المُطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسمُ إلى الواجب والمندوب. والماء المطلقُ طَهور، ومطلقُ الماء ينقسم إلى طهور وغيره. والمُلك المطلق هو الذي يثبتُ للحُرِّ، ومطلقُ المُلك يُثبتُ للعبد.
فإذا قيل: العبدُ هل يملكُ أم لا يملكُ؟ كان الصوابُ إثباتَ مطلق المُلك له دون الملك المُطلق.
وإذا قيل: هل الفاسقُ مؤمنٌ أو غيرُ مؤمن؟ فهو على هذا التَّفصيل، والله تعالى أعلم.
فبهذا التحقيق يزولُ الإشكال في مسألة المندوب: هل هو مأمورٌ به أم لا (2)؟ وفي مسألة الفاسق المِلِّي: هل هو مؤمنٌ أم لا؟ (3).
فائدة (4)
نصَّ الشافعيُّ على أن البيعَ لا ينعقدُ إلا بالإيجاب والقبول (5)،
__________
(1) (ظ): “مشترك بين مطلق … “!.
(2) انظر “المسودة”: (ص / 6).
(3) انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(4) من هنا وقع في النسخ اضطراب في ترتيب الفوائد والفصول، فجرينا في -الأغلب- على التزام ما في (ظ) وهي الموافقة للنسخ المطبوعة، إلا في مواضع فقد أخذنا بترتيب (ع وق) أو أحدهما؛ لفائدة اقتضت ذلك، واكتفينا بهذا التنبيه عن ذكره في كل موضع.
(5) لم أجده منصوصًا في الأم، فلعله في كتاب آخر، وقد نقله عنه عامة أصحابه.
(4/1327)
وخرَّج ابنُ سُرَيج (1) له قولًا إنه ينعقد بالمُعاطاة (2)، واختلف أصحابُه من أين خرَّجه؟.
فقال بعضُهم: خرَّجه من قوله في الهَديْ إذا عطب قبل المحل، فإنَّ المُهدي ينحرُهُ، ويغمس نعلَه في دمِهِ، ويخلِّي بينه وبين المساكين، ولا يحتاجُ إلى لفظ بل القرينة كافية.
واعترض على هذا التخريج بأن ذلك من باب الإباحات وهي مبنيَّةٌ على المُسامحات، يغْتفَرُ فيها ما لا يُغْتَفَر في غيرها، كتقديم الطعام للضَّيف، والبيع من باب المعاوضات التي تعقدُ على المشاحَّة، ويطلب الشارعُ فيها قطع النزاع والخصومة بكلَّ طريق.
وقال بعضُهم: هو مخرَّج عن مسألة الغَسَّال والطبَّاخ ونحوهما، فإنه يستحقُّ الأجرة مع أنه لم يسم شيئًا.
واعتُرِض على ذلك بأنه لا نصَّ للشافعيِّ فيها إلا عدم الاستحقاق، وإنما قال بعض أصحابه: يستحقُّ الأجرة.
وقال بعضُهِم: هو مخرَّج من مسألة الخلع إذا قال لها: أنْتِ طالِقٌ إن أَعْطَيْتِني ألفًا، فوَضَعَتْها بينَ يديه، فإنها تطلقُ ويملك الألف، مع أنه لم يصدرْ منها لفظٌ يدلُّ على التمليك.
وحُكِي أنْ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يرجِّحُ التَّخريجَ (3) من هاهنا. واعْتُرِض عليه بأن في الخلع شائبةَ التَّعلُّق (4) والمعاوضة،
__________
(1) أبو العباس أحمد بن عمر ابن سُرَيْج من أئمة الشافعية ت (306).
(2) انظر: “الوسيط”: (3/ 8)، و “المجموع”: (9/ 153).
(3) (ع): “التحريم”.
(4) (ق): “التعليق”.
(4/1328)
وأما البيع فمعاوضةٌ محضةٌ، ولهذا يصحُّ الخلعُ بالمجهول دون البيع.
فائدة
ما عُلق جوار البَدَل فيه على فقد المُبْدل، فإذا فُقِدا معًا فهل يجبُ عليه تحصيل المُبدل أو يتخير بينه وبين البَدَل؟.
فيه خلافٌ، وعليه إذا وجبت عليه بنتُ مخاضٍ فعَدِمها فابنُ لَبُون.
فإن عدمه فقولان:
أحدهما: يتخيَّر بينهما في الشِّراء، والثاني: أنه يتعيَّنُ شراء الأصل.
ومنها: أنه لو ملك مئتين من الإبل، وقلنا: يخرجُ أربعَ حِقاقٍ تعيينًا (1) فعدمها (2)، فهل يجوز أن يشتريَ خمس بنات لَبون؛ فيه خلافٌ.
فائدة
ثلاثةٌ من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصارًا مهاجرين، ذكرهم ابن إسحاق في “سيرته” (3):
أحدهم: ذَكوان بنُ عبد قيس من بني الخَزْرج، قال ابن إسحاق: كان خرج إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان معه بمكة ثم هاجر منها إلى المدينة، وكان يقال له: مهاجري أنصاري شهد بدرًا (4)، وقتل بأُحُد شهيدًا.
__________
(1) غير بيّنة، وهكذا استظهرت قراءتها.
(2) من قوله: “فابن لبون” … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) انظر “سيرة ابن هشام” -على الترتيب-: (1/ ق 2/ 460، 464، 465).
(4) “شهد بدرًا” سقطت من (ع).
(4/1329)
والعباس بن عبَادةَ بن نَضْلَةَ من بني الخَزْرج أيضًا، قال ابن إسحاق: كان فيمن خَرَج إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو بمكة فأقام معه بها، قُتل يوم أُحُد شهيدًا.
وعُقْبة بن وهب خرج إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مهاجرًا من المدينة إلى مكة وكان يقالُ له: مهاجري أنصاري حليف لبني الخَزْرج.
فائدة (1)
إذا قال الحاكم المولَّى: “كنت حَكمْتُ بكذا” قُبِل قوله عند أحمد والشَّافعي والجمهور، وعند مالك لا يقبَل قولُه.
قال الجمهور: هو يملكُ الإنشاء فيملكُ الإقرارَ كوليِّ المُجْبَرة إذا قال: زوَّجْتُها من فلان، قُبِلَ قولُه اتفاقًا.
قال أصحابُ مالكٍ: الفرقُ يبنهما أن وَلِيَّ المجْبرة غيرُ متَّهَمْ عليها (2) لكمال شفقته وكمال رعايته لمصالح ابنته، بخلاف الحاكم.
قال أصحاب القول: وكذلك نحن إنما نقبلُ قولَ الحاكم: حكمت، حيث تنتفي التُّهمة، فإما إذا كان تهمةٌ لم يُقْبَلْ.
قال أصحاب مالك: هذا نفسُه في مظنَّة التُّهمةِ فوجب ردُّه، كما يُرَدُّ حكمُه لنفسه، وحكمه بعلمه، فمظنَّةُ التُّهمة كافيةٌ، وأما الأبُ فهو في مظنَّةِ كمال الشفقة، ورِعَاية مصلحة ابنته فافترقا، وهذا فقهٌ ظاهرٌ، ومأْخَذٌ حسنٌ، والإنصافُ أولى من غيره.
__________
(1) (ق): “فصل”.
(2) (ظ): “بخلعها”.
(4/1330)
فائدة
إذا حَلَفَ على شيءٍ بالطَّلاقِ الثَّلاث أنه لا يفعلُه، ثم خالَعَ ولم يفعلهُ، ثم تزوَّجها:
فقال الشيخ عزُّ الدين بنُ عبد السلام: الصحيحُ أنه لا يعودُ الحِنْث، فَذُكِر له اختيار الشيخ أبي إسحاق في كتاب الطلاق (1)، فقال: ذلك غلطٌ، قال: ومأخذُنا في هذه المسألة أنه لو عاد الحنثُ في النكاح الثاني مَلَك بالعقد الواحد أكثر من ثلاث تطليقات، بيانُه: أن النِّكاح يملكُ به ثلاثًا، والتنجيزُ كالتَّعليق، فإنه يملكُ بالعقد الطلاق المنجَزَ والمعلَّقَ ولا يزيدُ ذلك على ثلاث، فلو عاد الحنث لمَلَكَ ثلاثًا بالعقد، لو نجزها لوقعت ومَلَك المعلَّق بتقدير عَوْد الحنث، وهو محالٌ.
فائدة
ربما يظنُّ بعضُ النَّاس أن عدَّة المُتَوَفَّى عنها زوجُها (2) أربعةُ أشهر وعشر ليال، فإذا طَلَعَ فجرُ الليلة العاشرة انقضتِ العِدَّةُ. ووقع في “التنبيه” (3): “وإن كانت أَمَةً اعتدت بشهرينِ وخمس ليال”.
ويقوِّي هذا الوهمَ: حذفُ التاء من العشر، وإنما يحذفُ مع المؤنث نحو: سبع ليال وثمانية أيام.
__________
(1) انظر: “البيان” (10/ 224) للعمراني.
(2) من (ق).
(3) (ص/ 200).
(4/1331)
وجوابُ هذا: أن المعدودَ إذا ذكِر مع عدده، فالأمرُ كما ذكر تحذف التاءُ مع المؤنث وتثبتُ مع المذكّر، وإذا ذكرَ العَدَدُ دون معدودِهِ المذكَّر جاز فيه الوجهان: حذف التاء وذكرها، حكاه الفَرَّاء وابنُ السِّكِّيت وغيرهما، وعلى هذا جاء قوله – صَلَّى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ بسِتِّ مِنْ شَوَّال” (1)، ولم يقل بستَّة.
وقوله تعالى: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103)} [طه: 103]، فهذه أيامٌ بدليل ما بعدها، وعلى هذا فلا تنقضي العِدَّةُ حتَّى تغيبَ شمسُ اليوم العاشر، وما وقع فى “التنبيه” فغلط، والله أعلم، ووقع له هذا فى باب العدد في باب الاستبراء (2).
فائدة
المُرْضعُ: من لها وَلَدٌ تُرْضِعُهُ، والمُرْضِعَةُ: من ألقمتِ الثَّدْيَ للرَّضيع، وعلى هذا فقوله تعالى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2]، أبلغُ من “مرْضع” في هذا المقام، فإن المرأةَ قد تذهلُ عن الرَّضيع إذا كان غيرَ مباشر للرَّضاعةِ، فإذا التقم الثَّدْيَ، واشتغلت برضاعِهِ (3) تذهل عنه إلا لأمرٍ هو أعظمُ عندها (4) من اشتغالها بالرَّضَاع.
وتأمَّل السِّرَّ البديع فى عدوله -سبحانه- عن “كلِّ حامل” إلى قوله: “ذات حمل”، فإن العامل قد تطلق على المهيَّأةَ للحمل،
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه -.
(2) (ص / 203).
(3) (ق): “وأشغلته برضاعته”.
(4) (ق): “عليها”.
(4/1332)
وعلى من هي في أول حملها ومبادئه، فإذا قيل: “ذات حَمل” (1)، لم يكنْ إلَّا لمن قد ظهر حملُها وصلح للوضع كاملًا أو سقطًا، كما (2) يقال: “ذات وَلَد”، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرَّضاعة دونَ التَّهيُّؤِ لها، وأتى في الحامل بالنسب (3) الذي يحقِّقُ وجود الحَمْل وقبوله للوضع، والله أعلم.
فائدة
قال الشَّيخُ تاجُ الدين (4): سُئل الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام عن معنى قول الفقهاء للمطلِّق الطَّلاقَ الرَّجعِيَّ: قلْ: “راجعتُ زوجتي إلى نكاحي” (5) ما معناه؟ وهي لم تخرجْ من النِّكاح، فإنَّها زوجة في جميع الأحكام؟.
فقلت له: معناه أنَّها رجعتْ إلى النِّكاح الكامل الذي لم تكنْ فيه صائرةً إلى بينونة بانقضاء زمان، وبالطَّلاق صارت جارية (6) إلى بينونة بانقضاء العِدَّة، فقال: أحسنت.
__________
(1) من قوله: “فإن الحامل … ” إلى هنا سقطت (ظ).
(2) (ع): “فلا”!.
(3) كذا في (ع وق)، وفي (ظ): “بالسبيل”، وفي المطبوعة: “بالسبب” وهو محتمل.
(4) لعل المقصود به هو: عبد الرحمن بن إبراهيم الفَزَاري تاج الدين المعروف بالفِرْكاح، أحد فقهاء الشافعية، ومن أشهر تلاميذ العز ت (690)، له تصانيف، انظر: “طبقات الشَّافعية”: (8/ 163 – 164).
ومن تلاميذ العز -أيضًا- ممن يلقب “تاج الدين”: عبد الوهاب بن خلف ابن بدر العَلامي، تاج الدين ابن بنت الأعز ت (665). انظر: “طبقات الشَّافعية”: (8/ 318 – 323).
(5) انظر: “المغني”: (10/ 561)، و “روضة الطالبين”: (8/ 215).
(6) من (ق) وفي (ع): “صائرة”.
(4/1333)
فائدة
القاضي والمفتي مشتركان في أنَّ كلاًّ منهما يجبُ عليه إظهارُ حكم الشَّرع فْي الواقعة، ويتميَّزُ الحاكم بالإلزام به وإمضائه، فشروط الحاكم ترجِع إلى شروط الشَّاهد والمفتي والوالي، فهو مخبر عن حكم الشَّارع (ق / 321 أ). بعلمه، مقبولٌ بعدالته، منفذٌ بقدرته.
فائدة (1)
كان الشَّيخ عزُّ الدين يستشكِل مذهبَ الشَّافعي في أن حَجْر الصَّبِي يستمرُّ بمجرَّد (2) الفِسق والسَّفَهِ في الدين، وقال: قد اتَّفق النّاسُ على: أن المجهول يسمعُ الحاكمُ دعواه والدعوى عليه، فالغالب في الناس وجودًا عدمُ الرُّشد في الدين، فلو كان الصلاحُ في الدين شرطًا في فكِّ (3) الحجر، لزم أن لا يسمعَ دعوى المجهول ولا إقراره، وذلك خلاف الإجماع المستمرّ عليه العمل.
فائدة
اختلف النَّاس: هل السَّماءُ أشرفُ من الأرض، أم الأرض أشرف؟
فالأكثرون على الأوَّل، واحتجَّ من فضَّل الأرض: بأن الله أنشأ منها أنبياءَه وَرُسله وعبادَهُ المؤمنينَ، وبأنها مساكنهم ومحلُّهم أحياءً وأمواتًا، وبأنَّ الله سبحانه وتعالى لما أرادَ إظهار فضلِ آدَمَ للملائكة قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] فأظهرَ فضله عليهم
__________
(1) قبله في (ق): “فرع”:
(2) (ق): “بوجود”.
(3) (ظ) والمطبوعات: “كل”.
(4/1334)
بعلمه واستخلافه في الأرض، وبأن الله -سبحانه- وصفَها بأن جعلها محلَّ بركاته عمومًا وخصوصًا، فقال: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} [فصلت: 10]، ووصف الشامَ بالبَرَكة في ستِّ آيات، ووصف بعضَها بأنَّها مقدَّسة، ففيها الأرضُ المباركة والمقدسة والوادي المقدَّس، وفيها بيته الحرام ومشاعرُ الحجِّ والمساجد التي هي بيوته سبحانه، والطور الذي كلَّم عليه كليمَه ونجيَّه. وإقسامه سبحانه بالأرض عمومًا وخصوصًا أكثر من إقسامه بالسماء، فإنَّه أقسَم بالطُور والبلدِ الأمينِ والتينِ والزيتونِ، ولما أقسم بالسَّماء أقسَمَ بالأرض معها، وبأنه سبحانه خَلَقَها قبل خلق السماء (1) كما دلَّت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبِطُ وحيه ومستقرُّ كتبه ورسله، ومحلُّ أحبِ الأعمال إليه، وهو الجهادُ والصَّدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومُغايظة أعدائه ونصر أوليائه، وليس في السماء من ذلك شيءٌ، وبأنَّ ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتَّقين أفضلُ من سكَّان السماء من الملائكة، كما هو مذهبُ أهل السنة، فمسكنُهم أشرف من مسكن الملائكة، وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعادن والأقوات والحيوان والنبات مما هو من بركاتها لم يودَع في السَّماء مثلُه، وبأن الله سبحانه قال: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)} [الذاريات: 20] ثم قال: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)} [الذاريات: 22] فجعل الأرضَ محلَّ آياته والسماءَ محلَّ رزقه، فلو لم يكن فيها إلَّا بيتُهُ وبيتُ (2) خاتَم أنبيائه ورسله حيًا وميتًا، وبأن الأرض جعلها الله قرارًا وبساطًا ومهادًا وفراشًا، وكِفاتًا، ومادَّة للسَّاكن؛ لملابسه
__________
(1) (ق وظ): “الأرض” والمثبت من (ع) وحاشية (ظ).
(2) (ق): “فإن لم يكن فيها إلا بنية خاتم”!.
(4/1335)
وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلائه (1)، ولا سيَّما إذا أخرجتْ بَرَكَتَها وازَّيّنتْ وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيج.
قال المفضلون للسَّماء: يكفي في فضلها (ظ/223 ب) أن ربَّ العالمين سبحانه (2) فيها. وأن عرشَهُ وكُرسِيَّهُ فيها، وأن الرفيقَ الأعلى الذي أُنعِم عليهم فيها، وأن دارَ كرامته فيها، وأنها مستقرُّ أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر، وأنها مُطَهَّرةٌ مُبرَّأَة من كلِّ شرٍّ (3) وخَبَثٍ ودَنَس يكونُ في الأرض، ولهذا لا تُفتح أبوابها للأرواح الخبيثة، ولا تلجُ ملكوتَها، وبأنها مسكنُ من لا يَعْصُون اللهَ طرفةَ عين، فليس فيها موضعُ أربعٌ أصابعَ إلا ومَلَكٌ ساجدٌ أو قائمٌ، وبأنها أشرفُ مادَّة من الأرض، وأوسعُ وأنْوَر وأصفى وأحسنُ خِلْقَةً وأعظمُ آياتٍ، وبأن الأرض محتاجةٌ في كمالها إليها، ولا تحتاجُ هي إلى الأرض، ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدَّمَة على الأرض، وجُمِعت وأُفْرِدت الأرض فلشرفها وفضلها أتي بها مجموعة، وأمَّا الأرض فلم تأْتِ إلَّا مفردة، وحيث أريد تعدادُها قال: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
فائدة
فرق النِّكاح عشرون فرقة؛ الأولى: فرقة الطلاق. الثانية: الفسخ للعُسْرة بالمهر. الثالثة: الفسخ للعسرة عن النفقة. الرابعة: فرقة الإيلاء. الخامسة: فرقة الخُلع السادسة: تفريق الحَكمين. السابعة: فرقة العِنِّين.
__________
(1) وتحتمل قراءتها: “آلاته”.
(2) (ع): “أن رب السماء”.
(3) (ق): “شِية”.
(4/1336)
الثامنة: فرق اللعان. التاسعة: فرقة العتق تحت العبد. العاشرة: فرقة الغرور. الحادية عشرة: فرقة العيوب. الثَّانية عشرة: فرقة الرضاع. الثالثة عشرة: فرقة وطءِ الشبهة حيث تحرم الزوجة. الرابعة عشرة: فرقة إسلام أحد الزوجين. الخامسة عشرة: فرقة ارتداد أحدهما. السادسة عشرة: فرقة إسلام الزوج وعنده أختان أو أكثر من أربع، أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها. السابعة عشرة: فرقة السِّبَاء. الثامنة عشرة: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبه. التاسعة عشرة: فرقة الجهل بسبق أحد النِّكاحين. العشرون: فرقة الموت.
فهذه الفرقُ منها إلى المرأة وحدَها: فرقة الحُرِّيّة والغرور والعيب. ومنها إلى الزوج وحده: الطَّلاق والغرور والعيب أيضًا. ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو: فرقة العِنين والحَكَمَينْ والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونِكاح الوَليَّين. ومنها ما لا يتوقَّف على أحد الزوجين ولا الحاكم وهو: اللِّعان والرِّدة والوطء بالشُّبهة وإسلام أحدهما وملك أحد الزوجين صاحِبهُ والرضاع.
وهذه الفرق منها ما لا يتلافى (1) إلَّا بعد زوجِ وإصابة وهو: استيفاء الثلاث، ومنها مالا يتلافى أبدًا وهو: فرقة اللعان والرَّضاع والوطء بشُبهة، ومنها ما يتلافى (2) في العِدَّة خاصة وهي فرقة الرِّدَّة وإسلام أحد الزَّوجينِ (3) والطَلاق الرَّجعي، ومنها ما يتلافى (4) بعقد جديد وهي: فرقة الخلْع والإعسار بالمهر والنَّفقة وفرقة الإيلاء والعيوب
__________
(1) (ع): “تلافى”.
(2) (ع وق): “ما لا يتلافى”، والتصويب من (ظ).
(3) (ع وظ): “أحدهما”.
(4) (ع): “ما لا”!.
(4/1337)
والغرور، وكلها فسخ إلَّا الطلاقُ، وفرقة الإيلاء وفرقة الحكمين.
فائدة (1)
حيث أطلق الفقهاءُ لفظ الشَّكِّ فمرادُهم به التَّرَدُّدُ بين وجودِ الشيءِ وعدمِهِ، سواءٌ تساوى الاحتمالان أو ترجَّح أحدُهما، كقوله: إذا شَكَّ في نجاسة الماء أو طهارته، أو انتقاض الطهارة أو حصولها، (ظ/ 224 أ) أو فعل ركن في الصَّلاة، أو شك هل طلق واحدة أو أكثر، أو شك هل غرَبَتِ الشمسُ أم لا، ونحو ذلك = بنى على اليقين، ويدل على صحَّة قولهم قوله – صلى الله عليه وسلم – (2): “وَلْيَطْرَح الشكَّ وَلْيَبْن عَلَىْ مَا اسْتَيْقنَ” (3).
وقال أهل اللُّغة: الشَّك خلاف اليقين (4)، وهذا ينتقِض بصُوَر:
منها: أن الإمامَ متى تردَّدَ في عدد الرَّكَعَات بنى على الأغلب من الاحتمالين.
ومنها: أنَّه إذا شك في الأواني بني على الأغلب في ظنِّهْ عند من يُجَوِّز له التَّحَري.
ومنها: أنه إذا شك في القِبْلة بني على غالب ظنِّه في الجهات.
ومنها: أنَّه إذا شكَّ في دخول وقت الصَّلاة، جاز له أن يصَلِّيَ إذا غلب على ظنه دخولُ الوقت.
__________
(1) (ق): “قاعدة”. وانظر ما تقدم: (3/ 1276 – 1283).
(2) (ق): “صحتهم قول النبي … “.
(3) أخرجه مسلم رقم (571) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(4) انظر: “المصباح المنير”: (ص/ 122).
(4/1338)
ومنها: أنَّه إذا (1) غلبَ على ظنِّه عدالةُ الراوي والشاهد عمل بها ولم يقفْ على اليقين.
ومنها: إذا شكَّ في المال هل هو نِصَابٌ أم لا، وغلب على ظنّه أنَّه نصاب فإنَّه يزكَيه، كما لو أخبره خارصٌ واحدٌ بأنه نِصابٌ.
ومنها: لو وَجَد في بيته طعامًا وغلب على ظنّه أنَّه أهدي له، جاز له الأكل وإن لم يَتيقَّن، كما لو أخبره به ولده أو امرأتُه.
ومنها: أنَّه لو شكَّ في مال زيد هل هو (2) حلال وحرامٌ؟ وغلب على ظنه أنَّه حرام، فإنَّه لا يجوز له الأكلُ منه، ونظائر ذلك كثيرةٌ جدًّا، فما ذكر من القاعدة ليس بمطَّرِد.
قاعدة (3)
إذا تزاحم حقَّان في محلٍّ، أحدهما متعلِّقٌ بذمَّة مَن هو عليه، والآخَرُ متعلِّق بعين من هي (4) له، قُدِّم الحق المتعلق (ق/321 ب) بالعين على الآخر؛ لأنَّه يفوتُ بفواتِها بخلاف الحق الآخر. وعلى ذلك مسائل:
أحدها: إذا جنى العبدُ المرهون؛ فَدَمُ المجني عليه -بموجب جِنايَته- على المرْتَهنِ، لاختصاص حقِّه بالعين بخلاف المُرْتَهِنِ.
الثانية: إذا جنى عبدُ المَدين، فَدَم المجني عليه على الغرماء كذلك.
__________
(1) من قوله: “شك في دخول … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ق): “في مالٍ أهو”.
(3) (ظ): “فائدة”.
(4) (ع): “متعلق بعين هي … “، و (ق): “متعلق هي”.
(4/1339)
الثَّالثة: إذا تَشَاحَّ البائعُ والمشتري في المبتدي بالتّسليم، فإن كانا عَيْنَينِ، جعل بينهما عدْل، وإن كان الثمنُ في الذِّمة، أجبر البائع على تسليم المَبيع أولًا، لتعلُّق حقِّه بعين المَبيع، بخلاف المشتري فإن حقَّه متعلِّق بذمة البائع.
قاعدة (1).
فرقٌ بين ما يثبتُ ضِمْنًا وما يثبتُ أصالةً: فيُغْتفرُ (2) في الثّبُوت الضِّمني ما لا يُغفرُ في (3) الأصلي، وعلى ذلك مسائل:
منها: لو أقرَّ المريضُ بمال لوارثٍ لم يقبلْ إقرارُه، ولو أقر بوارث قُبِلَ إقرارُه، واستحقَّ ذلك المالَ وغيره.
ومنها: لو اشترى منه سلعة فخرجت مستحقَّة، رجع عليه بدرك المبيع، وقد تضمَّن شراؤه منه إقرارَه له بالملك، ولو (4) أقرَّ له بالمُلك صريحًا ثم اشتراها فخرجت مستحقَّة، لا يرجع عليه بالدرك.
ومنها: لو قال الكافرُ لمسلم: أعتِقْ عبدَكَ المسلمَ عنّي وعلى ثَمَنُه، فإنَّه يصِحُّ في أحد الوجهين، ونظيره: إذا أعتق الكافر الموسرُ شِرْكًا له في عبد مسلم، عَتَق عليه جميعُه في أحد الوجهين -أيضًا-، ولو قال لمسلم: بعني عبدَكَ المسلمَ حتَّى أُعْتِقَهُ، لم يَصِحَّ بيعُه.
قاعدة
ما تُبِيحُهُ الضَّرورةُ يجوز الاجتهادُ فيه حالَ الاشتباهِ، وما لا تبيحُهُ
__________
(1) (ق): “فائدة” و (ظ) محتملة.
(2) يمكن أن تُقرأ: “فيُفْتقر” في الموضعين.
(3) (ق): “إلي”.
(4) (ق وظ): “وقد”.
(4/1340)
الضَّرورةُ فلا. وعلى هذا مسائل:
أحدها: إذا اشتبهت أختُه بأجنبية، لم يَجُزْ له الاجتهادُ في أحدهما.
الثَّانية: طلق إحدى امرأتيه واشتبهت عليه، لم يَجُزْ له أن يجتهد في إحداهما.
الثَّالثة: اشتبه عليه الطَّاهر بالنَّجس، لم يَحزْ (1) له أن يتحرَّى في أحدهما.
وهذا بخلاف ما لو اشتبهت ميتَةٌ بمذكَّاة، أو طاهر بنَجس للشُّرب عند الضَّرورة، أو اشتبهت جهة القِبلة، فإنَّه يتحرَّى في ذلكَ كلِّه؛ لأن الضَّرورة تُبيحُهُ (2)، وتُبيحُ تركَ القِبلة في حالة المسَابقة (3) وغيرها.
قاعدة
ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مبدَلِه ولم يبقَ معتدًّا به بحال، فإن وجودَ المبدَل يعد الشروع فيه كوجوده قبلَ الشروع فيه. وما لم يَبطل حكمُهُ رأسًا بل بقي معتبرًا في الجملة لم يُبْطِلْهُ وجود المبدل بعد الشُّروع فيه، وعلى هذا مسائل:
أحدها: المعتدَّةُ بالأشهر إذا صارت من ذوات القُرء، قبل انقضاء عِدَّتِها، انتقلتْ إليها لبطلان اعتبار الأشهر (ق/ 322 أ) حالَ الحيْض.
الثانية: المتيمِّم إذا قدَرَ على الماء بعد التَّيَمُّم، سواء شَرَعَ في الصَّلاة أو لم يشرعْ فيها بَطَلَ تَيَمُّمه.
__________
(1) (ظ): “يجب”.
(2) ليست في (ع).
(3) أي: المبارزة بالسيوف، وتقدمت هذه المسائل (3/ 1255 – فما بعدها).
(4/1341)
الثالثة (1): إذا شرع في صوم الكفارة ثم قَدَرَ على الإطعام: أو العِتق، لم يلزمْهُ الانتقال عنه إليهما؛ لأنَّ الصومَ لم يبطل اعتبارُه بالقُدْرة على الطَّعام، بل هو معتبرٌ في كونه عبادة وقُرْبَة، وقد شرعَ فيه كذلك، ولم يبطلْ تقرُّبُهُ وتعبُّدُهُ به.
الرابعة: المتمتِّعُ إذا شَرع في الصَّوم ثم قَدَر على الهَدي، لم يلزمْهُ الانتقالُ لذلك.
وفرقٌ ثانٍ: أن الاعتبار في الكَفَّارات بحالِ وجوبها على المُكَلَّف لأنَّه حال استقرار الواجب في ذمَّته، فالواجب عليه أداؤها كما وجبت في ذمَّته، ولهذا لو قدر على الطَّعام بعد الحِنث وقل الصوم لم يلزمْهُ الانتقالُ إليه كذلك، بخلافه العِدَّة والصَّلاة فإن الواجبَ عليه أداءُ الصَّلاة على أكمل الأحوال، وإنما أبيحَ له تركُ ذلك للضَّرورة، وما: أُبيحَ بشرط الضَّرورة فهو عَدَمٌ عند عدمِها، وكذلك العِدَّة سواء.
قاعدة
المُكلَّفُ بالنِّسبة إلى القُدرة في الشيء المأمور به، والآلات المأمور بمباشرتها من البَدَن؛ له أربعة أحوال:
أحدها: قدرتُه بهما، فحكمُه ظاهرٌ، كالصحيح القادر على الماء، والحُرِّ القادر على الرَّقَبَة الكاملة.
الثانية: عجزُهُ عنهما، كالمريض العادم للماء، والرَّقيق العادم للرَّقَبَة، فحكمُه أيضًا ظاهرٌ.
__________
(1) من قوله: “المتيمم إذا … ” إلى هنا ساقط من (ق). فسقطت المسألة الثانية، فلذا جعل الرابعة: الثالثة.
(4/1342)
الثَّالثة: قدرتُه ببدنِهِ وعجزه عن المأمور به، كالصحيح العادم للماء، والحُرِّ العاجز عن الرَّقبة في الكفَّارة، فحكمهُ الانتقالُ إلى بدله إن كان له بدلٌ يقدر عليه، كالتَّيَمُّم أو الصِّيام في الكفارة، ونحو ذلك، فإن لم يكنْ له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُه، كالعُريان العاجز عن سَتر عورته في الصَّلاة فإنَّه يُصَلِّي ولا يُعيدُ.
الرابعة: عجزه ببدنه وقدرته على المأمور به أو بَدَله.
فهو موردُ الإشكال في هذه الأقسام وله صُوَر:
أحدها: المعْضُوبُ الذي لا يستمسكُ على الرَّاحلة وله مال يقدرُ أن يُحَجَّ به عنه، فالصحيح وجوب الحجِّ عليه بماله لقدرته على المأمور به، كان عَجَز عن مباشرته هو بنفسه، وهذا قول الأكثرين.
ونظيرهُ (1): القادرُ على الجهاد مسألة العاجزُ ببَدَنه، يجبُ عليه الجهادُ بماله في أصحِّ قوله العلماء، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد.
الصورة الثَّالثة: الشَّيخُ الكبيرُ العاجز عن الصَّوم القادرُ على الإطعام، فهذا يجبُ عليه الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا في أصَحِّ أقوال العلماء.
الرابعة: المريض العاجز عن استعمال الماء، فهذا حكمُه حكمُ العادم، وينتقل إلى بَدَله، كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقلُ إلى الإطعام.
وضابط هذا: أن (ق / 322 ب) المعجوزَ عنه في ذلك كلِّه إن كان له بَدَلٌ انتقل إلى بَدَله، وإن لم يكن له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُهُ.
فإذا تَمهَّدت هذه القاعدة ففرقٌ (2) بين العَجْز ببعض البَدَن والعجز
__________
(1) وهذه هي الصورة الثَّانية.
(2) (ق): “فيفرق”.
(4/1343)
عن بعض الواجب، فليسا سواءً، بل متى عَجَز ببعض البَدَن لم يسقطْ عنه حكم البعض الآخر، وعلى هذا إذا كان بعض بَدَنِهِ جريحًا وبعضُهُ صحيحًا، غسل الصحيحَ وتَيَمَّمَ للجريح على المذهب الصَّحيح، كما دلَّ عليه حديث الجريح (1).
ونظيره: إذا مَلَكَ المعتَقُ بعضَه (2) ما يَتَمَكَّنُ به من عتق واجب، لزمه الإعتاقُ.
ونظيره: إذا (ظ / 225 أ) ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسْلُ الباقي، وأمَّا إذا عَجَزَ عن بعض الواجب، فهذا معتركُ الإشكال حيث يلزمهُ به مَرَّةً ولا يلزمه به مرَّة، ويخرج الخلافُ مرَّة، فمن قَدَرَ على إمساك بعض اليوم دون إتمامه؛ أيلْزَمْهُ اتفاقًا، ومن قدر (3) على بعض مناسك الحَجَّ وعجَزَ عن بعضها، لزمه فعل ما يقدرُ عليه، ويُستنابُ عنه فيما عَجَزَ عنه، ولو: قدر على بعض رقبة، وعَجَزَ عن كاملةٍ؛ أيلزمْه عتقُ البعض، ولو قدر على بعض ما يَكفيه لوضوئه أو غسله، لزمه استعمالُه في الغسلِ، وفي الوضوء وجهاد؛ أحدهما: يلزمُهُ، والثَّاني: له أن ينتقلَ إلى التَّيمُّم، ولا يستعمل الماء.
وضابطُ الباب: أن ما لم يكنْ جزؤُه عبادةً مشروعة لا يلزمُهُ الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤُه عبادة مشروعةً لزمه الإتيان به (4)، كتطهير الجُنُب بعض أعضائه، فإنَّه يشرعُ كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوءُ تخفيفًا للجنَابَة.
وعلى هذا جَوَّز الإمام أحمدُ للجُنُب أن يتوضَّأَ ويلبثَ في المسجد،
__________
(1) هو صاحب الشجة، أخرج حديثه أبو داود رقم (336)، والدارقطني (1/ 190)، وفيه ضعف.
(2) كذا في الأصول، ولعل صوابها: “المعتِق بعض”.
(3) (ع): “عجز”! وهو سبق قلم.
(4) (ع): “وما كان عبادة مشروعة لم يلزمه … ” وهو سبق قلم أيضًا.
(4/1344)
كما كان الصَّحابةُ يفعلونه. وإذا ثبت تخفيفُ الحَدَث الأكبر في بعض البَدَن فكذلك الأصغر (1).
يبقى أن يقالَ: فهذا ينتقض عليكم بالقُدْرة على عتق بعض العبد، فإنَّه مشروعٌ، ومع هذا فلا يُلزِمُونَهُ به؟.
قيل: الفرقُ بينه وبين القدرة على بعض ماء الطَّهارة أن الله سبحانه إنما نَقَل المُكلَّفَ إلى البَدَل عند عدم ما يسمَّى ماء، فقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وبعض ماء الطهارة ماء فلا يتيَمَّم مع وجوده.
وأمَّا في العتق فإن الله سبحانه نقله إلى الإطعام والصيام، عند عدم استطاعته (2) إعتاقَ الرَّقبة، فقال: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ}، ولا رَيْبَ أن المعنى: فمن لم يستطعْ تحرير رقبة (3)، ولا يحتمل الكلامُ غيرَ هذا ألبَتَّةَ، والقادرُ على بعض الرقبة غير مستطيع تحريرَ رقبة -والله أعلم- فهذا ما ظهر لي في هذه القاعدة.
فائدة
من وجب عليه شيءٌ وأمِر بإنشائه فامتنعَ، فهل يفعلُهُ الحاكم عنه أو يُجبرُهُ عليه؟
فيه خلافٌ، مأخذُهُ أن الحاكمَ نُصِبَ نائبًا ووكيلًا من جهة الشَّارع لصاحب الحق، حتَّى يستوفيَهُ له، أو مجبِرًا ومُلْزِمًا لمن هو عليه حتَّى يؤَدِّيَهُ.
__________
(1) (ق): “الوضوء”.
(2) (ق): “عند انقطاعه”.
(3) (ق) “ولا ريب أن من قدر على بعض رقبة لم يستطع … “.
(4/1345)
فإذا اجتمع الأمران في حكم، فهل يغلَّبُ وصف الإلزام والإجبار أو وصف الوكالة والنيابة؟ هذا سرُّ المسألة، وعلى هذا مسائل:
أحدها: المُوْلي إذا امتنع من الفَيْئَة والطَّلاق فهل يطلِّق الحاكمُ عليه أو يُجبرُه على الطلاق؟ فيه خلاف.
الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على رَقيقه أو بهيمتِهِ لإعساره، كلِّف بيعَ البعض للإنفاق على الباقي، فإذا امتنعَ من البيع فهل يجبَرُ عليه أو يبيع الحاكم عليه؟ فيه خلافٌ أيضًا.
الثالثة: إذا اشترى عبدًا بشرط العتق وامتنع من عِتقه، وقلنا: لا يُخَيَّر البائع بين الفسخ والإمضاء، فهل يُجْبَر علىْ العِتق أو يُعتِق الحاكم عليه؟ فيه خلاف.
فائدة
الشافعيُّ يُبالغُ في ردِّ الاستحسان (1)، وقد قال به في مسائل (2):
الأولى: أنَّه استحسن في المتعة في حق الغَنيِّ أن يكون خادمًا، وفي حقِّ الفقير مقنعة، وفي المتوسط ثلاثين درهمًا.
الثانية: أنَّه استحسنَ التَّحليفَ بالمصحف.
الثالثة: أنَّه استحسن في خيار الشُّفعة أن تكون ثلاثةَ أيَّام.
الرابعة: أنَّه نصَّ في أحد أقواله إنَّه يبدأ في النِّضال بمخرج السبق
__________
(1) انظر كتاب: إبطال الاستحسان من “الأم”: (7/ 267 – 277)، و “قاعدة في الاستحسان”: (ص / 49 – 51) لابن تيمية.
(2) انظر: “الأم”: (3/ 231، 6/ 133، 139، 7/ 362 – 364)، و “البحر المحيط”: (6/ 95 – 97) للزركشي.
(4/1346)
اتباعًا لعادة الرُّماة: قال أصحابه: وهو استحسان.
فائدة (1)
من أصول مالك: اتِّباعُ عمل أهل المدينة -وإن خالفَ الحديث- وسدُّ الذَّرائع، وإبطالُ الحِيَلِ، ومراعاةُ القُصود والنِّيَّات في العقود، واعتبار القرائن وشواهد الحال في الدَّعاوى والحُكومات، والقولُ بالمصالح، والسِّياسة الشَّرعية.
ومن أصول أبي حنيفة: الاستحسان، وتقديمُ القِياس، وتركُ القول بالمفهوم، ونسخُ الخاصَ المتقدم بالعامِّ المُتَأَخِّر، والقولُ بالحِيَل.
ومن أصول الشافعيِّ: “مراعاةُ الألفاظ، والوقوفُ معها، وتقديم الحديث على غيره.
ومن أصول أحمد: الأخذُ بالحديث ما وَجَدَ إليه سبيلًا، فإن تعذَّرَ فقولُ الصحابي ما لم يُخالفْ، فإن اختلف الصحابة أخذ من أقوالهم بأقواها دليلًا، وكثيرًا ما يختلفُ قولهُ عند اختلاف أقوال الصَّحابة، فإن تعَذَّر عليه ذلك كلُّه أخذ بالقياس عند الضَّرورة، وهذا قريبٌ من أصل الشَّافعي بل هما عليه متَّفِقان.
فائدة
شرط العمل بالظَّنِّيات التَّرجيحُ عند التعارض، فإن وقع التَّساوي ففيه قولان: التَّخيير والتوقف. فإن كان طريق العمل التَّقليد فهل يشترطُ التَّرجيحُ في أعيان من يُقَلِّده؟ فيه وجهان.
فإن كان طريقَ العمل اليقينُ، فلا مدخلَ للتَّرجيح هناك، إذ
__________
(1) (ق): “فوائد”.
(4/1347)
التَّرجيحُ إنما يكون بين متعارضينِ، ولا تعارضُ في اليَقينيَّات.
وهل تسمعُ (1) المعارضة فيها؟
فيه لأهل الجَدَل قولان: منهم من يسمعها (2)، ومنهم من لم يسمَعْها، والحقُّ التفصيل: أنَّها إن كانت معارضة في مقدمة قطعيَّة لم تُسمعْ بحال، وإن كانت معارضة في غيرها سمعت.
فائدة
الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام:
أحدها: حقوق المال كالزَّكاة، فهذا يثبتُ في الذمة بعد التَّمكُّن من أدائه، فلو عَجَزَ عنه بعد ذلك لم يسقطْ، ولا يثبتُ في الذِّمة إذا عَجَزَ عنه وقتَ الوجوب، وأُلْحِق بهذا زكاة الفطر.
القسم الثاني: ما يجبُ بسبب الكفَّارة، ككفارة الأيْمان والظِّهار والوِطء في رمضان وكفارة القتل، فإذا عَجَزَ عنها وقتَ انعقاد أسبابها، ففي ثُبوتها في ذمَّته إلى الميسرَةِ أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشَّافعي وأحمد.
القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتْلَف، كجزاء الصيدْ، وألحقَ به فدية الحَلْق (3) والطيب واللِّباس في الإحرام، فإذا عَجَز عنه وقتَ وجوبه ثبتَ في ذِمَّته تغليبًا لمعنى الغرامة وجزاء المتلف، وهذا في الصيد ظاهرٌ، وأما في الطِّيب وبابه فليس كذلك؛ لأنه تَرَفُّهٌ لا
__________
(1) (ق): “تعارض”.
(2) (ع): “من من سمعها … “!.
(3) (ظ): “الأذى”.
(4/1348)
إتلافٌ، إذ الشَّعَر والظُّفُرُ ليسا بمتلَفَيْن، ولم تجب الفديةُ في إزالتهما في مقابلة الإتلاف؛ لأنَّها لو وجبتْ لكونها إتلافًا لتقيّدت بالقيمة، ولا قيمةَ لهما (1) وإنما هي من باب التَّرفُّهِ المحض كتغطية الرأس واللُّبس، فأي إتلاف هاهنا؟! وعلى هذا فالرَّاجح من الأقوال أن الفدية في ذلك لا تجبُ مع النسيان والجهل.
القسم الرابع: دم النُّسُك كالمتعة والقران، فهذه إذا عَجَز عنها وجبَ عليه بدلُها من الصيام، فإن عَجَزَ عنها ترتَّبَ في ذمَّته أحدُهُما، فمتى قَدَرَ عليه لَزِمَه، وهل الاعتبارُ بحال الوجوب أو بأغلظ الأحوال؟ فيه خلاف.
وأمَّا حقوق الآدميين؛ فإنَّه لا تسقطُ بالعجْز عنها، لكن إن كان عجزُه بتفريط منه في أدائها طُولبَ بها في الآخرة، وأُخِذَ لصاحبها من حسناته.
وإن كان عَجْزهُ بغير تفريط كمن احترق ماله، أو غرق، أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانِهِ، ففي إشغال ذمَّتِهِ به وأخذ أصحابها من حسناته نظرٌ، ولم أقفْ على كلام شافٍ للنَّاس في ذلك، والله أعلم.
فائدة
قولهم: “من مَلَكَ الإنشاءَ لعقدِ مَلَك الإقرارَ به، ومن عَجَزَ عن إنشائه عَجَزَ عن الإقرار به”، غير مطَّرِدٍ ولا منعكس. فأما اختلال طَرْدِه ففي (2) مسائل:
__________
(1) (ظ): “لها”، وسقطت من (ق).
(2) (ع): “ففيه”.
(4/1349)
أحدها: ولىُّ المرأة غير المُجبرة يملكُ إنشاءَ العقد عليها دون الإقرار به.
الثانية: الوكيلُ في الشِّراء إذا ادَّعى أنَّه اشترى ما وكِّل فيه وأنكره الموكِلُ، لم يقبلْ إقراره عليه مع ملكه لإنشائه (1).
الثالثة: الوكيلُ بالبيع إذا أقرَّ به، وأنكر المُوكِلُ، فالقولُ قولٌ الموكِل.
وأما اختلالُ عكسه ففي مسائل:
أحدها: أن العاقل لا يملك (2) إنشاءَ إرقاق نفسه، ولو أقرَّ به قُبِلَ، فهذا عاجزٌ عن الإنشاء قادرٌ على الإقرار.
الثَّانية: المرأةُ عاجزة عن إنشاء النكاح، ولو أقرَّتْ به قبِل إقرارُها.
الثَّالثة: لو أقرَّ العبدُ المرهون (3) بعد الحَجر عليه بِدَيْن، قبِلَ إقرارُه ولم يملكِ الإنشاء.
الرابعة: لو أقر المريضُ لأجنبي أنَّه كان وهبه في الصِّحَّة ما يزيد على الثلثِ، قُبِلَ إقرارهُ في أصحِّ الرِّوايتين ولم يملكِ الإنشاءَ.
الخامسة: الحاكم إذا قال بعد العزل: كنتُ حكمتُ في ولايتي لفلان عن فلان بكذا، قُبلَ قولُهُ وحده، وإن لم يملكِ الإنشاءَ، وكذلك لو قال القاضي المعزول عن مالٍ في يد أمين: أُقِرُّ أنَّه تسلَّمَهُ منه هو لفلان، وقال الأمين: بل هو لفلان، قُبِلَ قول القاضي دون الأمين.
__________
(1) (ق): “الإنشاء يه”.
(2) (ع): “يحمل”.
(3) (ق وظ): “المأذون”.
(4/1350)
وهذه المسألةُ مما يُعَايا بها وهي: رجلان في يد أحدهما مالٌ وهو أمين عليه، والآخرُ ليس الحال في يده، ولا له عليه حكْمٌ، ولا هو أمين عليه، يقبل إقرار هذا الثاني بالمال دون الأمين.
* * *
(4/1351)
فائدة (1)
من كان يعلمُ أن الموت مدركُه … والقبرُ مسكنه والبعث مخرجهُ
وأنَّه بين جناتٍ ستُبهِجُهُ … يومَ القيامةِ أو نار ستنضِجُهُ
فكلُّ شيءٍ سوى التَّقوى به سَمِجٌ … وما أقام عليه منه أسمجُهُ
ترى الذي اتَّخذ الدُّنيا له وطنًا … لم يدرِ أن المنايا سوف تزعِجُهُ (2)
* * *
تظلُّ على أكتاف أبطالها القنا … وهابَتْكَ في أغمادِهِنَّ المناصلُ
تحَامَى الرَّزَايا كُلَّ خُفِّ ومَنسمٍ … وتَلْقَى رَدَاهُنَّ الذُّرَى والكَاهِلُ
وترجِعُ أعقابُ الرِّماح سَلِيمة … وقد حُطِّمتْ في الدَّارِعِينَ العَواملُ
فإن كنتَ تبغي العَيْشَ فابغ توسُّطًا … فعند التناهي يقصُرُ المتطاوِلُ (3)
* * **
__________
(1) (ق): “شعر”.
(2) الآبيات لأبي العلاء المعرِّي في “ديوان سقط الزند”: (2/ 549).
(3) “ديوان سقط الزند”: (2/ 551 – 552).
(4/1352)
من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني (1)
* هل للذِّمِّي أن يُصلِّي بإذن المسلم؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يجوز له، أذِنَ المسلم أو لم يأذَن؛ لأنَّه حقٌّ لله تعالى. أجاب ابنُ عَقِيل مثلَه.
* هل يصحُّ أن يَقِفَ على المسجد ستورًا؟
أجاب أبو الخطَّاب: يصحُّ وقفُها على المسجد، ويبيعها وتنفَقُ أثمانها على عمارته، ولا تُسْتَر حيطانُه (2) بخلاف الكعبة، فإنَّها خصَّت بذلك كما خُصَّت بالطواف حولَها.
وأجاب ابنُ عقيل: لا ينعقدُ هذا الوقف رأسًا، لأنَّه بدعةٌ، وهو على حكم الميراث.
* إذا وجد لُقَطَة فخاف إذا عَرَّفها أن ينتَزِعَها ظالم؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يكونُ معذورًا في ترك التعريف ولا يملكها إلَّا بعد تعريفها.
أجاب ابنُ عَقيل: التَّعريفُ يُرادُ لحِفْظِها على مالكها، وهذا التَّعريف يُفضي إلى تضييعها، فيدعُها أبدًا في يده، إلى أن يجدَ فُسْحة وأمنًا، فَيعَرِّفها حولًا.
__________
(1) هذا العنوان تأخر في (ق) إلى ما قبل مسألة: “إذا رأى إنسانًا يغرق … “. وتكررت كلمة “فتاوى” قبل كل عَلَم.
(2) (ق): “جدرانه”.
(4/1353)
* إذا وجد في البَرِّيَّة شاةً .. ؟
أَخَدها فذبحها ووجَبَ عليه ضمانُها إذا جاء مالكُها، وفي المصر يُعَرِّفُها؛ لأن الظاهر أنَّها خرجتْ من دار أهل المحلَّة بحلاف البَرِّيَّة، هذا جواب أبي الخطاب.
وجواب ابنِ عقيل: لا يجوز له ذبحُها، وإن ذبحَها أثِمَ، ولَزِمَهُ ضمان قيمتها.
* إذا صادر السلطانُ إنسانًا وعنده وديعةٌ هل يضمنُ؟
أجاب أبو الخطاب: عليه الإثمُ والضَّمان إذا فرَّط فيها، فإن تحقَّقَ أنَّه يتأذَّى في نفسه كان عليه الضَّمان من غير إثم، فإن استدعى السلطانُ المُودِعَ إذا لم يَدُلَّه عليها، وأُخِذت بغير اختيار فلا ضمان عليه.
جوابُ ابن عَقِيل: إذا غلب على ظنِّه أنَّه يأخذها منه بإقراره، كان ذلك دلالة عليها وعليه الضَّمان.
* إذا كان عنده وديعةٌ فاعترض السلطان لها ظلمًا؟
أجاب أبو الخطّاب: إن حَلَفَ وروَّى عنها وتأوَّلَ كان مثابًا، مثل (1) أن يحلفَ إنَّه لم يودعْني في المسجد الحرام، أو بموضع لم يَسْلكاه، أو في زمان كرمضان ونحوه، فإن لم يحلفْ وأخذها السلطانُ من حِرْزهِ لم يضمِنْ، فإن طلب منه أن يحلفَ بالطَّلاق فدفعها إليه أو دلَّه على مكانها ضمنَ.
__________
(1) (ق): “وورَّى عنها كان مثل … “!.
(4/1354)
وأجابَ ابنُ عقيل: لا يسقطُ الضَّمان بخوف من وقوع الطلاق، بل يضمنُ دفعها إليه؛ لأنَّه افتدى بها عن ضَررِهِ بوقوع الطلاق.
* إذا كان كلبُ المسلمِ قد علَّمه مجوسِيٌّ؟
أجاب أبو الخطَّاب وابنُ عَقِيل: لا يُكره للمسلم أن يصطادَ به.
* هل يجوز للحاكم أن يسمع شهادة أبيه وأبنه ويحكم بها؟
أجاب أبو الخطَّاب: تجوز له سماع شهادتهما لغيره ويحكم بها.
جواب ابن عقيل: يجوز إذا لم يتعلق عليهما من ذلك تهمة، ولم يوجب لهما بقبول شهادتهما ريبة لم تثبت بطريق التزكية.
* إذا سأل الحاكم الشهود عن مستند شهادتهم، فقالوا: أخبرنا جماعة؟
أجاب أبو الخطَّاب: تقبل شهادتهم في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة.
جواب ابن عقيل: إن صرَّحا بالاستفاضة أو استفاض بين النَّاس، قبِل في الوفاة والنسب جميعًا.
* هل يجوزُ كتابةُ المصحف بالذّهب؟ وهل تجبُ فيه الزكاة؟ فإن وجبتْ فهل يجوزُ حَكُّهُ لمعرفة قدره؟
أجاب أبو الخطَّاب: تجِبُ فيه الزَّكاة إن كان نِصابًا ويجوز له حَكَّهُ وأخذه.
وسُئل عنها ابنُ الزَّغواني فأجاب: كَتْب القرآن بالذهب حرامٌ؛
(4/1355)
لأنَّه من جملة زخرفة (1) المصاحف، ويؤمرُ بحكه وردعه، وإن كان مما إذا حُكَّ اجتمع منه شيء يتموَّلُ، وجبت فيه الزكاةُ، ولأنَّه ينزَّلُ منزلةَ الأواني المحرَّمة: وإن كان إذا حُكَّ لا يجتمع منه شيء (2) كان بمنزلة التَّالف فلا شيء فيه.
* إذا أجَّرت امرأةٌ نفْسَها للرَّضاع، فكان الصَّومُ يُنْقِصُ من لبنها أو يُغَيِّرُه، فطالبها أهل الصَّبيِّ بالفطر في رمضان لأجل ذلك، هل يجوز لها الفطر؟ فإن لم يَجُزْ هل يثبت لأهل الصَّبيِّ الخيار؟ وما المانع من جوازه وقد قلنا: يجوز للأم أن تفطرَ؟
أجاب أبو الخطَّاب: إذا كانت قد أجَّرتْ نفسها إجارةً صحيحةً جاز لها الإفطار إذا نقص لبنُها أو تغيَّرَ، بحيث يتأذَّى بذلك المرتضعُ، وإذا امتنعت لزمَها ذلك، فإن لم تفعلْ كان لأهل الصبيِّ الخيارُ في الفسخ.
وأجاب ابن الزغواني -وقد سئل عنها-: يجوز لها أن تُؤجَر نفسَها للرَّضاع لولدها ولغير ولدِها، سواء وُجد غيرها أم لم يوجد، فإذا أدركها الصومُ الفرضُ فإن كان لا يلحَقُها المشقَّةُ ولا يلحقُ الصَّبِيَّ الضَّرَرُ لم يَجُزْ لها الفطرُ، وإن لحقها المشقَّة في خاصَّتها دون الصَّبيَّ جاز لها الفطرُ، وتقضي ولا فديةَ عليها، وإن لحقها ولحق الصَّبيَّ المشَقَّة والضَّرر جاز لها الفطرُ، ووجب عليها مع القضاء الفدية، وإن أبتْ الفطر مع تغيير اللَّبن ونقصانه بالصّوم، فمستأجرها لرَضاع الصَّبِيِّ بالخِيار في المُقام على العقد وفي الفسخ، فإن قصدت
__________
(1) (ق): “سرقة”!.
(2) من قوله: “يتمول وجبت … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1356)
بالصّوم الإضرار بالصَّبِيِّ أثِمتْ وعَصَتْ، وكان للحاكم إلزامُها الفطرَ إذا طلب ذلك.
* إذا علَّم أحدُ النَّاس قردًا أن يدخل دور النَّاس ويخرِجَ (1) المتاع، فهل يُقطعُ بذلك صاحبةُ؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يلزمه القطعُ.
وأجاب ابنُ عَقِيلٍ: لا حكمَ لفعل القرد في نفسه ولا قطعَ على صاحبِهِ، وإنَّما عليه الرَّدّ لما أخَذهُ، والغُرْمُ لما أتلفه.
وسئل ابنُ الزغوانيِّ عن هذه المسألة بعينها وقيل له: ما الفرقُ بينبها وبين ما لو أمر صَبيًا لا يعقل بالقتل، فإنَّه يجب القَوَد على الآمِرِ؟ فأجاب: بأنه لا قطعَ ويجبُ الرَّدُّ والضَّمان. وأمَّا إذا أمر صبيًّا (2) أو أعجميًّا فإنَّه يتعلق به الضَّمان؛ لأن فعل الصَّبِيِّ أو الأعجميِّ مضمون في الخطأ على عاقِلَتِهِ. وقد قال قومٌ من الفقهاء: للصَّبِيِّ عملٌ في القتل، ولم يقلْ أحدٌ في فعل القرد مثلَ ذلك.
قلتُ: لو قيل بالقطع لكان أولى؛ لأن القردَ آلتهُ فهو ككُلَّابِهِ وخطَّافَتِهِ، وكما لو رمى حبلًا فيه دبقٌ (3) فَعلِقَ به المتاعُ، ولا يَقْوَى الفرق بين هذه الصُّورة ومسألة القرد، وقد قالوا: لو أرسَلَ عليه حيَّة أو سبُعًا فقتله أُقِيْدَ به فنزَّلوا الحيَّة والسَّبُعَ منزلةَ سلاحِهِ، فتنزيل القرد هنا منزلةَ آلتهِ وعُدَّتِهِ التي يتناولُ بها المتاعَ منه أولى؛ لأن (4) الأسبابُ
__________
(1) (ق): “ويأخذ”.
(2) من قوله: “لا يعقل بالقتل … ” إلى هنا سقط من (ق).
(3) هو: الغراء الذي يُصاد به.
(4) (ع): “لهذه”.
(4/1357)
التي يُخرَجُ بها المسروق (1) من الحِرز لا يمكنُ الاحترازُ منها غالبًا، وأسباب القتل يمكنُ الاحتراز منها غالبًا. وأيضًا فجناية القرد حصلت بتعليم صاحبه، وجنايةُ الحيَّة والسَّبُع لم يحصل بتعليم من أنهشهما، والله أعلم.
* إذا رأى إنسانًا يغرق ولا يمكنه تخليصه إلَّا بأن يُفْطِرَ، فهل يجوز له الفطرُ؟
أجاب أبو الخطَّاب: يجوزُ له الفطر إذا تيَقَّنَ تخليصَهُ من الغرق ولم يمكنه الصَّوم مع التخليص.
وأجاب ابن الزاغوني عنها: إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنِّه ذلك، لزمه الإفطارُ وتخليصه، ولا فرق بين أن يُفطِرَ (2) بدخول الماء في حلقه وقتَ السِّباحة، أو كان يجدُ من نفسِه ضعفًا عن تخليصِه لأجل الجوع حتَّى يأكلَ؛ لأنَّه يُفطر للسفر المُباح فَلأَن يُفْطِرَ للواجب أولى.
قلت: أسباب الفِطر أربعة: السَّفرُ، والمرضُ، والحيض (3)، والخوفُ على هلاك: من يُخشى عليه بصومه كالمُرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما، ومثله مسألة الغريق.
وأجاز شيخُنا ابنُ تيمية الفطرَ للتَّقَوِّيّ على الجهاد وفَعَلهُ، وأفتى به لما نازلَ العدوُّ دمشق في رمضان (4)، فأنكر عليه بعضُ المتَفَقِّهة،
__________
(1) (ق): “المتاع”.
(2) (ع): “يدخل”!.
(3) سقطت من (ق).
(4) وانظر: “الاختيارات”: (ص/ 107).
(4/1358)
وقال: ليس هذا بسفر طويل، فقال الشَّيخ: هذا فطرٌ للتَّقَوِّي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مُباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوَّهُم وهم صيامٌ لم يُمْكِنْهمُ النكايةُ فيهم، وربما أضعفهم الصَّومُ عن القتال، فاستباح العدوُّ بيضةَ الإسلام، وهل يشكُّ فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر، وقد أمرهم النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم – في غَزَاة الفتح بالإفطار لِيَتَقَوَّوْا على عدوُّهم (1)، فعلَّل ذلك للقُوَّة على العدو لا للسَّفَر، والله أعلم.
قلت: إذا جار فطرُ الحامل والمُرْضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يُخَلِّص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقط غلط، بل هذا أمرٌ من باب قياس الأوْلى (2)، ومن باب دلالة النَّصِّ وإيمائه.
* إذا وطئ ميتةً هل يجبُ إعادةُ غسلها؟
أجاب ابن الزاغوني: ينظرُ فيه فإن كان صُلِّيَ عليها فلا غسل عليها؛ لأن الغسلَ طهارتُها لأجل الصَّلاة عليها، وقد سقط فرض الصَّلاة عنها بالأولى، غير أنه يمنعُ من إعادة الصَّلاة عليها بعد ذلك، وإن لم يكنْ صلَّى عليها أعيدَ غسلها.
وقد اختلف أصحابُنا في وطء الميتة هل يوجب الحَدَّ وينشرُ الحرمةَ؟ على وجهين: أحدهما: يوجب الحَدَّ وينشرُ الحُرْمَةَ، فعلى
__________
(1) أخرجه أحمد: (25/ 241 رقم 15903)،، وأبو داود رقم (2365)، والحاكم: (1/ 432) عن بعض أصحاب النَّبيّ – صَلَّى الله عليه وسلم -.
وصححه ابن عبد البر في “التمهيد”: (22/ 47).
(2) من قوله: “بالجواز … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(4/1359)
هذا إيجابُ الغسل أولى، والثَّاني: لا يوجبُ الحَدَّ ولا ينشر الحرمة، فعلى هذا (1) يكون الأمر على التفصيل المتقدِّم.
وأجاب أبو الخطَّاب عن هذه المسألة بأن قال: يجبُ غسلُها بعدَ الوِطء، كذا الظاهرُ عندي، ولا أعرف فيه رواية.
* إذا تيمم الصبي ثمّ بلغ، هل يبطل تيممه (2)؟
أجاب أبو الخطاب: يجوز له الصَّلاة بذلك التَّيمم في رواية، وكذلك إذا تيمم البالغ: قبل الوقت؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يصح تيممه.
والأخرى: لا يصح، فالصبي مثله.
وأجاب ابنُ عقيل: هذا قد تيمم لنافلة؛ لأنه لا تجب عليه الصَّلاة (3)، وإذا تيمم لنافلة لم يجز أن يصلَّي بها فريضة.
وأجاب ابنُ الزاغواني: اختلف أصحابنا في الصبي إذا بلغ عشر سنين؛ هل يكون مكلَّفًا بالصلاة أم لا؟.
أحدهما: لا تجب عليه، وهو اختيار الخِرَقي، فعلى هذا إذا بلغ بعد التَّيمم وجب عليه إعادته؛ لأنَّه فَعَل التَّيمم لصلاة نافلة، فلا يصلِّي به الفرض.
والثاني: أنَّه مكلَّف بالصلاة، وهو اختيار أبي بكر
__________
(1) من قوله: “إيجاب الغسل … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) هذه المسألة وجوابها ساقطة من (ظ) وجميع المطبوعات. وهي في (ع وق).
(3) من قوله: “والأخرى … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1360)
عبد العزيز، فعلى هذا لا يُعيد التَّيمم؛ لأنَّه تيمم واجب عليه لصلاة مفروضة.
قلت: لا وجه لبطلان تيممه، نعم إذا قلنا: التَّيمم لا يرفع الحدث، ولا يتيمم لفرضٍ قبل وقته (1) صَلَّى بهذا التيمم بعد بلوغه ما شاء من النوافل، والصَّواب أنَّه يصلِّي به الفرضَ -أيضًا-.
* إذا امتنع من صلاة الجمعة، وقال: أنا أصلِّي الظُّهْرَ هل يُقْتَلُ أم لا؟
أجاب أبو الخطَّاب: يُستتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل.
زاد ابنُ عَقِيل في جوابه: إذا لم يكن على وجهٍ قد اعتقد اعتقادَ بعض المجتهدين في أنَّها لا تنعقدُ في القرايا.
جوابُ ابنِ الزَّغواني: الجمعةُ تُفعلُ في موضعينِ:
أحدهما: متَّفقٌ على وجوبه فيه، وهو البلدُ الكبير الواسع مع إذن الإمام في إقامتها، فهذا متى ترك الجمعةَ في هذه الحالة قُتِلَ كما يُقتَلُ في سائر الصَّلوات.
والموضعُ الثَّاني: ما اختلف الفقهاءُ في وجوبها معه كالأرباض والقرايا، وإذا لم يأذَنِ الإمامُ، وأمثال ذلك، فهذا إن تركَ الجمعةَ متأوِّلًا قولَ أحد من الفقهاء، فإنَّه يكونُ معذورًا بذلك ولا يُعتَرَضُ عليه.
* إذا كان للأخرسِ إشارةٌ مفهومة فأشار بها في صلاته هل تَبْطُل؟
أجاب ابنُ الزّاغوني: أما الإشارة بردِّ السَّلام فلا تُبْطِلُ الصَّلاةَ من
__________
(1) (ق): “فرضه”.
(4/1361)
الأخرس والمتكلِّم، وأمَّا غيرُ ذلك فإنه يجري منهما مجرى العمل في (1) الصَّلاة، إن كان يسيرًا عُفِيَ عنه، وإن كان كثيرًا أبطلَ الصَّلاةَ.
وجواب أبي الخطَّاب: إذا كَثرُ ذلك منه بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وجواب ابن عَقِيل: إشارتُه المفهومةُ تجري مجرى الكلام، فإن كانت بردِّ السَّلام خاصَّة لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، وما سوى ذلك تَبْطُل.
قلت: إشارةُ الأخرس مُنَزَّلة منزلةَ كلامه مطلقًا، وأمَّا تنزيلها منزلةَ الكلام في غير ردِّ السَّلام خاصة فلا وجهَ له، وإنَّما كان ردُّ السَّلام من النَّاطقِ بالإشارةِ غيرَ مُبْطل في أصحِّ قولي العلماء، كما دلَّ عليه النص؛ لأنَّ إشارته لم تُنزَّل منزِلةَ كلامِهِ، بخلاف الأخرسِ فإن إشارتَهُ المفهمةَ ككلام الناطق في سائر الأحكام.
* إذا توضأ بماء زمزم هل يجوز أم لا؟
أجاب ابنُ الزاغوني: لا يختلف المذهب أنَّه منهيٌّ عن الوضوء به، والأصل في النَّهي قول العباس: “لا أُحلِّها لمغتسل، وهي لشارب حِلٌّ وَبِلٌّ” (2)، واختُلِف في السبب الذي لأجله ثبتَ النَّهي، وفيه طريقان:
أحدهما: أنَّه اختيارُ الواقف وشرطُه، وهو قول العباس.
وقد اختلف أصحابُنا في مسألةٍ مثل هذه، وهي: أن رجلًا لو سَبَّلَ ماءً للشُّرْب، فهل يجوزُ لأحد أن يأخذ منها ما يَتَوضَّأ به؟ قال
__________
(1) (ع): “من”.
(2) أخرجه عبد الرَّزاق: (5/ 114، 316)، وأحمد في “العلل”: (2/ 187) والأزرقي في “أخبار مكة”: (2/ 14، 63 – 64).
(4/1362)
بعضُهم: يجوز ويُكرَهُ، فعلى هذا يكون النّهيُ عنها كراهية تنزيه لا تحريم.
وقال آخرون من أصحابنا: لا يجوز له الوضوءُ به؛ لأنَّه خالف مرادَ الواقفِ، فعلى هذا لا يجوز الوضوءُ بماء زمزم.
فأمَّا الطريقُ الآخرُ: أن سببَهُ الكرامةُ والتعظيمُ.
فإن قلنا: ما يتحدَّرُ من أعضاء المُتَوضِّئ طاهرٌ غير مُطَهِّر، كأَشْهَر الرِّوايات كُرِهَ الوضوءُ بماء زمزم.
وإن قلنَا بالرواية الثَّانية: إنَّه يحكم بنجاسة ما ينفصل من أعضاء الوضوء حرمَ الوضوءُ به (1).
وإن قلنا بالرِّواية الثالثة: إنَّ المنفصلَ طاهرٌ مطهِّرٌ لم يَحْرُمِ الوضوء به ولم يُكْرَهُ؛ لأنَّه لم يؤثر الوضوء فيه بما يوجب رفع التعظيم عنه، فأمَّا إن أزال به نجاسة وتغير كان فعله محرمًا، وإن لم يتغيَّر وكان في الغسلة السابعة؛ فهل يحرم أو يكره؟ على روايتين.
وإن قلنا: إن الماءَ لا ينجس إلَّا بالتَّغَيُّر، فمتى انفصل غيرَ مُتَغَيِّر في أيِّ الغَسْلاتِ كان، كُرِهَ ولم يحرُمْ.
قلت: وطريقةُ شيخِنا شيخِ الإسلام ابن تيْميَّةَ كراهة الغُسل به دود الوضوء، وفرَّقَ بأن غُسْلَ الجَنابة يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، ولهذا عمَّ البَدَن كلَّه لما صار كلّه جُنُبًا، ولأن حَدَثها أغلظُ، ولأن العباس إنما حَجَرها على المغتسل خاصَّة (2).
__________
(1) (ظ): “كره … “، و “حرم الوضوء” سقطت من (ق).
(2) انظر: “مجموع الفتاوى”: (12/ 600)، و “زاد المعاد”: (3/ 669).
(4/1363)
وجواب أبي الخطَّاب وابن عَقِيل: يصحُّ الوضوءُ به رواية واحدة، وهل تُكْرَهُ؟ على روايتين.
* إذا صَلَّى سهوًا خلف المرأة؟
أجاب أبو الخطاب: تلزمه الإعادة إذا علم، وتجوز إمامة المرأة بالنساء، ويجوز على رواية عن أحمد أن تصلي بالرجال نافلة، وتكون وراءهم وهي بعيدة.
قلت: إن كان أميًّا وهي قارئة لم تلزمه الإعادة، وإن كان قارئًا مثلها، ففي وجوب الإعادة نظر؛ إذ غاية ذلك أن يكون كمن (1) صلى خلف محدِث لا يعلم حدثه، فإنه لا تلزمه الإعادة، وهاهنا أولى؛ لأنَّ صلاة المرأة في نفسها صحيحة، بخلاف المحدِث.
وأجاب ابنُ الزاغواني: إذا علم بذلك حُكِم ببطلان صلاته وعليه الإعادة، ولم يجوّر إمامنا أحمد أن يتابع رجلٌ امرأة في الصلاة مفترضًا، فأمَّا في النفل فإنَّه أجازه في موضع واحد، وهو إذا كانت امرأة تحفظ القرآن، فإنَّه يجوز للأمي أن يتابعها في النافلة كصلاة التراويح، وتكون صفوف الرجال بين يديها، والنساء (2) خلفهم.
* إذا قال: بعتك هذه السِّلعة، ولم يسمِّ الثَّمن؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يصح البيع، وإذا قبض السِّلعة فهي مضمونة عليه.
وجواب ابن الزاعوني: أما البيع من غير ذكر العِوَض فباطل،
__________
(1) (ظ): “كرجل”.
(2) (ظ): “وهي والنساء …. “
(4/1364)
وإذا قبض (1) السلعة عند هذا العقد فعليه ردُّها، فإن تلفت تحت يده وجب عليه ضمانها في المشهور من المذهب؛ لأنَّها تجرىِ مجرى المقبوضة على وجه السوْم، وقد روي عن أحمد في المقبوض على وجه السَّوْم إذا تلِفَ من غير تفريط فلا ضمان فيه ومثله هاهنا.
وجوابُ (ق/332 ب) شيخنا ابن تيميّة (2): صحَّةُ البيع بدونِ تسمية الثمن؛ لانصرافه إلى ثمن المِثلِ كالنكاح والإجارة، كَما في دخول الحمام ودفع الثوب إلى القصَّار والغسال، واللَّحم إلى الطبَّاخ، ونظائره، قال: فالمُعاوضة بثمن المثل ثابتةٌ بالنَّصَ والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرْضِع، في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] وعمل النَّاس قديمًا وحديثًا عليه في كثير من عقود الإجارة، وكذلك البيع بما ينقطعُ به السعر، هو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه، وعملُ الأمَّة عليه.
قلت: والمحرِّمونَ له لا يكادون يخلُصون منه، فإنَّ الرجلَ يعاملُ اللَّحَّامَ والخبازَ والبقَّالَ وغيرهم، ويأخذُ كُلَّ يوم ما يحتاجُ إليه من أحدِهم من غير تقدير ثمن بل بثمن المثْل الذي ينقطع به السعر (3)، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة النَّاس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضَّرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه ألبتَهَّ، كيف وقد جاء بجوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه آكد من غيره من العقود، وهو النِّكاح؟! وتفريقُهم بينه وبين البيع بأن الصَّداق دخل (4) فيه لا يَصِحُّ،
__________
(1) (ظ): “اقتضى”.
(2) بنحوه في “الفتاوى”: (29/ 231).
(3) من قوله: “هو بيع … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) (ق): “دخيل”، (ظ): “دَاخل”.
(4/1365)
بل هو ركنٌ فيه بطل (1) العقدُ بنفيه، كما نص عليه صاحبُ الشرع في الشِّغار، وجاء بجوازه أيضًا في عقد الإجارة الذي تقدير العِوَض فيها آكَدُ من تقديره في البيع؛ لأنَّ قيمة العَينِ في البيع أقلُّ اختلافًا من قيمة المنفعة؛ لأنَّها تتجَدَّدُ بتَجَدّدِ الأوقاتِ وتختلفُ باختلافها غالبًا، فإذا جازتِ الإجارةُ بِعوض المِثْل، فالبيعُ بثمن المثل (2) وما ينقطعُ به السعر أولى، ولو فرعنا على بُطلان العَقد؛ فالمقبوض به يضمَن بنظيره، وهو إمَّا مثْلُه وإما قيمتُهُ، ولا يصِحُّ إلحاقُهُ بالمقبوض على وجه السَّوم، فإنّ القابض هناك لم يدخلْ على أنَّه ضامن، بل مختبر مُقَلِّب للمقبوض، والقابض هنا دخل على أنَّه ضامِن بثمن المِثلِ لمْ يقبضه على أنَّهُ مستام مقلب، بل مالكٍ له بِعِوَضِهِ فإذا تلف ضَمِنَهُ.
فإن قيل: هو لم يملكْهُ بهذا العَقد الفاسد، قلنا: دخل على أنَّه مالكٌ ضامنٌ، فلا وجهَ لإسقاط الضَّمان عنه، وكونه لم يملكْهُ في نفس الأمر لا يوجب سقوطَ الضمان عنه كالمستعار والمقبوض بالعقود الفاسدة والمغصوب، وأمَّا إذا فرَّعنا على صحة العَقد؛ فالضمان يكون بثمن المثل وهو القيمة لا بالمثل نفسه، والله أعلم.
* (ظ/230 أ) كم قدرُ الترابِ المعتبرِ في الوُلوغ؟
جواب أبي الخطَّاب: ليس له حَدّ، وإنما هو بحيث تمر أجزاءُ التُّرابِ مع الماء على جميع الإناء.
وأجابَ ابن عقيل: يكونُ بحيث تظهرُ صفتُهُ ويُغيِّرُ صفة الماء.
وأجاب ابنُ الزاغوني فقال: النَّجاسات على ضربين:
__________
(1) (ظ): “يبطل”، (ق): “مبطل”.
(2) “فالبيع بثمن المثل” سقطت من (ع).
(4/1366)
نجاسةٌ لا تزول عن مَحَلِّها إلَّا بالحَتِّ والفَركِ والتُّراب الذي يظهر أثرُه، فهذا الحتُّ والقَرْص والتُّراب في إزالتها واجبٌ.
الثَّاني: ما يكفي فيها إفراغُ الماء، ففي وجوب التُّراب فيها لأصحابنا وجهان؛ أحدُهما: وجوبُه عينًا، وهو اختيار أبي بكر، والثَّاني: مستحبٌّ غير واجب، والقائلون بوجوبه إذا كان المغسولُ مما لا يضرُّهُ التُّراب الكثير فلابُدَّ أن يطرحَ (1) في الغسل ما يؤثِّرُ، وإن كان ممن يضرّهُ التُّرابُ كالثوب ونحوه، فهل يجزيه ما يقعُ عليه اسمُ التُّراب وإن لم يظهرْ أثرهُ؛ فيه من أصحابنا وجهان؛ أحدهما: لا يجْزِئُهُ إلَّا ما يظهر أثره، الثَّاني: يجزئُه ما يقعُ على الاسم، وإن لم يظهرْ أثره.
وهل ينوب عنه الصابونُ والأُشنانُ وأمثالُ ذلك، مما يضرُّه التُّراب؟ فيه أيضًا عن أصحابنا وجهان.
* إذا قلنا: الواجبُ التَّوَجُّهُ إلى عَيْنِ القِبْلَةِ وكان الصَّفُّ طويلًا يزيد على سَمْتِ الكعبة؟
اختلف كلامُ أحمد في ذلك على روايتين:
إحداهما: أن طولَ الصَّفِّ مع البعدِ الكثير لا يُؤَثِّرُ ذلك مَيْلًا عن الكعبة إلّا قدْرًا يَخْفى أَمرُهُ ويعسُرُ اعتبارُه، لا سيَّما فيما هو مأخوذٌ بالاجتهاد فعُفي عنه.
والرِّواية الثَّانية: أنَّه إذا طال الصَّفُ من جانبي الإمام انحرفَ الطَّرَفانِ إلى ما يلي الإمامَ انحرافًا يسيرًا، يجمعُ به توجيهَ الجميع إلى العين،
__________
(1) (ق): “يظهر”.
(4/1367)
ولا يشبهُ هذا اختلاف المجتهدين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المجتهدين يعتقدُ خطأَ صاحِبهِ في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتَّفقا في الاجتهاد.
قلت: الصَّوابُ أنَّه مع كثرة البُعد يكثُرُ المحاذي للعين.
فإن قيل: هذا إنَّما يكون مع التَّقوُّس كالدَّائرة حول النُّقطة، قلنا: تعم، ولكن الدَّائرة إذا عظُمتْ واتَّسعتْ جدًّا، فإن التَّقَوُّسَ لا يظهرُ في جوانب محيطها إلّا خفيًّا، فيكون الخَطُّ الطَّويلُ مُتَقَوسًا نحو شَعَرَةٍ، وهَذا لا يظهرُ للحِسِّ.
* إذا وطئَ الصَّبِيِّ هل يَجبُ عليه الغُسْلُ؟
أجابَ ابنُ الزاغوني: هذا لا نُسَمِّيه جُنُبًا؛ لأنَّ الجُنُبَ اسمٌ لمن أنزل الماءَ، والصَّبيُّ لا ماء له، وهل يجبُ عليه الغسلُ لالتقاء الخِتَانين؟ ينظر فيه، فإن كان مراهقًا وهو أن يجدَ الشَّهوةَ في ذلك وجبَ عليه الاغتسالُ، وإن لم يجِد ذلك فلا غسل عَليه، لكن يؤمَرُ به تمرينًا وعادَة.
وهكذا أجابَ ابنُ عقيل عن هذه المسألة في صَبِيٍّ وطئَ مثلَهُ، قال: إذ كان له شهوة لَزِمَهُ الغُسلُ، وإن كان ذلك على سبيل اللَّعِب بغير شهوة فلا غُسلَ عليه (1).
* إذا سجدَ على شيء مرتفع لعُذر فهل يجوزُ؟
أجاب ابن الزَّاغوني: إذا كانت الأرضُ ذاتَ صعودٍ وهبوط فلا يَضُرُّ إن سجد على الأعلى، ويجلسُ في المنهبط، فأمَّا إذا كان متَّخِذًا كالدَّرجة والصُّفَّةِ، وأمثال ذلك ولا حاجةَ تدعوه إلى السُّجود عليها، فإنه لا يجوز له ذلك.
__________
(1) من قوله: “لكن يؤمر … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1368)
وإن كان مريضًا لم يَجُزْ له أن يتعَمَّدَ مثل ذلك، بل يومئُ بركوعِهِ وسجوده، ولا يترُك تحتَ جبهتِه شيئًا دون الأرض يسجدُ عليه، فأمَّا إذا زُحِم ولم يقْدِرْ إلَّا أن يسجدَ على ظهر أخيه سجدَ على ظهر أخيه وأجزأَهُ.
وأجاب أبو الخطَّاب: إن كان ارتفاعُه بحيثُ يخرجُ به عن صِفَةِ السُّجود لم يجزِئْهُ، وإن فعل ذلك لعذر جاز.
* هل يجوزُ أن يُحْدِثَ مدارًا أو حمَّامًا يتأذَّى به الجيران؟
أجاب أبو الخطَّاب: لا يجوز له فعل ما يتأذَّى به عقار الجيران وأبنيتهم ويؤذيهم في أجسامهم.
وأجاب ابن عَقِيل: إذا كان ذلك في خاصَّة مُلكِهِ بحيث لا تَتَزلزلُ حيطانهم بالرَّحا، ولا يتعدَّى دخان نار حمّامِهِ ولا ينزو ماؤُه إلى جدار جارِهِ = جاز.
وأجاب ابن الزاغوني: لا يجوز له أن يَتَصرَّفَ في ملكه على وجه يضُرُّ بجيرانِهِ بزلزال حائط أو حَرٌ (1) نار أو ماءٍ ينزلُ إلى بالوعة، أو غير ذلك مما فيه ضَرَرٌ عليهم إلَّا بإذنهم.
* إذا قال القاضي للشاهدين: أعلمُكما أني حكمتُ بكذا وكذا، هل يجوز أن يقولا: أشهدنا على نفسه أنَّه حَكَم (2) بكذا وكذا؟
أجاب ابنُ الزاغوني: الشَّهادةُ على الحاكم (3) تكونُ في وقت حكمه،
__________
(1) (ع): “حما”.
(2) (ق وظ): “أشهدنا أنَّه حكم على نفسه … “، وانظر البحث فيهما مضى (3/ 1039).
(3) (ع وق): “الحكم”.
(4/1369)
فأمَّا بعد ذلك فإنَّه مخْبِرٌ لكما بحكمه، فيقول الشاهد: أَخبَرني أو أَعْلَمني أنَّه حكم بكذا في وقت كذا.
وأجاب أبو الخطَّاب وابن عَقِيل (1): بأنه لا يجوز أن يقولا: “أشهدنا” (2)، وإنَّما يقولان: أخبرنا أو أعلمنا.
قلت: الصَّوابُ المقطوع به أنَّه يجوز أن يقولا: “أشهدنا” كما يقولان: “أعلمنا وأخبرنا” (3)؛ لأنَّ الخبر شهادةٌ فكلُّ مخبرِ شاهدٌ. قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] ثم ذكر شهادته فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف: 26].
وقال ابن عباس: “شَهِدَ عندي رِجَالٌ مَرْضيُّونَ أنَّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الصَّلاة بعد العصر” (4) الحديث.
وقال علي بن المديني: أقول: إنَّ العَشرَةَ في الجنَّة، ولا أشهد بذلك، فقال الإمام أحمد: متى قلت: “هم في الجنَّة” فقد شهدتَ (5).
قالْ شيخُنا: وهذا صريحٌ من أحمد أن لفظ الشَّهادة ليس بشرط، قال: وهو الصَّحيح (6).
__________
(1) “وابن عقيل” سقطت من (ق).
(2) “أن يقولا: أشهدنا” سقطت من (ق).
(3) من قوله: “قلت: الصواب … ” إلى هنا سقط من (ق).
(4) أخرجه البخاري رقم (581)، ومسلم رقم (826).
(5) ذكر القصة في المناظرة بينهما أبو يعلى وشيخ الإسلام فيما نقله ابن القيم في “الطرق الحكمية”: (ص/ 204)، وانظر مناظرات أخرى للإمام في “السُّنة”: 2/ 356 – 359 للخلال.
(6) انظر: “مجموع الفتاوى”: (14/ 170).
(4/1370)
قلت: على أحمد ثلاثُ رواياتِ منصوصات حكاها أبو عبد الله بن تيميَّة (1) في “ترغيبه” (2).
أحدها: الاشتراط وهي المعروفة عند متأخِّري أصحابنا.
الثَّانية: عدم الاشتراط، اختارها شيخُنا.
الثَّالثة: الفرقُ بين الأقوال والأفعال، فإن شهدَ على الفعل؛ لم يشترط لفظ الشهادة، بل يكفيه أن يقولَ: “رأيتُ وشاهدتُ وتيقَّنتُ”، ونحوه، وإن شهود على القول؛ فلابُدَّ من لفظ الشهادة.
إذا عُرِفَ هذا، فإذا قال الحاكم: “أُعْلِمكما أو أُخْبِركما”، أو قال شاهدا الأصل لشاهدي الفرع: نُعلمُكُما أو نخبِرُكما بأنا نشهدُ بكذا وكذا، ساغ أن يقولا: “أشْهدَنا” كما يسوغ أن يقولا: “أخْبَرَنا وأَعْلَمَنَا”، ولا فرقَ بينهما ألبتةَ لا في اللفظ ولا في المعنى، ولا في الشرع ولا في الحقيقة، فالتَّفريقُ بينهما تفريق بين المتماثلين والشريعةُ تأباهُ، وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يدفعُ كُتُبهُ إلى رُسُلِهِ يُنْفِذونها إلى المكتوب إليه، ولم يقل لأحدِ منهم: أُشْهِدُك أن هذا كتابي، وكان الرسولُ يدفَع كتابَه إلى المرسَل إليه، ولا يقول: أشهدُ أن هذا كتابُ رسول الله – صَلَّى الله عليه وسلم -، ولا يقول: أَشْهدَنِي على ما فيه، ولو سُئِلَ الشهادةَ لشَهِدَ قطعًا وقال: أشهد أَنَّه كتابُهُ.
__________
(1) هو: أبو عبد الله محمَّد بن أبي القاسم الخضر بن محمَّد فخر الدين ابن تيمية ت (622)، انظر: “السير”: (22/ 289 – 291)، و “الذيل على طبقات الحنابلة”: (2/ 151 – 162).
(2) اسم كتابه: “ترغيب المقاصد في تقريب المقاصد” لا يُعلم له وجود، وهو في فقه الحنابلة، والموجود مختصره المسمّى: “بلغة الساغب وبغية الراغب” طبع بتحقيق الشَّيخ بكر أبو زيد في مجلد واحد.
(4/1371)
ومما يدلُّ على أن لفظَ الشهادة غيرُ مُشْتَرط قولُهُ تعالى {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150] ومعلومٌ قطعًا أنَّه لم ينكرْ عليهم إلّا مُجَرَّدَ قولهم: إن الله حَرَّمَ هذا، لم يخصَّ الإنكار بقول من قال: نشهدُ أن الله حَرَّمَه (1)، ولا نهى رسوله أن يتلفَّظَ بالشَّهادةِ على التَّحريم، بل هو نهيٌ له أن يقولَ (2): إن الله حَرَّمَه.
* رجلٌ قال لعبده: إذا فرغت من هذا العمل فأنت حُرٌّ، وقال: أردتُ أنَّك حرٌّ من العمل؟
أجاب ابن عَقِيل وأبو الخطَّاب وابن الزاغوني: لا يُقبل قولُه في ظاهر الحكم، وأمَّا ما بيْنهُ وبَيْنَ الله فيُحتَمَلُ.
قلت: أما التَّوقُّفْ لكونه يُدَيَّن (3) فلا وجه له، فإنَّه إذا أراد بلفظِه ما يحتملُهُ ولم يخطرْ بقلبه العِتْق، وليس هناك قرينةٌ ظاهرةٌ تكذبُهُ فهو أعلم بنيَّتِهِ ومرادِهِ، وقد قال أحمد في رواية بشر بن موسى في الرجل يكتبُ إلى أخيه: أعتقْ جاريتي فلانة، ويريد أن يتهدَّدها بذلك، وينوي التَّصْحِيف: أكره ذلك ولا يُخبِرُه (4) وهو عَبَثٌ، فيهدِّدها ويَسَعُه في ما بينه وبينَ الله أن يبيعَها والقاضي يفرِّقُ بينهما.
قلت: مرادُهُ بالتَّصحيفِ التعريض، وكأنه تصحيفٌ للمعنى، وهو العدول باللفظ عن معناه الموضوع له، وقد قال في رواية أبي الحارث إذا
__________
(1) (ظ): “حرم هذا”.
(2) (ظ): “هو بمنزلة يقول”!.
(3) (ع): “أما التوقيف … “، (ع وق): “في كونه”.
(4) (ق): “ولا يجربه”، (ظ): “لا يخبر”.
(4/1372)
قال: “أنتِ طالقٌ” وهو يريدُ طالقٌ من عِقَالٍ: إذا كانت قد سأَلتْهُ الطَّلاقَ، أو كان بينهما غضبٌ، لم يُقْلْ قولُه، وهذا يدلُّ على قبوله عند عدم القرينة الدَّالةِ على الطَّلاق، فعلى هذا إذا قال له عبدُه: أعْتِقْني لله، فقال: إذا فرغتَ من هذا العمل فأنتَ حُرٌّ، لم يُقْبلْ قولُهُ.
وأمَّا إذا قال: أرِحْني من هذا العمل، واستعملْني في غيره، أو أَعْتِقْني من هذا العمل، فقال: إذا فرغتَ منه فأنتَ حُرٌّ، وأراد: مِنْ هذا العمل، قُبلَ قولُه، فالمراتبُ ثلاثة: ما يبعدُ معه صرف اللفظ عن عُرفه (1) لما هناك من القرائنِ، فلا يُقبلُ قوله، وما يقربُ معه الصرفُ كقرائنَ تحفُّ به فيقبل قوله، وما يكونُ مُتَجَرِّدًا عن الأمرينِ فهو محلُّ تردُّدٍ.
* إذا لقي امرأةٌ في الطَّريق، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّة، فإذا هي جاريتُه؟
فأجابَ أبنُ الزَّاغوني بأن قال: اختلفَ أصحابُنا فيما إذا لقِيَ امرأة في الطَّريق فقال: تنَحَّيْ يا طالقُ، فإذا هي امرأتُهُ، فهل تطلق؟ على وجهين، قال: والعِتقُ مثله.
قلت: وقوعُ العتق في هذه الصُّورة بعيدٌ؛ إذ من عادة النَّاسِ في خطابهم في الطُّرُقاتِ وغيرها إطلاق هذا اللفظ، ولا يريدُ به المخاطب إنشاءَ العِتْقِ، هذا عُرفٌ مستقرٌ، وأمرٌ معلوم، وأيضًا فإنَّما يُريدونَ حرِّيَّةَ الأفعال وحرية العِفَّةِ، لا حرية العِتْقِ، ولم تَجْر العادةُ بأن تخاطَبَ المرأةُ الأجنبية بـ “يا طالق” (2)، فلا يلزمُ من الحكمِ بوقوع الطَّلاقِ في مثلِ هذا: الحكمُ بوقوعِ العِتْقِ.
__________
(1) (ظ) تحتمل قراءتها: “غرضه”.
(2) (ظ): “بالطلاق”.
(4/1373)
* إذا قال المشهود عليه: أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب، ولم أعلم ما فيه، ولم يقرأ علي، وليس في الكتاب أَنَّه قرئ عليه، هل يمنع ذلك من الحكم به؟ وهل يجوز للشاهد أن يقول للمشهود عليه: أشهدُ عليك بجميع ما نُسِب إليك في هذا الكتاب من غير أن يعرفه ما فيه ويشهد به؟
أجاب ابن الزاغوني: لا يجوز للشاهد أن يشهد على المشهود عليه، إلَّا بأن يقرأ عليه الكتاب، أو يقول المشهود عليه: قد قرئ عليَّ، أو يقول: قد فهمت جميع ما فيه وعرفته، فإذا أقرَّ بذلك عند الشهود شهدوا عليه به. وإذا شهد الشاهدان عند الحاكم أنَّه أقر عندهم بفهم جميع ما في الكتاب، لم يلتفت إلى إنكار المشهود عليه.
وأجاب أبو الخطاب: إذا قال المشهود عليه: “أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب”، لا يشهد الشاهدان إلا أن يقول له: نشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب، وقد فهمته أو قرئ عليك، فيقول: نعم، أو يُقرأ عليه، فإذا وجد ذلك لم يقبل قوله: لم أعلم ما فيه، ولزمه الحكم في الظاهر.
قلت: وعلى هذا فكثير من كتب هذه الأوقاف المطوَّلة التي واقفُها امرأة أْو أعجمي أو تركي أو عامي لا يَعْرف مقاصد الشروطيين، لا يجب القيام بكثير من الشروط التي تضمنته؛ لأنَّ الواقف لم يقصدها ولا فهمها، وقد صرّح كثير من الواقفين بذلك بعد الوقف، وعلى هذا يصير كالوقف الذي لا تُعلم شروطه.
* إذا علمَ الحاكم من حال الشَّاهدين أنَّهما لا يفرِّقان بينَ أن يشهدا بما يذكران الشهادة به، وبينَ أن يعتمدا على معرفةِ الخَطِّ من
(4/1374)
غير ذكرٍ، هل يجوزُ إذا شهدا شهادةً قديمة أن يسألَهُما: هل يعتمدانِ على الخِطِّ، أو هما ذاكران للشهادةِ؟
أجاب ابنُ الزَّاغوني: إذا علمَ الحاكم أنَّهما يتجوَّزانِ بذلك صار حكمُهما في ذلك حكمَ المُغَفَّلين أو المجرحين (1)، إذا علم أنَّهما يُجرحانِ (2)، ومَنْ هذه صفته لا يجوز له قَبولُ شهادتِهما بحالٍ، فإن كان يتوهَّمُ ذلك من غير تحقيق لم يَجزْ له (3) أن يسألَهما عن ذلك، ولا يَجِبُ عليهما أنَّ يُخبراه بالصِّفةِ.
وأجاب أبو الخطَّابِ: لا يلزمُ الحاكمَ سؤالهما عن ذلك، ولا يلزمُ جوابه إذا قالا: “شهدنا من حيث جاز لنا الشهادة”، وإذا علم تَجوُّزهما في الشَّهادةِ صارا كالمغفلين، فلا يجوز له قبول شهادتهما.
* إذا شهدا: أنا لا نعلمُ لفلان وارثًا إلَّا هذا، فدفع إليه الحاكمُ المال، ثم عادا وشَهِدا لآخرَ أنَّه وارث معه فهل يشاركُ الأوَّل؟
أجاب ابن الزَّاغونيِّ: ليس بين الشَّهادتينِ تناقُضٌ؛ لأنه قد يعلمُ الإنسانُ بعضَ المعلوم في وقتِ، ويعلمُ في وقتٍ آخرَ ما بقي، وإذا ثبتَ هذا وجبَ أنَّ يشارِكَ الثَّاني الأولَ.
وأجاب أبو الخطَّاب: يُقْبَلُ قولُهما، وتقسمُ التَّركَةُ بينهما.
وأجاب ابن عَقِيل: الشهادَةُ الأولى لا تنافي الثَّانية، ولا تناقُض بينهما، فإن نَفْيَ العلمِ في حالي لا يُنافي ثبوتَهُ بطريقة فيما بعد فَيَرِثانِ جميعًا.
__________
(1) هكذا استظهرتها في (ع)، وغير محررة في (ق) وتحتمل في (ظ): “المحرفين”.
(2) غير محررة -أيضًا- في النسخ، وهكذا استظهرتها من (ع).
(3) (ع): “له أن … “.
(4/1375)
* إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين، ثم بان له فسقُهما أو كذبُهُما وقتَ الشهادةِ؟
أجاب أبو الخطَّاب: ينقضُ الحكم الأوَّل ولا يجوز له تنفيذُهُ.
وأجاب ابن عَقيل: لا يُقْبَلُ قوله بعدَ الحكمِ، فإن قال: كنت عالمًا بفِسْقِهما قُبلَ قولُه.
وجوابُ ابن الزاغواني: لا يخلو قبولُه بشهادة الشَّاهدين؛ إمَّا أن يكون لعدالة ثبتت عندَه بعلمه أو بعدالة ثبتت بتعديل مزَكٍّ، أو بظاهرِ عدالةِ الإسلامِ، فإن كان لعدالة ثبتتْ عندَه بعلمه (1)، فالأمرُ في ذلك مبْنيٌّ على الحاكم، هل يجوز أن يحكمَ بعلمه؟ وفي ذلك عن أحمدَ روايتان:
إحداهما: أنَّه لا يحكمُ بعلمه، فعلى هذا قد أخبر بأنه حكمَ على وجه لا يجوز الحكمُ به فيُنقَض حكمُه.
والرواية الثانية: أنَّه يجوز له الحكم بعلمه، فعلى هذه الرواية لا ينقض حكمه؛ لأنَّه متَّهَمٌ في نقصه، وذلك؛ لأنَّه (2) أتى بقولينِ مختلفينِ يُضيفهما إلى نفسه، فالعمل يكون على الأول دون الثَّاني.
وإن كان حَكَمَ بعدالتِهما بشهادة مُزَكَّين لعدالتهما، لم يَجُزْ له أن ينقص حكمه إذا أضافَهُ إلى علمه، وهل يفتقر في نقضه (3) إلى شاهدينِ غيرِه يشهدان بفسقِهما؟ أو يَكتفي معه بشاهدٍ واحدٍ؟ فيه
__________
(1) من قوله: “أو بعدالة … ” إلى هنا سقط من (ع وق).
(2) “لأنَّه متهم في نقضه، وذلك لأنَّه” سقطت من (ق).
(3) (ظ): “وهل يقتصر في حكمه”.
(4/1376)
وجهان، ذكرهما أبو علي بن أبي موسى (1) من أصحابنا.
وإن كان حكَمَ بشهادتِهما لظاهر عدالةِ الإسلام، فهل يجوزُ له ذلك؟ فيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: لا يجوز له الحكم بشهادة شاهدٍ حتَّى يعلمَ عدالته باطنًا وظاهرًا، فعلى هذا ينقض حكمه.
والرواية الثَّانية: أنَّه يجوز (2) له ذلك، فعلى هذا هل (3) يجوز له أن ينقض حكمه؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: ليس له ذلك، إلَّا أن يثبتَ (4) عندَه ببيِّنَةٍ.
والثَّاني: يجوز له نقض الحكم؛ لأنَّه قد تظهر بالإسلامِ عدالةُ من لو كُشِفَتْ حالُه لم يكن عدلًا، وكان قولُه محملًا يبعدُ عن التهمة، ثم ينظرُ بعد هذا فإن وافقه المشهودُ له على ما ذكر وجبَ عليه ردُّ ما أخذ، فإن كان عالمًا (5) نقض الحكم بنفسه دونَ الحاكم وإن خالَفَهُ فيه، فإن أوجبَه ذاك (6) غرامَةً لزمت الحاكمَ.
* * *
__________
(1) هو: محمَّد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي، من أئمة الحنابلة ت (428)، له كتب منها: “الإرشاد” في الفقه طبع في مجلد واحد بتحقيق د/ عبد الله التركي. انظر: “طبقات الحنابلة”: (3/ 335 – 341).
(2) (ظ): “لا يجوز” وهو خطأ.
(3) سقطت من (ق).
(4) من قوله: “والرواية الثانية … ” إلى هنا سقطت من (ق).
(5) من (ق)، و (ع وظ): “ما”!.
(6) (ق وظ): “دون”!.
(4/1377)
[فائدة] (1)
قال في رواية أبي طالب: إذا قال: “أمرك بيدك” فالأمر في يدها حتَّى ترجع أو يطأها، فإذا وطئها، فليس لها من الأمر شيء، مثل الوكيل إذا رجع فقد خرج الأمر من يده، وإذا قال: “أمرك بيدك” فقالت: قد اخترت، فليس بشىِءٍ إنما أخذت أمرها، ولم يقض بشيء.
ولو قالت: قد أخذت نفسي، فهو بمنزلة: اخترت نفسي وطلقت نفسي، وإذا قالت: أخذت أو قبلت، فليس بشيءٍ، مثل قول الوكيل: قد قبلتُ وكالتك وأخذت وكالتك، فإنَّما (2) قبل ولم يعمل شيئًا.
فقد صرّح أحمد بأن هذا توكيل لا تمليك.
وقالت المالكية: تفويض الطلاق إليها ضربان: توكيل وتمليك، ففي التوكيل له أن يرجع ما لم تطلِّق نفسها، وفي التمليك ليس له ذلك إلَّا أن يبطل تمليكها، فالتمليك أن يقول: قد ملّكتك أمرك، وأمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، أو ما أشبهه.
والتمليك عندهم نوعان:
أحدهما: تمليك تفويض، وهو هذا.
والثاني: تمليك تخيير، وهو أن يقول: اختاري، وهذا التخيير على ضربين.
__________
(1) هذه الفائدة ليست في (ظ) ولا في المطبوعات، وهي من (ع وق) تلو المسألة السابقة.
(2) (ق): “فقد”.
(4/1378)
فوائد شتَّى (1)
قال القاضي (2): نص أحمد على أن الإسراء كان يَقَظَة، وحكي له أن موسى بن عقبة (3) قال: أحاديث الإسراء مَنَامٌ، فقال: هذا كلامُ الجَهْميَّة.
ونقل حنبلٌ أن الرؤيةَ منامٌ، ونقل الأثرم وغيره: أنَّه رآه ولا يُطْلَقُ شيء سوى ذلك (4).
وقال أبو بكر النَّجَّاد (5): رآه إحدى عشرةَ مرَّة، منها بالسُّنة تسع مرات ليلة المعراجِ حينَ كان يتردَّدُ بينَ موسى وبينَ ربِّه، ومرتينِ بالكتاب.
فائدة (6)
قال القاضي: صنف المرُّوْذيُّ كتابًا في فضيلة النَّبيُّ – صَلَّى الله عليه وسلم – وذكر فيه
__________
(1) “شتى” ليست في (ق). وانظر “إبطال التأويلات”: (1/ 110 – 114).
(2) تقدم أن المقصود بـ “القاضي” عند المؤلف وغيره من الحنابلة أبو يعلى ابن الفرَّاء، نبَّهنا عليه لبعد العهد.
(3) (ع): “عطية”، ولم أجد من اسمه: موسى بن عطية، وموسى بن عقبة، مشهور، إمام المغازي. (ت 141).
(4) هذه الروايات عن الإمام أحمد ساقها القاضي أبو يعلى مساق الاختلاف، وقد بين شيخ الإسلام، وابن القيم أن كلام أحمد لا اختلاف فيه، وأن رواياته هذه مؤتلفة، انظر: “منهاج السنة”: (5/ 384 – 387)، و”أقسام القرآن”: (ص / 257 – 261).
(5) (ق): “التمار” والنجاد هو: أبو بكر أحمد بن سلمان البغدادي الحنبلي ت (348)، له كتاب كبير في “السنن”. انظر: “طبقات الحنابلة”: (3/ 15).
(6) ليست في (ق).
(4/1379)
إقعادَهُ على العرش، قال القاضي: وهو قولُ أبي داودَ، وأحمدَ بنِ أصرمَ، ويحيى بن أبي طالبٍ، وأبى بكر بن حماد، وأبى جعفر الدّمشقيُّ، وعباس (1): الدُّوري، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعبد الوهاب الورَّاق، وإبراهيم الأصبهاني، وإبراهيمَ الحربى، وهارون بن معروف، ومحمدِ بن إسماعيل (2) السُّلَمِيِّ، ومحمدِ بن مُصْعَب العابدِ، وأبى بكر بن صَدَقةَ، ومحمد بن بشر بن شَرِيكٌ، وأبي قِلابَةَ، وعلي بن سهل، وأبي عبد الله بن عبد النور، وأبى عبيد، والحسنْ بن فضل، وهارون بن العباس الهاشميِّ، وإسماعيلَ بن إبراهيمَ الهاشميِّ (3)، ومحمَّد بن أبي عمران الفارسيِّ الزَّاهد، ومحمد ابن يونس البصري، وعبد الله بن الإمام أحمد، والمرُّوْذي، وبشر الحافي. انتهى.
قلتُ: وهو قول ابن جرير الطبريِّ، وإمام هؤلاء كلِّهم مجاهِدٌ إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني، ومن شعره فيه (4):
حديثُ الشفاعةِ في أحمد … إلى أحمدَ المصطفى نُسندُه
وجاء حديثٌ بإقعاده … على العرشِ أيضًا فلا نجْحدُهْ
أَمِرُوا الحديثَ على وجهِهِ … ولا تُدْخِلوا فيه ما يُفسِدُهْ
ولا تنكِروا أنَّه قاعد … ولا تنكِروا أنهْ يُقْعِدهْ
__________
(1) (ع): “عياش”، ولم (ظ): “عباد”، وكلاهما خطأ.
(2) (ق): “إبراهِيم”.
(3) سقط الاسم من (ق).
(4) انظر: “إبطال التأويلات”: (2/ 492) لأبي يعلى، و “العلو”: (2/ 1286) للذهبي دون البيت الأخير.
(4/1380)
فائدة
سئل القاضي عن مسائلَ عديدة وردت عليه من مكةَ، وكان منها:
* ما تقول في قول الإنسان إذا عَثَر: محمَّد وعلي؟
فقال: إن قصد الاستغاثةَ (1) فهو مخطئٌ؛ لأنَّ الغوثَ من الله تعالى، وهما مَيتانِ فلا يَصِحُّ الغوثُ منهما، ولأنَّه يجبُ تقديمُ الله على غيره (2).
* ومنها: إذا قال القائل (3): أفضل النَّاس بعد رسول الله الخلفاءُ ثم طلحةُ ثم الزُّبيرُ ثم سعد إلى آخر العشرة؟
فأجاب: الأوْلى العطفُ على الأربعة بالواو؛ لأنَّ (ثم) تقتضي التَّرتيب، فيقتضي تقديمَ طلحةَ على الزُّبير، والزُّبير على عبد الرحمن، ولا يمكن لأنَّه ليس فيه نقل يُرْجَعُ إليه، وعمرُ رضي الله عنه أمرهم أن يختاروا للخلافة واحدًا من ستة، ولم يَنُصَّ على واحد منهم، وظاهرهُ التَّساوي.
* ومنها: وقد سئل عن حركة اللسان بالقرآن الكريم؟
فقال: لا يجوز أن يقالَ: إنَّها قديمة، بل حركة اللِّسان بالقرآن محدَثَة.
* ومنها: في البدريِّينَ أنهم أفضلُ في الجملة من غيرهم، ولا يفضلُ آحادُهم على غيرهم؛ لأنَّه قد يكون في غيرهم من هو أفضلُ
__________
(1) تحتمل: “الاستعانة”.
(2) وورد السُّؤال نفسه على ابن الصلاح، انظر “فتاويه”.
(3) كذا في (ع) و (ق وظ): “القاص” وتحتمل: “القاضي”.
(4/1381)
من آحادهِم، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “خَيْرُكُمُ القَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ” (1)، فخايَرَ بين القرون في الجملة؛ لأنه قد يكون في التفضيل مَنْ غيرُهُ أفضلُ منه، ولهذا يعلم أن أحمَدَ أفضلُ من يزيدَ، ويزيدُ في عصر التابعين، لِمَا جرى من يزيدَ بما عاد في القدح في عدالته.
* ومنها: هل يجوز أن يقال: إنَّ اللهَ يرحمُ الكافرَ؟
فقال: لا يجوزُ أن يقالَ: إن الله يرحمُ الكافرَ؛ لأن فيه ردَّ الخير الصادق: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ} [البقرة: 162]، إلى أمثاله، بل يقال: يُحففُ عذابُ بعضهم، قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} [غافر: 46]، و {آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب: 68].
فائدة
قال ابن عَقِيل: قولهم: إن الله جعل للمرأة شهوةٌ تزيدُ على شهوة الرجل بسبعة أجزاء (2). قال: لو كان كذلك ما جعل الله للرجلِ أن يتزوَّجَ بأربعٍ ويَتَسَرَّى بما شاء من الإماء، وضيَّق على المرأة فلا تزيدُ على رجلٌ واحد، ولها من القَسْمِ الرُّبُعُ، وحاشا حكمته أن تُضَيِّق (3) على الأحرج، وتُوسِّعَ على من دونَهُ في الحرج.
أجابه حنبليٌّ آخرُ فقال: إن ذلك إنما كان لمعارض راجح، وهو
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2651)، ومسلم رقم (2535) من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
(2) انظر: “فيض القدير”: (4/ 430)، وفيه آثار لا تصح!.
(3) ليست في (ع).
(4/1382)
خوف اشتباه الأنساب، وأيضًا: ففي التَّوسعة للرجل تكثير النسلُ الذي هو من أهم مقاصد النِّكاح.
وأيضًا: فإن الرجلَ والمرأة لما اشتركا في التذاذ كلٍّ منهما بصاحبه، وقضاء وطرِهِ منه، وخُصَّ الرجلُ بالنَّفقة والكسوة وكُلفة المرأة، عُوِّضَ بأن أطلق له الاستمتاعُ بغيرها.
وأيضًا: فإن المرأةَ مقصورةٌ في الخِدْرِ، لا تدخلُ ولا تخرجُ إلاَّ لحاجةٍ، حتى إنَّ صلاتَها في بيتها أفضلُ من صلاتها في المسجد، لم يقعْ نظرُها من الرِّجال على ما يقعُ نظرُ الرجل عليه. فحاجتُه إلى أكثر من واحدة أشدُّ من حاجتها.
وأيضًا: فإن طبيعةَ الذَّكَر الحَرارةُ، وطبيعة الأنثى البُرودةُ، وصاحب الحرارة يحتاج من الجماع (1) فوقَ ما يحتاج إليه صاحب البرودة.
وأيضًا: فإن الله تعالى فضَّل الذَّكَرَ على الأنثى في الميراث والدِّيَةِ والشَّهادة والعقيقة، وغير ذلك، ولهذا قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه} [النساء: 32] فكان من تفضيله الذَّكَرَ على الأنثى أن خُصَّ بجواز نكاح أكثرَ من واحدة، والله أعلم.
فائدة
سئل ابن عقيل: هل يجوزُ أن يَتَّخِذ النساءُ السُّفَرَ والمطارحَ والمخادَّ، وغير ذلك حريرًا؟
فقال: لا، بل ملابسَ فقط.
__________
(1) “من الجماع” سقط من (ظ).
(4/1383)
فائدة
في “الفنون”: سئل حنبلي (1) عن رجل سمع مؤذِّنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: كذبتَ، هل يكفُرُ؟
فقال: لا (2) يكفرُ لجواز أن يكونَ قصدُه تكذيبَ القائل فيما قال لا أصل الكلمة، فكأنه قال: أنت لا تشهدُ هذه الشهادةَ، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} (3) [المنافقون: 1].
فائدة
قال الخَلاّلُ: حدثنا العباسُ بن أحمدَ اليماميُّ بطَرَسُوسَ، سأل أبا (4) عبدِ الله رجلٌ عن الحديث الذي يروى عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا يَكْفُرُ أحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْب” (5)، فقال: موضوع لا أصل له، كيف بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فقدْ كفَرَ” (6)؟! فقال له: يورث بالمِلَّة؟ فقال: لا يُورَثُ ولا يَرِثُ.
__________
(1) (ظ): “أحمد بن حنبل”.
(2) تكررت في (ظ).
(3) هذا إذا كان الرجل مسلمًا، أما إذا كان ذميًّا فإنه ينتقض عهده ويقتل؛ فعن جعفر بن محمد قال: “سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن، فقال له: كذبت، فقال: يُقتل؛ لأنه شتم” ذكره الخلال في “أحكام أهل الملل”: (2/ 339) وشيخ الإسلام في “الصارم المسلول”: (3/ 996).
(4) (ظ): “حدثنا أو أنبأ”! وعليه المطبوعات!.
(5) لم أجده.
(6) أخرجه أحمد: (5/ 346) والترمذي رقم (2621)، والنسائي: (1/ 231 – 232) من حديث بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح غريب”.
(4/1384)
فائدة
قال ابن الجَوْزي في آخر “منتخب الفُنوِن” (1) مما بلغه عن ابن عَقِيل من غير “الفنون”، قال: سمعت أبا يَعْلَى بنَ الفرَّاء يقول: من قال: إن بينَه وبينَ الله سرًّا فقد كفر، وأيُّ وصلة بينَه وبينَ الإله؟ وإنما ثَمَّ ظواهرُ الشَّرْعِ، فإن عنى بالسِّرِّ ظاهرَ (2) الشَّرع فقد كذبَ؛ لأنه ليس بسِرٍّ، وإن عنى شيئًا وراء ذلك، فقد كفر.
وقال في قول المتوسِّلين بالميِّت: “اللَّهُمَّ إلي أسأَلُكَ بالسِّرِّ الذي بينَكَ وبينَ فلان”: أيُّ سرٍّ بين العبد وبين ربِّه لولا حماقةُ هذا القائل؟!
قال ابن الجوزي معترضًا عليه: إنما يعني المتوسِّلُ بذلك العباداتِ المستورةَ عن الخَلْق.
فائدة
سئل رجلٌ: عن رجلٍ تزوَّج أُمَّ رجلٍ وأختيه فقال:
صورةُ المسألة: رجلانِ وطِئا أَمَةً في طُهْرِ واحدٍ، فأتتْ بولد فَتَداعياه، فأُري القافَةَ فألحقوهُ بهما على مذهب من يرى ذلك، وكان للرجلين بنتان، فجاء رجلٌ أجنبيٌّ (3) فتزوَّجَ بالأَمَة بعد عِتْقِها وتزوَّجَ بنتي الواطِئَيْن؛ لأنه ليس إحداهما أختًا للأخرى، وإن كانتا أختين للولد المُلحق بالواطِئَيْنِ، فقد جمع هذا الرجل الأجنبيُّ بين أم ذلك الولد وأختيه من الواطئين، فأمه ليست أمهما.
__________
(1) انظر “مؤلفات ابن الجوزي” رقم (401).
(2) (ق): “ظواهر”.
(3) ليست في (ق).
(4/1385)
فائدة
استدل على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بتخصيص آية الميراث بقوله: “لا ثورث ما تركناه صدقة” (1) والصدِّيق أول من خصَّصَه.
قال ابن عقيل: وهذه بلاهة من هذا المستدل، فإن الصدِّيق لم يخصصه إلا بما سمعه شفاهًا من النبي – صلى الله عليه وسلم -، فهو قطعي وليس النزاع فيه.
فائدة
قال ابنُ عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة: أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع، وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال؛ لأنَّا إذا قدرنا أنه -تعالى- أراد تحريك جسم، وأراد العبدُ تسكينه فلا يخلو … إلى آخره، وفِعْلُ الله لا يدخل تحت مقدور العبد، وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم، فلا انفكاك لكم ألبتة عن هذا السؤال، فأين توحيدكم (2)؟!.
فائدة.
جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن رجلٍ يَنْتَقد للناس مئة دينار بدرهم، يخرج في نقده دينار رديء؟
__________
(1، أخرجه البخاري رقم: (3092)، ومسلم رقم (1758) من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
(2) غير محررة في (ع).
(4/1386)
قال: وجب عليه أن يردَّ من أجرته جزءًا من مئة من درهم. قال القاضي: إنما صحَّت هذه الإجارة وإن لم يشاهد الدنانير؛ لأنه لا تفاوت بين الدنانير في النقد، فصحَّت الإجارة. انتهى.
فعلى هذا؛ إذا استأجره ليكيل له مئة مكُّوك (1) من طعام في بيتٍ لم يَرَه، صحت الإجارة (2) للعلة التي ذكرناها، وإنما رجع عليه بجزءٍ من مئة جزء من الدراهم؛ لأن العمل لا يتفاوت في كل واحد منها، كما لو كان له مئة مكُّوك إلا مكُّوكًا.
فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى
أبو الفرج الهندباني (3): سمعت المرُّوْذي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله احتجرَ التوبة عن صاحب بدعة” (4)، وحَجْب التوبة أَيْشٍ معناه؟
فقال أحمد: لا يوفَّق ولا ييسَّر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لعائشة لما قرأ هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا
__________
(1) مكيال يسع صاعًا ونصف، “القاموس”: (ص / 1231).
(2) من قوله: “انتهى … ” إلى هنا سقطت من (ق).
(3) ذكره ابنُ أبي يعلى في “طبقاته”: (3/ 31)، فقال: “أبو الفرج الهندباني، صَحِب المزُّوذي، وروى عنه أشياء … ” وذكر واحدة منها.
(4) أخرجه الضياء في “المختارة”: (6/ 72 – 73)، والطبراني في “الأوسط”: (4/ 281)، والبيهقي في “الشعب”: (5/ 449، 7/ 59)، وغيرهم من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
والحديث حسَّنه المنذري في “الترغيب”: (1/ 45)، وقال الهيثمي في “المجمع”: (10/ 189): “رجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة”، وصححه الألباني في “السلسلة”: (رقم 1620).
وله شواهد ذكرها المنذري. وقد روي بلفظ: “حَجَر التوبة … ” و “حَحَب … ” و “احْتَجَب … “.
(4/1387)
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “هُمْ أَهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ، ليْسَتْ لَهُمْ تَوْبةٌ” (1).
فوائد
من مسائل أبي جعفر محمَّد بن أبي حرب الجُرْجرائي (2)، بخط القاضي أبي يعلَى
قيل لأبي عبد الله: الرجلُ يحفِرُ إلى جنب قناة الرّجل ولا يضرُّ بها، أَلَه أن يمنعَهُ؟
قال: يُرْوىَ عن الزُّهريِّ أنه قال: “حريمُ العيون خمسُ مئة ذراعٍ” (3) كأنه ذهبَ إليه.
قيل لأبي عبد الله: فإنْ حفرَ على أكثرَ من خمس سنة ذراع فأضرَّ به هل له أن يمنَعَهُ؟
قال: ليس له أن يمنَعَهُ إذا جاوز حريمَهُ، أضَرَّ به أو لم يُضرَّ به.
قيل لأبي عبد الله: رجلٌ عَمِلَ في قناة رجلٍ بغير إذنه، فاستخرجَ الماءَ، فجاء صاحبُ القناة؟
__________
(1) قال السيوطي في “الدر المنثور”: (3/ 117): “أخرجه الحكيم الترمذي، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والطبراني، وأبو نعيم في “الحلية”: (4/ 138) وابن مردويه، وأبو نصر السجزي في “الإبانة”، والبيهقي في “الشعب”: (5/ 449 – 450) “.
(2) ذكره ابنُ أبي يعلى في “طبقاته” (2/ 395)، وقال: كان أحمد يكاتبه ويعرف قدره، وعنده عن الإِمام مسائل مشبعه.
ووقعت: “الجرجرائي” في (ق وظ): “الجرجاني” وكذا وقعت في بعض المصادر، فلعله تحريف.
(3) أخرجه يحيى بن آدم في “الخراج”: 104، وأبو عبيد في “الأموال”: 369، والبيهقي: (6/ 155).
(4/1388)
فقال: لهذا الذي عَمِلَ نفقتُه إذا عَمِلَ ما يكونُ منفعةً لصاحب القناة. وفي الحاشية بخط القاضي: إنما رَجَع بنفقته! لأن الآبار كالأعيان، ولو عمِلَ في مُلكِ غيره عملًا له فيه أعيانٌ رجعَ بها، كذلك في الآبار، هذا كلامُ القاضي، وفيه نظرٌ.
قيل لأبي عبد الله: الرجلُ يسبق إلى دكاكين السُّوق؟
قال: إذا لم يكنْ لأحد، ولم يحجزْهُ (1) أَحَدٌ، فمن سبق إليه غدْوةً فهو له إلى اللَّيلِ، قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى.
قيل: أيُكْرَهُ بيعُ الطعام، وأن تكونَ تجارةُ الرَّجل كلُّها في الطَّعام؟
قال: إذا لم يُرِدِ الحُكْرَةَ فلا بأسَ، هذا ضيق بالمدينة ومكَّة، فأما هاهنا فربما كان خيرًا لهم، ثم قال: إنما هاهنا شبه البحر.
قيل: من أحقُ بالسَّوْم؟ قال: البائع.
قلت له: فإن أوقد نارًا في السَّفينة، فقال: بُدٌّ له من أن يطبُخَ، وكأنه لم يَزِد عليه.
قيل له: رجلٌ اشترى من رجل حائطًا على أن يعمَلَ له فيه سنةً أو سنتين؟ قال: لا بأس.
وكتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله، قلت: بنتُ أخٍ لي، خطَبها ابنُ أختٍ لي فقير، وأمُّها تكره ذلك؟
قال: لا تفعَلْ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “وآمِرُوا النِّسَاءَ في بَنَاتِهِنَّ” (2)،
__________
(1) رسمها في (ق وظ): “يحره”!.
(2) أخرجه أحمد: (8/ 505 رقم 4905)، وأبو داود رقم (2095)، والبيهقي: (7/ 115) من حديث ابن عمر – رضي الله عنها -.
وفي سنده من لم يُسمَّ، وذكره الألباني في “الضعيفة” (رقم 1486).
(4/1389)
وما ذكرتَه من أمر الفقر فزوِّجْ، فإن الفقرَ والغنى إلى الله، فزوَّجتُ الفقيرَ فلم أرَ إلا خيرًا.
وسألته عن الرَّجل: يشتري البقَرَ للإكار؟ فَكَرِهَهُ.
قلت: يأخذ الرجلُ يَحُجُّ عن الرَّجلِ؟ قال: لا يأخذُ.
قلت: فيأخذ الفرس أو لا يأخذ في السَّبيل؟ قال: يأخذ، لم يزلِ: النَّاسُ يأخذونَ، فإذا بلغ مَغْزاه فهو كسائر ماله.
وسُئل عن الطَّواف؟
فقال: ثلاثةٌ واجبة: طواف القُدوم وطوافُ الزِّيارة وهو أنْ الصَّدَر. وأما طوافُ الزيارة فلا بدَّ منه، ولو أُنْسِيَهُ الرجلُ حتى يرجعَ إلبى مدينته عليه أن يأتيَ به. قيل له: كيف يصنعُ؟ قال: يدخل معتمرًا فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة بعد ذلك.
وسئل عن المُحْرِم يغسل بَدَنهُ بالمحلب (1)؟ قال: أراه يكرهُهُ؟ وكره الأُشْنانَ.
وسئل عن الخضاب للمحرم؟ فقال: ليس هو بمنزلة الطيب، ولكنه زينة.
وسئل عن صيد الليل؟ فقال: لا أعلم فيه شيئًا، حديث ثابت (2) روى فيه حديث ابن عباس، ثم ذكر تفسيره، أُرَاه عن نافع أو غيره، قال: كانوا في الجاهلية إذا خرجوا يُطَيَّرون الطَّيرَ من مكانِهِ، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “أَقِرِّوهُ في مَكَانِهِ” (3) يعني: أنه يَضُرُّ ولا ينفعُ، ولم يَرَ به بأسًا.
__________
(1) ثبت له حب، يوضع على الطعام.
(2) هكذا في الأصول، وكتب الناسخ فوق الكلمتين في (ع وق): “كذا كذا”.
(3) أخرجه أحمد: (6/ 381)، وأبو داود رقم (2835)، والحاكم: (4/ 237) وغيرهم من حديث أم كرز – رضي الله عنها -.
(4/1390)
وسئل عن أكل الكُرَّاث والبَصَل في السَّفر؟
قال: إن كان من عِلَّةٍ فأرجو، وإن كان من غير ذلك فلا يؤكل، وأما الكُرَّاثُ فليس له كبيرُ شيء، وهو أهونُ من البصل.
قيل له: فالثُّومُ؟ قال: إنما جاءتِ الكراهةُ في الثُّوم والبَصَل فلا تأكُلْ.
وسألُه عن أكل الطين (1)، سمعتَ في كَرَاهَتِهِ شيئًا يثبت؟ قال: لا، وكأنه لم يكرَهْهُ ولم يتكَلَّمْ فيه.
وسئل عن شِراء الأرضِ بالثُّغورِ؟ فقال: هو أيسرُ من غيره؛ لأنهم بإزاء العدو، وهم يدفعون عن المُسلمينَ.
فوائد
من مسائل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (2) لأحمد:
سمعتُ أبا عبد الله يقول: السَّائمةُ: التي تَرْعَى، والسَّائبة: التي تُسَيَّبُ وليس لها رِعَاءٌ، وفي السائمةِ الزَّكاةُ.
وقال رجلٌ لأحمد: بلغني أن نصارى يكتبونَ المصاحفَ، فهل يكونُ ذلك؟ قال: نعم نصارى الحيرة، كانوا يكتبون المصاحفَ، وإنما كانوا يكتبون لقِلَّةِ من كان يكتُبُها، فقال رجل: يعجبُكَ ذلك؟
__________
(1) (ظ): “الجبن”!.
(2) ذكره ابن أبي يعلى في “طبقاته”: (2/ 30)، والخطيب في “تاريخه”: (10/ 111)، روق حسن أحمد كتاب الأشربة، وجزءًا في الحديث، ومسائل صالحة. ت (317).
(4/1391)
فقال: لا يعجبُني.
وسئل عن رجل أعطى رجلًا درهمًا يشتري له به شيئًا فخلطه مع دراهمه فضاعا؟ قال: ليس عليه شيءٌ.
وسئل عن رجل أوصى أن يشتَريَ بألف درهم فرسًا للجهاد ومئة للنفقة، قال: يُشْتَرَى له مِثْلُ ما أوصى لا يُزادُ على ذلك شيء، قال: فإن أصيبا بأقل من ألف بخمسين أو بأكثر؟ قال: يُزادُ على نفقته.
فوائد من مسائل مُثَنَّى بن جامع (1) الأنباري
سألته عن رجل استودع مالًا وديعةً، فمات الرجل الذي أودعه وله صبيٌّ؟ وكأنه أوسعَ له أن يدفعَ المستودعُ المالَ إلى رجل مستور ينفقُ عليه، قال القاضي: ومعنى هذا إذا لم يكن وصِيٌّ ولا حاكمٌ.
وسُئِلَ عن الرَّجل يكونُ له الجاهُ عند السلطانِ فيُسال له الماءُ، فأَسْتقي منه إذا لم يكنْ له (2) تُرْكيٌّ يرد على من قد سيل عنه، أو نحوًا مما قلت له. فأجازَ لي ذلك إذا أخذت بقَدْر حاجَتي.
وذهبَ في الشُّفْعَةِ أن لا يحلفَ للذي يطالِبُهُ، وإنْ قدَّمَهُ إلى الحاكمِ فأخرجَهُ خَرَجَ.
ورأى أنَّ ما كان في النُّطفةِ والعَلَقَةِ أنه لا يكون نِفَاسًا، وما كان
__________
(1) وقع في (ق وظ) والمطبوعات: “فوائد من مسائل شتى من جامع الأنباري”! والصواب ما أثبت من (ع).
وهو: مُثنَّى بن جامع أبو الحسن الأنباري، روى على الإِمام أحمد مسائل حسانًا، وكان الإِمام يعرف قدره وحقَّه. “طبقات الحنابلة”: (2/ 410 – 413).
(2) (ع): “قولي”!. (ق وظ): “تركي له”، والمعنى: ولم يكن له حارس من الأتراك ..
(4/1392)
في حَدِّ المُضْغَةِ أنه نِفَاسٌ.
وودَّعْتُهُ غيرَ مرَّة، فقال: أحسنَ الله لك الصحابةَ، وطوىَ لك البعيدَ.
قلت له: كيف الحديثُ الذي جاء في المَعَاريضِ في الكلام؟ قال: المعاريضُ لا تكونُ في الشِّراء والبيع وتَصْلُحُ بين النَّاسِ.
وسألتُهُ عن الأذان الذي يوجبُ (1) على من كان خارجًا من المِصْرِ أن يشهدَ الجُمُعَةَ؟ هو الأذانُ الذي على المنارةِ أو الأذانُ الذي بينَ يدي المنبرِ؟ قال: هو الذي في المنارةِ.
وسألتُهُ عن كتابةِ الحديثِ بالأجرة (2) فلم يَرَ به بأسًا، وكتابة القرآنِ أيضًا.
وسألتُهُ عن رجل اشترى من رجل شيئًا بدنانيرَ أو دراهمَ فدفعها إليه، فقال: اذهبْ فانتقدْها وزِنْ حَقَّكَ ورُدَّ عليَّ الباقِيَ، فضاعتْ؟ فرأى أنها من مالِ المشتري، إلاّ أن يقولُ: هذا حقُّكَ فخُذْ ورُدَّ عليَّ الباقِيَ، فكان معنى قوله: يكونُ من مال البائع إذا ضاعتْ.
الرجلُ يُوجَدُ ميتًا مخضوبًا أقلفَ؟ فرأي الصلاةَ عليه.
قلت: فإن وُجِدَ مَيِّتٌ أقلفَ؟ فرأى دفْنَهُ ولم يَرَ الصلاةَ عليه.
وكنت على باب أحمدَ، فجاء رجلٌ يسألُ عن رجلٍ أراد أن يَتَصدَّقَ، -يعني؟ بمالٍ- أيشتري به موضِعَ غلَّة أو يتصدَّقُ به؟ فخرجَ
__________
(1) (ق وظ): “يجب”.
(2) (ق وظ): “بالأجر”.
(4/1393)
إليه الجوابُ: أنه (1) لا يدري من يقومُ بها، وقال: إن كان له قرابةٌ محتاجونَ تصَدَّقَ عليهم.
قلت له: ما تقولُ فيمن باعَ دابَّة بنَساءٍ، هل يشتريها من صاحبها إذا حل مالُهُ بأقلَّ مما باعها، إذا كان قَد هَزَّلها وعملَ عليها؟
فقال: فيه اختلافٌ، ولم يُجِزْهُ، ولم يعدلْ عندَه أن يكون مثلَ من باع ما يُكَالُ، فيأخذُ ما يُكَالُ، فذكرت له الشراءَ عند الضَّرورْةِ، فلم يكرَهْهُ.
قلت: ما تقولُ إذا ضربَ رجلًا بحضرتي أو شَتَمَهُ، فأرادَنِي أن أشهدَ له عليه عند السلطانِ؟
فقال: إن خافَ أن يَتَعدَّى عليه لم يشْهَدْ، وإن لم يَخَفْ شَهِدَ.
ولم يعجبه أن يكونَ في الكفنِ ثوبٌ رقيقٌ، قال: وكانوا يكرهونَ الرَّقيقَ.
من مسائل البُرْزَاطِي (2) بخط القاضي انتقاه من خطِّ ابن بَطَّةَ
حديث ابن عمر “مضت السُّنَّةُ أن ما أدركته الصَّفْقَةُ حيًّا مجموعًا، فهو من مال المُبتاع” (3).
__________
(1) (ق): “فخرج الجواب: إليه”.
(2) هو: الفرج بن الصبَّاح البُرْزاطي، نقل عن الإمام أحمد أشياء. “طبقات الحنابلة”: (2/ 200).
والبُرْزَاطي: نسبة إلى بُرْزاط -بضم الموحدة وسكون الراء المهملة- لعلها قرية من قرى بغداد، انظر: “معجم البلدان”: (1/ 453).
(3) أخرجه ابن وهب في “جامعه” -كما في المحلى: 8/ 365، وتغليق التعليق: 3/ 243 – وعلقه البخاري في الصحيح مجزومًا به “الفتح”: (4/ 412). =
(4/1394)
قال ابن بَطَّةَ: أنا أقولُ: هذا الحديثُ مرفوعٌ، ويدخلُ في المسند لقوله: “مضتِ السُّنَّةُ”.
مسجد فيه نخلةٌ؛ ترى لجيران المسجد أن يأكلوا من ثَمَرَتِها؟
فقال: إن كانتِ النَّخلة في أرضٍ لرجلٍ فجعَلها مسجدًا والنخلةُ فيه (1)، فلا بأسَ أن يأكُلوا (2) منها، وإن كانتِ النخلةُ غُرِستْ بعد أن صار مسجدًا وصُلِّيَ فيه، فهذه غُرِسَتْ بِغير حقِّ، والذي غَرَسَها ظالمٌ غَرَسَ فيما لا يملكُ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ” (3)، فلا أحِبُّ الأكل منها، والتَّوَقِّي لها (4) أحبُّ إِلَىَّ.
قلت: فترى إن كانتِ النخلةُ هكذا غُرِسَتْ أن تُقْلَعَ؟ قال: من يَقْلَعُها؟ لو فعل ذلك الإمامُ كان (5).
وسُئِلَ عن رجلِ تَيَمَّمَ في السَّفرِ لسجود القرآن أو للقراءةِ في المصحف، وصلَّى به فريضةً؟ قال: يُعيدُ ما صلَّى من الفريضةِ بذلك التَّيمُّمِ.
قلت: يخرج الرجلُ من الصَّفِّ ويقدَّم أباه في موضِعِهِ؟ قال: ما يعجِبُني هو يقدرُ أن يَبَرَّ أباه بغيرِ هذا.
__________
= وقد صححه الحافظ في “التغليق”، وابن حزم في “المحلى”.
(1) (ق وظ): “فيها”.
(2) (ع وق): “يأكل”.
(3) أخرجه أبو داود رقم (3073)، والترمذي رقم (1378)، والبيهقي: (6/ 142) من حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه-.
(4) كذا في الأصول.
(5) كذا في الأصول، وهو واضح، وفي المطبوعات: “جاز”.
(4/1395)
رجلٌ تَيَمَّمَ في السَّفَرِ، وصلَّى على جنازةٍ، ثم جيء بجنازةٍ أخرى، يُصلِّي عليها بذلك التَّيَمُّم؟
فقال: إن جيءَ بالأخرى حين سلَّمَ من الأولى، صلَّى عليها بذلك التَّيَمُّمِ، وإن كان بينَهما وقت، مقدارُ ما يمكنُهُ التَّيَمُّم لم يُصَلِّ على الأخرى حتى يُعِيدَ التَّيِمُّمَ.
قال القاضي: “قد ذكرنا هاهنا أنه يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ”، وقال في الفوائت: “يُصَلِّيها بتيمُّمٍ واحدٍ” فيخَرَّج الجميعُ على روايتين. وقوله: “إن جيء بالأخرى حين سَلَّمَ صلَّى بذلك التّيَمُّمِ”؛ لأحد وجهينِ:
أحدهما: أن وقتَ الأولى إلى تمامِ فعلِها، فإذا جاءَ بعدَ ذلك وقد خَرَجَ الوقتُ، والتَّيمُّمُ يقدَّرُ (1) بالوقت.
والثاني: أنه إذا جاءتِ الثانيةُ عَقِيبَ الأولى لِحِقَت المَشَقَّة في التَّيَمُّم لتفاوُت الزَّمانِ، وإذا تراخىَ لم يَشُقّ، ويجبُ أن تكون المسألةُ محمولةً على أنه تعيَّنَ عليه الصلاةُ عليها، فأما إن لم يَتَعَيَّنْ عليه جاز أن يُصلِّيَ بتَيَمُّمٍ واحدٍ، كالنوافلِ تجمعُ بتَيَمُّم واحدٍ، ولو قيل: إنه يُصَلِّي عليهما بتَيمُّمٍ واحدٍ مع التَّعَيُّنِ (2) وجهًا واحدًا، وفي الفوائتِ على روايتينِ؛ لأن الجنازةَ إذا تعيَّنتْ فهي فرضٌ على الكفاية، فهي أخفُّ، وتلك فرضٌ على الأعياد فهي آكَدُ” انتهى كلامُ القاضي، وعُدْنا إلى مسائل البرزاطي.
الرجل يتوضّأُ بفَضْل وضوء (3) المرأة وسُؤْرِها؟ قال: أكرهُ ذلك.
__________
(1) (ع): “يتقدّر”.
(2) (ع): “التعيين”.
(3) (ع): “طهور”.
(4/1396)
قلت: فإنْ توَضَّأَ وصَلَّى؟ قال: لا آمُرُهُ بالإعادَةِ.
رجلٌ في سوقِهِ مسجدٌ لا يُصَلَّى فيه إلاَّ الظهرَ والعصرَ، ويسألُهُ أهلُ سوقِهِ أن يُصَلِّيَ بهم فيه هاتينِ الصلاتينِ؟
قال: أحِبُّ له أن يخرجَ يُصَلِّيَ مع الناسِ في مساجدِ الجماعَةِ التي تُصَلَّى فيها الصلواتُ الخمسُ.
مسجدٌ في بعضِهِ غَصبٌ (1)؟
قال: إذا كان موقِفُ الإمامِ منه في الغضب أعادَ الإمامُ ومن صلَّى خلْفَهُ، وإذا لم يكن موقفُ الإمامِ في الغضب، أعاد من صلَّى في الغصْبِ.
قلت: رجلٌ دخل المسجدَ ورجلانِ يقرآن سورَتَيْنِ فيهما سجدةٌ فسجدا جميعًا، قال: إذا سَمِعَهما جميعًا يقرآن السجدةَ، وقد سجدا، سَجَدَ الرجلين (2) سجدتينِ.
سألتُ أحمد عن رجل يعملُ القلانِسَ ويَبِيعُها، فربما خلطَ القطنَ العتيقَ بالقطنِ الجديدِ أو بشيء من الصُّوفِ، وحَشَى القلانِس به؟
قال: هذا من الغِشِّ، وأكرهُ له ذلك إلا أن يعرِّفَ من يشتريها إلى أن القطنَ فيه عتيقٌ وفيه صوفٌ.
سألت أحمدَ عن رجل ماتَ وخلَّف أولادًا صغارًا، وخلَّفَ لهم مالًا، ولهم والدةٌ، أتَرَى لها أن تأكلَ من مالهم؟ قال: لا أحِبُّ لها
__________
(1) سقطت من (ع)
(2) هكذا في جميع النسخ، وكتب فوقها في (ع): “كذا”.
(4/1397)
أن تأكلَ من مالِهم إن كان لها مالٌ.
قلت: إنها تَكْفِيهم (1) وتحْضُنُهم وتقومُ عليهم، فلا يجوزُ لها أن تأكلَ من مالِهم؟
قال: لا، إلاّ من ضَرُورَةٍ وحاجةٍ، ولا تجدُ إلَّا ذلك، أو تصيرُ إلي الحاكم، حتى يفرضَ لها في مالِهِم حقَّ الحضانَةِ لمثلها.
سألت أحمد عن الرجلِ يرهنُ الثوبَ عند التاجرِ، فلمَّا رآه جاء بفكاكِه، أَخرج المُرْتَهِن الثوبَ إليه، فقال الراهنُ: ليس هذا ثوبي، وقال المرتهنُ: هذا ثوبُكَ الذي رَهَنتَهُ؟
قال: القولُ قول الراهِنِ (2) مع يميِنه، “إنَّ هذا ثوبُكَ وإنَّه ما خَرَجِ من يدِهِ إلى يدِ غيرِه منذ أخذه إلى يومِ أخرجَه إليه”.
وفي الحاشية: بخط القاضي قوله: “القولُ قولُ الرّاهِنِ” سهوٌ من الرَّاوي، ومعناه المرتهنُ؛ لأنَّ كلامَهُ فيما بعدُ يدلُّ عليه، وهو قولُه: “يَمِينك، إنّ هذا ثَوْبُك، ما خَرَجَ من يَدِهِ إلى يدِ غيرِه منذ أخذه”؛ لأنه غارِم ولأنه أمينٌ.
قلت لأحمد: ماتت زوجتُه، وقد حكم عليه القاضي أن يدفعَ صبيانَهُ إلى جدَّتِهم لتحضنَهم، وهي في قريةٍ بعيدةٍ عن قريتِه؟
قال: إن كانت بحيثُ يمكنه أن يراهم في كل يومٍ ويَرَوْنَه فلا بأس بذلك، قد قضى أبو بكر على عمرَ أن يدفعَ ابنه إلى جدَّتِه، وهي بقُباء
__________
(1) كذا في (ع)، (ق): “تكلفهم”، (ظ): “تكفلهم”.
(2) كتب فوقها في (ع): “كذا”.
(4/1398)
وعمر بالمدينة (1).
سألتُه عن معنى نهي النبي – صلى الله عليه وسلم – عن منع نقع البئر (2).
قال: هو الرجلُ تكون له الأرضُ، وليس فيها بئرٌ، ولجارِه بئرٌ في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره.
سألته: عن إجارةِ بيتِ الرَّحى الذي يديرهُ الماءُ؟
قال: الإجارةُ على البيت والأحجار والحديد والخشبِ، فأما الماءُ فإنه يزيدُ وينقصُ وينضُبُ ويذهبُ فلا تقعُ عليه إجارةٌ.
قلت: إذا قال لعبدِهِ: “أنت حُرٌّ”، وقال: إنما أردتُ مِنْ هذه الصَّنعة؟ قال: هو حرٌّ ونِيَّتُهُ فيما بينَه وبينَ الله تعالى (3).
وسألته عن رجل يزعمُ أنه يعالجُ المجنون من الصَّرعِ بالرُّقَى والعزائم، ويزعُمُ أنه يخاطبُ الجنَّ ويكلِّمهم، وفيهم من يحدِّثُه، فترى أنه يدفع إليه الرجل المجنون ليعالِجَه؟
قال: ما أدري ما هذا! ما سمعتُ في هذا شيئًا، ولا أحبُّ لأحدٍ أن يفعَلَهٌ، وتركُهُ أحبُّ إليّ.
وسئل عن رجلٍ مات وخلَّف ألفَ درهم، وعليه للغرماءِ ألفا درهم،
__________
(1) أخرجه مالك في “الموطأ”: (2/ 767).
(2) الحديث أخرجه أحمد: (6/ 139)، وابن ماجه رقم (2479) وابن حبَّان “الإحسان”: (11/ 331)، والحاكم: (2/ 61)، وغيرهم من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
(3) انظر ما تقدم: (4/ 1372).
(4/1399)
وليس له وارثٌ غيرُ ابنه، فقال ابنُهُ لغرمائه: اتركوا هذه الألفَ في يدي وأَخَروني في حقوقكم ثلاث سنين حتى أُوَفِّيَكُم جميعَ حقوقِكم، ترى (1) هذا جائزًا؟
قال: إذا كانوا قد استحقوا قبضَ هذه الألف وإنما يؤخرونَه فيوفيهم (2) لأجل تركها في يديه، فإذا لا يؤخَّرُ (3) فيه إلا أن يقضوا الألفَ منه ويؤخِّرونه في الباقي ما شاءوا.
قلت: وجه هذا: أن الألْف قد انتقلت إلى ملكهم وليس لهم في ذمة الابن شيءٌ، فإذا أخَّروا قبضَها ليستوفوها ألفين. صار كالنسيئة بزيادة، وبعد فلا يخلو ذلك من نظر، فإنهم لو أخَّروا قبضَ الألف اتفاقًا لا لأجل الزيادة، ثم اتَّجر الولدُ بالتركة، وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا (4) حقَّهم كلَّه، ولا يكون هذا من بات عمل الإنسان في مال غيره، فإنهم لا يستحقون الربح كله، وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء.
وإن تعلَّق بالتركة، فهو كتعلق الوهن، لا أنهم يملكون التركة بمجرَّد موت الغريم، ولو وفَّاهم الورثة من غيرها لم يكن لهم أن يمتنعوا من الاستيفاء، وهذا على قولنا: إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوَرَثة أظهر، فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديونُ الغرماء على نفس التركة (5)، فلو ربحتْ لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم،
__________
(1) قبلها في (ع): “فلم”! ولعلها تكرار لجزء كلمة “حقوقكم”.
(2) ليست في (ظ).
(3) (ع وق): “لا خير” وفي محتملة.
(4) (ق): “لاستحقوا”.
(5) من قوله: “إلى الورثة … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1400)
وليس هذا من الربا في شيءٍ، فإن الغريم يستحق الألفين استحقاقًا صحيحًا بوجه لا ربا فيه، وإنما يؤخَّرُ قبض بعض حقه ليستوفيه كاملًا، فليس هذا من باب الزيادة على رأس ماله لأجل الأجل في شيءٍ، وهذا حقيقة الربا.
وإنما هذا صبر منه ليستوفي ما وَجَب له بأصل العقد، كما لو كان الغريم حيًّا وأفلس، ولم يَسَع ماله لوفاء ما عليه، فيصبر الغرماء ليستوفوا حقهم كاملًا، ولا يُغني الفرق بأن ذمة الميت قد خربت بالموت، وذمة المعسر ياقية لوجهين:
أحدهما: المنع، بل الدين باقٍ في ذمةِ الميِّت، كما هو باقٍ في ذمة الحيّ، وإنما تعذَّرت المطالبة بالموت، والذمةُ مشغولةٌ مرتَهَنة بالدين، وتعذُّرُ مطالبَتِه كتعذر مطالبة الغريم إذا سقط عنه التكليف بالجنون، وذلك غير مانع من التأخير لتمام الاستيفاء، فكذا في الموت، وهذا على أصول أبي عبد الله وقواعِدِه أَطْرَد، والله أعلم.
ومن مسائل أبي جعفر محمد بن علي الورَّاق (1)
قيل له: قال: حجَّ عني، قال: يحجُّ عنه، يعني: يفرد الحج، قيل له: قال وما فَضَل فهو لك، كيف ترى؟ قال: إذا قال فأرجو أن يطيب له.
صلّى بنا أبو عبد الله يوم جمعة صلاة الفجر، فقرأ: (تنزيل السجدة، وعبس) فسها أن يقرأ السجدة، فجاورها فسجد سجدتي السهو قبل التسليم.
__________
(1) الجرجانيّ المعروف بـ “حمدان” له عن أبي عبد الله مسائل حِسَان ت (271)، “طبقات الحنابلة”: (2/ 334).
(4/1401)
قيل له: لِمَ سجدتَ سجدتي السهو؟
قال: لا يضره، وذكر حديث ابن عباس: “إن استطعتَ أن لا تُصلِّيَ صلاةً إلاّ سجدتَ بعدَها سجدَتَين” (1) أما رأيتني ما صنعتُ، يقول: إني لم أقرأِ السجدةَ.
قلت: هذه الروايةُ في غايةِ الإشكال؛ لأن سجدةَ يوم الجمعة ليست من سُنن صلاة الفجرِ، ولهذا لا يستحبُّ أن يتعمَّدَ قراءة آيةِ سجدةٍ من هذه السُّورة ولا من غيرِها في فجرِ الجمعةِ، وإنما المقصودُ قراءةُ هاتينِ السورتين (تنزيل، وهل أتى)، لما فيهما من مبْدَءِ خَلْقِ الإنسان، وذكر القيامَةِ، فإنهما في يوم الجُمُعَةِ، فإن آدمَ خُلِقَ يومَ الجُمُعةِ، وفي يوم الجمعة تقومُ الساعةُ، فاستحبَّ قراءة هاتينِ السُّورتين في هذا اليومِ تذكيرًا للأمَّةِ بما كان فيه ويكونُ، والسَّجدةُ جاءت تَبَعًا غيرَ مقصودة، فلا يستحبُّ لمن لم يقرأْ سورة “تنزيل” أن يتعمَّدَ قراءة آية سجدةٍ من غيرها، لا سيَّما وقد آل هذا بخلقٍ كثيرٍ إلى اعتقادهم أن يومَ الجمعةِ خُصَّ بزيادةِ سجدة، فيشتدُّ إنكارُهُم على من لم يسجدْ ذلك اليومَ، وربَّما يُعيدونَ الصلاة، وينسبونه مع سَعَةِ علمِه وفقهِه إلى أنَّه لا يُحْسِنُ أن يُصَلِّي.
ولهذا والله أعلمُ، كَرهها مالكٌ وأبو حنيفة وغيرهما، فالسَّجدةُ ليست من سنن الصَّلاة (2)، فلا يستحبُّ سجودُ السَّهوِ لِترْكِها، وهذا إن كان قد صَحَّ عن أحمد فالظاهر -والله أعلم- أنه رَجَعَ عنه، ولم يستقرَّ مذهبُه عليه.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف”: (2/ 81) بسندٍ صحيح.
(2) وانظر: “زاد المعاد”: (1/ 375).
(4/1402)
وقوله عن ابن عباس: “إن استطعتَ أن لا تُصَلِّيَ صلاةً إلاّ سجَدتَ بعدَها سجدتين” إنما أرادَ به ابنُ عباس الركعتينِ بعد الفريضة جابرتين لما يكونُ في الفريضة (1) من خَلَلٍ، والركعةُ تُسمَّى سجدة، وقال ابنُ عمر: “حفظتُ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سجدتينِ قبل الصُّبح، وسجْدَتَيْنِ قبلَ الظُّهرِ، وسجدتينِ بعدَها” (2) الحديث. وهو كثيرٌ في الأحاديث والآثار إطلاقُ اسمِ السَّجدتين على الركعتين.
وقد ذهبتْ طائفةٌ من الزيدية إلى أنه يشرعُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يسجدَ سجدتي السَّهو في آخر كلِّ صلاةٍ، ولعلهم فهموا ذلك من قولِ ابن عباس، والله أعلم.
ولا أعلم للورَّاق متابعًا على هذه الرِّواية، والمذهبُ على خلافِها (3).
عدنا إلى مسائِله:
قال: قلت: الإِمامُ إذا خَتَمَ يقرأُ المعوِّذَتَيْنِ، يقرأُ بفاتحة الكتاب، ويبتدئُ بالبقرة؟ قال: لا أدري ما سمعت في هذا بشيء (4).
قلت: تجزئُ العِمامَةُ في الكسوة في كفَّارة اليمين؟ فقال لي: تجزئُ القَلَنْسُوَةُ، ثم قال: لا إلَّا الثوبُ أو القميصُ، وإن كسا امرأة فقميصٌ ومَقْنَعةٌ؛ لأنه لا يجوزُ للمرأةِ أن تصلِّيَ إلاّ في قميص ومقنعة، الكُسوةُ فيما تجوزُ فيها الصَّلاة.
__________
(1) “جابرتين لما يكون في الفريضة” سقطت من (ق)، وفي (ظ): “جابرين بما يكون من الفريضة”.
(2) أخرجه البخاري رقم (1180)، ومسلم رقم (729).
(3) هذه الجملة سقطت من (ظ).
(4) انظر: “سنن القراء”: (ص / 226 – 227) و “إعلام الموقعين”: (4/ 306).
(4/1403)
وسأله رجلٌ عن مسألة، فقال: لا أدري، فردَّها الرجلُ عليه، فقال: أكلُّ العلمِ نحسِنُهُ نحن؟! قال: فأَذْهَبُ إلى هؤلاءِ فأسْألُهم؟ -يعني: أصحابَ الرأي- فقال: لا، انظرُ إلى من يذهبُ إلى رأي أهلِ المدينةِ.
وسمعتُ أحمد يقول: كان الحجَّاجُ بن أرطاةَ يقول: لا تقولوا في حدَّثَكَ، ولا من أخْبَرَكَ؟ قولوا: من ذَكَرَهُ، قيل له: كان يُدلِّسُ؟ قال: نعم.
ومن مسائل أبي العباس أحمد بن محمَّد البِرْتي (1)
قلت: إذا الْتَعَنَ الزوجانِ، ما أمرهما فسخ أو طلاق بتفريق الحاكمِ؟ وكيف يكونُ حالُ المرأة إذا ارتدَّت عن الإِسلام والخُلْع وما أشبه هذا؟
فقال: هذه مسألةٌ أنا فيها منذُ ثلاثينَ سنةً، لم يَتَّضِح الأمرُ فيها، فلا أدري اللِّعَانُ (2) فيها أو لا (3)؟
ومن مسائل زياد الطوسي (4).
سألته عن العقيقةِ؟ فقال: ليست بواجبةٍ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنه عَقَّ عن الحسن والحسين (5).
__________
(1) هو: أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر، أبو العباس البِرْتى، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة ت (280).
والبِرْتى -بكسر الموحَّدة وسكون الراء- نِسبة إلى بِرْت قرية في نواحى بغداد. “طبقات الحنابلة”: (1/ 159 – 161)، و “معجم البلدان”: (1/ 372). وتحرفت “البرتي” في (ق وظ).
(2) (ع): “وما أدري ما اللعان … “.
(3) وانظر: “زاد المعاد” (5/ 390).
(4) هو: زياد بن أيوب بن أبو هاشم الطوسي، المعروف بـ “دِلُوْيَه”، ت (252)، “طبقات الحنابلة”: (1/ 419 – 423).
(5) أخرجه أبو داود رقم: (2841)، والنسائي: (7/ 165 – 166) من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – وأعله أبو حاتم بالإرسال، كما في “العلل”: (2/ 49). =
(4/1404)
قال زياد: وأخبرني ابنه عبد الله أنه قال: تُعْطَى القابلة الرحل، كذا بخط القاضي، بحاء مهملة، وهو سهوٌ منه، وصوابه: الرِّجْلُ بالجيم.
وروى أحمدُ بإسناده أن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة بِرِجْل (1) -يعني من العَقِيقةِ- ذكره الخلاَّلُ في “جامعه”.
عدنا إلى المسائل (2):
قال: وسمعت أحمد يقول: لا يعجبُنا أن يقول: مؤمنٌ حقًّا ولا يكفرُ من قاله، قال وسمعته يقول: لا تسمِّي في التَّشَهُّدِ إلا ما رُوي عن عبد الله: التَّحِيَّاتُ لله.
ومن مسائل بكر (3) بن أحمد البُرَاثي (4)
سألتُ أبا عبد الله: إذا فاتتني أوليُ صلاةِ الإمامِ، فأدركتُ معه ركعةً من آخِرِ صلاتِهِ؟ فقال لي: تقرأُ فيما يقْضى -يعني: الحمدُ لله
__________
= وأخرجه الحاكم: (4/ 237)، والبيهقي: (9/ 299 – 300) من حديث عائشة – رضي الله عنها -، ورُوِي أيضًا عن حديث جماعة من الصحابة.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة: (5/ 115)، وأبو داود في “المراسيل”: (رقم 379)، وعنه البيهقي: (9/ 302) عن محمَّد بن علي بن الحسين مرسلًا.
(2) ليست في (ظ).
(3) (ق): “أبي بكر”.
(4) هكذا في النسخ، و “البراثي” ليست في (ظ)، ولم أجد في أصحاب أحمد من يُسمَّى “بكر بن أحمد … “، وليس في أصحابه ممن يسمى بكرًا إلا: بكر بن محمَّد البغدادي النسائي الأصل أبو أحمد، “طبقات الحنابلة”: (1/ 318).
وهذه المسألة بعينها ساقها ابن أبي يعلى في ترجمة: أحمد بن محمَّد أبو العباس البُرَاثي، “طبقات الحنابلة”: (1/ 153 – 154)، فالله أعلم.
(4/1405)
وسُورة- وفي القعودِ تقعُدُ على ابتداء صلاتِكَ (1).
ومن مسائل الفضل بن زياد (2)
قال: سمعتُ أبا عبد الله قيل له: ما تقولُ في التَّزويج في هذا الزَّمان؟
فقال: مثلُ هذا الزمان ينبغي للرَّجل أن يَتَزَوَّجَ، ليت أن الرجلَ إذا تزَوَّجَ اليومَ ثنتين يُفْلِت (3)، ما يأمنُ أحدكم أن ينظرَ النَّظْرة فَيحْبَط عملُهُ. قلت له: كيف يصنُعُ؟ من أين يطعمُهم؟ فقالت: أرزاقُهم عليك؟! أرزاقُهم على الله عزَّ وجلَّ.
ومن مسائل عبد الملك الميموني (4)
قال: الزكاةُ أهونُ من الصَّدَقةِ؛ لأنَّ الله قال فيها: {وَابْنِ السَّبِيلِ} فهو حِينَ يأخذُ الزكاةَ: فيخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابنُ السبيل. قال القاضي: “قوله: “حينَ يأخذُ الزكاةَ يخرجُ من منزله تلك الساعة هو ابن سبيل” (5)، يدلُّ على أن ابنَ السبيلِ هو المنشئُ للسفر، وعنه خلافٌ، وأنه المختارُ”. انتهى كلامه.
__________
(1) انظر: “مسائل عبد الله”: (2/ 355)، و”مسائل صالح”: (1/ 370، 452، 2/ 260).
(2) القطان البغدادي، تقدمت ترجمته (ص / 976)، وبعض مسائله (ص / 986، 991، 1002)، وله عن أبي عبد الله مسائل كثيرة.
(3) (ق): “بمفلت”، (ظ): “فقلت”! وكذا في المطبوعات.
(4) الميموني من كبار أصحاب أحمد والملازمين له، له عنه مسائل كثيرة جليلة، تقدمت ترجمته (ص / 963) وبعض مسائله (ص / 991، 993).
(5) من قوله: “قال القاضي … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1406)
ولم يفسِّر قولَ أحمد: “الزكاةُ أهونُ من الصَّدقة”، وأُرَاه قد خَفِيَ عليه معنى كلامِ أحمد، ولم يُرِدْ أحمدُ ما فَهِمَ القاضي.
وقال الميمونيُّ: قلت: يعتقُ من زكاته؟ قال: نعم، قلنا له: فإنْ جَنَى جنايةً أو أحدَثَ حَدَثًا أليسَ يرجعُ عليه؟ قال: بلى، قلنا له: فميراثُهُ له؟ قال: لا، قلنا: ولِمَ؟ قال: لأنَّ ذا للهِ، فإذا ورثَ منه شيئًا جعله في مثلِهِ، قلت: يعقلُ عنه ويؤخذُ بِجَريرتهِ في جنايَتِهِ فإذا ماتَ ذهب ميراثُهُ؟ قال: هو أراده وضيَّعَه بنفسِه.
وسألته عن الحَبِّ يُجْمَعُ؟ قال: مسألة فيها اختلافٌ، قلت: إذا كنا نذهبُ في الذَّهبِ والفضَّةِ إلى أنْ لا نجمَعها، لم لا تُشَبَّهُ الحبوبُ بهما؟ قال: هذه يقعُ عليها اسمُ طعامٍ واسمُ حبوب.
قال: ورأيتُ أبا عبد الله في الحبوب يُحِبُّ جمعَها، ومذهبُهُ في الذهب والفضَّةِ والبقرِ والغنَمِ أن يُزَكَّى كلُّ واحدٍ منها على حِدَتِه ولا يجمعُ بعضُها إلى بعض.
سألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين: أستحلفُهُ؟ قال: نعم، إلاَّ أن من الناس من يقول: يستحلفه بالكنيسة ويغلظُ عليه بأيمانهم، ومنهم من يقول: يستحلفُه باللهِ.
قلت: فإذا استحلفه بالله (1) أو بالكنيسة، أليس ترى ذلك جائزًا؟ قال: بلى، وإذا رُفِعَ إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه، أو بالله عزَّ وجلَّ.
في الحاشية بخط القاضي: قوله: “أو بالكنيسة” يحتملُ أن يريد به:
__________
(1) “قلت: فإن استحلفه بالله” سقطت من (ع وق).
(4/1407)
يستخلِفُهُ بالله في الكنيسة، ولم يُرِدْ أنه يَحْلف (1) بها. ويحتمل أن يريدَ يستحلفُه بالله، ويضم إليه: وهدم الله الكنيسة (2).
قلت: ما تقولُ في الصَّفِيِّ (3)؟ قال: ذاك شيءٌ للنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – خاصَّةً. قلت: فيكون للخليفةِ بعدَه قال: لا، إنّما كان للنبيِّ – صلى الله عليه وسلم – خاصَّةً.
قلت: قال الله عزَّ وجلَّ: {لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] الآية، إنْ جعلها رجلٌ في صنفٍ واحدٍ أجزأ عنه؟ قال لي: ما علمتُ أنَّ أحدًا قال بذا، يُجعل في الأصناف كلِّها.
وقال: أرأيتَ إن كان عندَه عشرةُ آلافٍ، وعليه عشرةُ آلافٍ (4) لا يَحُجُّ، ما تقول في حجِّ هذا إذا حجَّ؟ قلت: على القياس حَجُّهُ فاسدٌ على قول من قال: ليس له أن يَحُجَّ من هذا المال.
فقال لي: ما يرى هذا إلاَّ شنيعٌ.
قلتُ: هذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأنه وإن كان دينُهُ بقدْر ما بيدِه فهو لم يحجَّ بمالٍ حرام، حتى تكونَ مسألةُ الحَجِّ بالمال الحرامِ، وإنما حجَّ بمالِه نفسِه، ولكنه أثِمَ بتأخيره قضاءِ الدَّيْن من هذا المالِ، ولو أنه اكتسبَ في هذا المالِ ونما، لكان نماؤُه له يختصُّ به، ولو
__________
(1) (ق وظ): “أن يحلفه”.
(2) كذا في (ق وظ) و (ع): “وهدمت إليه”. وقد نقل هذه الرواية عن الميموني ابن مفلح في “الفروع”: (6/ 284).
(3) هو: ما يختار قبل قسمة الغنائم، كجارية وعبد وثوب ونحوه، قال في “المبدع”: (3/ 363): “وانقطع ذلك بموته – صلى الله عليه وسلم – بغير خلافٍ نعلمه، إلا أبا ثور فإنه زعم أنه باق للأئمة بعده” اهـ.
(4) “وعليه عشرة آلاف” سقطت من (ع).
(4/1408)
تصدَّق منه لكان ثوابُهُ له، فلا يصِحُّ قياسُها على ما لو سَرَق مالًا لغيره وحَجَّ به.
عدنا إلى المسائل:
قلت: تخرجُ صدقة قومٍ من بلد إلى بلد؟ قال: لا، إلا أن يكونَ فيها فضلٌ عنهم.
قلت: كيف يكونُ من فَضْلٍ؟ قال: يُعطيهم ما يَكفيهم، ويُخْرِجُ الفضلَ عنهم؛ لأن الذي كان يجيءُ المدينةَ إلى النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر وعمر إنما كان من فضلٍ عنهم.
وقال لي أبو عبد اللهِ: إذا بَيَّتَ فأصابَ نساءَهم فليس عليه كفَّارةٌ، وليس عليه شيءٌ، وإذا عمد فليس عليه -أيضًا- لا دِيَةٌ، ولا كفَّارةٌ، ولكن لا يَقْتلُ، لا يدخل في نهي النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -.
وقال أبو عبد الله: إنما الجهرُ بالقراءة في الجماعة، أرأيتَ إن صلَّى وحدَه عله أن يجهَرَ؟! إنما الجهرُ في الجماعةِ إذا صلَّوا.
وسألوه عن الجُرْح يكونُ بالإنسان يخاف عليه، كيف يمسح عليه؟ قال: ينزع الخِرْقَةَ، ثم يمسحُ على الجرحِ نفسه.
قلتُ: هذا النَّصُّ خلافُ المشهور عندَ الأصحاب، فإنَّهم يقولونَ: إذا كان مكشوفًا لم يمسحْ عليه حتى يسترَهُ، فإن لم يَكنْ مستورًا تَيمَّمَ له، ونصُّ أحمدَ صريحٌ في أنه يكشف الخِرْقَةَ، ثم يباشرُ الجرحَ بالمسحِ، وهذا يدلُّ على أن مسحَ الجرحِ البارزِ أولى من مسحِ الجَبِيرَةِ، وأنه خيرٌ من التَّيمُّمِ، وهذا هو الصَّوابُ الذي لا ينبغي
(4/1409)
العُدولُ عنه، وهو المحفوظُ عن السَّلفِ من الصحابة والتابعينَ، ولا ريْبَ أنه مقتضى القياس، فإنَّ مباشَرةَ العضو بالمسحِ الذي هو بعضُ الغَسْل المأمورِ به أولى من مباشرةِ غيرِ ذلك العضوِ بالتُّراب، ولم أزل استبعدُ هذا، حتى رأيتُ نص أحمدَ هذا بخلافه، ومعلوم أن المسحَ على الحائلِ إنَّما جاء لِضَرورةِ المشقَّةِ بكشفِهِ، فكيف يكونْ أولى من المسحِ على الجرح نفسِه بغير حائلٍ؟! فالقياسُ والآثارُ تشهدُ لصحَّةِ هذا النَّصِّ، والله أعلم.
وقد ذكرتُ في الكتاب الكبير: “الجامع بين السنن والآثار” (1): من قال بذلك من السّلف، وذكرت الآثارَ عنهم بذلك وكان شيخُنا أبو العباس ابن تيميَّة: يذهبُ إلى هذا، ويضعفُ القولَ بالتَّيمُّم بدلَ المسحِ (2).
رجعنا إلى المسائل:
وقال: إذا كان الإمامُ من أئمةِ الأحياء يسكر؛ هذا لا تُقْبَلُ له صلاة أربعينْ يومًا، كيف أُصَلِّي خلفَ هذا؟! أَلِيْ (3) أن أختارَ؟ ليس هو واليَ المسلمينَ، والصلاةُ خلفَ الوُلاةِ لا بُدَّ، والصلاةُ خلف أئمَّةِ الأحياء لنَا أن نختارَ.
قال أبو عبد الله: لم تَرِثْ بناتُ عُمر من مواليه شيئًا (4).
__________
(1) لم أر ذكرًا لهذا الكتاب عند مترجمي ابن القيم، ولا أشار إليه المؤلف في غير هذا الموضع.
(2) انظر: “الفتاوى”: (21/ 178).
(3) (ظ): “لي”.
(4) أخرجه الدارمى: (2/ 489)، وعبد الرزاق: (8/ 422).
(4/1410)
ومن مسائل الفضل بن زياد القطان
سمعتُ أحمد وسُئلَ عن الرَّجل يختِن نفسَهُ، فقال: إذا قَوِيَ على ذلك.
قلت: من أقرأُهم؟ قال: أحفظُهم.
سألتُ أحمدَ عن التطَوَّعُ جالسًا هل يَتَربَّعُ؟ قال إن كان يُطيلُ القراءَةَ تَرَبَّعَ، وإن كان يُكْثِرُ الركوعَ والسجودَ لم يَتَربَّعْ.
وسألت أحمد عن الرَّجل يُصَلِّي تَطَوُّعًا، فَيُصَيِّرُ بعض ذلك عن والدته (1)؟ فقال: أما الطَّوافُ فقد سَمِعنا، وأما الصَّلاةُ فما أدري أحتاجُ أن أنظرَ فيه.
وسمعته سُئل عن القُنوت قبل الرُّكوع أو بعدَ؟ فقال: كلٌّ (2) حسَنٌ إلاّ أني أختارُ بعدَ الرُّكوع.
وسألتُه: إذا قنَتَ الرجلُ في الوِترِ يُكَبِّرُ ثم يقنُتُ؟
فقال: إذا قنت قبل الركوع ففرغ من القراءة (ق/337 أ) كبَّر ثم قنتَ، وإذا قنت بعد الركوع، في فرع رأسه من الركوع قال: “اللَّهمَّ إنَّا نستعينُك … ” ولم يكَبِّر.
وسألته عن قَدْر القيام في القُنوت؟ فقال: كقُنوتِ عُمَرَ (3).
وسمعتُه سئل عن الإِمام يقنُتُ ويُؤمِّنُ من خَلْفَهُ؟ قال: ما أحسَنَه
__________
(1) هكذا في النسخ، وليس: “والديه”.
(2) (ق وظ): “كان”.
(3) أخرجه عبد الرزاق: (3/ 110)، وابن أبي شيبة: (2/ 106)، والبيهقي: (2/ 211)، وصححه البيهقي.
(4/1411)
إلاّ أنّا نحن ندعو جميعًا.
سألتُ أحمد قلت: أختم القرآن أجعلُه في الوِتر أو في التَّراويح؟ قال: اجعله في التَّراويح. قلت: كيف أصنعِ؟ قال: إذا فرغتَ من آخرِ القرآن فارفعْ يديك قبلَ أن تركعَ، وادْعُ بنا ونحن في الصلاة، وأطِلِ القيامَ.
وسألتُ أحمدَ عنِ إمام قومٍ، إذا كان آخرِ ليلةٍ من الشَّهر أقْبَلَ على الناسِ، ووعَظَ وذَكَّر وحَمِد الله وأثنى عليه ودعا؟ قال: حَسَن، قد كان عامَّةُ البصريين يفعلون هذا.
أخبرنا أحمد، ثنا عبد الرزاق، أبنا عَقِيل بن مَعْقِل، عنْ وهب بن منَبِّهٍ، عن جابر بن عبد الله أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سُئلَ عن النُّشْرَةِ فقال: “هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ” (1).
كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث ابن عباس: “إيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ” (2)، ما معنى الغُلُوِّ؟ فأتاني (3) الجوابُ: يغلو في كلِّ شيء في الحبِّ والبغضِ.
صافحتُ أبا عبد الله كثيرًا فصافَحني، وابتدأني بالمُصافحة غيرَ مرَّة، ورأيتُه يصافِحُ الناسَ كثيرًا.
أخبرنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: قلتُ: هؤلاء إذا قلنا لهم:
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق: (11/ 13)، وأحمد: (22/ 40 رقم 14135)، وإسناده صحيح.
(2) أخرجه أحمد: (3/ 350 رقم 1851) وابن ماجه رقم (3029)، وابن خزيمة رقم (2867)، وابن حبان “الإحسان”: (9/ 183)، وغيرهم. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وابن تيمية في “الاقتضاء”: (1/ 328).
(3) (ق): “فأتى في”
(4/1412)
يهديكم الله ويصلحُ بالكم، قالوا: إنما قال هذا لليهود، أليس يقرءون: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} قلت: أليس دعاء النبي: “اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ” (1)؟ قال: بلى.
الفضل: قال أبو طالب: سألته عن اليهود والنصارى، من أمّة محمد – صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا، النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: “أُمَّتِي أُمَّتِي” (2) لا يقع على اليهود والنصارى.
وسألتُ أبا عبد الله عن الرجلِ يشتري الأضْحيَةَ ثم يبدو له أن يشتريَ خيرًا منها؟ فقال: إذا سمَّاها فلا يَبيعُها إلا لمن يريدُ أن يُضَحِّيَ بها.
وسألته عن الإزار تحتَ السُّرَّةِ أعجبُ إليك أم فوقَ؟ فقال: تحت السُّرَّةِ.
وسمعتُه سُئل عن معنى: “لا تَرَاءى نَارَاهُما” (3)؟ فقال: لا ينزل من المشركينَ في موضع إذا أوقدتَ رأَوْا فيه نارَكَ، وإذا أوقدوا رأيتَ فيه نارَهم، ولكن تباعَدْ عنهم (4).
__________
(1) أخرجه أحمد: (3/ 245 رقم 1718)، والنسائي: (3/ 248)، وابن خزيمة رقم (1095)، والحاكم: (3/ 172) وغيرهم من حديث الحسن بن علي – رضي الله عنهما -. والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم وغيرهم.
(2) أخرجه البخاري رقم (44) ومسلم رقم (193) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة: (6/ 468)، وأبو داود رقم (2645) والترمذي رقم (1604) والبيهقي: (9/ 142) وغيرهم من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- وصحح البخاري والترمذي فيه الإرسال كما في “الجامع”، و “العلل الكبير”: (2/ 686).
(4) وفي معناه ثلاثة أقوال ذكرها الخطابي في “المعالم” (3/ 105).
(4/1413)
وسألته عن طواف الزِّيارة كم هو؟ قال: واحدٌ وعشرون طَوافًا، ثلاثةُ أسابيع كذلك أعجبُ إلينا.
قلتُ: يريدُ أحمد أن أكملَ الطوافِ ثلاثةُ أسابيع: سبع للقُدْوم، وسبع للإفاضة، وسبع للوَدَاعِ، فأجاب السائل عن سؤاله وغيره، وقد صرَّح بهذا في موضعِ آخر (1).
وسمعتُه يقول لقوم قدِموا من مكَّةَ: باركُ الله لكم في مَقْدَمِكُمْ، وتَقَبَّلَ منكم.
وسمعتُه، سُئلَ عن المرأة تَلْبَسُ الحُلِيَّ وهي مُحْرْمَةٌ؟ فقال: لا بأسَ به.
وسمعتُه سئل عن محْرِمٍ أحرمَ من خُراسَانَ، فلما صار ببغداد ماتَ أوصى أن يُحَجَّ عنه، يُحْرَمُ عنه من بغدادَ أو من المواقيت؟ قال: من المواقيت.
وسألتُهُ عن المحرمِ يستظِلُّ؟ قال: لا يستظل.
قلت: ترى عليه دمًا؟ فقال: الدمُ عندي كثيرٌ.
كتبتُ إليه أسالُهُ عن رجلٍ له قراباتُ محاويجُ، لا يعرفونَ شرائعَ الإِسلام، ولا يتعلَّمونه، أيضعُ زكاتَهُ فيهم، أو في من يعرفُ شرائعَ الإِسلامِ (2) من غير القراباتِ؟ فأتى الجواب: ينبغي له أن يُعَلِّمَهم ويَضَعَها فيهم ويُعْطِيَهُم من غير الزَّكاةِ (3).
وكتبتُ أسألهُ عن الحديث: “من أقَرَّ بالخَراجِ وهو قادرٌ على أن
__________
(1) انظر ما تقدم (ص / 1390).
(2) من قوله: “ولا يتعلمون … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(3) هذه المسألة مع جوابها سقطت من (ظ).
(4/1414)
لا يُقِرَّ به فعليه لعنةُ الله”؟
فأتى الجواب: ما سمعنا بهذا هو حديثٌ منكرٌ. وقد رُوِيَ عن ابن عُمَرَ أنه كان يكرهُ الدخول في الخَراجِ، وإنما كان الخَراجُ على عهد عُمَرَ (1).
وسألته على الرجل يكتبُ على الرجل ولا يراه؟ فقال: كتبتُ على عليِّ بن هاشم (2) ولم أرَهُ.
نافع، عن ابن عمر قال: كان يبعثُ بها قبلَ الفطر باليومين والثلاثة إلى المجمع، وكان عطاء يُعطي على أبويه صَدَقَةَ الفطرِ حتى مات. قيل لأبي عبد الله: يعجِبُكَ هذا؟ قال: هذا تَبَرُّعٌ، ما أَحْسَن هذا.
سمعت أبا عبد الله يقول: أكذبُ الناسِ القُصَّاصُ والسُّؤْآل.
وسمعته يردُّ على السَّائل إذا وقف ببابه: أعاننا اللهُ وإيَّاكَ.
كتبتُ إليه أسأله عن رجل يعملُ الخوصَ قوته، ليس يُصيب منه أكثرَ من ذلك، هل يُقْدم على التزويج، فأتاني الجواب: يقدم على التَّزويج، فإنَّ الله يأتي برزقِها، ويتزوَّجُ ويستقرضُ.
وسألتُه على رجل تزَوَّجَ امرأةَ على ألفِ درهَمٍ، فبعث إليها بقيمَةِ متاعٍ وثيابٍ ولم يخبْرهم أنه من الصَّدَاقِ، فلما دخل بها سأَلتْهُ الصَّدَاقَ؟
__________
(1) في “مسائل صالح بن الإمام أحمد” (رقم 174) أنه سأَل أباه عن الحديث نفسِه، فأجابه بالجواب نفسِه؛ لكن فيه سياق إسناد الحديث على أنس -رضي الله عنه-.
وقد نقل ابن أبي حاتم في “العلل”: (2/ 441) سؤالَ صالح لأبيه، وجوابَ الإمام أحمد، ثم قال أبو حاتم عقبه: “هذا حديث باطل لا أصل له” اهـ.
(2) (ق وظ): “هشام”! وهو خطأ، وعلي بن هاشم من رجال التهذيب.
(4/1415)
فقال أبو عبد الله: لها ذلك.
قلت: فإنه قال لها: إني قد بعثتُ إليك بهذا المتاع واحتسبتُه من الصَّداق (1)، فقالت المرأةُ: إنما صَداقي دراهم، فقالَ أبو عبد الله: صَدَقَتْ، قلت: كيف يصنع بهذا (2)؟ قال: تَرُدُّ عليه الثياب والمتاعَ، وترجعُ المرأةُ عليه بصَدَاقِها.
وسئل عن رجلِ قال لامرأته: “أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن لبستُ أمِ غَزْلِكِ”، وعليه من غَزْلها؟ قال: يُلقي ما عليه من غَزْلها ساعةَ وقعتِ اليمينُ، قل له: فإن هو نسيَ وذكر بعدُ؟ قال: يُلقيه عه ساعةَ ذكر، قيل له: فإن مشى خطُوَاتٍ وهو ذاكر له، يقول: الساعة ألقيه؟ [قال]: أخشى أن يكون قد حنث.
قلت: هذا منصوص أحمد هاهنا، وفي مسألة الحمل: إذا قال: “إن حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ”، فبانَتْ حاملًا طَلُقَتْ. وقال صاحب “المحرَّر” (3): وعندي: أنها لا تطْلُقُ إلاَّ بحمل مُتَجَدِّدٍ.
وقد وافق أبو البركات على مسألة اللُّبس، فقال: إذا حلف لا يلبسُ ثوبًا (4) هو لابسُهُ، أو لا يسكنُ دارًا هو ساكنُها، أو لا يساكنُ فلانًا (5) وهو مساكِنُهُ، فاستدامَ ذلك، حَنَثَ، وكذلك إذا حلَف أنْ لا يَتَسرَّى فوطِئَ أمَةً له قال: يحنَثُ، ثم قال: وإن حلفَ لا يَتَطَيَّبُ
__________
(1) من قوله: “فلما دخل بها … ” إلى هنا ساقط من (ق وظ).
(2) (ق): “يضيع هذا”.
(3) (2/ 70).
(4) (ق): “شيئًا”.
(5) (ق): “إنسانًا”.
(4/1416)
وهو مُتَطَيِّبٌ، أو لا يَتَطهَّرُ وهو مُتَطَهِّرٌ، أو لا يَتزوَّجُ وهو متزوِّجٌ، فاستدام ذلك لم يحنثْ، ثم قال: وإنْ حلفَ لا يدخلُ دارًا هو فيها فهلْ يحنثُ بالاستدامة إذا لم تكن له نِيَّةٌ (1)؟ على وجهين (2).
وهذه المسائل تحتاجُ إلى فرقٍ صحيحٍ، ويعسُرُ أو يَتَعذَّرُ إبداؤُهُ، فإنَّا إن اعتبرنا النِّيَّةَ فالجميع سواءٌ، وإن تعذَّرَ اعتبارُ النية لم يظهرْ فرقٌ أَلبتَّةَ بينَ أن يحلفَ أن لا يَتَسَرَّى وأن يحلفَ أن لا يتَزَوَّجَ، وغايةُ ما يمكنُ أن يفرقَ بينهما: أن التَّسَرِّيَ مأخوذٌ من السِّرَّ، وأصله التَّسرُّرُ، وهو الوطءُ؛ لأنه يكون سِرًّا، فيحنَثُ بوطء أَمَتِهِ، بخلافِ التَّزَوُّجِ، فإنَّ وطءَ الزوجة لا يقالُ له: تزوُّجٌ.
وهذا الفرقُ ليس بشيء، فإن التَّزَوُّجَ أيضًا مأخوذٌ من ضم الزَّوج إلى زوجه، ولكن عند الإطلاق لا يفهمُ من التَّسَرِّي والتَّزَوُّجِ إلا تجديدُ فراشِ أمَتِهِ أو زوجِهِ، فإن كان استدامةُ فراشِ الأمَةِ يُعدُّ (3) تَسَرِّيًا، فاستدامَة فراش الزوجةِ يُعدُّ زواجًا، وبالجملة فلا يظهرُ لي في هذه المسائل فرقٌ يعتمدُ عليه.
عُدْنا:
وسُئِلَ عن امرأةِ اختلعَتْ من زوجِها في مرضِه، فماتَ وهي في العِدَّةِ؟
لا تَرِثُهُ ليس هو مثل الطلاقِ. الطلاقُ ابتداءٌ والخلْعُ هو من قِبَلِها.
حدثنا أبو طالب، عن أبي عبد الله أنه سأله على الأمَةِ إذا فقدت زوجَها؟
__________
(1) “إذا لم تكن له نية” سقطت من (ظ).
(2) “المحرر”: (2/ 79 – 80).
(3) (ق): “يسمّى”.
(4/1417)
تَتَربَّصَ سنتينِ على النِّصفِ من الحُرَّةِ.
سمعتُ أحمد يقول في حديث أبي هريرة: “من حَمَلَ جنازةً فَليَتَوَضَّأ” (1)؟ فقال: كأنه يقولُ: لا يحملُها حتى يتوضَّأَ، أو كما قال.
وسألتُه عن قوم مالت فيهم ميِّتٌ، وليس عندَهم ماءٌ؟ فقال: يُيَمَّمُ.
قلت: فإنَّهم يَمَّموه وصلَّوا عليه وأصابوا الماء، قال: لا أدري ما هذا، لم أسمعْ في هذا بشيءٍ.
وكتبتُ إليه أسألُه عن من زارَ القبرَ يقف قائمًا أو يجلسُ فيدعو؟ فأتى الجوابُ: أرجو أن لا يكون به بأسٌ.
ومن مسائل أحمد بن أصْرَمَ بن خُزَيْمَةَ بن عباد بن (2) عبد الله بن حسَّان بن عبد الله ابن المُغَفَّل المُزَنى الصَّحابي (3)
سمعته وقال له رجلٌ: جمعنا الله وإيَّاك في مستقرِّ رحمته، فقال: لا تقُلْ هكذا.
قلتُ: اختلف السَّلَفُ في هذه الدعوة، وذكرها البخاري في
__________
(1) أخرجه الترمذي رقم (993)، وابن ماجه رقم (1463)، وابن حبان “الإحسان”: (3/ 435)، والبيهقي: (1/ 301) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 470) وأحمد: (15/ 334 رقم 9862) من طريق صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وله أسانيد أخرى عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وقد رجح جمع من الحفاظ أنه موقوف على أبي هريرة، انظر في الكلام عليه “العلل للدارقطني”: (9/ 293)، و “نصب الراية”: (2/ 281 – 282).
(2) “عباد بن” سقطت من (ع).
(3) تقدمت ترجمته (3/ 976)، وبعض مسائله.
(4/1418)
كتاب “الأدب المفرد” (1) له، وحكى عن بعض السَّلَف أنه كَرِهَها، وقال: مستقرُّ رحمتِه ذاتُه، هذا معنى كلامِه، وحُجَّة من أجازها ولم يكرهْها أن الرحمة هاهنا المراد: الرحمةُ المخلوقة، ومستقرُّها الجنة، وكان شيخُنا يميل إلى هذا القول (2). انتهى.
وسُئِلَ عن رجلِ استأجرَ أجيرًا على أن يحتطبَ له على حمارين، كلَّ يوم ينقل عليهما، فكان الأجيرُ ينقلُ على الحمارين وعلى حمار (3) رجل آخرَ في نوبة (4) هذا ويأخذُ منه الأجر، فقال: إن كان يُدخلُ عليه فيه ضَرَرًا ارتجع عليه بالقيمةِ، أو قال كلامًا هذا معناه.
قلتُ: وشَبِيهٌ بهده المسألة: إذا أخذ من رجل مالًا مضارَبَةً، ثم ضارَبَ لغيرهِ، وَعلى الأول ضَرَرٌ في ذلك، فإنه يردُّ حِصَّتَهُ من الربحِ في شركة الأول.
ووجهُ هذا: أن منافِعَهُ صارت مستحَقَّةً للمستأجرِ والمضارِب، فإذا بَذَلها لغيره بعِوَضٍ كان العِوَضُ لمستحقِّها.
وسأله رجلٌ: إنَّ والدي تُوُفِّيَ وترك عليه دينًا، أفأقضيه من زكاةٍ مالي؟ قال: لا.
وسُئِلَ عن رجل أَسْلَم في طعام إلى أجل مسمَّى، فإذا حلَّ الأجلُ يشتري منه عقارَا أو دارًا؟ (ظ/1236) فقال: نعم يشتري منه مالًا يُكالُ ولا يُوزَنُ.
__________
(1) (ص / 320).
(2) تقدمت هذه المسألة بأبسط مما هنا: (2/ 678) مع التعليق.
(3) (ق وظ): “حمير”.
(4) (ق وظ): “يومه”!.
(4/1419)
وسمعتُه سُئِل عن رجلٍ حلف أن لا يَلْبَسَ من غَزْل امرأتِهِ، فخاط الخياطُ من غَزْلها؟ فلم يُجِبْ فيها بشيءٍ.
وسُئِلَ عن امرأة (1) رُمِيَتُ فأقرَّت على نفسها، ثم ولدَتْ فَبَلَغ زوجَها، فطلَّقها (2)؟ قال: الولد للفراش حتى يُلاعِنَ.
وسُئِلَ عن رجلٍ أسلمَ من أهل الحرب في دار الحرب، ثم دخل دارَ الإسلام، وليس له وليٌّ في دارِ الإِسلامِ، فقتله رجلٌ من المسلمين خطأ، أيلزَمُ المسلمَ الدِّيَةُ مع الرَّقَبَة؟ قال: الذي أذهبُ إليه أنه ليس عليه دِيَةٌ، وعليه رَقَبةٌ.
وسئل عمن طافَ وراءَ المَقَامِ، وقيل له: رُويَ عن عطاء أنه قال: من لم يُمكِنْهُ الطَّوافُ إلاّ خلَفَ المقام جلسَ، كأنّ عطاءً كَرِهَ الطَّوافَ خلفَ المقامِ؟.
فقال: من رَوَى هذا؟ ليس هذا بشيء، الذي يكرهُ من هذا هو أكثرُ لتعبِهِ وأعظمُ لأجرِهِ.
قيل له: طاف من وراء السِّقَايَةِ، قال: نعم هو أكثرُ لتعبِهِ (3).
قيل له: تذهب إلى حديث عبد الله بن عُكَيْم أن النبىَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهابٍ وَلا عَصَبَ” (4)؟ قال: نعم.
__________
(1) من قوله: “أسلم في طعام … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) المسألة في (ق) هكذا: “وسئل عن رجل رُميت امرأته، فأقرَّت على نفسها ثم ولدت، فطلقها زوجها بعد علمه بذلك”؟.
(3) الجواب برمته ساقط من (ق)، ومن قوله: “وأعظم لأجره … ” إلى الآخر ساقط من (ع)، لهذا بقي في العبارة اضطراب.
(4) أخرجه أحمد: (31/ 74 رقم 18780)، وأبو داود رقم (4127) والترمذي رقم (1729)، والنسائي: (7/ 175)، وابن ماجه رقم (3613). =
(4/1420)
قيل: وقد رواه خالدٌ الحَذَّاء عمن سمع عبد الله بن عُكَيْم، قال: قد رواه شعْبَةُ، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم أصحَّ من هذا، وقد رواه عبَّاد، ورواه شعبة، عن الحكم، كأنه صحَّحه من غير حديث خالدٍ.
ومن مسائل الفضل بن زياد القطان -أيضًا-
كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث النعمان بن بشير: “مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ” (1) ما الشُّبُهات؟ فأتاني (2) الجواب: هي منزَلةٌ بينَ الحلالِ والحرامِ، إذا استبرأَ لدِينه لم يقعْ فيها (3).
أحمدُ: حدثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن محمَّد -يعني: ابن واسع-: أنه كان يكرهُ أن يشتريَ بالدَّنانير إلاّ العُتَّق، وبالدراهم التي فيها كتابُ الله أن يشتريَ بها أو يبيعَ.
وقال أحمد: سمعت من مُعاذ بن هشام، عن أبيه، عن قَتَادَةَ، عن سعيد بن المُسَيِّب، قال: كان ناس من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
__________
= قال الترمذي “وسمعتُ أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذُكِر فيه “قبل وفاته بشهرين” وكان يقول: كان آخر أمر النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده … ” اهـ. والحديث صححه الإمام أحمد في رواية ابنه صالح رقم (1119) و (733)، وفي رواية ابنه عبد الله رقم (43، 47)، وفي رواية ابن هانئ: (1/ 22) صرَّح بأنه يذهب إلى حديث ابن عكيم؛ لأنه آخر الأمرين، وانظر “طبقات الحنابلة”: (2/ 350 – 351).
(1) أخرجه البخاري رقم (52)، ومسلم رقم (1599) من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه-.
(2) (ع): “فأتى”.
(3) وكذا فسّرها في رواية ابنه صالح رقم (205)، وفسَّرها تارةً باختلاط الحلال بالحرام، كما في “جامع العلوم”: (1/ 199).
(4/1421)
يَتَّجِرون في البحر، منهم طَلْحَة بن عبيد الله وسعيد بن زيد (1).
سمعتُ أبا عبد الله وسُئل عن بيع الجُزَافِ (2)، فقال: إذا استوى علمُهما فلا بأس -يعني: إذا جهلا به- فإذا عَلِمَ أحدُهما وجَهِلَ الآخرُ فلا.
وسألته قلت: القطنُ يبيعُه فيرفع ظرفه العِدْل خمسة أمْناء: (3)، قلت: نعم، وربما زاد فيحسبه للمشتري، فرخَّص فيه، ولم ينكرْه على طريق الصُّلح.
قلت: فإنَّا نبيعُ بيعًا آخر، نبيع القطنَ في الكساء، فقال: هذا أحبُّ (4) إلي من ذاك؛ لأنه يكون بمنزلة التَّمْر في جِلالِهِ وقَوَاصِرِه (5)، ما زال هذا يُباعُ في الإِسلامِ.
قلت: فإنهم يحملونا على أن (6) نكشِفَه، فقال: هذا ضَرُورةٌ ليس عليكم هذا.
قال القاضي: “إنما لم يشترط كشفَه على الرواية التي أجاز بيعَ الجُرُبِ قبل حلِّها، وقوله: نبيعُه بظرفِه أحبُّ إلَيَّ من أن يحتسبِ
__________
(1) ورواه عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده ومتنه في العلل”: (2/ 42)، وابن معين في “تاريخه”: (رقم 207 – رواية الدوري).
(2) الجزاف: بضم الجيم وفتحها وكسرها هو: بيع الشيء لا يعلم كيله ولا وزنه. “المصباح المنير”: (ص / 38).
(3) المَنَا: هو ما يكال به أو يوزن، وجمعه: أمناء، وفي لغة تميم مفرده: “المنّ” ويجمع على: أمنان “اللسان”. (13/ 419)، و “المصباح” (ص / 222).
(4) (ق): “لعب”.
(5) الجلال والقواصر هي: الأوعية التي يُكتنز فيها التمر. “اللسان”: (5/ 402).
(6) (ع): “أنّا”.
(4/1422)
بوزنِ الظرفِ؛ لأنهم ربما اختلفوا في وزنِهِ” انتهى كلامُهُ.
قلت: قول أحمد: “نبيعُ القطنَ في الكِسَاءِ أحبُّ إلَيَّ”، وقوله: “لأنه يكون بمنزلة التمرِ في جلالِهِ وقواصِرِه، ما زال هذا يُباعِّ في الإِسلام”، يؤخذ منه بيعُ المُغَيَّبَاتِ في الأرضِ؟ كالجزر والقُلْقاس والسَّلْجم ونحوها، بل أولى، وما زال هذا يُباع في الإِسلام ويتعذَّر عليهم بيعُ المزارع إلاّ هكذا، وعلمهم بما في الأرض أتمُّ من علم المشتري بما في الجُرُبِ والأعْدالِ؛ لأنهم يعرفونه بورقِهِ، ولا يكاد تخلو معرفتُهم به، بل رَبما كان اختلافُ ما في الجُرُب والأعدال (1) أكثرَ من اختلافِ المُغَيَّب في الأرضِ، والعسرُ فيه أكثر؛ لأنه بحسب دواعي البَشَر، وما في الأرض لا صُنْع لهم فيه، فالغالبُ تساويه (2).
وبالجملةِ؛ فلم يزلْ ذلك يُباعُ في الإسلام، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشَّرْعٍ عظيمةُ النفع: أن كلَّ ما يعلمُ أنه لا غنىً بالأُمَّةِ عنه، ولم يزلْ يقعُ في الإِسلام، ولم يعلمْ من النبي – صلى الله عليه وسلم – تغييرُهُ ولا إنكارُهُ ولا من الصحابة، فهو من الدِّينِ، وهذا كإجارةِ الإقطاع، وبيع المُعاطاة، وقرضِ الخبزِ والخَميرِ وردِّ أكبرَ منه وأصغرَ، وأكلِ الصيدِ من غير تفريزِ محلِّ أنيابِ الكلب ولا غسلِهِ، وصلاة المسلمينَ في جِراحاتهم، كما قال البخاريُّ (3): “لم يزلِ المسلمون يُصَلُّون في جراحَاتِهمِ”، ومسحِهم سيوفَهم من غير غسلٍ، وصلاتِهم وهم حاملوها، ولو غُسِلتِ السيوفُ لفَسَدَتْ، ولا يُعرَفُ في الإِسلام غَسْل السيوف
__________
(1) من قوله: “لأنهم يعرفونه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) تقدم البحث في هذه المسألة: (4/ 1323).
(3) “الصحيح – الفتح”: (1/ 336)، وليس هو من قول البخاري، بل علقه على الحسن البصري مجزومًا به.
(4/1423)
ولا إلقاؤها وقت الصلاة، وكذلك صلاة النساء في ثياب الرَّضاعة أمر مستمرٌّ في الإِسلام، مع أن الصِّبيانَ لا يزالُ لُعابُهمْ يسيلُ على الأمَّهاتِ، وهم يَتَقيَّئونَ ولا تُغْسَلُ أفواهُهم، وكذلك البيعُ والشراءُ بالسعرِ لم يزلْ واقعًا في الإِسلامِ حتى إنَّ مَنْ أنكره لا يجدُ منه بُدًّا، فإنه يأخذُ من اللَّحَّام والخَبَّاز وغيرهما كلَّ يومِ ما يحتاجُ إَليه من غير أن يساوِمَهُ على كلِّ حاجة، ثم يحاسبُهُ في الشهر أو العام، (ق / 339 ب) ويُعطيه ثمنَ ذلك، فما يأخُذُه كلَّ يوم إنَّما يأخذُ بالسعر الواقع من غير مساوَمَةٍ، وكذلك الإجارةُ بالسِّعر في مثلِ دخول الحَمَّامِ، وغَسْلِ الغَسَّال، وطبخِ الطَّبَّاخِ والخَبَّاز وغيرهم، لم يزل الناسُ يفعلون ذلك من غير تقدير إجارَةٍ، اكتفاءً منهم بإجارة المثْل.
وقد نصَّ اللهُ تعالى على جوازِ النِّكاحِ من غير تسميةٍ، وحَكَمَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بِمَهْرِ المِثْل (1)، فإذا كان هذا في النكاحِ، ففي سائرِ العقود من البيوعِ والإجاراتِ أولى وأحْرى.
وقول القائل: “الصَّداقُ في النِّكاح دخيلٌ غيرُ مقصودٍ ولا ركنٌ”، كلامٌ لا تحقيقَ وراءَهُ، بل هو عِوَضٌ مقصودٌ، تُنْكَحُ عليه المرأة، وتُرَدُّ بالعَيْب، وتطالبُ به، وتمنعُ نفسَها من التسليم قبل قبضه، حيث يكونُ لها ذلك، وهو أحقُّ أن يُوَفَّى به من ثمن المَبِيع وعِوَضِ الإجارَة، فهو في هذا العقد أدخل من ثمن المَبيعِ وعِوَضِ الإجارة فيهما؛ لأن
__________
(1) كما في قصة بَرْوَع بن واشق، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد: (7/ 175 رقم 4099)، وأبو داود رقم (2114)، وابن ماجه رقم (1891)، والنسائى: (6/ 122)، وابن حبان “الإحسان”: (9/ 408)، والحاكم: (2/ 180 – 181) وغيرهم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي.
(4/1424)
منافعَ الإجارةِ والأعيان المَبيعة قد تُسْتَباحُ بغير عِوَضٍ، بل تُباحُ بالبَدَلِ، بخلاف منفعةِ البُضْعِ، والمرأةُ لم تبذلْ بضعَها إلاَّ في مقابلة المهر، وبضعُها أعزُّ عليها من مالِها، فكيف يقال: إنَّ الصَّداقَ عارِيَّةٌ في النِّكاحِ غيرُ دخيل فيه، وهل هو إلاَّ أحقُّ بالوفاء من ثمنِ المَبيع.
والذي أوجبَ لمن قال: إنه دخيلٌ (1) في العقد، أنهم رَأوا النكاحَ يَصِحُّ بدون تسمية، فدلَّتْ (2) على أنه ليس ركنًا في العقد، فهذا هو الذي دَعاهم إلى هذا القول.
وجوابُ هذا: أن النكاحَ لم ينعقدْ بدونه ألبتَّةَ، وإنما انعقدَ عند الإطلاق بصدَاقِ المِثْلِ، فوجَبَ صَدَاقُ المِثْلِ بنفس العقدِ، حتى صار كالمُسمَّى، وجعل الشارع سكوتَهم عنه بمنزلةِ الرِّضى به وتسميته، فلِم ينعقدِ النكاحُ بغيرِ صَدَاقٍ، وإنما انعقدَ (3) بغير تسمية صَداقٍ، وفرْقٌ بينَ الأمرينِ.
والمقصود أن الشارعَ جوَّزَ أن تكونَ أعراضُ المبيعاتِ، والمنافعُ في الإجاراتِ، ومنفعةُ البُضْعِ منصرفة عند الإطلاق إلى عِوَضِ المِثْلِ، وإن لم يُسَمَّ عند العَقْدِ، وليسَ هذا موضعَ تقرير هذه المسائل، وإنما أشرنا إليها إشارةً.
قال: وسألتُه عن الرجل يشتري الثوبَ بدينار ودرهم؟ فقال: لا بأس به، قلت: فإن اشتراه بدينار غير درهم، قال: لا يجوزُ هذا (4)
__________
(1) (ق وظ): “غير دخيل” وهو خطأ!.
(2) (ق وظ): “فدل”.
(3) من قوله: “عند الإطلاق … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) نصّ عليه -أيضًا- في رواية الكوسج رقم (11).
(4/1425)
وسمعتُه سئل عن المُكَحَّلَة (1) قال: لا يشتري بها شيئًا، ولكن إذا كان لك على رجلٍ دراهم فأعطاك مُكَحَّلَةً فخذ منه، كأنك أخذتَ دون حَقِّكَ. ورأيته يشدِّدُ في المُزَبَّقة (2) جدًّا.
وسئل عن رجل كان ساكنًا، فقال له صاحبُ الدار: تحوَّلْ، فقال الساكنُ: قد دفنتُ في دارك شيئًا، فقال صاحبُ الدَّار: ليس ذلك لك، فقال أبو عبدٍ الله: ينبشُ كلُّ واحدٍ منهما ما دفن، فكلُّ من أصاب الوصفَ كان ذلك له، أو نحو ذلك.
قلت: هذا له ثلاثةُ أصول:
أحدُها: وصفُ اللُّقَطَةِ، فإنه يُوْجِبُ أو يُسَوِّغُ على القولِ الآخر دفعها إلى الواصف.
الثاني: الدعوى المتأيدة بالظَّاهر والعادة، كدعوى كُلٍّ من الزوجين ما يصلح له دونَ صاحِبِه، فإنه يُعطاهُ بدعواهُ المتَأَيِّدةِ بالظَّاهر (3) والعادة.
الثالث: إن العلمَ المستفادَ من وصف أحدهما له بصِدْقه أقوى من العلم المستفاد بالشاهِد الواحدِ واليمين، أو نكولِ الخصمِ، وهذا مما لا سبيلَ للنفسِ إلى دفعِهِ، ومحالٌ أن يحْكَمَ بالأضعف، ويُلْغَى حُكْمُ ما هو أقوى منه، والذي منع منه الشرعُ أن المُدَّعِيَ لا يُعطى بدعوى مجرَّدة لا دليل معها شيئًا، فإذا تميَّزَتْ بدليل لم يُحْكَمْ له
__________
(1) يعني: الدراهم المزيفة، انظر: “بدائع الصنائع” (7/ 395).
(2) تحرفت في المطبوعات إلى: “الشريعة”! ودرهم مُزَأبق مطلي بالزئبق، والعامة تقول: مُزبَّق. “اللسان”: (10/ 137)، وانظر: “مسائل صالح” رقم (158)، و “مسائل أبي داود”رقم (1233 وما بعدها).
(3) من قوله: “كدعوى … ” إلى هنا سقطت من (ق).
(4/1426)
بدعوى مجرَّدة، ولهذا يحكمُ له بالشاهدين تارةً، وبالواحد تارةً (1)، وبالنُّكولِ تارةً، وبالقرائنِ الظاهرةِ وبالصِّفَة وبالشَّبَهِ (2)، وهذا كُلُّه أمرٌ رائدٌ على مجرَّدِ الدَّعوى، فلم يحكمْ له بدعوى مجرَّدة، وأين تقَعُ معاقدُ القُمُط ووجوهُ الآجُرِّ والخصِّ (3) من الصِّفَةِ هاهنا، وفي اللُّقطة والله الموفق.
وقال أحمد: إذا ادعى أحدُهم الدارَ أجمع، قال الآخر: لي نصفُها، فهي بينَهما نصفانِ، وقد يقولُ بعضُ الناسِ: هي بينَهما ثلاثةُ أرباع لمدَّعي الجميعِ، وللآخرِ الرُّبُعُ.
قلت: وجهُ هذا: أن مدَّعي النِّصفِ قد اعترفَ أن النِّصفَ الآخر لا حقَّ له فيه، فلا منازعَ لخصمِه فيه، فينفردُ به وخصمُهُ ينازعه في هذا النصفِ المدَّعى، وكلاهما يَدَّعِيه، فهما فيه سواءٌ.
ووجهُ المنصوص وهو القياسُ: أن أيديهما على الدَّار سواءٌ، فلكلِّ واحدٍ نصفُها، ومُدَّعي الكلِّ يَدَّعي النصفَ الذي للآخر وهو يُنْكِرُهُ، فلو أُعطي منه شيئًا لأعطيَ بمجرَّد دعواه، وهو باطلٌ، فإن خصمَه إنما يُقِرُّ له بالنِّصفِ، فلأي شيء يُعطى نصفَ ما بيدِ خصمِه بمجرَّد الدعوى، فهذا القولُ ضعيفٌ جدًّا.
وقولهم: “إنهُ يُقِرُّ (4) لخصمِه بالنِّصفِ، فينفردُ به، وهما متداعيانِ للنصف الآخرِ، فيقسم بينهما”.
__________
(1) بعده في (ظ) فقط: “وبالمرأة تارة”.
(2) (ق): “وبالشبهة”.
(3) انظر ما تقدم (3/ 1036).
(4) (ق وظ): “مقر”.
(4/1427)
فجوابه: أن استحقاقَ خصمِهِ للنصفِ لم يكن مستنِدًا إلى إقراره له به، بل النصفُ له، سواءٌ أقرَّ له به خصمُه أو نازعَهُ، فإقرارهُ إنما زادَه تأكيدًا، ويدُ كلِّ منهما مثبتةٌ (1) لنصف المُدَّعَى، وأحدُهما يقول لصاحبه: ليست يَدُكَ يدَ عُدْوانٍ، والآخرُ يقولُ لُمدَّعي النِّصفِ: يَدُكَ يدُ عُدْوانٍ، فلو قضينا له بشيءٍ مما بيدِ خصمِه لقضينا له بمجرَّدِ قولِهِ ودعواه، وهذا لا نَصَّ ولا قياسَ، واللهُ أعلم.
وقال له رجل: أكري نفسي لرجلٍ أُلْزِمُ له الغُرَماء؟ قال: غيرُ هذا أعجبُ إليَّ.
وسمعته يقول: ما أقلَّ بَرَكَةَ بيْع العقار إذا بيع.
وقيل له: ما تقولُ في رجل اكترى من رجل دارًا، فوجد فيها كناسةً، فقال صاحب الدار: لم يكن هذا في داري، وقال السَّاكنُ: بل (2) قد كان في دارِك؟ فقال هو على صاحبِ الدار.
سألتُ أبا عبد الله عن الصَّائغ يغسلُ الفِضَّةَ بدُرْدِي (3) الخمر؟ قال: هذا غِشٌّ، لعلَّ الفضة تكون سوداء فَتَبْيَضُّ.
أملى عَليَّ أبو عبد الله: إنما على الناس اتِّباعُ الآثارِ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ومعرفةُ صحيحها من سقيمها، ثم بعد ذلك قولُ أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا لم يكنْ قولُ بعضِهم لبعض مخالفًا (4)، فإن اختلفَ نُظِرَ في الكتاب، فأيُّ قولهم كان أشبَهَ بالكتابِ أُخِذَ به،
__________
(1) (ع): “مبينة”.
(2) (ق وظ): “بلى”.
(3) الدُّرْدي: ما يبقى في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. “اللسان”: (3/ 166).
(4) في النسخ بالرفع. ويصح أن تكون الجمل التي بعدها مبنية للمعلوم.
(4/1428)
وبقولِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أُخِذَ به، فإذا لم يأتِ عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ولا عن أحد من أصحاب النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – نُظِرَ في قول التَّابعينَ، فأيّ قولهم كان أشبهَ بالكتاب والسنة، أُخِذَ به وتُرِكَ ما أحدثَ الناسُ بعدَهم.
سمعتُ أبا عبد الله وقد سُئِلَ عن الرجل يسألُ عن الشيءِ من المسائلِ، فيرشدُ صاحبَ المسألةِ إلى رجلٍ يسألُهُ؟ قال: إذا كان رجلًا متِّبَعًا أرشدَه إليه فلا بأسَ.
وقال: ابنُ أبي ذئب أصلَحُ (1) في تَدَيُّنِهِ وأوْرعُ وأقوَمُ بالحقِّ من مالكٍ عند السلاطين، فدخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يَهُلْهُ أن قال له بالحقِّ، وكان يُشَبَّهُ ابنُ أبي ذئب بسعيد بن المسيَّب في زمانه (2).
قلت: رجل يُقرئ رجلًا مئتي آية ويُقرئ آخرَ مئة؟ قال: ينبغي له أن ينصفَ بين الناس. قلت: إنه لِأخذُ على هذا مئتي آية لأنه يرجو أن يكونَ عاملًا به، ويأخذ على هذا أقلَّ لأنه لم (3) يبلغْ مبلَغَ هذا في العمل؟ قال: ما أحسن (4) الإنصافَ في كلِّ شيءٍ.
وسمعت أبا عبد الله وذُكر عنده أبو الوليد (5)، فقال: هو شيخ الإسلام (6).
__________
(1) (ق) وحدها: ” … ما رأينا أصلح”!.
(2) وانظر نحوه وأطول منه في “مسائل صالح بن الإمام أحمد” رقم (805، 810، و “السير”: (7/ 144).
(3) (ظ): “لم يكن … “.
(4) (ع): “ما أحسن هذا … “.
(5) أي: الطيالسي.
(6) وانظر: “تهذيب التهذيب”: (11/ 46).
(4/1429)
أبو عبد الله، عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادةَ، عن أبي خالد (1)، قال: ذكر له أن موسى لما أخذ الألواحَ قال: رَبِّ إني أجدُ في الألواحِ أمَّةً هم الأوَّلونَ والآخِرونَ السَّابقُون، قال قَتَادةُ: هم الأوَّلونَ في العَرْضِ يومَ القيامة، وهم الآخروُن في الخَلْق، السَّابقونَ (2) في دخول الجَنَّةِ، اجْعَلْهم أُمَّتي، قال: تلك أمَّة أحمَدَ، قال: إني أجدُ في الألواح أُمَّةً أناجيلُهمِ في صدورِهم، يقرأونها، قال قتادة: وكان مَنْ قَبْلَكُم إنّما يقرأُونَ كُتبَهُم نظرًا، فإذا رفعوها لم يَعوها، ولم يحفظوها، وإنَّ الله أعطى هذه الأمَّةَ من الحفظِ ما لم يعْطِ الأمَمَ قَبْلَها، وذكره إلى آخره (3).
وسألتُ أبا عبد اللَّه عن الطَّعامِ في أرضِ العدوِّ إلى متى يأكلونَ؟ فقال: إذا بلغوا الدَّربَ أَلْقَوْا ما معهم.
[من مسائل ابن هانئ] (4)
قال ابن هانئ (5): سألتُ أبا عبد الله عن الرَّجُل يأخذ من عارضَيْهِ؟
__________
(1) كذا في (ع وظ)، وفي (ق): “قتادة أبي خالد”، لكن في مصادر هذا الأثر لا يوجد ذكر لأبي خالد هذا، بل هو عن قتادة نفسه.
(2) من قوله: “قال قتادة … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) أخرجه ابن جرير: (6/ 66) وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وأبو الشيخ -كما في “الدر المنثور”: (3/ 227) -.
(4) هذه الزيادة للتمييز: بين سؤالات الفضل بن زياد السالفة، وما سيأتي من سؤالات إسحاق بن هانئ.
ومن هذه الفقرة بدأ اضطراب جديد في النسخ، فكل نسخة من (ع وق وظ) انفردت بترتيب مستقل للمسائل والفوائد، وقد جرينا في الرتيب على ما في (ظ)؛ لأنه الترتيب الذي سارت عليه جميع الطبعات، فلم نر تغييره إلا لمصلحة تقتضي ذلك -كما تقدم نحو ذلك فيما سبق 4/ 1327 – .
(5) “مسائل ابن هانئ”: (2/ 151 – 152).
(4/1430)
قال: يأخذ من اللحية بما فضل عن القَبْضَة.
قلت له: فحديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” أحْفُوا الشواربَ وأَعْفُوا عن اللِّحَى” (1)؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقِه، ورأيت أبا عبد الله يأخذُ من عارضَيْه، ومن تحتِ حَلْقِهِ.
قال (2): ورأيتُ أبا عبد الله يأخذُ من حاجبِهِ بالمِقْراضِ.
قال (3): وسألته عن خَاتَمِ الحديدِ؟ فقال: لا تَلْبَسْهُ.
وسئل عن جُلود الثعالب؟ قال: البَسْهُ ولا تُصَلِّ فيه (4).
وسئل عن السَّراويل أحَبُّ إليك أم المآزر فقال: السَّرَاويلُ مُحْدَثٌ، ولكنه أستر (5).
قال ابن هانئ (6): خرج أبو عبد الله على قومٍ في المسجد، فقاموا له، فقال: لا تَقومُوا لأحدٍ، فإنه مكروهٌ.
قال (7): وكنتُ مع أبي عبد الله في مسجدِ الجامعِ، فصلَّيْنا، ثم رجَعْنا فقعدَنا، واستراحَ (8) وأنا معه، فجاء رجلٌ كأنه محمومٌ فقال:
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (5892)، ومسلم رقم (259) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما -.
(2) “المسائل”: (2/ 149)، ثم ذكر عن الحسن أنه كان يأخذ من حاجبه.
(3) “المسائل”: (2/ 147).
(4) المصدر نفسه: (2/ 146).
(5) المصدر نفسه: (2/ 147)، وفي (ع): “المئزر”.
(6) المصدر نفسه: (2/ 180).
(7) المصدر نفسه: (2/ 176).
(8) في “المسائل”: “فقعد فاستراح”.
(4/1431)
يا أبا عبد الله: إني كنت شارب مسكرٍ، فتكلَّمت فيك بشيءٍ، فاجعلني فى حِلٍّ:
ففال: أنتَ في حِلٍّ إن لم تَعدْ، قلت: يا أبا عبد الله لمَ قلتَ له لعله يعود؟ قال: ألم ترَ إلى ما قلت له: إن لم يَعدْ، فقد اشترطت عليه، ثم قال: ما أحْسَنَ الشرطَ، إذا أراد أن يعودَ فلا يعودُ إن كان له دِين.
قلت: وهذا صريح في جواز تعليقِ الإبراءِ على الشرط، وهو الصوابُ.
وقال إسحاق بن هانئ (1): قال رجل لأبي عبد الله: أوصني، فقال: أعِزَّ أمرَ الله حيثما كنت يُعِزَّكَ الله.
وقال لي (2): يا إسحاق ما أهون الدُّنيا على اللهِ عز وجل، قال الحسن:. أَهِينوا الدنيا، فوالله إني لأهنأ ما يكون حين تُهان:
وقيل له: ما معنى الحديث: “لا يقُمْ أحدٌ لأحدٍ” (3)؛ فقال: إذا كان عنى جهةِ الدُّنيا مثل ما روى معاوية (4)، فلا يُعْجِبُني (5).
__________
(1) “مسائل ابن هانئ”: (2/ 180)
(2) “المصدر نفسه” (2/ 180)، وقول الحسن ليس في “المسائل”.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة: (5/ 233) من مرسل الحسن بلفظ: “لا يقم رجل لرجل، ولكن ليوسع له”، وهو مع أرساله ففيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وقد جاء في النهي أحاديث أصح من هذا، منها ما أخرجه أحمد: (5/ 253)، وابن أبي شيبة: (5/ 233)، وأبو داود رقم (5230)، من حديث أبى أمامة -رضي الله عنه- بلفظ: “لا تقوموا كما يقوم الأعاجم … “.
(4) بلفظ: “من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوّأ مقعده من النار” أخرجه ابن أبى شيبة: (5/ 234)، والترمذي رقم (2755)، وقال الترمذي: “هذا حديث حسن”.
(5) “المسائل”: (2/ 182).
(4/1432)
قيل له (1): يقدم الرجل حاجًا فيأتيه الناسُ وفيهم المشايخُ أيقومُ لهم؟ قال: قد قام النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لجعفر (2).
وفي المعانَقَةِ احتجَّ بحديث أبي ذرٍّ: أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – عانقه (3).
وسألته عن الرجلِ يلقي الرجلَ أيعانِقُه؟ قال. نعم قد فعلَه أبو الدرداء.
ومحوتُ قدامَهُ لوحًا بثوبي (4) فقال: لا تملأ ثيابك سوادًا امحُ اللوحَ برجْلِكَ (5)
وجئته بكتاب من خُراسان فإذا عنوانه: لأبي عبد الله أبقاه الله، فأنكره وقال: أيْش هذا (6)؟!
قال ابن هانئ (7): دفع إليَّ أبو عبد الله يومًا في المسجد ثلاثَ قطع فيها قريب من دانَقَيْنِ فقال. أعطها هذا وأشار إلى رجل، فجاء معي (ظ/238 أ) حتى وَقَفَ عليه، فدفعتها إليه وهو ينظرُ إليَّ، فلما أن دخَلْنا المسجدَ وصليْنا الفريضةَ، إذا نحن بالسَّائلِ يقول: واللهِ -مِرارًا-
__________
(1) “المصدر نفسه”: (2/ 183)، وكذا ما بعده.
(2) أخرجه الحاكم: (3/ 211)، والبيهقي في “الدلائل”: (4/ 246)، وأبو داود رقم (5220) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- والصواب فيه الإرسال، من مرسل الشعبي.
(3) أخرجه أحمد: (35/ 349 رقم 21443)، وأبو داود رقم (5214)، وفي سنده ضعف؛ لأن فيه رجلًا لم يُسَمَّ.
(4) (ق): “بثيابي”، ووقع في “المسائل”: “بشيء” وهو تحريف.
(5) “مسائل ابن هانئ”: (2/ 184)، وكذا ما بعده.
(6) انظر “معجم المناهى اللفظية”: (ص/ 57، 601).
(7) “المسائل”: (2/ 177).
(4/1433)
ما دفعْ إلَيَّ اليومَ شيءٌ، ولا وقعَ بيدي اليوم شيءٌ.
فلما صِرنا في الطريق، قال لي أبو عبد الله: ألم تَر إلى ذلك السائلَ ويمينَه باللهِ عزَّ وجلَّ! يُروى عن عائشة عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – إن صحَّ-: “لَوْ صَدَق السَّائل ما أفْلَحَ منْ رَدَّهُ” (1).
وقال لي أبو عبد الله: يكذبون خير لنا، لو صدقوا ما وَسِعنا حتى نواسيَهم مما معنا، وما رأيته تصدق في مسجد الجامع غير تلك المرَّة.
ففي هذا جواز الصَّدقَةِ على سؤال المساجدِ فيها، ووجوب المواساةِ عند الحاجةِ، وجواز رواية الحديث الضعيفِ مُعَلَّقًا باشتراطِ الصّحّة.
فصل
إذا سبَّحَ أحدٌ في مسألة، فإن كان السائلُ سأله عن تحريمِها أو كراهتِها، فهو تقريرٌ لما سأله عنه، كقول ابن منصور (2) له: يُكْرَه التحريش بين البهائم؟ قال: سبحان الله! إي لَعَمْري.
وإن سبَّحَ جوابًا للسائلِ، فإن كان قرينة ظاهرةٌ في التحريم حمل عليه، وإلا احتمل وجهين: التحريم والكراهَةِ.
وإن قال: لا ينبغي فهو للتَّحريم، وإن قال: ينبغي ذلك، فهل هو للوجوب أو الاستحباب (3)؟ على وجهين، والصّواب: النظرُ إلى القرينةِ.
قال. إسحاق بن منصور (4): “قلت لأحمد: المتمتعُ (ق/ 341 ب)
__________
(1) تقدم تخريجه: 3/ 1151.
(2) يعني: إسحاق بن منصور الكوسج.
(3) (ق): “فهو للوجوب أو الاستحقاق”!.
(4) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 225 – نسخة دار الكتب).
(4/1434)
كم يسعى بين الصَّفا والمرْوَة؟ قال: إن طافَ طَوافينِ فهو أجودُ، وإن طافَ طوافًا واحدًا فلا بأسَ.
قلت: كيف هذا؟ قال: أصحابُ النبي – صلى الله عليه وسلم – لما رَجعوا من مِنى لم يطوفوا بين الصَّفا والمروة”.
وكذلك قال في رواية ابنه عبد الله (1)، إلاّ أنه لم يذكر الدليلَ، وكذلك نقل عنه ابن مُشَيْش (2).
وقال ابن منصور: قلتُ لأحمد: إذا عَلِمَ من الرجل الفجورُ أيخبرُ به الناسَ؟ قال: بل يسترُ عليه، إلا أن يكون داعية، وزاد إسحاق: يخبرُ به عند الحاجةِ في تعديل أو تجريح أو تزويج.
قلت: يُكْرَهُ الخِضَابَ بالسَّواد؟ قال: إيْ واللهِ مكروهٌ. قال إسحاق كما قال شديدًا، إلا أن يريدَ به تزيُّنًا لأهلِهِ ولا يَغُرُّ به امرأة.
قلت: يكرهُ أن يقولَ الرجل للرجل: فِدَاك أبي وأمي؟ قال: يكرهُ أن تقولَ: جعلني اللهُ فِداكَ، ولا بأس أن تقول: فداكَ أبي وأمي، قال إسحاقُ كما قال (3).
قال حرب: باب من تزَوَّجَ امرأة ولم يدْخل بها فجاءت بولدٍ. قال أحمد في رجل تزوَّجَ امرأة لم يدخلُ بها وإنها وَلَدَتْ ولدًا: إنه لا يلزمُهُ.
__________
(1) “المسائل” رقم (922، 1001).
(2) وللإمام رواية أخري وهي وجوب السعي مرتين للمتمتع، نقلها ابن هانئ: (1/ 141)، وأبو داود: (ص/ 181). واختار شيخ الإسلام الرواية الأولى كما في “الفتاوى”: (26/ 36،)، وانظر: “تهذيب السنن”: (2/ 384).
(3) “مسائل الكوسج”: (2/ ق 212)، وإسحاق هنا هو: ابنَ راهويه، لأن سؤالات الكوسج للإمام أحمد ولابن راهويه.
(4/1435)
قال ابن منصور: قلت لأحمد: في كم تُعْطى الدِّيَةُ؟ قال: لا أعرف فيه حديثًا إلا إذا كانت العاقلةُ تقدر أن تحملَها في سنة، فلا أرى به بأسًا، ويُعجبُني ذلك.
قال ابن منصور: في ثلاث سنين، كل سنة ثلُثًا؛ لأنه وإن لم يكنِ الإسنادُ متَّصِلًا عن عُمَرَ (1)، فهو أقوى من غيرِه.
ومن مسائل ابن بَدِينا محمد بن الحسن (2)
سمعتُ أبا عبد الله سئل: تحضرُ الجمعةُ والجنازةُ، ونخافُ الفوتَ، فبأيِّهما نبدأُ؟ قال: يُبدأ بالجنازَةِ. كذا فيه، وهو غلطٌ من الكاتب، وإنما الصواب يُبدأُ بالجُمُعَة.
حدثني أبو بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: روى شعبةُ، عن قَتَادَةَ، عن أنس أنه كرِهَ إذا أعتقَ الأمَةَ أن يَتزوَّجَها، قال: نعم إذا أعتقها لوجهِ الله كره له أن يرجعَ في شيء منها، فأما إن أعتَقها ليس لوجهِ الله، إنَّما أعتَقَها. ليكون عِتْقُها صداقَها فجائز.
وروي بإسناده عن صُهَيْب، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (ظ/238 ب) “مَنْ تَزَوَّجَ امرأة ونوَى أنْ يَذهَبَ بِصَدَاقِها، لَقِيَ الله وَهُوَ زانٍ” (3).
__________
(1) أخرج عبد الرزاق: (9/ 420)، وابن أبي شيبة: (5/ 406)، والبيهقي: (8/ 109) عن الشعبي: “أن عمر جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين … “، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي وائل عن عمر.
(2) هو: محمد بن الحسن بن هارون بن بَدِينا، أبو جعفر الموصلي، حدث عن الإمام أحمد ت (303). “طبقات الحنابلة”: (2/ 280).
(3) أخرجه أحمد: (31/ 260 رقم 18932)، وابن ماجه رقم (2410)، وسعيد بن منصور رقم (659): وغيرهم من حديث صهيب بن سنان -رضي الله عنه- وإسناده ضعيف.
(4/1436)
ومن مسائل أبي علي الحسن بن ثَوَاب (1)
قال؟ قلت: الرجلُ يُقَالُ له: اشْهَد أن هذه فلانة؟ قال: إذا كانتْ ممن قد عُرفَ اسمُها، ودُعِيَتْ، فذهبتْ وجاءت، فليشهدْ، وإن كان لا يعلم ما اسمُها فلا يشهدُ.
قلت: ولا يجوز أن يقولَ الرجلُ للرجل: اشهد -إذا كان عندَه ثقة- أن هذه فلانةٌ، فيشهد على شهادةِ ذلك الرجل؟ قال: إذا عَرفْتَ فاشهدْ.
قلت: رجلٌ رهن دارًا عند رجل، فتصدَّقَ بها في المساكين؟ قال: ليس هذا بمنزلة العِتْق، لا يجوز.
قلت: رجلٌ زنى بامرأة أبيه تحرم عليه امرأتُه؟ قال: نعم.
ومعنى هذا القول: أن يكون رجلٌ تزوَّجَ امرأة وابنه بِنْتها، ثم وطئ الابنُ أمَّ زَوْجِته (2).
قلت: رجلٌ حفرَ بئرَا؟ قال: إن كان مما أخذه به السلطان فلا
يضمنْ، وإن كان مما أراد بها (ق/343 أ)، النفعَ لداره، أو ليحدثَ فيها الشيءَ ضَمن، وضمِنَ الحفار معه، إذا جاء به إلى طريق وهو يعلمُ [أن] مثله لا يكون ملكا له، فحفر له، شاركَه في الضَّمَان.
قلت: فإن كان حَفَرَ نصفَها في حَده، ونصفَها في فِنَائِهِ، فوقع
__________
(1) هو: الحسن بن ثواب أبو علي التَّغْلِبي المخَرِّمي، كان له بأبي عبد الله أنس شديد، وكان عنده مسائل كبار عنه لم يجيء بها غيره ت (268).”طبقات الحنابلة”: (1/ 352 – 354).
(2) انظر “مسائل صالح” رقم (627).
(4/1437)
فيها رجلٌ؟ قال: يضمن ولا يضمن الحفارُ.
قلت: فإن أخذ الحفار، قال: إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له، ضَمِنَ، وإن قال: جئتُ إلي شيء أظنُّ (1) أنه ملك لهذا، فليس عليه شيءٌ.
قيل له: فما ترى في رجل حفر بئرًا قامَةً، فجاء آخرُ فحفرها حتى وصلَ الماء، فوقع فيها رجلٌ لمن (2) يلزم الضمان؟ قال: بينهما.
قلت: ما ترى في المرأة تحجُّ أو تسافر من (3) غير مَحْرَم؟ قال: أعوذ بالله.
قلت: ترى إن حَجَّتْ من غيرِ مَحْرَم يبطل؟ قال: أعوذُ بالله (4)، إن حَجَّها جائزٌ لها، ولكنها أتت غَيْرَ ما أمرها النبي – صلى الله عليه وسلم – (5).
قلت. ما تقولُ في رجل مملوك، له أبٌ حرٌّ وأولادٌ أحرارٌ من امرأةٍ حُرَّةٍ، مات العبد ولاء ولدِه لمن؟ قال:. لِموَالي أمِّهِ.
قلت: إن بعضَهم يزعُمُ أن الجَد يجُرُّ ولاءَهم،. قال: ليس هذا ذاك، الذي يَجُرُّ الجَدُّ ولاءَهم، إنما ذاك في رجل مملوك، وله: أبٌ مملوك، وأولاد أحرار، مات الرجلُ المملوكُ والجَد مملوك، ثم إن الرجل عَتَقَ فهو يجُرُّ ولاءَهم؛ لأنه عَتَقَ بعد موتِ ابنه.
قيل له: ما ترى في رجل حَفَر في داره بئرًا، فجاء آخَر فحفر في
__________
(1) (ق): “بظن”.
(2) (عَ): “لم”.
(3) (ق): “مع”.
(4) من قوله: “قلت: ترى … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(5) انظر: “مسائل صالح” رقم (626)، و”مسائل ابن هانئ”: (1/ 142)
(4/1438)
دارِه بئرًا إلي جانِب الحائط الذي بينَه وبينه، فجرَّت هذه البئر ماءَ تلك البِئر؟ قال: لا تسدُّ هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها.
ومن مسائل أبي بكر أحمد بن محمد بن صدقة (1)
قال سمعتُ أبا عبد الله وسئِل عن رجل قال: “بسم الله التَّحِيَّاتُ”، وقال: لا تقل “بسم الله” (2)، ولكن لتَقُل: “التَّحِيَّات للهِ”.
وسُئِل عن الرجل يشهدُ وهو رديءُ الحفظ؟ قال: يكتبه هو عندَه، فقال: فإنْ وَدَعْتُ الشهادةَ أصلًا آثَمُ (3)؟ ثم قال: إن كان يضُرُّ بأهل القريةِ ومثلُك يُحْتاج إليه، فلا تفعلُ.
وسُئل عن مسجد إلى جنب رجلٍ، ومسجدٍ آخرَ كان أبوه مؤذنه (4): أترى أن أصلِّيَ في المسجد الَذي إلى جنبي؟ قال: إن كانا عَتِيْقَين (5) جميعًا فكلما بَعدَ فهو خيرٌ (6).
وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “لا غرارَ (7) في
__________
(1) هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، نقل عن الإمام أحمد مسائل، ت (293). “طبقات الحنابلة” ت (1/ 155 – 157).
(2) (ظ) زيادة: “التحيات”.
(3) “أصلًا” ليست في (ع)، ويمكن ضبط العبارة على الإخبار: “فإن وُدِعَتِ الشهادة أصلًا أثِمَ”. لكن ما بعدها يؤيد ما أثبته من الضبط.
(4) (ظ): “يؤذن فيه”.
(5) فى جميع المطبوعات: “كان عهد”!.
(6) وانظر: “مسائل ابن هانئ”: (1/ 70).
(7) كذا في النسخ، وفي بعض مصادر الحديث: “إغرار”، قال أبو عبيد في “غريب الحديث”: (2/ 130): “رُوي عن بعض المحدثين هذا الحديث: “لا إغرار … ” بالألف، ولا أعرف هذا الكلام وليس له عندي وجه”، وقد سأل الإمام أحمد =
(4/1439)
الصَّلاةِ ولا تَسلِيمَ” (1) قال: الإغرارُ عندنا أن يُسَلِّمَ منها ولا يكمِلُهاْ، وأما التسليمُ فلا أدري (2).
قيل له: حديثا ابن عمر أنه كان يحتجمُ ولا يتوضَّأ (3)؟ قال: لا يصحُّ لأنَّ ابن عمر كان يتوضَّأُ من الرُّعاف (4).
وسئل عن الرجل يعطي أخاه أو أختَه من الزَّكاة؟ فقال: نعم، إذا كان لا يخافُ مَذَمَّتَهُم، وإن كان قد عَوَّدْتَهمْ فأعْطِهِم.
وسئل عن رجل توضأَ بأقلَّ من مُدٍّ، واغتَسَل (ق/3/ 3 ب) بأقلَّ من صاع؟ فقال: (ظ/239 أ) ما سمعنا بأقلَّ من مُدِّ، النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – اغتسل بالصَّاع وتوضَّأَ بالمُدِّ (5).
وَسئلَ عن الرجلِ يموتُ فيقول: وارثي فلان، فيقال له: كيف هذا، وارثُك فلان، وفلانٌ أقربُ إليك منه ببطنٍ؟! قال: ليس ذاك وارثي؛ لأن فلانًا جَدّه كان دَعِيًّا. وينكِر ذلك أهل القرية والجيرانُ،
__________
= أبا عَمْرو الشيباني عن معنى: “لا إغرار” فقال: إنما هو: “لا غِرار .. ” “المسند”: (16/ 29).
(1) أخرجه أحمد: (16/ 27 رقم 9937)، وأبو داود رقم (928)، والحاكم: (1/ 264)، وصححه علي شرط مسلم.
(2) وانظر في معنى الحديث “معالم السنن”: (1/ 569)، و”شرح السنة”: (12/ 257)، و”النهاية”: (3/ 357) لابن الأثير، و “المسند”: (16/ 29)، و”السنن”: (1/ 570)، وقد نقل أبو داود عن الإمام أحمد معنى الغرار في التسليم.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة: (1/ 47)، والبيهقي: (1/ 140).
(4) أخرجه مالك في “الموطأ” برقم (88). وأخرج ابن أبي شيبة: (1/ 128) أن ابنَ عمر عصر بثرة في وجهه فخرج شيءٌ من دم وقيح بين أُصبعيه فحكه ولم يتوضأ”، وانظر “المصنف”: (1/ 339) لعبد الرزاق.
(5) أخرجه البخاري رقم (201)، ومسلم رقم (325) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-، وانظر “التلخيص الحبير”: (1/ 153).
(4/1440)
وفي الشائع المستفاض: أن هذا الذي زعم أنه جَدهُ فىَ دعيٌّ وارِثي أقربُ إليه، يُقْبَل قولُه؟ قال: لا يقبلُ قوله، “الولدُ للفِراش”.
وسئل عن المجوسيَّة تكون تحتَ أخيها أو أبيها (1) فيطلَقُها أو يموتُ عنها، فيرتفعانِ إلى المسلمين ألمهَا مَهْرها؟ قال أحمد: لم يُسْلِما؟ قال: لا، قال: فليس لها مهرٌ.
وسئل عن الدرهم: إذا رأيتُه مطروحًا آخُذهُ؟ فقال: لا تَأْخُذه، فإن أخَذَهُ يُعَرِّفُهُ سنة، للخَبَر.
وسُئِلَ عن أحاديث وهب بن مُنبهٍ، عن جابرٍ: كيف هي؟ قال:
أرجو، ولم يكن إسماعيل يحدِّثُ بها ونحن ثمَّةَ، وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن مَعْقِل -شيخًا كبيرًا- حديثين منها، ولم يكنْ إسماعيلُ يحدِّث وأرجو، وعَقيلُ بن مَعْقِل أحبُّ إليَّ من عبد الصمد (2).
وسئل عن رجلٍ حلف (3) بصدقة ما يملكُ؟ فقال: كفارة (4) يمين، فقيل له: ثلاثينَ حجَّة؟ قال: لا أُفتي فيه بشيء.
وسئل عن الرجلِ يعزي الرجل، يصافِحُه؟ قال. ما أذكرُه، ما سمعتُ.
وسئل عن حديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا تَأتوا النِّساءَ طُرُوقًا” (5) قال: نعم
__________
(1) (ق): “ابنها”.
(2) عقيل وعبد الصمد ابنا مَعْقِل بن مُنبِّه أخو وهب.
(3) (ع): “حاز”!.
(4) (ظ): “هذه”.
(5) أخرجه البخاري رقم (1801)، ومسلم رقم (715) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
(4/1441)
يؤذنهنَّ، قال: بكتابٍ؟ قال: نعم.
ورأيتُه لما بَلَغَ المقابرَ خَلَعَ نعنيْهِ، ورأيته لما حَتى الترابَ على الميِّتِ انصرف ولم يجلس.
قال أحمد في رواية المرُّوذيِّ: من اشترى ما يُكالُ فكاله البائعُ، فوجدَه المشتري زائدًا، فقد يَتَغابَنُ الناسُ بالقليل، فإن كان كثيرًا. رَدَّهُ إليه.
قيل له: في القَفيز مكُّوْكٌ (1)؟ قال: هذا فاحشٌ يَردُّه. قيل: فكَيْلَجَة (2) ونحوه؟ قال: هذا قد يتغابن الناس بمثله. ِ
وقاك في رواية أحمد بن الحسن التِّرْمذي: العِينةُ عندنا أن يكون عند الرجلِ المتاع، فلا يبيعُه إلاَّ بنسيئةٍ فإن باع بنقدٍ ونسيئة فلا بأسَ.
وقال في رواية ابن القاسم (3) وسِندي: أكرهُ للرجل أن لا يكون له عادةٌ غير العِينةِ، لا يبيعُ بنقدٍ (4).
__________
(1) المكُّوك: مكيال، وهو ثلاث كَيْلَجات.
(2) الكَيلَجة: مكيال، وهى مَن وسبعة أثمان مَنِ. انظر: “مختار الصحاح”: (ص/630)، و”القاموس”: (ص/ 1231).
والمكّوك يساوي: 3.28 كغم، والكيلجة تساوي: 1.088 كغم، انظر: “مجلة الحكمة” عدد / 23/ 1422، ص/ 209 – 212. مقال: “تحويل المكاييل والموازين للأوزان المعاصرة” لمحمود الخطيبِ.
والقفيز: مكيال يساوي ثمانية مكاكيك، وهو يساوي: 1.26 كغم.
(3) من أصحاب أحمد اثنان كلاهما يقال له: أحمد بن القاسم، الأول يعرف: بصاحب أبي عبيد، وله عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، والثاني: “طوسي” روى عن الإمام أشياء. “طبقات الحنابلة”: (1/ 135 – 136).
(4) انظر: “مسائل صالح” رقم (664).
(4/1442)
وقال في رواية صالح (1) -في الذي يبيعُ الشيءَ علي حدِّ الضَّرورةِ، كأنه يوكلُ به السلطان لأخذِ خَراجٍ فيبيحُ فيؤدَي-: (ق/342 أ) لا يعجبُني أن يشتريَ منه.
وقال في رواية حنبل: يُكْرَهُ بيعُ المضطر الذي يظلمه السلطانُ، وكلُّ بيع يكونُ على هذا المعنى فأحب إليَّ أن يَتَوَقَّاهُ لأنه يبيعُ ما يسوى كذا بكذا من الثمنِ الدُّونِ.
وقال في رواية الميموني: ولا بأس بالعُرْبُونِ، وفي رواية الأثرم -وقد قيل له: “نهى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عن العُربان” (2) فقال: ليس بشيء، وأحتج أحمد بما روى نافع بن عبد الحارث: “أنه اشترى لعمرَ دارَ السِّجنِ فإن رَضِيَ عُمَرُ وإلا له كذا وكذا” (3).
قال الأثرم: فقلت لأحمد: فقد يقالُ هذا، قال: أيُّ شيء أقول، هذا عمر رضي الله عنه!.
وقال حرب: قيل لأحمد: ما تقولُ في رجل اشترى ثوبًا، وقال لآخر: انقدْ عني وأنتَ شرِيكي؟ قال: إن لم يُرِدْ منفعة، ولم يكن قرضٌ جرَّ نفعًا فلا بأس.
__________
(1) لم أجده في المطبوع.
(2) أخرجه مالك رقم (1781)، ومن طريقه أحمد: (11/ 332 رقم (6723)، وأبو داود رقم (3502)، وابن ماجه رقم (2192) وغيرهم أنه -أي مالك- بلغه عن عَمرو بن شعب عن أبيه عن جده … الحديث.
وسنده ضعيف من أجل جهالة الواسطة بين مالك وعَمرو بن شعيب، وانظر: “التمهيد”: (24/ 176 – 177).
(3) أخرجه ابن أبي شيبة: (5/ 7)، وابن حزم في “المحلي”: (8/ 373) من طريق عبد الرزاق.
(4/1443)
قال حرب: وسئل أحمد عن دار بين ثلاثة، اشترى أحدهم ثُلُثَها بمائة، والآخر الثُّلثَ الآخر بمئتين، والآخر الثُلث الآخر بثلاث مئة، ثم باعوها بغير تعيين مساومةً؟ قال: الثمن بينهم بالسَّوية، لأن أصل الدَّار بينهم أثلاثًا.
وسئل أحمدُ مرَّةً أخرى عن ثوبٍ بين رجلين قام نصفه على أحدهما بعشرين، ونصفهُ على أحدهما بثلاثين، فباعاه مساومةً؟ فقال: قال ابن سيرين الثَّمن بينهما نصفين.
قال حرب: وهو مذهب أحمد. قيل لمَ؟ قال: لأنَّ لكلِّ واحد منهما نصفَهُ، قلت: وإن كان عبدًا؟ قال: وإن كان عبدًا، العبد والدَّابةُ (ظ/239 ب) وكلُّ شيء بهذه المنزلة. انتهى.
قلت: فإن باعوه مُرابحةً، فالثَّمنُ بينهم على قدر رؤوس أموالهم؛ لأن الربح تابعٌ لرأس المال، فإذا كان الربح عشرة فى مئة فقد قابل كلُّ درهمًا فيقسم الثمن بينهم كما يقسم الربح (1)، وقال صاحب “المغني” (2): “نصَّ أحمد على أنهما إذا باعا مرابحةً فالثمن بينهما نصفان، وعنه رواية أخرى حكاها أبو بكر أنها على قدر رؤوس أموالهما” (3).
قال (4) حرب: وسمعتُ أحمد يقول: يأخذ الرجل من مالِ ولدِه
__________
(1) “كما يقسم الربح” سقطت م (ع).
(2) (6/ 277).
(3) ثم قال فى “المغني”: “ولم أجد عن أحمد رواية بما قال أبو بكر. وقيل: هذا وجه خرّجه أبو بكر، وليس برواية، والمذهب الأول” اهـ.
(4) من قوله: “صاحب المغني .. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1444)
ما شاء، قلت: وإن كان الأبُ غَنِيًّا؟ قال. نعم، قيل: فإن كان للابنِ فَرجٌ شبهُ الأمَةِ؟ قال: أما الفَرْجُ فلا، وذهبَ إلى حديثِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -: “أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ” (1)، وحديث عائشة: “إن أوْلادَكمْ مِنْ كسْبِكمْ” (2).
فصل
قال أحمدُ في رواية أبي طالب -فيمن عندَه رهونٌ لا يَعْرِفُ صاحبَها-: يبيعُها ويَتصَدَّق بها، ولا يأخذ ما على الرَّهن إذا باعه، فإن جاء صاحِبُها غرمَها.
قال ابن عَقِيل: ولا أعرفُ لقولهِ: “ولا يأخُذُ ما على الرَّهْنِ”، وجهًا مع تجويز بيعِها، فإن كان المنع لأجل جهالةِ صاحبِها فيجبُ أن يمنعَ البيعَ والصَّدَقةَ بالثمنِ كما منع من اقتضاء الدَّيْن، وإن لم يمنعْ من الصَّدَقةِ والبيع فلا وجهَ لمنع اقتضاء الدَّيْنِ (3)، ونقل أبو الحارث (4) في ذلك: يبيعُه ويَتصَدَّقُ بالفضل، فإذا جاء صاحبُها كان بالخيار بينَ الأخذِ (5) أو الثمنِ.
قلت: فقد اختلفت الروايةُ عنه في جوار أخذِه حقَّه من تحتِ يدِه.
__________
(1) أخرجه أحمد: (11/ 503 رقم 6902)، وابن ماجه رقم (2292) من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص -رضي الله عنهما- وله شواهد أخرى يتقوي بها.
(2) أخرجه أحمد: (6/ 31)، وأبو داود رقم (3528)، والترمذي رقم (1338)، والنسائي: (7/ 241)، وابن ماجه رقم (2137)، والحاكم: (2/ 46).
قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
(3) من قوله: “وإن لم يمنع … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) (ظ): “الحكم”.
(5) (ق): “الأجر”.
(4/1445)
قال ابنُ عَقِيل: وأصلُ هاتين الروايتَينِ جواز شراءِ (ق/342 ب) الوكيل من نفسِهِ، وفيه روايتان، كذلك أخْذه من تحت يده يُخرَّج عليهما، وقد تضمَّنَ نصَّاه جواز البيعِ وإن لم يستأذِن الحاكمَ، وتأوَّلها القاضي على ما إذا تَعَذرَ إذن الحاكم، قال: وأما إذا أمكَنَ فلا يجوزُ له ذلك؛ لأنه لا ولاية له على مالِ الغائب، لا بولاية عامَّةِ ولا خاصَّة، ومجرَّد كون مالِ الغير في يدِهِ (1) لا يُوجِب الولايةَ.
قال: وقد نصَّ أحمد فى رواية أبي طالب: إذا كان عندَه رهنٌ وصاحبُا غائب وخاف فسادَه، كالصُّوف ونحوه: يأتي إلى السلطان ليأمُرَ ببيعِهِ، ولا يبيعُهُ بغير إذن السلطانِ، فهذا النصُّ منه يقضي: على ذلك الإطلاق.
قلت: والصوابُ تقريرُ النَّصَّينِ، والفرق بين المسألتين ظاهرٌ، فإنَّ فى الثانية: صاحِب الرهنِ موجودٌ ولكنة غائبٌ، فليسِ له أن يَتَصَرَّفَ في مال الغائب بغير وكاله أو ولاية وهو لا يأمنُ. شكايَتَه ومطالَبَتَا إذا قدِمَ، وهذا بخلاف ما إذا جهل صاحبَ المال، و (2) أيسَ من معرفتِهِ، فإنَّ المعنى الذي في حقِّ الغائب الموجودَ مفقودٌ في حقّ هذا، والله أعلم.
ومن مسائل أحمد بن محمد بن خالد البُراتي (3)
قال: سألتُ أبا عبد الله، فقلت: إذا فاتَتْني أَوَّلُ صلاةِ الإمامِ
__________
(1) (ق): “وبمجرد كون المال فى يده … “.
(2) (ظ): “أو”.
(3) هو: أحمد بن محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان، أبو العباس البُرَاثي، روي عن الإمام ت (300). “طبقات الحنابلة”: (1/ 153 – 155). والبُرَاثي -بضم الموحّدة- نسبة إلى “براثا” محلة ببغداد، “معجم البلدان”: (11/ 362).
(4/1446)
فأدركت معه من آخِرِ صلاتِهِ، فما أعتدُّ به أول صلاتي؟ فقال لي: تقرأُ فيما مضى يعني: الحمد وسورة، وفي القعود تقعدُ على ابتداء صلاتِك (1).
ومن خطِّ القاضي أيضًا
نقل مُهَنّا عن أحمد: في أسير في أيدي الروم مكثَ ثلاثَ سنينَ يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان = يُعِيدُ. قيل له: كيف؟ قال: شهرًا على أثرِ شهرٍ، كما يعيدُ الصّلَواتِ.
ونقل عبد الله (2) عنه في الرجل يُكبِّر تكبيرةَ الافتتاح، قبلَ الإمام = هذا ليس مع الإمامِ، يعيد الصلاةَ.
إنما أمَرَهُ بالإعادةِ، ولمِ يجعلْه منفردًا بالصَّلاةِ لأنه نوى الائتمام بمن ليس بإمام؛ لأنه إذا كثر قبله فليس بإمام له، ولم تَصحَّ صلاة الانفراد؛ لأن النية قد بطلتْ، فإن صلى نفسان ينوي كل واحد منهما أنه يأتم بصاحبه لم تصحَّ صلاتُهما؛ لأنه ائتم بغير إمام، فإن صلى نفسان كل واحد منهما نوى أنه إمام صاحبه (ق/344 أ) لم تصحَّ صلاتُهما أيضًا؛ لأنه (3) نوى الإمامَةَ بمن لا يأتم به، فهو كما لو نوى الائتمامَ بغير إمام.
نقل الحسن بن علي بن الحسن (4)، سألت أبا عبد الله عن الرجل
__________
(1) كرر المؤلف نقل هذه الرواية: (4/ 1405) لكن نسبها هناك إلى بكر بن أحمد الراثي. وانظر التعليق عليها.
(2) “المسائل” رقم (536).
(3) من قوله: “ائتم بغير … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) هو: الحسن بن علي بن الحسن بن علي الإسكافي، أبو علىِ، عنده عن أبي عبد الله مسائل صالحة حِسان كبار أغرب فيها على أصحابه. “طبقات الحنابلة”: (1/ 364 – 365).
(4/1447)
يُكَبِّرُ خلفَ الإمام يُخَافِتُ أو يعلنُ به؟ قال: لا نعرفُ فيه شيئًا. إنما يُعرف (1) الحديثُ: “إذا كبَرِّ فَكَبِّروا” (2).
قال القاضي: “ظاهر كلامِه التوَقُّف عن جهر المأموم بذلك، ويجبُ أن يكون السُّنَّة الإخفات (ظ/240 أ) في حقِّه كسائر الأذكار في حقه، ولأن الإمام إنما يجهر ليعلَمَ المأموم بدخوله في الصلاةِ: وركوعِه، وإلاَّ فالسّنَّة الإخفاتُ كسائرِ الأذكار (3) غير القراءةِ”. انتهى.
من خط القاضي أبي يَعْلى مما انتقاه من “شرح مسائل الكَوْسج” لأبى حفص البَرْمكي
قال أبو حفص: إذا ترك التَّشَهُدَان صلاته تُجْزِئه، ولا فرقَ عندَه بين التَّشَهُّدِ الأوَّل والثاني، إن تَرَكَهما عامدًا أعاد الصَلاةَ، وإن تَركهما ناسيًا فصلاتُهُ جائزةٌ، وعليه سجودُ السَّهْوِ.
وقال: سجود السهوِ عندَنا واجب إلا أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ بتركِةِ.
قال: ومن الأبدال عندَنا ما يكونُ غيرَ واجب، وإن كان مُبْدَلُهُ واجبًا، مثلَ النكاحِ واجب، وجعل النبي – صلى الله عليه وسلم – البَدلَ منه الصيام (4)،
__________
(1) من (ق).
(2) أخرجه البخاري رقم (734)، ومسلم رقم (414) من حديث أبي هريرة، وأخرجاه -أيضًا- من حديث أنس -رضي الله عنه-.
(3) من قوله: “في حقه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4) في حديث: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج … “. أخرجه البخاري رقم (1905)، ومسلم رقم (1400) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
(4/1448)
وهو غير واجب (1).
وقال تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}. فبدأ بالسجود، قيل: ذلك فى غير شريعتنا {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً}، ولأن الركوع يسمى سجودًا، والسجودُ ركوعًا بدليل حديث عائشة: “صلى النبي – صلى الله عليه وسلم – الكسوف ركعتين، فى كلِّ ركعة سجدتين” (2) تريدُ: ركوعين، وفي حديث أبي هريرة: “من أدرك من العصر سجدة” (3) يريد: ركعةً. وقال تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)} يريدُ: ساجدًا.
قال أحمد: وإن انغمس فى الماء لا يُجزئهُ حتى يتوضَّأَ (4).
قال أبو حفص: إن كان اغتسالُهُ لغير الجنابة لا يجزئه من وضوئه وإن نوى الوضوء؛ لأن عليه التَّرتيب، وإذا خرج من الماء خرج رأسهُ قبل وجهه؛ ولأن الغُسل لا يقوم مقام المسح، والمنغمس في الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن رتَّب الأعضاء في جوف الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء، ويكون قد تمضمض واستنشق أولًا = صحَّ وضوؤُه.
قال أحمد: إذا علَّم رجلًا الوضوء لا يُجزؤهُ، يريد بهذا: إذا لم يَنو الوضوء لنفسه؛ لأن أبا داود (5) رَوى عنه: علَّم رجلًا الوضوء (6) ونوى أجزأه؛ لأن عثمان وعليًّا رضي الله عنهما جلسا يُعلِّمان الناس
__________
(1) “وهو غير واجب” ساقط من (ظ).
(2) أخرجه البخاري رقم (1044)، ومسلم رقم (901).
(3) أخرجه البخاري رقم (556)، ومسلم رقم (608).
(4) انظر: “مسائل عبد الله” رقم (115 – 119).
(5) لم أجده في مسائله.
(6) من قوله: “لا يجزئه يريد .. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1449)
وضوءَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان لهما طُهورًا (1).
عن أحمد ثلاثُ روايات في الجنب، هل يحتاجُ إلى الوضوء؟
إحداهنَّ: يُجْرئُهُ الغسل بلا وضوءٍ.
الثانية: يجزئُهُ الغسلُ لوضوئه إذا نواه.
الثالثة: لا يجزئه حتى يتوضَّأ.
قلت: استشكلَ: بعض الأصحاب (ق / 344 ب) الرِّوايَةَ الأولى، وهي الصحيحة دليلًا؛ لأن حكمَ الحَدَثَ الأصغرِ قد اندرجَ في الأكبر، وصار جُرءًا منه، فلم: ينفردْ بحكمٍ، لاسيَّما وكلُّ ما يجبُ غسلُهْ من الحَدَث الأصغر (2) يجب غسله في الأكبر وزيادة، فهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ، وبهذا الطَريق كان الصحيح أن العُمْرَةَ ليست بفريضةٍ، لدخولها في الحجِّ، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – علَّقَ الطُّهْرَ بإفاضةِ الماءِ على جميع الجَسَد (3)، ولم يشترطْ وضوءًا، وفَعَله النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لبيان أكملِ الغُسْل.
قال أبو حفص: إن قيل: النبي – صلى الله عليه وسلم – أفردَ المضمضةَ والاستنشاقَ بالذِّكر عن الوجهِ، فقال: “إنَّ العَبْدَ أذا تَمَضمَض واسْتَنشَقَ، خرَجتْ ذنوبه مِن فيهِ وَمنخَرَيْهِ، فإذا غسَل وَجْهَهُ … ” (4) الحديث.
__________
(1) حديث عثمان في “الصحيحين”، وحديث علي أخرجه أصحاب السنن وأحمد.
(2) من قوله: “قد اندرج … ” إلى هنا ساقط من “ظ”.
(3) فيما أخرجه مسلم رقم (330) عن أم سلمة قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في وصف الغسل: “إنما يكفيك أن تحثي على رأسِك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين”.
(4) أخرجه أحمد: (31/ 423 رقم 19064)، والنسائي: (1/ 74 – 75)، وابن ماجه رقم (282) من حديث الصنابحي. وأخرجه مسلم رقم (832) في حديث عَمرو بن عَبَسة الطويل.
(4/1450)
قيل: لا يمنعُ ذلك أن يكونا من الوجه، كما قال: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44)} [الرحمن: 44]، فلم يمنعْ تمييزه بين الحميم وبينَ جهنَّمَ أن يكون من جهنَّم، ولأنه أفردهما لأنه خصَّ الوجه بمعنى آخرَ وهو خطايا النَّظَرِ، ولأنهُ يمكن فعلهما في حالٍ، فجمَعَ بينهما في الذِّكْرِ، ولا يمكنُ جَمعُهما مع الوجه في الاستعمالِ، فأفردا بالذكر، وإنما لم يَجِبْ غسلُ باطن العينين؛ لأنه يورِثُ العَمَى فسقط للمشقَّةِ.
وفيهما في الغُسل روايتان:
إحداهما: لا يجبُ للمشَقَّةِ.
والأخرى: يَجِب لعدم التَّكرار.
واختلف أصحابنا في المبالغة في الاستنشاق، فقال ابنُ أبي علي (1): هي غيرُ واجبةٍ لأنها تسقُطُ (ظ/240 ب) في صوم التَّطَوعُّ، وقال أبو إسحاق (2): هي واجبةٌ، ولا يدلُّ سقوطُها في الصَّوم على سقوطِ فرضِها في غيره؛ لأن سَفَرَ التطَوعِّ يُسْقِطُ الجُمعَة، ولا تسقطُ في غير السَّفَرِ.
وأجاب أبو حفص: بأن الجمعةَ منها بَدَلٌ، وليس من المبالغة بَدَلٌ.
وأجاب أبو إسحاق: بأنه قد يسقطُ الفرض بالتَّطَوعُّ ولا بَدَلَ، كالسَفَرِ يسقِطُ بعض الصَّلاة.
قال: إلى قيل: يلزمُ أن يجعلَ ما خلفَ الأذُن من البياضِ من الرأسِ؟
قيل: يقول: إنه منه.
قل: يلزمُ أن يجوزَ الاقتصارُ من التقصِيرِ من شعر الأذن؟
__________
(1) كذا في الأصول، ولم أتبينه، ولم أجد من يُعرف بهذا اللقب من الحنابلة، والمسألة مذكورة في كتبهم، ولم تنسب لقائل معيّن، بل إلى الأكثر.
(2) هو: ابن شاقلا.
(4/1451)
قيل (1) لا، عندنا يلزِمُ استيعابُ الرأس بالأخذ من جميع شعره، والمرأةُ تقصر من طرف شعرها أنملة؛ لأن شَعَرها منسبل فهو يأتي على شعرها.
قيل:. يلزمُ أن يجوز الاقتصارُ بالمسح عليهما في الوضوء؟
قيل: في المسح روايتان؛ إحداهما: استيعابُ الجميع، والأخرى: البعض، ولا يجوزُ الاقتصارُ على الأُذُنَيْنِ إجماعًا. وقال: صفةُ مسح المرأة (2): أن تمسحَ من وسط رأسِها إلى مقَدَّمِهِ، ثم من وسط رأسها إلى مُؤخرِهِ، على استواء الشعر، وكذا الرجلُ إذا كان له شعرٌ (3). وقد روي عن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – أنه مسح من (ق/345 أ)، مُقَدَّمِهِ إلى مؤخَّرِهِ (4)
يُجْزِيء في المَذي النَّضْح؛ لأنه ليس بِنجَسٍ، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: “ذاكَ مَاءُ الفَحْلِ، ولِكُلِّ فَحلٍ مَاءٌ” (5)، فلما كان ماءُ الفحل طاهرًا، وهو المنِيُّ، كان هذا مثلَهُ، لأنهما ينشآن من الشَّهوة.
__________
(1) من قوله: “يقول إنه … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ق): “الرأس”.
(3) انظر: “مسائل أبي داود” رقم (42)، و”مسائل ابن هانئ”: (1/ 15)، وفي “مسائل صالح” رقم (58). سئل عن مسح المرأة رأسها؟ فقال: لا تبالي كيف مسحت.
(4) أخرجه البخاري رقم (185)، ومسلم رقم (235) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم -رضي الله عنه-.
(5) أخرجه أحمد: (2/ 399 رقم 1238) من حديث علي -رضي الله عنه- وأصله في “الصحيحين” في سؤال علي عن المَذي وما الواجب فيه.
وأخرجه أحمد: (31/ 346 رقم 19007)، وأبو داود رقم (211) وغيرهما من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “ذاك المَذي، وكلُّ فحلٍ يُمْذي … ” الحديث.
.
(4/1452)
قال: قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إذَا قَامَ أحَدكُمْ مِنْ مَنمامِهِ” (1) إشارة إلى نوم
اللّيل؛ لأن المنامَ المطلقَ إشارةٌ إلى الليل (2)؛ ولأنه قال: “باتَت يدُه”، والبيتوتةُ لا تكونُ إلاّ بالليل، كقوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)} [الأعراف: 97 – 98]، فخصَّ البيَاتَ بالليل، ثم ذَكَرَ النهار (3).
قال أحمد: مسّ الدرهم الأبيض على غير وضوء، أرجو، يحتمل أن يكون سَهَّل، لحاجةِ الناسِ إلى المعاملة به وتقليبه (4).
وقال أحمد في الرجلِ يجامِعُ أهلَه في السفر وليس معه ماءٌ: لا أكرهُ له ذلك (5)، قد فعله ابن عباس، رُوي أنه تَيَمَّم وصلَّى بِمُتوَضِّئينَ، ثم التفتَ إليهم فقال: إني أصبتُ من جارية رُومِيَّة، ثم تَيَمَّمْتُ وصلَّيْتُ بكم.
أحتجَّ للتَّيَمُّم لا يجوزُ بغير تراب بقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] قال: فإن قيل: النبي – صلى الله عليه وسلم – سمَّى المدينة طَيْبةَ وطابة (6)، وكانت سَبْخَةً؟ قيل: سماها طَيْبَة؛ لأنها طابتْ له وبه، لا أن هذا
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (161)، ومسلم رقم (278) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) “لأن المنام المطلق إشارة إلى الليل” سقط من (ق).
(3) انظر “مسائل أبى داود” رقم (17، 18).
(4) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 18). لأن فيها شيئًا من كتاب الله، وانظر آثار السلف في حكم مسها في “مصنف ابن أبي شيبة”: (1/ 107).
(5) انظر “مسائل الكوسج”: (1/ ق 18 – 19)، و”مسائل صالح” رقم (78).
(6) فيما أخرجه مسلم رقم (1385) من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-.
(4/1453)
الاسم استحَقَّتْهُ الأرضُ.
قال في الدَّمِ في أكثرُ الروايات (1): “إن الفاحشَ ما يستفحشه الإنسانُ في نفسِه”، وقد قال هاهنا (2) بالذِّراع والشّبر، ولا يَدلُّ ذلك: على أن ما دونَه ليس بفاحِشٍ؛ لأنه قال في مَسائل المرُّوْذي: “خمس بزقات من دم”، وإنما لم يُوَقت في ذلك؛ لأن التوقيتَ لم يأتِ عمَّن تَقَدَّم.
روي عن ابن عمر أنه تَيمَّمَ، والماء منه على غَلْوَة أو غَلْوتيْنِ (3)، ثم دخل المصر وعليه وقتٌ، أي غسل (4).
روى وَهْب بن الأجدع، عن عليٍّ أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -قال: “لا صَلاةَ بعْدَ العَصْرِ، إلا أن تكون الشَّمسُ بيضَاءَ نقِية” (5)، قيل: يحتَمل أن يعني وقتَ العصرِ؛ لأنه روي أنه نهى عن الصلاة بعد العصرِ، أي: فعل الصلاة.
قوله -“أسْفروا بِالفَجْرِ، فَإنَّهُ أعْظَمُ للأجْرِ” (6)، فيه ضعف، ويريدُ
__________
(1) انظر “مسائل ابن هاني”: (1/ 7)، و”مسائل عبد الله رقم (82)، و”مسائل صالح” رقم (72، 1002 – 1005).
(2) يعني فى رواية الكوسج، انظرها: (1/ ق 36، 68).
(3) أخرجه البيهقي. (1/ 233). والغَلْوة: قدر رمية بسهم. “النهاية في غريب الحديث”: (3/ 383).
(4) (ق وظ): “إن قيل” بدلًا من: “أي غسل”.
(5) أخرجه ابن أبى شيبة: (2/ 131)، وأبو داود رقم (1274)، والنسائي: (1/ 280)، وابن خزيمة رقم (1284)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 414)، وغيرهم.
(6) أخرجه أحمد: (25/ 133 رقم 15819)، وأبو داود رقم (424)، والترمذي رقم (154)، والنسائي: (1/ 272)، وابن ماجه رقم (672)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 357) وغيرهم من حديث رافع بن خديج -رضي الله عنه-.
قال الترمذي: أحسن صحيح”، وصححه ابن حبان، وابن القطان، كما في “نصب الراية”: (1/ 235)، وتكلم فيه بعض العلماء.
(4/1454)
بذلك الإسفارَ في نفسِ الصلاة، فيكونُ قد ابتدأها بعدَما طَلَعَ الفجرُ، وأسْفَرَ بها بتطويلِ القراءة، أبو بكر قرأ بهم (البقرة) في الفجر، وقال: “لو طَلَعَتْ ما وَجَدَتْنا غافِلينَ” (1).
قلت: للناس في هذا الحديث أربع (ظ/241 أ) طرق:
أحدها: تضعيفُه، وهي طريقة أبي حفص وغيره.
الثانية: حملُه على الإسفار بها في ليالي الغَيْم واللَّيالي المقمرَةِ، خشيَةَ الصَّلاةِ قبل الوقتِ.
الثالثة: أن الإسفارَ المأمورَ (ق/ 345 ب) به: الإسفارُ بها استدامةً وتطويلًا لها لا ابتداءً، وهذه أصحُّ الطُرُق، ولا يجوزُ حملُ الحديث على غيرها؛ إذ من المحال أن يكونَ تأخيرُها إلى وقتِ الإسفار أفضلَ وأعظَمَ للأجر، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يواظِبُ على خلافِه هو وخلفاؤه الرَّاشدون من بعدِهِ.
وتفسيرُ هذا الحديث يُؤخَذ من فعلِهِ، وفعلِ خلفائِهِ وأصحابهِ، فإنهم كانوا يُسْفِرونَ باستدامَتِها لا بابتدائِها، وهو حقيقةُ اللَّفظِ، فإنَّ قوِله: “أسْفِروا بها”، الباء للمصاحَبَةِ، أىِ: أطيلوها إلى وقتِ الإسفار، وفهْم هذا المعنى من اللفظ أقوى من فهم معنى آخر، والشروع فيها إلى وقت الإسفار، ولو قُدِّر أن اللَّفظَ يحتمل المعنيينِ احتمالًا متساويًا (2) لم يَجُزْ حملُه على المعنى المخالِفِ لعملِهِ وعمل خلفائِهِ الراشدينَ، والله أعلم.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة: (1/ 310)، وعبد الرزاق: (2/ 113)، والبيهقي في “الكبرى”: (2/ 389) بسندٍ صحيح عن أنس -رضي الله عنه-.
(2) من قوله. “إلى وقت … “إلى هنا ساقط من (ع).
(4/1455)
الطريقة الرابعة: أنَّ تأخيرَها أفضل، وحملوا الإسفار بها على تأخيرها إلى وقتِ الإسفارِ.
قال: دليل الجمع للمطر: روى عبدُ الرزاق، عن معْمرٍ، عن أيّوب، عن نافِع، قال: كان أهلُ المدينة إذا جمعوا بين المغرب والعشاء في اللّيلة المطيرة صلَّى معهم ابنُ عمر (1)، ورُوي عن ابن الزبير مثله (2).
قال: ورُوِىِ عن أحمد: الشفقُ الحُمرَةُ حضرًا وسفرًا، وعنه: البياضُ سفرًا وحضرًا.
قال: احتجَّ من قال بطهارةِ الكلب بقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45]، وإطلاقُ الماء يقتضي الطهارة.
قيل: لا يمنعُ أن يقلب الله عينها إلى النَّجاسةِ كالعصير يتحمَّر، والماءُ ينقلبُ (3) بولًا.
سئل أحمد عن جيران المسجد، فقال: كلُّ من سَمعَ النَّداء.
وسُئل: يَؤُمُ الرَّجلُ أباه؟ قال: إيْ واللهِ، يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم، وأحتجَّ أبو حفص أن النبي -رضي الله عنه- قال: “ورأيتني في جماعة منَ الأنبياء” إلى أن ذكر إبراهيمَ، قال: “فصلَّيت بِهِم” (4).
عن أحمد في النفخِ، قال: أكرهُهُ شديدًا إلا أني لا أقولُ: يقطع
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق: (1/ 556)، ومالك في “الموطأ” رقم (386) بنحوه.
(2) لم أجده.
(3) (ق وظ): “يصير”.
(4) أخرجه مسلم رقم (172) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4/1456)
الصَّلاة، وليس هو كلام، وعنه. أن النفخَ يقطعُ الصلاةَ، وعلى الروايتين هو مكروهٌ.
صلاةُ الضُّحى، قُتِل عثمانُ وما أحد يُسَبِّحُها (1)، قيل: وليس في ترك الصحابةِ ما يمنعُ من فعلِها، فقد فعلَها – صلى الله عليه وسلم – وقتًا وتَرَكَها وقتًا، وهذا اختيارُ أحمدَ أن لا يُداوَمَ عليها (2).
قال: إذا قال المؤَذِّن: “قد قامتِ الصلاةُ” وجَبَ أن يقومَ الإمامُ ولا يسبقوه، ثم يقوموا، وإذا لم يكنْ في المسجد أيضًا قاموا فانتظروهُ قِيامًا، َ وقد رَوَى أبو هريرة قال: “أقِيْمتِ الصلاةُ، وصفَّ الناسُ صفوفَهم، فخرجَ علينا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – … إلى قولهِ، ثم ذكر أنه لم يغتسلْ فقال بيدِهِ للناس: “مكانَكم” (3)،
وأما قوله: “لا تَقُوموا حَتَّى تَرَوني” (4)، فنقول: إذا لم يكنْ في المسجدِ جاز أن يقوموا إذا قال: “قد قامتِ الصلاةُ” ينتظرونَه قيامًا (ق/ 346 أ) لحدِيث أبي هريرة، وإذا كانَ في المسجدِ قاموا ولم يتَقدَّموه، لأنه قال: “حتى تَروني” أيْ: قائمًا.
اختار أحمد حديثَ عمَرَ في الاستفتاح (5)، وقد روى أبو سعيد
__________
(1) انظر “مسائل الكوسج”: (1/ ق 40).
(2) انظر: “المغني”: (2/ 549 – 551).
(3) أخرجه البخاري رقم (275)، ومسلم رقم (605) من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه البخاري رقم (637)، ومسلم رقم (604) من حديث أبى قتادة -رضي الله عنه-.
(5) أثر عمر في الاستفتاح هو: “سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك”. =
(4/1457)
عن النبي – صلى الله عليه وسلم – (1)، وليس بصحيح، لأن رواية عليِّ بن عليِّ الرِّفاعي، عن أبي المتوكّل النَّاجي، عن أبي سعيد، وقد قال أحمد: عليُّ بن علي لا يُعبأُ به شيئًا (2).
حديث البَراء أنه – صلى الله عليه وسلم -“كان إذا افتَتحَ الصلاةَ رَفعَ يديْهِ، ثمَّ لا يعودُ” (3)، قال أحمد: “لم يَعُد” من كلامِ وكيع (4).
قال: لا يختلفُ المذهب في اللَّحْنِ الذي هو مخالفة الإعراب (ظ/ 241 ب)، لا يبْطِلُ الصلاةَ.
واختلف قولُه إذا خَتَم آيةَ رحمة بآيةِ عذاب، على روايتين؟
إحداهُما: عليه الإعادة، والثانية: لا، ووجهها ما روى قابوس بن أبي ظبيان، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس، قال: صلى رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون قال: فأكثَرُوا، فقال: إنَّ له
__________
= أخرجه الحاكم: (1/ 235)، وابن أبي شيبة: (1/ 209)، والدارقطني: (1/ 299)، والبيهقى: (2/ 34 – 35).
(1) أخرجه أحمد: (18/ 51 رقم 11473)، وأبو داود رقم (775)، والترمذي رقم (242)، وابن ماجه رقم (804)، والنسائي: (2/ 132)، وغيرهم.
قال الترمذي: “وقد تكلَّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيي بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث” أهـ. وضعفه أبو داود وابن خزيمة والنووي.
(2) انظر “مسائل الكوسج” (1/ق 44).
(3) أخرجه أبو داود رقم (749)، والبيهقي: (2/ 76)، والحميدي: (2/ 316) وغيرهم، وهو ضعيف: بزيادة: “ثم لا يعود” وانظر ما سيأتي.
(4) انظر: “مسئل عبد الله” رقم (325، 326)، و”العلل”: (1/ 369 – 370)، و”تهذيب السنن”: (1/ 368 – 369)، و”المنار المنيف”: (ص/ 138)، و”نصب الراية”: (1/ 394 – 395).
(4/1458)
قَلْبَيْنِ ألا تسمعونَ إلى قوله، والآية في الصلاة (1).
قال ابن عباس: “لا يَؤُمُّ الغلامُ حتى يحتلمَ” (2)، إن قيل: يلزمُ عليك إمامَتُهُ إذا كان ابنَ عشر؛ لأنه خُوطِبَ بالصَّلاةِ عندَك؟ قيل: الخَبَرُ ألَزَمَ ذلك في النَّظَر. إن قيل: فقد أَمَ عَمْرو بنُ سَلِمَةَ وهو غلامٌ (3). قيل: سمَّي غلامًا وهو بالغٌ، ورواية أنه كان له سبعُ سنين فيه رجلٌ مجهولٌ فهو غيرُ صحيح (4).
الكوسج (5): قلت: يَؤُمُ القومَ، وفيهم من يكرهُ ذلك، قال: إذا كان رجلًا أو رجلينِ فلا حتى يكونوا جماعةَ ثلاثةَ فما فوقَهُ.
__________
(1) أخرجه أحمد: (4/ 233 رقم 2410)، والترمذي رقم (3199)، وابن خزيمة رقم (865)، والحاكم: (2/ 415)، وابن جرير: (10/ 255)، وغيرهم، ولفظ أحمد: “قلت لابن عباس: أرأيتَ قول الله عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}، ما عنى بذلك؟ قال: قام نبيُّ الله – صلى الله عليه وسلم – يومَا يصلّي، قال: فَخَطر خَطْرةً، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قال: قلبًا معكم، وقلبًا معهم؟ فأنزل الله عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. وسقنا اللفظ هنا لأن سياق المؤلف غير محرر، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الحاكم؛ لكن فيه قابوس ضعيف الحديث. وانظر “مسائل الكوسج”: (1/ ق 49).
(2) أخرجه عبد الرزاق: (1/ 487)، والبيهقي: (3/ 225)، وروي مرفوعًا ولا يصح، انظر: “فتح الباري”: (2/ 217).
(3) أخرجه البخاري رقم (4302) عن عَمْرو بن سَلِمة.
(4) بل وقع في رواية البخاري أنه كان ابن ست أو سبع سنين. وسئل أحمد في رواية الكوسج (1/ ق 61): “يؤم القوم من لم يحتلم؟ فسكت. قلت: حديث أيوب عن عَمرو بن سَلِمة؟ قال: دعه، ليس هو شيءٌ بيَّن، جبن أن يقول فيه شيئًا”.
(5) “المسائل”: (1/ ق 62).
(4/1459)
قال أبو حفص: جعل الحكمَ للكثيرِ فى الكراهَةِ لأنَّ الحكمَ للأغلب.
روي أنس: “صلَّيْت خَلْفَ النبي – صلى الله عليه وسلم – أنا ويتيمٌ لنا وأم سُلَيم خَلْفَنا” (1).
يحتمل أن يكون كان بالغًا ويحتملُ أن يكونا صَبيَّيْنِ، أما إذا كان أحدهما بالغًا فعلى حديث ابن مسعود: “أنه صلَّى بَعلقمةَ والأسودِ، وأحدُهما غيرُ بالغ، فأقام أَحَدَهما عن يمينهِ، والآخرَ عن يَسَارهِ، ورفعه إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -” (2).
الكوسج (3): قلت: إذا دخل والإمامُ راكِع يركعُ قبل أن يَصِلَ إلى الصف؟ قال: إذا كان وحدَه وظنَّ أنه يُدْرِكُ فعَلَ (4).
احتجَّ أبو حفص بحديث أبي بَكْرَةَ (5).
فإن قيل: فقد نهاه – صلى الله عليه وسلم -؟ قيل: نهاه عن شدَّة السَّعْيِ.
قلت: الإشارةُ (6) في الصَّلاة؟ قال: قد أشارَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “اجلِسوا” (7) إذا كان يُفهِمهم شيئًا من أمر صلاتِهم (8).
الصلاةُ لغير القِبْلَةِ وهو لا يعلمُ ثم عَلِمَ؟ قال: يستديرُ، قلت:
__________
(1) أخرجه البخاري رقم: (727)، ومسلم رقم (658)، من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه مسلم رقم (534).
(3) “المسائل”: (1/ق 63).
(4) وتمام جواب الإمام: “وإن كان مع غيره فيركع حيث ما أدركه الركوع”.
(5) تقدم.
(6) في “المسائل”: “تكره الإشارة … ؟ “.
(7) تقدم.
(8) “المسائل”. (1/ق 67).
(4/1460)
يُعِيدُ ما صلَّى؟ قال: لا (1).
أبو حفص: دليلُه أهل قُبَاء.
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “فَلْيصَلَّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْن مِنْهَا لا يقْطَعِ الشَّيْطَان عَلَيْهِ صَلاتَهُ” (2).
إن قيل: فقد روي أنه – صلى الله عليه وسلم – (ق/346 ب) خَنَقَ شيطانًا وهو يُصَلِّي (3)؟ قيل: يحتملُ أنه خَنَقَهُ يَمْنَةً أو يَسْرَةً.
قال أحمد: لا يعجبُني أن ينقضى وِتْرهُ (4)، وعنه الجواز؛ لحديثِ عثمان، وابنُ عباس وأسامَةُ رخَّصا فيه.
قلتُ: إن رجلًا قال: يا رسولَ الله إني أعملُ العملَ أُسِرُّهُ، فَيطلَعُ عليه، فيُعْجبُني (5)؟ قال: لما أسرَّ العملَ فأظهر الله له الثناءَ الحَسَنَ فأعجبه، فلَم يعبْ ذلك أن الرجلَ يعجِبهُ أن يقالَ فيه الخير (6).
__________
(1) “المسائل”: (1/ ق 69).
(2) أخرجه أحمد: (26/ 9 رقم 16090)، وأبو داود (695)، والنسائي: (2/ 62)، وابن خزيمة رقم (803)، وابن حبان “الإحسان”: (6/ 136) وغيرهم، من حديث سَهل بن أبي حَثْمة -رضي الله عنه-. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(3) أخرجه البخاري رقم (461)، ومسلم رقم (541) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(4) “المسائل”: (1/ ق 71)، وانظر “مسائل عبد الله” رقم (432 – 435).
(5) أخرجه الترمذي رقم (2384)، وابن ماجه رقم (4226) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه-.
قال الترمذي: “حديث حسن غريب”.
(6) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 73) وزاد إسحاق ابن راهوية في الجواب: فإذا كان ذلك منه لِيقتدى به الناس، وليذكر بخير صار له أجر سرِّه وأجر ما نوى، من اقتداءِ الناس به وذكرهم إياه بخير.
(4/1461)
لا بأس أن يُعجبَ الإنسان ما قيلَ عنه من الخير، إذا كان مَقْصَدهْ في عمله اللهُ؛ لأن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “المؤمنُ تسُرُّه حسنتُه” (1).
قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إذا نسِيَ أحدُكُمْ صَلاةً، فَلْيصلها إذا ذكَرَهَا ولوَقْتِها مِنَ الغَد” (2) محمول على النسخ (3) بحديث عمرانَ بن حُصَيْن: سِرْنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .. فذكره، إلى قوله: فصلَّى بنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فقلنا: يا رسولَ الله نَقْضيها لميقاتِها من الغد؟ قال: “لا، أيَنهَاكم رَبكم عَنِ الرِّبا ويقبلهُ منكم” (4).
قال ابن مسعود: “لا يقصرُ إلا حاجٌّ أو غازٍ” (5). يحملُ على ما شاهَدَهُ من الرَّسولِ؛ لأن أسفارَهُ لم تكن إلاّ في حَجٍّ أو غزو.
__________
(1) أخرجه أحمد: (1/ 269 رقم 114)، والترمذي رقم (2165)، وابن حبان “الإحسان”: (16/ 239)، والحاكم: (1/ 113) وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بنحوه، وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة.
(2) أخرجه مسلم رقم (681)، وأبو داود رقم (437)، والترمذي رقم (177)، والنسائى: (1/ 294)، وابن ماجه رقم (698) من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- مطولًا ومختصرًا.
(3) انظر “مسائل الكوسج”: (1/ ق 74)، وسلك جمعٌ من العلماء سبيل الجمع بين الروايات، فجعل الضمير فى: “فليُصَلها” راجعًا إلى صلاة الغد، أي: فليؤد ما عليه من الصلاة مثل ما يفعل كل يوم بلا زيادة عليها، فتتفق الألفاظ كلها. انظر: “فتح الباري”: (2/ 85)، وحاشية السندي على النسائي: (1/ 295).
(4) أصل حديث عمران في “الصحيحين” بدون هذا اللفظ، وهذا اللفظ أخرجه أحمد: (33/ 178 رقم 19964)، وأبو داود رقم (443)، وابن خزيمة. رقم (994)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 319)، وغيرهم من طريق الحسن البصري عن عمران، ورواية عنه مرسلة في قول جماعة من أهل العلم.
(5) “مسائل الكوسج”: (1/ق 74) وفي (ق) جعله من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخرجه عن ابن مسعود الطحاوي في “شرح معاني الآثار”: (1/ 425 – 426).
(4/1462)
اختلفتِ الرِّواية في صلاةِ النائمِ، فرُوِيَ عنه: على جَنْبٍ، وعنه: مستلقيًا ورجلاه إلى القِبْلَةِ.
تجبُ الصلاةُ على الصَّبي عند تكامل العَشر، لا كما يقولُ مخالفُنا: عند تَكامُلِ الخَمس عَشْرَة (1).
قلت: رجلٌ وضع يديه على فَخِذَيه في الركوع، أو وضع إحدى يديهِ على رُكْبَتَيْهِ، (ظ/ 242 أ) ولم يَضَعِ الأخرى. قال أحمد: أرجو أن يُجْزِئَه (2).
قال أبو حفص: معنى هذه المسألةِ إذا كان ذلك من عِلَّةٍ، أما من غير عِلَّة فلا، لما روي عن سعد: كنا نُطَبقُ، ثم أُمِرْنا أَن نَضع الأيديَ على الرُّكَب (3)، وابن مسعود لم يبلغْه ذا، وكان يُطَبِّقُ، ولو أنَّ رجلًا لم يبلغْه فَعمل بالمنسوخ كابن مسعود لم تبطلْ صلاتُهُ، ولزمَهُ ذلك منذ وقتِ عَلِمَ.
إذا سها في صلاتِه عشرينَ مرةً، يكفيه سجدتانِ (4)، لحديث عمران بن حُصَيْن فإنه حصلَ منه سهو كثيرٌ، واكتفى بسجدتينِ، من ذلك أنه جَلَس في الثالثةِ ساهيًا وسلَّم ساهِيًا، وسؤالهم له ساهِيًا، ودخوله الحجرةَ ساهيًا (5).
__________
(1) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 78).
(2) المصدر نفسه: (1/ ق 78 – 79).
(3) أخرجه مسلم رقم (535) بنحوه، واللفظ للحاكم: (1/ 244).
(4) “مسائل الكوسج” (1/ ق 85).
(5) أخرجه مسلم رقم (574) من حديث عمران بن حُصَين -رضي الله عنه- في قصة ذي اليدين، وسمَّاه عمرانُ: الخِرْباق.
(4/1463)
إذا أدركَ إحدى سجدتي السَّهْوِ، يقضي السجدةَ ثم يقومُ فيقضي ما فَاتَه، إنما لم يَجُزْ (1) تأخيرها إلى آخر صلاتِه بل يقضيها معه، لقوله: “وَمَا فَاتكُم فَاقْضْوا” (2)، وقد فاتَتهُ سجدةٌ فيجِبُ أن يسجدَها، لا زيادةَ عليها (3).
رجلان نسي أحدُهما الظُّهْرَ أمس والآخر أوَّل أمس، قال أحمد: يجمعان جميعًا من يوم. واحدٍ، وأيامٍ متفرِّقَةٍ (4).
وعنه في رواية صالح أنهما لا يَجمعان من أيام متفَرِّقةٍ (5).
وَجْه. رواية الكوسج: أن صلاتهما يجمعهما اسمُ ظُهْر، (ق/347 أ): وليس بينهما اختلاف، هذا قول أبي حفص.
وجهُ رواية صالح: ما ذكره الشريف أبو جعفر من أن ظُهْرَ يوم واحد في حكم الجنس الواحد، ومن يومين في حكم الجنسين، بدليل أنه قد سقط ظهر أحدهما بما لا يسقطُ به ظهْر الآخَرِ، وهو ظهرُ يومِ الجمعةِ، وبقيَّةُ الأيام تسقط (6) بظهر مثلها، وهذا معدومٌ في
__________
(1) (ق): “يقوم فيصلي ما فاته، إنما لم يجب … “.
(2) أخرجه بهذا اللفظ الحميدي رقم (935)، وأحمد: (12/ 192 رقم 7250)، والترمذي رقم (329)، والنسائي: (2/ 114 – 115)، وابن حبان “الإحسان”: (5/ 517)، وغيرهم من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة – ضى الله عنه-.
وذكر مسلم وأبو داود أن لفظة “فاقضوا” تفرَّد بها ابن عيينة عن بقية أصحاب الزهري، فهي خطأ منه والرواية المحفوظة “فأتموا”. وأجاب الزيلعي وغيره عن ذلك بمتابعة معمر لابن عينة وكذا ابن أبي ذئب، انظر “نصب الراية”: (2/ 200).
(3) “مسائل الكوسج” ت (1 / ق 81).
(4) المصدر نفسه: (1/ ق 82).
(5) لم آره في المطبوع في رواية صالح.
(6) من قوله: “ظهر أحدهما … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1464)
اليوم الواحد وهذا فرق صحيحٌ، وقد ذكرناه بعينهِ إذا كان عليه كفَّارتان من جنسين، أنه يفتقرُ إلى التَّعيين.
قال في رجلينِ صَلَّيا جميعًا ائْتَمَّ كلُّ واحدِ منهما بصاحِبه: يُعِيدان جميعًا (1). والدليلُ عليه أنه لم يحصل (2) واحدٌ منهما معتقدًا للإمَامَةِ.
قال: ولو أن رجلًا ائْتَمَّ برجل ولم يَنْو ذلك الرجل أن يكونَ إمامَهُ: يجزئُ الإمامَ ويعيدُ هو (3).
دليلُهُ أن الإمَامَةَ لا تَصِحُّ إلاّ بنيَّةِ.
فإن قيل: ابن عبَّاس ائْتَمَ بالنَّبِي – صلى الله عليه وسلم – في صلاة اللَّيل (4)، وكان قد ابتدأها لنفسِه؟ قيل: النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – ليس كغيرِه، هو إمامٌ كيف تصرَّفَتْ أحوالُه، إلا أن ينقلَ نفسَه فيصيرَ مأمومًا.
قال إسحاق الكوسج (5): قلت: يكرَه لهؤلاء الخيَّاطين الذين في المساجد؟ قال: لَعَمري شديدًا.
دليلُه عمر رأى رجلينِ يَتبَايَعَانِ في المسجد، فقال: هذا سوقُ الآخِرَةِ فاخْرجا إلى سُوقِ الدنيا (6).
قضاءُ الركعتينِ بعدَ العصرِ خُصوصًا له – صلى الله عليه وسلم -، بدليلِ حديثِ أم سَلَمَةَ:
__________
(1) “مسائل الكوسج” (1/ ق 82).
(2) كذا، وفي المطبوعة: “يصل”.
(3) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 82).
(4) تقدم (3/ 964).
(5) “المسائل” (1/ ق 90).
(6) أخرج مالك في “الموطأ” رقم (483)، ومن طريقه ابن أبى عاصم في “الزهد”: (ص/317) عن عطاء بن يسار نحوه، ولم أجده عن عمر.
(4/1465)
يا رسولَ الله أنقضيها إذا فاتَتْنَا؟ قال: “لا” (1)
الفرقُ بين الإسلام يَصِحُّ في الأرض المغصوبة دون الصلاة، أنَّ الإسلام لا يفتقرُ إلى مكان بخلاف الصلاةِ.
المسلمُ إذا أعتق عبدَهُ النَّصْرَاني فهل عليه جِزيَة؟ على روايتينِ (2)، وجه سقوطِها أن ذمَّتَهُ ذِمَّة سيدِهِ.
كراهتهُ للمعتكفِ أن يعتكفَ في خيمةٍ، إلا أن يكونَ بَرْد (3)؛ لأنَّ الخيمةَ تُضَيِّق المسجد، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – اعتكفَ في زمان باردٍ في قُبّةٍ وخيمة، يدلُّ عليه قوله: “إنى رَأيتُنِي أسْجدُ فْي صَبيْحَتِها في ماءٍ وطينٍ” (4) ” فعُلِم أن الزمان بارد لوجود المطَرِ.
في إتيان المستحاضة، قال: لا يأتيها إلاّ أن يطولَ ذلك بها (5). وليس أنه أباح ذلك إذا طال ومنع ذلك إذا قَصُر، ولكنه أراد: أنه إذا طال عَلِمَتْ أيام حَيْضِها من أيام استحاضَتِها يقينًا، وهذا لا تعلمُهُ إذا قَصُر ذلك.
قوله في المرأة تشربُ دواءً يقطعُ الدَّمَ عنها، قال: إذاِ كان دواءً يُعْرَفُ فلا بأسَ (6).
__________
(1) أخرجه أحمد: (6/ 315)، وابن حبان “الإحسان”: (6/ 378) من حديث أم سلمة – رضي الله عنها -.
(2) (ق): “على وجهين روايتين”.
(3) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 133).
(4) أخرجه البخاري رقم (669)، ومسلم رقم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري – رصى الله عنه-.
(5) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 139).
(6) المصدر نفسه: (1/ ق 139).
(4/1466)
قال أبو حفص: معناه عندي: إذا ابْتُلِيَتْ بالاستحاضَةِ الشديدةِ فهو مَرَضٌ، لا بأسَ بشرب الدَّواء، أما الحيض فلا، لأن الحَيض كتبهُ الله على بناتِ آدَمَ، وإنما تَلِدُ إذا (ق/347 ب)، كان حَيْضُها موجودًا، ولا جائز أن يتعرَّض (ظ/242 ب) لما يقطع الوَلَدَ.
في إتيان الحائض، قال أحمد: لو صحَّ الحديثُ كنا نرى عليه الكفَّارَةَ (1).
قال أبو حفص: إن لم يَصِحَّ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – صحَّ عن ابن عباس (2)، ومذهب أحمد الحكمُ بقولِ الصَّحَابِيِّ إذا لم يُخالفْ، قال: واختياري ما قال الكوسجُ: إنه مُخيَّرٌ في الدينار أو النصف دينار.
قوله في أكثر الحيض: أكثرُ ما سمعنا سبعة عشر يومًا. يحتملُ أن يكونَ ذكره لأنه قوله، ويمكن أن يكون على طريق الحكاية، والأشبَهُ عندي أن يكونَ قولُه لا يختلِفُ أنه خمسة عشر يومًا، وإنما أخبرَ عن السبعَ عَشْرَةَ أنه سمعه لا أنه يُقَلِّدُهُ (3).
قوله في الطهر إنه على قدر ما يكون. فليس عندَه أنَّ لأقَله حَدًّا، كما ليس لأكثرهِ حَدٌ، وكل شيء ليس لأكثره حَد ليس لأقلِّهِ حَدٌّ.
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) أخرجه أحمد: (4/ 269 رقم 2458)، وأبو داود رقم (266)، والترمذي رقم (136)، وغيرهم، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا، وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا في رفعه ووقفه، وفي ألفاظه، وصححه جماعة، وضعفه آخرون، انظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على الترمذي: (1/ 246 – 254).
(3) وهذا الموافق لما نص عليه الإمام في جميع الروايات، انظر “مسائل عبد الله” رقم (210)، وأبي داود رقم (152، 153)، وابن هانئ: (1/ 30)، وصالح رقم (382).
(4/1467)
فإن قيل: ينبغي أن كان ليس لأقلِّهِ حَدّ (1)، لو ادَّعَتِ انقضاء: عِدَّتِها في أربعةِ أيام تباحُ للأزواج؟ قيل: العدةُ ليس من هذا؛ لأن قوله: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} يزيدُ الأقْرَاءَ الكاملةَ، وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شُرَيح (2).
وقوله في الصبيِّ: لا يُزَوِّجُ لا يكون وَلِيًّا حتى يحتلِمَ (3)، وعنه: ابنْ عشر يُزوِّجُ ويَتزوَّج.
آخر المنتقى من خط القاضي ما انتقاه من “شرح مسائل الكوسج” لأبي حفص قال: ومبلغهُ ستةُ أجزاء.
* * *
__________
(1) من قوله: “وكل شيءِ …. ” إلى هنا سقط من (ق).
(2) لم أعرفه.
(3) “مسائل الكوسج”: (1/ ق 146).
(4/1468)
فصل
قال أحمد في رواية الحسن بن ثَواب (1): إذا كان الرهن غلامًا فاستعملَه المرتَهن، أو ثوبًا فَلَبسَا، وُضِع عنه (2) قَدْر ذلك. قال أصحابُنا يعني: أَنه يضعُ من دينِ الرّهن بقدْرِ ما انتفعَ بالرَّهْن.
ونقل عنه أيضا: إذا كان الرهن دارًا فقال المرتَهِن: أنا أسكنُها بكرائِها، وهي وثيقة بحقِّي: تنتقل فتصيرُ دينا، وتتحوَّلُ عن الرهن، وهذا نصٌ منه على أن الراهن إذا أجَّر العَيْنَ المرهونةَ للمرتَهِن خرجتْ عن الرَّهنِ، وبقي دينهُ بلا رَهْن، هذا معنى قوله: “تنتقِلُ فتصير دَيْنًا”، أن يبقى حقه في (ق/355 أ) الذِّمَّة فقط، لا يتعلَّقُ برقبة الدّار، وتخرج الدَّار عن كونها رهنًا.
ونقل عنه بكر بن محمد (3): إذا رَهَنَ جارية فسقتْ ولَدَ المُرْتَهِنِ: وضِعَ عنه بقَدْر ذلك، يعني: وُضِع عن الراهن من الدَّيْنِ بقدر أجرة مثلِها لرضاعِ ولدِ المرتهنِ.
فصل
إذا قال الراهن للمرتهِنِ: إن جئتُك بحقِّك إلى كذا، وإلَّا فالرَّهنُ لَكَ بالدَّيْنِ الذي أخذتهُ منكَ، فقد فعله الإمام أحمد في حَجَّتِه (4)،
__________
(1) وقع في (ظ): “ثوبان”! وقد تقدمت ترجمته وبعض مسائله (4/ 1437).
(2) ق): “وضع عنده”.
(3) تقدمت ترجمته (3/ 994).
(4) (ق): “نقله الإمام أحمد في جهته”! وقد ذكر ابن القيم في “إعلام الموقعين”: (3/ 388) و (4/ 28) أن الإمام أحمد رهنَ نعلَه وقال للمرتهن: إن جئتك =
(4/1469)
ومنع منه أصحابُهُ، وقالوا: نصَّ في روايةِ حرب على خلافِهِ، فقال: باب الرهنِ يُكتب شراء. قيل لأحمد: المتبايعان بينهما رَهْنٌ فَيَكْتبان شراء؟ فكرهَهُ كراهة شدِيدة، وقال: أوَّلُ شيء أنه يكذب، هو رهن ويُكتَبُ شراء، وكرهَهُ جدًّا.
قال ابن عَقِيل: ومعنى هذا: أن المرتهن يكتب شراءً لموافقة بينَه وبينَ الراهنِ، إن لم يأتهِ بالحق إلى وقتِ كذا يكون الرَّهْنُ مَبيعًا، فهو باطلٌ من حيث تعليق البيع على الشرط، وحرامٌ من حيثَ إنه كَذبٌ وأكل مال بالباطلِ.
قلت: وهذا لا يناقض فعلَه، وهذا شيءٌ وما فعله شيء، فإن الراهن والمرتهن قد اتَّفقا على أنه رهن، ثم كتبا أنه عَقد تبايع في الحال، وتواطَئا على أنه رهْن، فهو شراء في الكتاب رهْنٌ في الباطن، فأين هذا من قولهما ظاهرًا وباطنًا: “إن جئتك بحقِّكَ في محلِّه، وإلا فهو لك بحقِّك”، ألا ترى أن أحمد قال: هذا كذب، ومعلوم أن العقدَ إذا وقع على جهة الشرط فليس بكَذِب، وليس في الأدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ ولا القواعدِ الفقهيَّة ما يمنع تعليقَ البيع بالشَّرطِ، والحقّ جوارهُ، فإنَّ المسلمينَ على شروطِهم، إلا شرطًا أحل حَرامًا أو حَرَّم حلالًا، وهذا لم يتضمن واحدًا من الأمرين، فالصَّواب جواز هذا العقد، وهو اختيارُ شيخِنا (1) وفعل إمامنا (2).
قال أحمد في رواية أبي (ظ/243)، طالب: “إذا ضاع الرهنُ عندَ
__________
= بالحق إلى كذا وإلا فهو لك. قال: وهذا بيع بشرط، فقد فعلَه وأَفتَى به، وكذلك ذكره الذهبي في “السير”: (11/ 206) عن ابن أبي حاتم.
(1) في (ق) زيادة: “على عادته حمل ذلك”! وهي مقحمة هنا، ولعله انتقال نظر من الجملة بعد سطرين.
(2) انظر: “إعلام الموقعين”: (3/ 363، 387 – 389) و (4/ 28).
(4/1470)
المرتهن لَزِمَهُ”.
قال ابنُ عقيل: وهذه الرواية بظاهرها تُعطي أن الرهنَ مضمونٌ، إلاَّ أن شيخنا (1) -على عادتِهِ- حَمَل ذلك على التِّعدَّي؛ لأجل نصُوص أحمد على أن الرَّهْنَ أمانة، وعادتُهُ تأويلُ الرِّواية الشَّاذَةِ لأجل الرِّوايات الظَّاهرةِ، وهذا عندي لا يجوز إلا بدلالة، فأما صَرْفُ الكلامِ عن ظاهرِهِ بغير دلالةِ تدل فلا يجور، كما، يجور في كلام صاحبِ الشَرْعِ. انتهى كلامُهُ.
فصل
إذا قدر الرجل على التّزَوُّجِ أو التَّسَرِّي حَرُمَ عليه الاستمناءُ بيده، قاله ابنُ عَقِيل، قال: وأصحابُنا وشيخُنا لم يذكروا سوى الكراهة، لم يطلقوا التحريم.
قال: وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوةَ له تحملُه على الزِّنا، حَرُمَ عليه الاستمناءُ لأنه استمتاعٌ بنفسِهِ، والآيةُ تمنعُ منه.
وإن كان متردِّدَ الحال بين الفتورِ والشهوة ولا زوجةَ له ولا أَمَةً، ولا ما يتزوَّجُ به، كُره ولم يَحْرمْ.
وإن كان مغلوبًا على شهوتهِ يخافُ العَنَت كالأسيرِ والمسافرِ والفقيرِ جازِ له ذلك، نصَّ عَليه أحمدُ، وروى أن الصَّحَابَةَ كانوا يفعلونه في غزَواتِهم وأسفارِهم (2).
وإن كانت امرأةٌ لا زوجَ لها واشتدَّت غُلْمتُها، فقال بعض أصحابنا:
__________
(1) يعني: القاضي أبا يعلى ابن الفرَّاء.
(2) انظر: “مجموع الفتاوى”: (34/ 229 – 231)، و”الإنصاف”: (10/ 252 – 253).
(4/1471)
يجور لها اتخاذ الاكرنبج (1)، وهو شيءٌ يُعْملُ من جلود على صُورة الذّكَرِ، فتستدخِلُهُ المرأةُ أو ما أشبهَ ذلك من قِثّاءٍ وقَرع صغار، والصحيح عندي: أنه لا يُبَاحُ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما أرشد صاحبَ الشَّهْوَةِ إذا عَجَزَ عن الزواجِ (2) إلى الصَّوم (3)، ولو كان هناك معنى غيرُه لذكَرَه.
وإذا اشتهى وصَوَّر في نفسه شخصًا أو دعى باسمه؛ فإن كان زوجة أو أَمَةً له فلا بأسَ إذا كان غائبًا عنها، لأن الفعلَ جائزٌ، ولا يصنعُ من تَوَهُّمهِ وتخيُّلِهِ، وإن كان غلامًا أو أجنبيةً كُرِهَ له ذلك؛ لأنه إغراءٌ لنفسِهِ بالحرامِ وحثٌّ لها عليه.
وإن قوَّر بطِّيخَة أو عجينًا أو أَدِيمًا أو نخشًا في صَنَم (4) فأولج فيه؛ فعلى ما قَدَّمنا في التَّفصيل.
قلتُ: وهو أسهل من استمنائِهِ بيده، وقد قال أحمدُ فيمن به شهوةُ الجماع -غالبًا لا يملكُ نفسَهُ ويخاف أن تنشَقَّ أُنثياه: أَطْعم، هذا لفظَ ما حكاه عنه في “المغني” (5) ثم قال: “أباح له الفطرَ؛ لأنه يَخَافُ على نفسِهِ، فهو كالمريض ومَن يخافُ على نفسِه الهلاكَ لعطش ونحوه، وأوجب الإطعامَ بدلًا من الصيام، وهذا محمولٌ على
__________
(1) كذا، وصوابه: (الكيرنج) كلمة فارسية مركبة من (كير) بمعنى: القضيب، و (رنك) بمعنى: شكل. انظر رسالة “مفاخرة الجواري والغلمان”: (2/ 135 – ضمن رسائل الجاحظ) الحاشية، و”تكملة تاج العروس: (ص / 17).
(2) (ق وظ): “التزوُّج”.
(3) في حديث: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج … ” الحديث، أخرجه البخاري رقم (19605)، ومسلم رقم (1400) من حديث أبى مسعود -رضي الله عنه-.
(4) في (ظ) زيادة: “أو إليه”.
(5) (4/ 396 – 397).
(4/1472)
من لا يرجو إمكان القضاءِ، فإن رجا ذلك فلا فديةَ عليه، والواجبُ انتظارُ القضاء وفعله إذا قَدَر عليه، لقول {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة: 184] الآية، وإنما يُصار إلى الفدية عند اليأسِ من القضاءِ، فإن أطعمَ مع يأسِهِ، ثم قَدَر على الصِّيام، احْتَمَل أن لا يلزمَهُ؛ لأن ذمَّتَه قد برِئَتْ بأداءِ الفِدْية التي كانت هي الواجبَ، فلم تَعُدْ إلى الشغل بما برئَتْ منه، واحتمَل أن يلزمَهُ القضاء؛ لأنَّ الإطعامَ بدلُ إياس، وقد تبينَّا ذهابَهُ، فأشبَهَ المعتدَّةَ بالشهورِ لليأس إذا حاضتْ في أثنائها” (1).
وفي “الفصول” (2): روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشقَ مثانَتُه من الشَّبق، أو تنشقَّ أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان: يَسْتَخرج الماء. ولم يَذْكر بأي شيء يستخرجُه، قال: وعندي أنه يستخرجُه بما لا يفسد صومَ غيره؛ كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمَةٌ (3) طفلة أو صغيرة استمنى بيدها، وكذلك الكافرة، ويجوز وطْئُها فيما دون الفَرج، فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره، فعندي أنه لا يجوزُ؛ لأن الضرورة إذا رُفِعت حَرُم ما وراءها، كالشبع من الميتة (4)، بل هاهنا آكد، لأن بابَ الفروج آكدُ في الحَظْر من الأكل (5).
قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء (6)؛ لأنه أباح له الفطر
__________
(1) هذا آخر كلام صاحب “المغني”.
(2) لأبى الوفاء بن عقيل الحنبلي (513) في الفقه، عشرة أجزاء، ويسمى أيضًا “كفاية المفتي”، منه نسخ خطية، انظر “المدخل المفصَّل”: (2/ 811).
(3) (ع): “فإن كانت الأمة”.
(4) من قوله “في الفرج … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(5) انظر: “المغني”: (4/ 405).
(6) انظر: “طبقات الحنابلة”: (1/ 274).
(4/1473)
والإطعام، فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولًا واحدًا، فلو اتفق ذلك: لمحْرِم أخرجَ ماءَهُ ولم يجز له الوطء.
(ظ/243 ب) فصل
فإن كان شبَق الصائم مستدامًا جميعَ الزمان سقطَ القضاءُ وعَدَلَ إلى الفدية كالشيخ والشيخة، وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قَضى في الزمن الآخر ولا فديةَ هنا؛ لأنه عذرٌ غير مستدام فهو كالمريض، ذكر ذلك في “الفصول”.
فائدة
قوله في “المقنع” (1): “وإن جاءت وهو جالس، لم يقم لها -يعني الجنازة-“. لم أرَ هذا في كلام أحمد، وقد قال “إن قام لم أعِبْه، وإن قعدَ فلا بأس (2).
وقال الميموني في “مسائله”: سمعته يقول. إذا تَبعَ الجنازةَ فلا يجلس حتى توضعَ، كذا قال أبو هريرة وأبو سعيد، وإذا رآها قام، قال: كأن هذا أكثر في الخبر (3)، عَشرةٌ من أصحابِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يروونه.
ثم قال الميموني: تسميةُ من يَرْوِي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان إذا رأى جنازة قام لها: عثمان بن عفانَ. سعيدُ بن زيد. عامر بن ربيعةَ. قيسُ ابن سعد. سهلُ بن حنيْف. يزيد بن ثابتٍ أحْو زيد بن ثابت .. أبو سعيد
__________
(1) (ص/10).
(2) انظر روايات الإمام فيما سيأتي.
(3) “في الخبر” ليست في (ق).
(4/1474)
الخدْري. أبو هريرة. أبو موسى الأشعريُّ. ابنُ عباس. حسن وحسين، فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة، ثم ساق الميمونيُّ أحاديثَهم كلَّها بإسناده.
وقال حربٌ في “مسائله”: قلت لأحمد: الرجلُ يرىَ الجنازةَ أيقوم لها؟ فقال: قد رُويَ عن علي أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قام ثم قعد (1)، وكان ابنُ عُمر يقوم، وسَهَّلَ أبو عبد الله فيه.
وقال أبو داود في “مسائله” (2): سمعت أحمد بن حنبل سُئلَ عن القيام إذا رأى الجنازةَ، قال: إن لم يقمْ أرجو، وإن قامَ أرجو. قيلَ: القيامُ أفضلُ عندَكَ؟ قال: لا.
وقال في رواية ابن هانئ (3): إذا رأى الجنازةَ فقام فلا بأس، وإن لم يقمْ فلا بأس.
قال ابن هانئ (4): وسُئِلَ -يعني: أحمد- عن الرجل يموتُ فيُوصي أن يدفنَ في داره؟ قال: يُدْفَن في مقابر المسلمينَ، وإِنْ دُفِنَ في داره أضَرَّ بالوَرثةِ، والمقابرُ مع المسلمينَ أعجب إليَّ.
وقال في روايتِهِ (5): أكرهُ أن يجعلَ على القبرِ ترابًا من غيرِهِ.
قال (6): وسئل عن الحائض تغسِلُ المرأة المَيتةَ؟ قال: لا يعجبُني أن
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (2982).
(2) رقم (1015)، وفي (ق): “وقال أبو عبد الله … ” وهو خطأ.
(3) (1/ 189).
(4) (1/ 190).
(5) (1/ 190).
(6) أي ابن هانئ: (1/ 184).
(4/1475)
تغسلَ الحائض شيئًا من المَيِّتِ، والجنابَةُ أيسرُ من الحَيْض.
قال (1): وسئل عمَّن غسَّلَ المَيِّتَ، أعليه غسلٌ أم وضوءٌ؟ قال: يتوضَأُ، وقد أجزأَهُ.
قال (2): وسألته: هل على من غسل الميت غُسْلٌ، قال. عليه الوضوءُ فقط.
واتَّبَع أحمد في ذلك آثارَ الصحابةِ، فإنه صحَّ عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة الأمرُ بالوضوء منه، ولا يُحفظُ عن صحَابِى خلافهم، وهو قولُ حذيفةَ وعليٍّ أيضًا.
وقال الجُوزْجَانِىُّ: حدثنا يزيدُ بن هارونَ، أنبأنا مباركُ بن فَضَالَة، عن بكر بن عبد الله المزَنِيِّ، عن علقمة بن عبد الله المُزنيِّ، قال: غسَّل أباك -يعني: أبا بكر: بن عبد الله- أربعة من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ممن بايع نبيَّ الله تحت الشجرة، فما زادوا على أن شمَّروا أكِمَّتهم، وجعلوا قُمُصَهم تحت حُجُزهم، وتوضَّأوا ولم يغتسِلوا (3).
وفي “الموطأ” (4): مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أن أسماءَ بنتَ عميْس امرأة أبي بكر غَسَلَتْ أبا بكر الصِّدِّيقَ حين تُوُفِّيَ، ثم خرجتْ، فسألت من حضرها من المهاجرينَ والأنصار، فقالت: إني صائمة، وإن هذا اليوم شديدُ البرد فهل عليَّ مِنْ غسْل؟ قالوا: لا.
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) أخرجه عبد الرزاق: (3/ 405)، وابن أبي شيبة: (2/ 469) من طريق بكر بن عبد الله به، وسنده صحيح.
(4) رقم (593).
(4/1476)
قال إسماعيلُ بن سعيد: قلت لأحمد بن حنبل: أرأيتَ إن كان الميت كافرًا، قال: عليه الغسلُ لحديث عليٍّ (1) -يعني: على غاسِلِهِ الغُسْلُ- وهو قول أبى أيوب، قال الجوزجانيّ: وأقول: إن هذا وهم منهما، وذلك أنه ليس في حديث عَليٍّ أنه غسل أبا طالب (2).
فصل
قال أحمدُ في الرجل يعملُ الخيرَ، ويجعل النِّصْف لأبيه أو لأمِّه (3): أرجو.
وقال: الميِّتُ يصِلُ إليه كل شيء من الخير، لما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “إنَّ مِنَ البِرّ بَعْدَ البِرِّ أن تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلاتِكَ، وأنْ تَصُومَ (ظ/244 أ) لهما مَعَ صَومكَ، وأنْ تَتَصَدّقَ لَهُما مَعَ (ق/355 ب) صَدَقَتِك” (4). انتهى.
ولا يشترطُ تسمية المهْدَى إليه باسمه، بل يكفي النِّيَّةُ، نصَّ عليه في رواية أبيه عبد الله (5): لا بأسَ أن يَحجَّ عن الرجل ولا يُسَميِه (6).
__________
(1) أخرجه أحمد: (2/ 153 رقم 759)، وابن أبي شيبة: (3/ 32)، والنسائي: (1/ 110)، البيهقي: (1/ 304) وغيرهم.
والحديث ضعَّفه البيهقي والنووي وغيرهم.
(2) وانظر: “المغني”: (1/ 279).
(3) (ق وظ): “نصفه لأبيه أو أمه”.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة: (3/ 59)، والخطيب في “تاريخه”: (1/ 363)، وبحشل في “تاريخ واسط”: (ص/ 188)، وابن أبي حاتم في “الجرح والتعديل”: (274/ 1). عن الحجاج بن دينار عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، وبين الحجاج والنبي – صلى الله عليه وسلم – مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، كما قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-.
(5) رقم (928).
(6) (ق): “ولم يُسمه”.
(4/1477)
فصل
قال إسحاقُ الكوسج: قلت لأحمد: قال الحسنُ في الرجل يقول لامرأته: “أنت طالقٌ إن شاء الله” كان يلزمُه؟ فقال أحمد: أما أنا فلا أقول فيه شيئًا. قلت: لم؟ قال الطلاق ليس هو يمين. قلت: وكذلك العِتقُ؟ قال: نعم.
* * *
(4/1478)
فصول في أحكام الوطء في الدُّبُر
فمنها: أنه من الكبائر.
ومنها: أنه يُوجبُ القتلَ إذا كان من كلامٍ، نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين. والثانية: حدُّه حدُّ الزاني؛ كقول مالك والشافعي، فإن كان من زوجة أو أَمَةٍ أوجبَ التعزيرَ، وفي الكفّارة وجهان؛ أحدُهما: عليه كفَّارة من وَطِئَ حائضًا، اختارَه ابن عقيل. والثاني: لا كفَّارة فيه، وهو قولُ أكثر الأصحاب.
ومنها: أن للزوجةِ أن تفسخَ النكاحَ به، ذكره غير واحد من أصحابنا. وإن كان من امرأة أجنبيةِ فاختلف أصحابُنا في حدِّه، فالذي قاله أبو البركات وأبو محمدَ (1) وغيرهما: إن حدِّه حدُّ الزَّاني.
وقال ابن عَقِيل في “فصوله”: فإنْ كان الوطءُ في الدُّبُرِ في حقِّ أجنبيَّةٍ وجَبَ الحدُّ الذي أوجبناه في اللِّوَاطِ، وعلى هذا فحدُّه القتل بكلِّ حال، وإن كان في مملوكِهِ: فذهب بعض أصحابنا إلى أنه يُعتقُ عليه، وأجراه مجرى المثلَةِ الظاهرة، وهو قولُ بعض السلف.
قال النسائي في “سننه الكبير” (2): “الإباحةُ للحاكم أن يقول للمدَّعَى عليه: “احلف” قبل أن يسأله المدَّعِي.
أبنا هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمش، على شَقيق (3)،
__________
(1) أي: ابن قدامة، انظر: “المغني”: (12/ 340)، وأبو البركات هو عبد السلام مجد الدين ابن تيمية جد شيخ الإسلام، انظر “المحرَّر”: (2/ 135).
(2) (3/ 484).
(3) تحرفت في (ق) إلى: “سفيان”!.
(4/1479)
عن عبد الله، قال: “قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيقتَطعَ بِهَا مَال امْرِئٍ مسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبان” (1) فقال الأشعث: فيَّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجل من اليهود دارٌ فجَحَدني فقدمته إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “ألك بينة؟ فقلت: لا، فقال لليهوديِّ: “احْلِفْ” فقلت: واللهِ إذا يحلفَ فيذهبَ حقِّي، فأنزل: الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] ” الآية.
قال النَّسائِيُّ: لا نعلم أحدًا تابَعَ أبا معاويةَ على قوله: فقال لليهودي: “أحلف””. انتهى.
ويسوغُ للحاكم أن يقولَ له: “احلفْ” إذا قصد به الزَّجرَ والتَّخويف، أو كان يعلم أن المُدَّعِي قاصد لتحليفِه، أو كان يعلمُ أن المُدَّعَى عليه (2) بريءٌ من الدَّعوى، فإنه في قصده (3) الصّورَ الثلاثَ قد أعان على البِرِّ والتقْوى، وظهورِ الحقِّ، وأكثرُ أوضاعِ الحكامِ. ورسومِهم لا أصلَ لها في الشريعة، والله المستعانُ.
(ق/356 أ) فصل
إذا كانت دَايَةٌ ترضعُ ولدَ غيرها، هل يجوز لها الإفطارُ كما لو كان ولدَها؟.
قال أبو عَقِيل في “فصوله”: جاريةٌ جاءت إلى الشيخ أبي نصر
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري رقم (2356)، ومسلم رقم (138).
(2) من قوله: “احلف، إذا .. ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) (ق وظ): “فإنه من هذه”، و (ظ): “في” بدلًا من “من”.
(4/1480)
ابن الصباغ (1) وأنا حاضرٌ، فتحَصّل من الجواب أنها تستبيحُ الإفطار؛ لأن أكثرَ ما فيه أنه نوعُ ضَرَرٍ لأجل المشاقُ، فهو كإفطار المسافر في المُضَارَبَةِ، فيستبيح كالمسافر بمال نفسِه، وفارق العمل في الصَّنائع الشَّاقَّةِ؛ لأنها إذا بلغ منها الجَهْدُ إلى حَدَّ يبيحُ في حقِّ نفسِه أباحَتْ في عملِ غيرِه، وإن لم تبلغِ المشقَّةُ إلى حدّ إباحةِ الإفطارِ، لم يبَحْ في حَقِّه، ولا حق غيره.
قال أحمد في رواية ابن ماهان (2): لا بأس للعبد أن يَتسَرَّى، إذا أذِنَ له سيِّده، فإن رجَعَ السَّيَدُ، فليس له أن يرجعَ إذا أذِن له مَرَّة وتَسَرَّى، فتأوَّله القاضي، وقال: يحتمل أنه أراد بالتَّسَوِّي هاهنا التزويجَ، وسماه تَسَرِّيًا مجازًا، ويكون للسيِّدِ الرجوعُ فيما مَلَّكه” عبدَهُ (3).
وهذا نظيرُ تأويل الشيخ أبي محمد (4) النِّكاحَ بالتَّسَرِّي في مسألة تزويج عبده بأمَتِهِ، وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب (5): ليس للسَّيِّد أن يأخذَ سريةَ العبد إذا أذِن له في التَّسَرِّي، فإنْ تَسَرَّى (ظ/ 244 ب) بغير إذنِهِ أخذها منه، وإذا باع العبد وله سُرِّيَّة فهي لسَيِّدِه، ولا يُفَرَّق بينهما؛ لأنها بمنزلةِ المرأةِ، انتهى كلامه.
وهذا يردُّ قولَ الأصحاب: إن التَّسَرِّيَ مبنىٌّ على الملك، وأنه إذا لم يملك لم يَتَسَرَّ، ويرد قولَهم: إن للسيد انتزاعَ سُرِّيتهِ منه، ويردُّ
__________
(1) تقدمت ترجمته.
(2) هو: محمد بن ماهان النيسابوري، له مسائل حسان عن الإمام أحمد ت (284). “طبقات الحنابلة”: (2/ 361 – 364).
(3) انظر رواية ابن ماهان، وكلام القاضي في “المغني”: (9/ 477).
(4) يعني ابن قدامة، انظر: “المغني”: (9/ 475 – 476).
(5) انظر نحوها في “مسائل ابن هانئ”: (1/ 219).
(4/1481)
قولهم: إنه إذا باعه رجعت السُّرِّيَّةُ إلى سيدِه، ولا يطؤها العبدُ.
[قال أحمد في رواية ابن هانئ (1) وحرب ويعقوب بن بختان: “إذا زوَّج عبدَهُ من أَمَتِهِ، ثم أعتقهما (2) لا يجوزُ أن يجتمِعا حتى يجدِّدَ النِّكاحَ”، فاستشكَلَ في “المغني” (3) هذه الرواية؛ فقال: وعن أحمد: إن عَتقا معًا انفسخ النكاحُ. ومعناه -والله أعلم-: أنه إذا وهب لعبده: سُرِّيَّةً أو اشترى له سُرِّيَّةً، وأذن له في التَّسَرِّي بها، ثم اعتقهما جميعًا صارا (ظ/245 أ)، حُرَّيْن، وخرجت من ملك العبدِ، فلم يكنْ له إصابَتُها إلَّا بنكاحٍ جديد، هكذا روى جماعةٌ من أصحابه، فيمن وهب لعبدِهِ سُرِّيَّةً، أو اشترى له سريةً، ثم أعتقهما، لا يقربُها إلا بنكاحٍ جديد، واحتجَّ على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر: أن عبدًا له كان له سُرِّيَّتان فأعتقهما وأعتقه، فنهاه أن يقربَهما إلّا بنكاحٍ جديدٍ (4).
قلت: وهذا التأويل بعيدٌ جدًّا من لفظ أحمد، فإن هؤلاء الثلاثة إنما رَوَوا المسألةَ عنه بلفظ واحد، وهو أنه زوَّجَ عبدَه أمَتَهُ، ثم قوله: “حتى يجدِّدَ النِّكاحَ” مع قوله “روَّجَ”، صريحٌ في أنه نكاحٌ لا تَسَرٍّ، وعنه في هذه المسألة ثلاثُ رواياتٍ؛ هذه إحداهنَّ، والثانية: لهما الخيارُ، نصَّ عليه في رواية الأثرم، والثالثة: أنهما على نكاحِهما، نصَّ عليه في رواية مجمد بن حبيب، وحكاها أبو بكر في “زاد المسافر” (5) ثلاث
__________
(1) لم أره في المطبوعة.
(2) (ق وظ): “أعتقها”.
(3) (10/ 73).
(4) أخرجه عبد الرزاق: (7/ 215).
(5) لأبي بكر غلام الخلال ت (363)، في المذهب، وذكر ابن رجب في “القواعد”: (ص/169) أنه قد يقع له الغلط في حكاية كلام الإمام لتصرفه فيه.
(4/1482)
روايات منصوصاتٍ في مسألة التزويج، وللبطلان وجهٌ دقيقٌ، وهو أنه إنما زوَّجها بحكم مُلْكِهِ لهما وقد زال ملْكُه (1) عنهما بخلاف تزويجِها بعبدِ غيره، وبين المسألتينِ فَرْقٌ، ولهذا في وجوب المَهْرِ في هذه المسألةِ نِزَاعٌ، فقيل: لا يجبُ بحال، وقيل: يجبُ ويسَقطُ، والمنصوصُ أنه يجِبُ ويتّبَعُ به بعد العِتْقِ بخلاف تزويجِها بعبَدِ الغير، والله أعلم] (2).
قوله في “المقنع” (3): “وإن باعه السلعةَ برقمها أو بألفِ دينار ذهبًا وفضة، أو بما ينقطعُ به السعر، أو بما باع به فلانٌ، أو بدينار مطلقٍ، وفي البلد نقودٌ لم يَصِحَّ”.
أما الرقمُ؛ فقد نصَّ على صحَّة البيع به، فقال حرب: سألت أحمد عن بيع الرَّقم؟ فلم يَرَ به بأسًا.
وأما البيعُ بالسعر؛ فقد اختلفت الروايةُ عنه فيه، فقال في رواية ابن منصور (4) في الرجلِ يأخذُ من الرجل السِّلْعَةَ يقول: أخذتُها منك على سعر ما تبيع: لم يجزْ ذلك، (ق/ 357 أ) وحكى شيخُنا عنه الجواز نصًا (5).
وأما البيع بدينار مطلق وفي البلدِ نقودٌ؛ فقال في رواية الأثرم: في رجل باع ثوبًا بكذا وكذا درهمًا، أو اكترى دابَّة بكذا وكذا، واختلفا
__________
(1) “لهما وقد زال ملكه” سقطت من (ع).
(2) من قوله: “قال أحمد … ” إلى هنا في (ق وظ) مكانها فى آخر الفصل قبل قوله “فائدة: الذي. وقع … “. وأشرنا إلى ذلك هنا، لأنا التزمنا ترتيب (ظ)، إلا لمناسبة، وهذا منه، لتناسب الكلام. وانظر ما سيأتي (4/ 1520).
(3) (ص/99 – 100).
(4) رقم (25) مع اختلاف في اللفظ.
(5) في “مجموع الفتاوى”: (29/ 510).
(4/1483)
في النقد؟ فقال: له نقْدُ الناسِ بينهم، قيل له: نقدُ الناس بينهم مختلفٌ؟ قال: له البيع (1) بثمن مطلق، مع كونِ النقودِ مختلفةً، وإنما يكونُ له أدناها.
وقال الأثرمُ: بابٌ الرجلُ يأخذ من الرجل المتاعَ، ولا يقاطِعُه على سعره، سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذُ من البقال الأُوْقِيَّةَ من كدا، والرطلَ من كذا، ثم يحاسبُهُ، أيجوزُ له أن يقولَ: اكتبْ ثَمَنَهُ عليَّ ولا يعطِيه على (2) المكان؟ قال: أرجو أن يجوزَ؛ لأنه ساعةَ أخذه إنما أخذه على معنى الشراء، ليس على معنى السَّلَفِ، إنما يُكْرَهُ إذا كان على معنى السَّلَفِ، فإذا قاطعه بقيمتِه يومَ أخذه (3). قيل له: فإن لم يدْرِ كم (4): قيمته يومَ أخذهُ؟ قال: يتحَرَّى ذلك.
وسألته (5) مرة أخرى فقلت: رجل أخذ من رجلٍ رطلًا من كذا ومَنًا من كذا، ولم يقاطعْه على سعرِهِ، ولم يُعْطِهِ ثمنَهُ، أيجوزُ هذا؟ قال: ألَيس على معنى البيع أخَذَهُ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السِّعر يوم أَخَذَهُ لا يوم حَاسَبَهُ.
قال إسحاق بن: هانئ (6): سألتُ أبا عبد الله عن الرجل يفجُرُ بالمرأة ثم يَتزوَّجُها، قال، لا يَتَزَوَّجْها حتى يعلمَ أنها قد تابتْ؛ لأنه
__________
(1) (ع وظ) العبارة: “قال له: قال ابن عقيل: فظاهر هذا جواز البيع .. “! فإما أنه مقحم، أو وقع سقطُ في النُّسَخ لم يتبين به وجه الكلام، فتصرّف ناسخ (ق) بحذف قول ابن عقيل. والله أعلم.
(2) (ق): “غلت”.
(3) كذا في الأصول، وكأن في الكلام نقصًا.
(4) (ق): “يدركه”!.
(5) (ق): “قال: ثم سألته”.
(6) “المسائل”: (1/ 203).
(4/1484)
لا يدري لعلها تعلقُ عليه ولدًا من غيره.
قلت: وما علمُهُ أنها قد تابت؟ قال: يريدُها على ما كان أرادها عليه، فإن امتنعت فهي تائبةٌ.
قلت: وهذا التفات من أحمد إلى القرائن ودلائلِ الحال، وجواز إيهام غير الحقِّ، قولًا وفعلًا، ليعلم به الحق، وهذه اقتداءٌ بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومةِ بين المرأتين في الصبي: “ائتوني بالسِّكِّينِ أشُقَّهُ بينكما” (1).
ومن تراجم النسائى (2) على حديثه هذا: “التَّوسِعةُ للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعلُه: “افعل” ليستبينَ به الحَقَّ”.
وهذا الذي قاله أحمدُ اتَّبَعَ فيه ابن عمر فإنه قال: يريدُها على نفسِها، فإن طاوعَتْهُ لم تَتُبْ، وإن أبَتْ فقد تابَتْ.
وأنكر الشيخ في “المغني” (3) هذا جدًّا، وقال: “لا ينبغي لمسلم أن يدعوَ امرأة إلى الزنى، ويطلبَهُ منها، ولأنّ طلبه ذلك إنما يكونُ في خَلْوَةٍ، ولا تحلُّ الخَلْوَةُ بأجنبيَّةٍ، ولو كان في تعليمها القرآنَ، فكيف يحِلُّ في مراودِتها على الزِّنا! ثم لا يأمن إن أجابَتْه إلى ذلك أن يعودَ (4) إلى المعصية، فلا يحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثل هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ من سائر الذُّنوبِ، بالنسبة إلى سائِر الأحكامِ، وفي حقِّ سائر الناس، على غيرِ هذا الوجهِ، فكذا هذا”.
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 12.
(2) “السنن الكبرى”: (3/ 472).
(3) (9/ 564).
(4) (ق): “يعود هو”.
(4/1485)
وقولُ ابنِ عمر: وأحمدَ أفقهُ؛ فإنَّ التوبةَ لمَّا (ق/ 357 ب) كانت شرطًا في صحَّة النِّكاح، لم يكن بُدٌّ من تحقُّقِهَا، ولا سبيلَ له إلى العلم بها إلَّا بذلك، أو بأن يأمرَ غَيْرَهُ بمراودتِها، ولا رَيْبَ أن المفاسد. المذكورة أقربُ إلى الغير، إذ لا غرضَ له في نكاحِها، بخلافِ الخاطِب، فإن إرادتَهُ لنكاحِها، وعزمَهُ عليه، يمنعُهُ من معاوَدَة ما يعودُ عَلى مقصودِه بالإبطالِ.
فائدة.
الذي وقعَ في “صحيح البخاريِّ” (1) وأكثر كتبِ الحديثِ: “وابعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدْتَه” (2)، ووقع في “صحيح ابن خزيمة” والنَّسائيِّ بإسنادِ “الصحيحين”: من رواية جابر: “وابعثه المقامَ المحمُوْدَ” (3)، رواه ابنُ خُزيمة عن موسى بن سهل الرَّمْليِّ، وصَدَّقه أبو حاتمٍ الرَّازيُّ (4)، وباقي الإسنادِ شرطهما، ورواه النسائي عن عَمْرو بن منصور، عن علي بن عيَّاش. والصَّحِيحُ ما في البخاري لوجوه:
أحدها: اتِّفاق أكثرِ الرُّواة عليه (5).
__________
(1) رقم (614 و 4719).
(2) أخرجه أبو داود رقم (529)، والترمذي رقم (211)، وابن ماجه. رقم (722) وغيرهم بهذا اللفظ.
(3) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة رقم (420)، والنسائي: (2/ 26 – 27)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 586)، والطحاوي في “شرح معاني الآثار”: (1/ 146)، والطبراني في “الأوسط”: (5/ 54)، والبيهقي: (1/ 410).
(4) في “الجرح والتعديل”: (8/ 146).
(5) اختلف الرواة فى هذه اللفظة على أنحاء:
1 – من رواه -عن علي بن عياش- بالتنكير فقط، وهم سبعة؛: محمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن يعقوب، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومحمد =
(4/1486)
الثاني: موافقتُهُ للفظ القرآن.
الثالث: أن لفظ التنكير فيه مقصودٌ به التعظيم كقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [ص: 29]، وقوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ} (ق/ 358 أ) {مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]، وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ} [الأحقاف: 12]، ونظائره.
الرابع: أن دخولَ اللام يُعَيِّنُهُ ويخصُّه بمقام معيَّن، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعدُّدًا، كما في قوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] ومقاماتُهُ المحمودة في الموقِفِ متعدِّدَةٌ، كما دلَّتْ عليه الأحاديثُ، فكان في التنكيرِ من الإطلاقِ والإشاعَةِ ما ليسَ في التَّعريفِ.
الخامس: أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – كان يحافِظُ على ألفاظ القرآن تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا، كما يحافظُ على معانِيه، ومنه: قولُه وقد بدأ بالصَّفا: “ابْدَأُوا بما بَدَأَ اللهُ به” (1)، ومنه: بداءته في الوضوء بالوجهِ ثم باليدينِ اتَباعًا للفظ القرآن، ومنه: قولُه في حديث البَرَاء ابن عازب: “آمنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ” (2)
__________
= ابن مسلم بن وارة، والعباس بن الوليد الدمشقي، ومحمد بن أبي الحسين.
2 – من رواه بالتعريف فقط، وهم اثنان؛ عبد الرحمن بن عَمرو أبو زرعة الدمشقي، وموسى بن سهل الرملي.
3 – من رواه على الوجهين: التعريف والتنكير، وهم ثلاثة؛ عَمرو بن منصور النسائي، ومحمد بن عوف، ومحمد بن يحيى.
(1) أخرجه بلفظ الأمر النسائي في “المجتبى”: (5/ 236)، والكبرى: (2/ 413)، وابن الجارود: (2/ 93)، والطبري في “التفسير”: (2/ 54)، والدارقطني: (2/ 452). وبلفظ الخبر: “أبدأ” أخرجه مسلم رقم (1218) وغيره من حديث جابر -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه البخاري رقم (247)، ومسلم رقم (2710).
(4/1487)
موافقةً لقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب: 45] وعلى هذا فـ “الذي وعدته” إما بدَلٌ، وإما حْبرُ مبتدأ محذوف، وإما مفعولُ فعلٍ محذوف، وإما صفةٌ لكون “مقامًا محمودًا” قريبًا من المعرفة لفظًا ومعنى، فتأمله.
* * *
قال أحمدُ في رواية ابن هانئ (1): لا تجور شهادةُ من أيسر ولم يَحُجَّ، وليس به زَمَانَةٌ، ولا أمرٌ يحْبِسُهُ عنه.
وقال (2): لا تجوزُ شهادةُ الوَلَد لوالدِه، ولا الوالدُ لوَلَدِه، إذا كانوا يَجُرُّون الشيءَ لأنفسِهم.
وقال (3): تجوزُ شهادةُ الغلامِ إذا كان ابنَ اثنتي عشرة سنة أو عشرَ سنين، وأقامَ شهادَتَهُ، جازت شهادَتُهُ.
وقال ابن هانئ: سمعتُ أبا عبد الله يقول: لا يُعْجِبُني أن يُعَدِّلَ القاضي؛ لأنَّ الناس يتغيَّرون، ولا يدري ما يحدُثُ.
وسئل عن الرجل يُعَدِّلُ الرجلَ؟ فقال: ما يُعْجِبُني يعدله؛ لأنه لا يدري ما يحدثُ، والناسُ يتغيرون.
وسُئِلَ: متى يُعَدَّلُ الرجلُ؟ فقال: قال إبراهيم: إذا لم تظهرْ منه ريبةٌ يعدَّلُ.
ولأصحابه فيما إذا سُئِلَ عن مسألةٍ فأجاب فيها بحكايةِ قول من
__________
(1) “المسائل”: (2/ 37).
(2) المصدر نفسه.
(3) هذه المسألة وما بعدها في “المسائل”: (2/ 36 – 37).
(4/1488)
بعد الصَّحابَةِ وجهانِ؛ (ظ/245 ب) أحدهما: أنه يكون مذهبًا له، والثاني: لا.
فائدة
الفرق بين الشك والريب من وجوه:
أحدها: أنه يُقَالُ: شكٌّ مريبٌ، ولا يقال رَيْبٌ مُشَكِّكٌ.
الثاني: أنه يقال: رَابني أمْرُ كذا، ولا يقال شكَّكَني.
الثالث: أنه يقال: رَابَه يَرِيبهُ إذا أزعجَهُ وأقلقَهُ، ومنه قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد مَرَّ بظبي حاقِف في أصل شجرة”: “لا يَرِيبُهُ أحدٌ” (1)، ولا يحسُنُ هنا: لا يُشَكِّكُه أحدٌ.
الرابع: أنه لا يقالُ للشَّاكِّ في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهرِ أو وقت الصلاة: هو مرتابٌ في ذلك، وإن كان شاكًّا فيه.
الخامس: إن الرَّيْبَ ضدُّ الطُّمَأْنِينَةِ واليقينِ، فهو قلقٌ واضطرابٌ وانزعاجٌ، كما أن اليقينَ والطُّمَأْنِيَنةَ ثباتٌ واستقرارٌ.
السادس: أنه يُقالُ: رَابَني مجيئُهُ وذهابُهُ وفعلُهُ، ولا يقال: شكَّكَني، فالشَّكُّ سببُ الرَّيْبِ، فإنه يَشُكُّ أولًا (2)، فيوقعُهُ شَكُّهُ في الرَّيْبِ، (ق/358 ب) فالشَّكُّ مَبدأُ الرَّيْبِ، كما أن العِلْمَ مَبْدأُ اليقينِ
__________
(1) أخرجه النسائي: (5/ 182)، وابن حبان “الإحسان”: (11/ 512)، والبيهقي: (6/ 171) وغيرهم من حديث عُمير بن سلمة الضمري. وحاقف: أي رابض، وقيل: غير ذلك.
(2) العبارة في (ق): “فالشك المريب كأنه شك أولًا .. “.
(4/1489)
ومما انتقاه القاضي من “شرح أبي حفصٍ لمبسوطِ أبى بكرٍ الخلال” (1)
* أحمد في رواية أحمد بن الحسين: يغسلُ يَدَهُ ثلاثًا ثم يستنجِي ثم يغسلُ يَدَهُ ثم (2) يَتَوَضَّأُ.
قال أبو حفص: قد بينَّا عن أبى عبد الله غسلَ اليدِ في الطَّهارة في ثلاثةِ مواضِعَ؛ أحدها: قبل الاستنجاء، والثاني: غسل اليد اليسري بعد الاستنجاء، والثالث: عند ابتداء الوضوء.
وقال في الرجل يستجمرُ ويعرقُ في سراويله: “إذا استجمرَ ثلاثةً فلا بأسَ”. يحتملُ أن يحملَ على ظاهرِها، فيَكونُ الموضِعُ قد طَهُرَ بالاستجمار فلا يَضُرُّ العَرَقُ، ويحتملُ أن يتأولَ (3) على أنه عَرَقُ غيرِ موضِع الحَدَث، أو عَرِقَ فلم يُصِبْ ذلك الموضعُ سراويلَهُ، وهذا القولُ أولى؛ لأن الموضعَ عُفِيَ عنه تخفيفًا، فإذا نال الموضعَ رطوبةٌ، وَجَبَ إزالةُ الأَثَرِ، كما تجِبُ إزالةُ العين ونَجَسِ ما لاقاها كالعين.
* قلت: اختلف أصحابُنا في أثر الاستجمارِ؛ هل هو نَجَسٌ معفوٌّ عنه أو طاهرٌ؟ على وجهين، وعلى ما اختاره أبو حفص تصيرُ المسألةُ على ثلاثةِ أوجهٍ، وقولُه الذي اختارَه ضعيفٌ جدًّا، مذهبًا ودليلًا وعملًا، فإنَّ الصَّحابَةَ لم يكنْ أكثرُهم يستنجي بالماء، وإنما كانوا يستجمِرون صَيْفًا وشتاءً، والعادةُ (ق/ 348 أ) جاريةٌ بالعَرَق في الإزارِ،
__________
(1) “المبسوط” لأبي بكر الخلال، انظر “طبقات الحنابلة”: (3/ 226)، وشرحه لأبي حفص العُكْبَرىِ، نقل عنه المرداوي في “الإنصاف”: (2/ 182)، ولم أعرف عنهما أكثر من هذا.
(2) (ف وظ): “و”.
(3) ليست في (ق)، (ظ): “يقول”.
(4/1490)
ولم يأمُرْهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بغسلِه، وهو يعلمُ موضِعَهُ، ولا كانوا هم يفعلونَهُ (1)، مع أنهم خيرُ القرونِ وأتقاهم لله، ولا أعلمُ أحدًا من أصحابنا اختارَ ما اختاره أبو حفصٍ، وهو خلاف نصِّ أحمد، والله أعلم.
* واختلف قولُه إذا لم يجمع المستنْجِي بينَ الأحجارِ والماء أيُّهما أولى بالاستعمال؟ فنقل الشَّالَنجيُّ أنه قال: إن لم يكن مع الأحجار ماءٌ، فالأحجار أحبُّ إليَّ، والوجهُ فيه: أن ابنَ عُمر كان لا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بالماء. وروى أبو عبد الله عن إسماعيل بن أميَّة عن نافع قال: “كان ابنُ عُمر لا يغسلُ أثرَ المَبَالِ” (2)، واستعمالُ الحِجارة أتت في الأخبارِ (3).
وروى حربٌ الكرماني والحسن بن ثَوَاب تضعيفَ الأخبار في الاستنجاءِ بالماءِ، وقال في حديث مُعَاذَةَ، عن عائشة، عنه: قَتَادَةُ لم يرفَعْه، ولأن المستجمِرَ لا تُلاقي يَدُهُ النجاسَةَ، وعنه: هما سواءٌ، وعنه: الماء أفضلُ، جاء في البول من التغليظ ما لم يأتِ في الكلبِ.
* اختلف قوله إذا لم يقدروا أن يُصَلُّوا في السفينة قيامًا جماعةً وأمكنهم الصلاةُ فُرَادَى قيامًا، هل يُصَلُّون جُلوسًا جماعة؟
فعنه في رواية حرب: يُصَلِّي كُلُّ إنسان على حِدَتِهِ.
وقال في رواية الفضل بن زياد: تُصَلِّي وحدَك قائمًا. ووجهُهُ: أن القيامَ آكَدُ؛ لأنه لو صلَّى قاعدًا مع قدرتِه على القيام لِم يجزئْهُ،
__________
(1) (ق وظ): “يغسلونه”.
(2) أخرجه عبد الرزاق: (1/ 152) بنحوه.
(3) (ق وظ): “واستعمال الأحجار أثبت … ” وهو وجيه.
(4/1491)
ولو صلَّى منفردًا مع قدرتِه على الجماعةِ أَجْزَأَ.
والقولُ الآخرُ تخريجًا على قوله: إن الإِمامَ إذا صلَّى جالسًا يُصَلِّي مَنْ خَلْفَهُ جلوسًا، فقد أجاز للمأمومِ الصلاة جالسًا لأجل الجماعة.
قال القاضي: قلت أنا: ولأنا أسقطنا القيامَ لعدم السِّتارة (1) فكذا الجماعةُ.
* واختلف (ظ/ 246 أ)، قولُه في صفة جلوس العَرْيان في صلاتِه.
فعنه: يَجْعَلُ قيامَهُ تَرَبُّعًا. قال القاضي: قلت أنا: كالمريض والمُتنفِّل.
وعنه: يَتَضَامُّون؛ لأنهم إذا تَضَامُّوا كان أسترَ لعوِراتِهم، والمُتَرَبِّعُ يُفْضِي بفرجِه إلى السَّماء، ولا يمكنُهُ وضعُ يَدِهِ على فَرْجِهِ لئلا تنتقضَ طهارَتُهُ.
* واختلف قوله: إذا توارى بعضُهم عن بعض، فصلُّوا قيامًا.
فعنه: لا بأس. وعنه: أنه قال: يُصَلِّي العُريانُ قاعدًا يجعل قيامَهُ متَربعًا (2)، فقد ذكر عريانًا واحدًا أنه يُصَلِّيَ قاعدًا، وهذا أصحُّ في مذهبه؛ لأن سترَ العورة آكَدُ عندَه من القيام، لأن مذهبَهُ في العراة يصَلُّون جلوسًا، ولأن سترَ العورةِ يُرَادُ للصلاة، ألا ترى أنه لا يجوزُ للخالي أن يصَلِّيَ مكشوفَ العورة، ولا إذا كان جيبُهُ واسعًا ينظر: إلى عورتهِ، ولحيتُهُ كبيرةٌ تحولُ بينَه وبين النظرِ.
__________
(1) وهي السترة، أي: ما تُسْتر به العورة.
(2) (ع): “تربيعًا”.
(4/1492)
فائدة (1)
حديث: يا رسولَ الله عندي دينارٌ، قال: “أنفِقْهُ على نَفْسِكَ … ” إلى الخامس (2)، قال: “أنتَ أَبْصَرُ” (3).
قيل: لعله أشارَ إلى أنه قبل الخامس في حكم (ق/ 348 ب) الفقير، فلما أخبره أن معه خامسًا -والدينار كان عندهم اثنا عَشَرَ دِرْهَمًا- فقد مَلَكَ قيمةَ خمسينَ درهمًا من الذهب، وزادَ عليها، ففوَّضَ الأمرَ إليه في الصَّدَقَة في الخامس دونَ ما قَبْلَه، فَهذا يُؤَيِّد حديث: “مَنْ سَأَلَ وله ما يُغْنِيه” قيل: وما يغْنِيه؟ قال: “خمسون درهمًا” (4) الحديث، والله أعلم (5).
__________
(1) (ق): “مسألة”.
(2) أي: حتى ذكر أن له دينارًا خامسًا.
(3) أخرجه أحمد: (12/ 381 رقم 7419)، وأبو داود رقم (1691)، وابن حبان “الإحسان”: (8/ 127)، والحاكم: (1/ 415) وغيرهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. وسنده جيِّد.
(4) أخرجه أحمد: (6/ 194 – 195 رقم 3675)، وأبو داود رقم (1626)، والترمذي رقم (651)، والنسائي: (5/ 97)، وابن ماجه رقم (1840)، وغيرهم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
والحديث حسّنه الترمذي، وتكلم بعض أهل العلم في إسناده، إذ فيه حكيم بن جُبير، وهو ضعيف، وتكلم فيه شعبة من أجل هذا الحديث، أما متابعة زُبيد له فقد طعن فيها جماعة منهم الإمام أحمد.
(5) قال الترمذي -عقب الحديث-: “والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحل له الصدقة.
قال: ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جُبير، وسَّعُوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج، فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم” اهـ.
(4/1493)
* قال أبو حفص: واختلف قولُه في الاستدارة في المحمل.
فروى محمد بن الحكم عنه: من صلَّى في مَحْمَل فإنه لا يُجْزِئُهُ إلَّا أنْ يستقبلَ القِبْلَةَ؛ لأنه يمكنُهُ أن يدورَ، وصاحبُ الراحلة والدَّابَّة لا يمكنه، والحجةُ أمر الله تعالى باستقبال القبلة حيث كان المصلي، وذلك ممكن في المحمل كما في السفينة، بخلاف الدَّابَّة فتسقطُ لعدم: الإمكان.
وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارةُ في المحمل شديدةٌ، يصلِّي حيثُ كان وجههُ؛ لأن الاستدارةَ في المحمَل شديدٌ على الجَمَل فجاز تَرْكُها، كما جاز في الرَّاحِلَةِ لأجل المَشَقَّةِ على الرَّاكِبِ (1).
* واختلف قولُه في السُّجود في المَحْمَل.
فروى عنه عبد الله (2) ابنه أنه قال: وإن كان مَحْمَلًا فَقدَر أن يسجدَ في المحمل سَجَدَ. وروى عنه الميمونيُّ: إذا صلى على محمل أحبُّ إليَّ أن يسجدَ لأنه يمكنُهُ. وعنه الفضل بن زياد: يسجدُ في المحمَلِ إذا أمكنه.
ووجهه: أنه تعالى أَمَرَ بالسُّجود، وإنما سقط عن المُصَلِّي على الرَّاحِلَةِ لعدمِ الإمكانِ.
وروى عنه جعفر بن محمد: السُّجودُ على المِرْفَقَةِ، إذا كان في المحملِ، ربما اشتدَّ على البعير، ولكن يومئُ، ويجعل السجودَ
__________
(1) من قوله: “يصلي … ” إلى “شديد” سقط من (ظ)، وقوله: “لأجل المشقة على الراكب” ليست في (ق).
(2) “المسائل” رقم (316).
(4/1494)
أخفض الرُّكوعِ، وكذا روى عنه أبو داود (1)، ووجْهُه: المشقَّةُ على البعير.
قلت: الذي أوجب هذا: أن الصحابَةَ لم يكن سفرُهم ولا حَجُّهم في المحامل، وإنما حدث (2) في زمن الحَجَّاج، فالصّلاةُ فيها دائرةُ الشَّبَهِ بين الصلاةِ في السَّفينة والصلاةِ على الرَّاحلة، فمن راعى شبهها بالسفينة أوجبَ الاستقبال؛ لأن المحملَ بيتٌ سائرٌ في البَرِّ، كما أن السفينةَ بيتٌ سائرٌ في البحر، ومن راعى مَشَقَّةَ الاستدارةِ على المصَلِّي والبعيرِ أسقطَ الاستقبالَ، وهو الأَقْيَسُ، والله أعلم.
مسألة
قال المرُّوْذيُّ: كان أبو عبد الله إذا سَلَّم من المكتوبةِ ركَعَ ركعتينِ قبلَ التَّراويح.
وجْهُه: ما رَوى عليٌّ (3): “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُصَلِّي على إِثْر كلِّ صلاة مكتوبة ركعتين، إلا الفجر والعصر، (4)، ظاهرُهُ العمومُ في رمضان وغيره، ولا يُتْركُ (5) ذلك لأجل التَّراويحِ؛ لأن كُلاًّ منهما مقصودٌ.
وروى أحمد بن الحسين: صَلَّيْتُ مع أبي عبد الله في شهر رمضانَ
__________
(1) “المسائل” رقم (536).
(2) (ق): “حدثت”.
(3) (ق): “رُوِي عن علي”.
(4) أخرجه أحمد: (2/ 294 رقم 1012)، وأبو داود رقم (1275)، وابن خزيمة رقم (1196)، والبيهقي: (2/ 459) وغيرهم.
والحديث صححه ابن خزيمة والضياء في “المختارة”: (2/ 149).
(5) تحرفت في (ق وظ).
(4/1495)
التَّرَاوِيحَ، فكان إذا صَلَّى العَتَمَةَ لا يُصَلِّي حتى يقومَ إلى التَّرَاوِيح.
قال الخلَّال: لم يضبط هذا، فإن كان قد ضبط ما رواه، (ق/ 349 أ) فوجهُهُ أنه فعل (1) التَّراويحَ أو الركعتينِ قبل ركعةِ الوترِ، موضعَ الركعتينِ بعدَ المكتوبَةِ.
قال حنبلٌ: كان أبو عبد الله يُصَلِّي معنا، فإذا فرغنا من التَّرْويحة: جَلَسَ وجلسنا، وربما يُحدِّث ويُسألُ عن الشيء فيُجيبُ، ثم يقومُ فيُصَلِّي، ثم يدعو بعد الصلوات بدَعَوَاتٍ، ثم يوتِرُ، ثم ينصرفُ.
وقال الفضل: رأيتُ أحمدَ يقعدُ بين التَّراويحِ ويُرَدِّدُ هذا الكلامَ: “لا إله إلَّا الله وحدَه، لا شريكَ له، أستغفرُ الله الذي لا إله إلَّا هو”. وجلوسُ أبي عبد الله (ظ/ 246 ب)، للاستراحَةِ؛ لأن القيام إنما سمي تراويحَ لما يَخَلَّلُه من الاستراحَةِ بعد كلِّ ترويحة.
* واختلف قولُه في تأخيرِ التَّراويحِ إلى آخرِ اللَّيلِ.
فعنه: إن أخَّروا القيامَ إلى آخرِ اللَّيل فلا بأسَ به، كما قال عمرُ: “فإنَّ الساعَةَ التي تنَامون عنها أفضلُ” (2)، ولأنه يحصل قيامٌ بعدَ رَقْدَةٍ، قال الله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ … } [المزمل: 6]، الآية.
وروى عنه أبو داود (3): لا يؤخَّرُ القيامُ إلى آخر اللَّيْلِ، سنة المسلمين أحبُّ إليَّ.
ووجهه: فعلُ الصحابة، ويُحْمَلُ قول عمر على التَّرغيبِ في
__________
(1) (ظ): “جعل”.
(2) أخرجه البخاري رقم: (2010).
(3) “المسائل” رقم (438).
(4/1496)
الصَّلاة آخرَ الليل، ليواصِلوا قيامَهم إلى آخرِ الليل، لا أنهم يُؤَخِّرونها، ولهذا أمَرَ عمرُ من يُصَلِّي بهم أوَّلَ الليل.
قال القاضي: قلت: ولأن في التأخير تعريضًا بأن يفوتَ كثيرًا من الناسِ هذه الصلاةُ لغَلَبَةِ النومِ.
* واختلف قوله في القيام ليلة العيد في الجماعة.
فروى عنه حنبلٌ: أما قيَامُ ليلةِ الفطرِ فما يُعْجِبُني ما سمعنا أحدًا فعل ذلك إلَّا عبدُ الرحمن (1)، وما أراه؛ لأنَّ رمضَانَ قد مضى، وهذه ليلةٌ ليست منه، وما أُحِبُّ أن أفعلَه، وما بَلَغَنا من سَلَفِنا أنهم فعلوه. وكان أبو عبد الله يصَلِّي ليلةَ الفطرِ المكتوبَةَ، ثم ينصرفُ، ولم يُصَلِّها معه قطُّ، وكان يكرهُهُ للجماعةِ.
الفضل بن زياد: شهدت أحمدَ ليلةَ الفطرِ وقد اختلفَ الناسُ في الهلال، فصلَّى المكتوبةَ، وركع أربع ركعات، وجلسَ يستخبرُ خبرَ الهلال، فبعث رسولًا فقال: اذهبْ نحو أبي إسحاق (2) فاستخبرْ خَبَر الهلال، فلم يَزَلَ جالسًا ونحن معه حتى رَجَعَ (3) الرسولُ فقال: قد رُؤِيَ الهلالُ، فانتعَلَ (4) أحمد، ثم قام فدخل منزلَه.
وعنه أبو طالب: أنه قال في الجماعةِ يقومون ليلةَ العيدِ إلى الصَّبَاحِ يجمِّعونَ، قال: من فعلَ ذلك هو زيادةُ خير، كان عبدُ الرحمنِ بن الأسودِ
__________
(1) هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي، أحد التابعين، وانظر: “مسائل ابن هانئ”: (1/ 97)، وخبره في “صنف ابن أبي شيبة”: (2/ 168)
(2) (ق): “دار إسحاق”.
(3) (ق): “جلس”.
(4) أي: لبس النعل. ووقع في المطبوعات: “فانتقل”.
(4/1497)
يعتكِفُ فيقومُ ليلةَ العيدِ إلى الصَّباحِ، مَنْ فَعَلَهُ فحسنٌ، ومنْ لم يفعَلْه فليس عليه شيءٌ انتهى.
لما روى مالك بن دينار، عن سالم، عن ابنْ عمر كان يُحْيِي ليلةَ العيدِ (1). عبد الرحمن بن الأسود (ق/ 349 ب)، كان يُصَلِّي بقومِه في شهر رمضان وكان يقرأُ بهم القرآن في كلِّ ليلةٍ (2):
قال أبو عبد الله -في الرجل يُصَلِّي شهرَ رمضان، يقومُ فيُوتِرُ بهم، وهو يريدُ يصلِّي بقومٍ آخرينَ-: يشتغلُ بينَهم بشيءٍ يأكلُ أو يشرب أو يجلِسُ، رواه المرُّوْذيُّ.
وذلك لأنه يكرَهُ: أن يوصلَ بوتِرِهِ صلاةً، فيشتغلُ بينَهم بشيءٍ ليكونَ فصلًا بين وتْرِهِ وبينَ الصلاةِ الثانيةِ، وهذا إذا كان يصلِّي بهم في موضعِه، أما في موضِعٍ آخَرَ فذهابُهُ فصلٌ، ولا يُعيد الوتْرَ ثانيةً، “لا وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ” (3).
وقال أبو عبد الله -في الرجل يجيءُ والإمامُ يوتِرُ في شهر رمضان،
__________
(1) قال الشافعي في “الأم”: (1/ 231): “وبلغنا عن ابن عمر أنه كان يحيي ليلة جَمْع، وليلة جمع هي ليلة العيد، لأن في صبحها النحر” اهـ، وأخرج عبد الرزاق: (4/ 317) عن ابن عمر قال: خمس ليالٍ لا يرد فيهن الدعاء .. وذكر ليلتي العيدين. لكن إسناده: ضعيف.
(2) لم أعثر عليه.
(3) أخرجه أحمد: (26/ 222 رقم 16296)، وأبو داود رقم (1439)، والترمذي رقم (470)، والنسائي: (3/ 229 – 230) وغيرهم من حديث طلق بن علي -رضي الله عنه-.
والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي: “حسن غريب”، وحسنه الحافظ في “الفتح”: (2/ 258).
(4/1498)
فيلحق معه ركعةً-: إن كان الإمام يفصلُ بينهم بسلام أجرأتْهُ الركعةُ التي لحِقَ، وإذا كان لا يسلِّمُ في الثنتينِ، يقضي مثلَ ما صلَّى ثلاثًا إذا فَرَغَ قام يقضي ولا يقنُتُ.
قوله: “ولا يقنُتُ”، يحتملُ لأنه قد قنَتَ مع الإمام فلا يقنتُ، كما لو سَجَدَ للسهو معه لا يسجدُ آخر صلاته.
ويحتملُ لأنه أدرك آخرَ صلاتِهِ فلا يقنُتُ في أوَّلها.
محمد بن بحر (1): رأيتُ أبا عبدِ الله في شهر رمضانَ، وقد جاء فضلُ بن زياد القَطَّانُ فصلَّى بأبي عبد الله التَّرَاويحَ -وكان حسَنَ القراءةِ- فاجتمعَ المشايخُ وبعضُ الجيران حتى امتلأَ المسجدُ، فخرج أبو عبد الله فصعِد درجةَ المسجدِ، فنظر إلى الجَمْع فقال: ما هذا تَدَعُونَ مساجدَكم وتجيئونَ إلى غيرها؟! فصلَّى بهم لياليَ، ثم صَرَفَة كراهيَةً لما فيه -يعني: من إخلاء المساجدِ- وعلى جارِ المسجد أن يصليَ في مسجدِه.
قال أحمدُ -في الرجل يتركُ الوِترَ متعمدًا-: هذا رجل سوءٍ، يتركُ سُنَّةً سنَّها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -؟!، هذا ساقط العدالة إذا تَرَكَ الوِتْرَ مُتَعَمِّدًا.
روى هذه المسألة هارون بن عبد الله البزَّاز (2)، (ظ/ 247 أ) ونقل أبو طالب وصالحٌ (3): من تَرَكَ الوِتْرَ متعمدًا هذا رجلُ سوءٍ، وذلك
__________
(1) لم أعرفه. ولعله محمد بن علي بن بحر، نُسِبَ إلى جده، نقل عنه في “المغني”: (10/ 210)، و”طبقات الحنابلة”: (2/ 585).
(2) أبو موسى المعروف بالحمَّال، له عن أبى عبد الله مسائل حسان جدًّا. ت (243). “طبقات الحنابلة”: (2/ 514 – 517).
(3) في “المسائل” رقم (159، 235).
(4/1499)
لقول الله (1): {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، وقد أمر به النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -.
* واختلف قوله إذا أوتَرَ بعد طلوعِ الفجرِ؛ هل يوتِرُ بواحدةٍ أو بثلاث؟.
فعنه الميمونيُّ قال: إذا استيقظ وقد طَلَعَ الفجرُ، ولم يكن تَطَوَّعَ ركعَ ركعتين، ثم يُوتِرُ بواحدةٍ، لأن الركعتينِ من وِتْرِهِ. ونحوه الأثرم وأبو داودَ (2).
ووجهه: أن الوِتْرَ اسمٌ للثلاث؛ لأن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – كان يُوتِرُ بها، ولأنه وقتٌ لفعل الوتر، وكان وقتًا للثلاث.
ونقل يوسفُ بن موسى (3): يُوتِرُ بواحدةٍ.
وكذلك (4) نقل أحمد بن الحسين في الرجلِ يَفْجَؤُه الصُّبْحُ، ولم يكنْ صلَّىَ قبل العَتَمَةِ، ولا بعدَها شيئًا: يوتِرُ بواحدةٍ (5)، ولا يُصَلِّي قبلها (ق/ 350 أ) شيئًا.
ووجهه: قوله – صلى الله عليه وسلم -: “صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ” (6) فجعل ما قبلَها من صلاة الليل (7)، وأمرَه بالمبادرة
__________
(1) (ق وظ): “النبي – صلى الله عليه وسلم -“!.
(2) “المسائل” رقم (467، 468).
(3) هو: القطان، تقدمت: ترجمته (ص/ 1002).
(4) فى الأصول: “وذلك”.
(5) من قوله: “وذلك نقل … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(6) أخرجه البخاري رقم (472)، ومسلم رقم (749) من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-.
(7) (ع) زيادة: “مثنى مثنى”.
(4/1500)
بواحدة، ولأن ما بعد طلوع الفجر لا يجوز فيه إلا ركعتا الفجر، وإنما أجزنا الوتر لتأكُّده.
* واختلف قولُه في اختيارِه الوترَ.
فروى عنه أبو بكر بن حمَّاد (1) أنه قال: أذهبُ إلى حديث أبي هريرة: “أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ … ” (2) الحديث.
وعنه الميمونيُّ: لست أنامُ إلَّا على وِتْر.
وعنه الفضلُ بن زياد قال: آخره أفضل، فإن خافَ رجلٌ أن ينامَ أوْتَرَ أوَّلَ الليلِ.
قال أبو حفص: وإنما يكونُ الوِتْرُ آخِرَ الليل أفضلَ (3) في غير شهرِ رمضانَ، فأمَّا في شهر رمضانَ، فالوترُ أول الليلِ تَبَعٌ للإمام أفضلُ، لقول النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَلَّى مَعَ إمَامِه حَتَى يَنْصَرِفَ كُتِبَ له قِيامُ لَيْلَةٍ” (4).
قال أحمد: إذا كان يقْنُتُ قبلَ الرُّكوعِ، افتتحَ القنوتَ بتكبيرةٍ، رواه أبو داود (5) والفضل بن زياد، ودليلُه: ابنُ مسعود: كان يقنُتُ
__________
(1) هو: محمد بن حماد بن بكر أبو بكر المقرئ، روى عن أبي عبد الله، وله عنه مسائل ت (267). “طبقات الحنابلة”: (2/ 288 – 289).
(2) أخرجه البخاري رقم (1178)، ومسلم رقم (721).
(3) من قوله: “فإن خاف … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) أخرجه أحمد: (35/ 352 رقم 21447)، وأبو داود رقم (1375)، والنسائي: (3/ 83 – 84)، وابن ماجه رقم (1327)، وابن خزيمة رقم (2206)، وابن حبان “الإحسان”: (6/ 288)، وغيرهم من حديث أبي ذرٍّ -رضي الله عنه- في قيام رمضان.
(5) “المسائل” رقم (484).
(4/1501)
في الوِتر، إذا فَرَغَ من القراءة كَبَّرَ (1) ورفع يديه، ثم قَنتَ (2).
* واختلف قولُه في قَدْر القيام في القنوت.
فعنه بِقَدْر: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} [الإنشقاق: 1]، أو نحو ذلك. وقد روى (3) أبو داود (4): سمعتُ أحمد سُئل عن قول إبراهيم: القُنُوتُ قَدْرُ: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}؟ قال: هذا قليلٌ يعجبُني أن يزيدَ.
وعنه: كقُنوت عُمَرَ (5)، وعنه: كيف شاءَ.
وجْهُ الأولى: أنه وَسَطٌ من القيام. والثانية: فعل عمر. والثالثة: أن طَرِيقَهُ الاستحبابُ، فسقط التوقيتُ فيه.
نَقَل يوسفُ بن موسى عنه: لا بأس أن يدعوَ الرجلُ في الوِتْر لحاجتِهِ.
وروى عنه علي بن أحمد الأنماطي (6) أنه قال: يُصَلِّي على النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – في دعاء القُنُوتِ.
قال أحمد: يدعو الإمامُ ويؤمِّنُ من خَلْفَهُ (7).
وعنه أبو داود (8): إذا لم يسْمَعْ صوتُ الإمام يدعو.
__________
(1) (ع وظ): “وكبر”.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 100).
(3) (ق وظ): “وروى”.
(4) “المسائل” رقم (476).
(5) انظر “مسائل أبي داود” رقم (800، 801).
(6) “طبقات الحنابلة”: (2/ 117).
(7) “مسائل أبي داود” رقم (475).
(8) “المسائل” رقم (485).
(4/1502)
أبو حفص: لأن التأمين لما يسمعونَ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إِذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمنُوا” (1).
وعنه: إذا (2) دعا وأمَّنُوا فجيدٌ، وإد دعا ودَعَوْا فلا بأسَ كلٌّ موسَّعٌ.
وجْهُه: أن المؤَمِّنَ داع قال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وكان هارونُ مُؤَمِّنًّا.
قال: يجهر الإمامُ بالقنوتِ، ولم يَرَ أن يخافِتَ إذا قَنَت ألبتة، لما رُوِي أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – جَهَر بالقُنوت، بِدَليل أن أصحابَه كانوا يُؤَمِّنُونَ.
وروى أبو عبد الله: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن جعفر، عن أبي عثمان: صَلَّيْتُ خلف عمر بن الخطاب فَقَنَتَ بعد الرُّكوع، ورفع يديه في قُنُوته، ورفع صوتَهُ بالدُّعاء، (ق/ 350 ب) حتى سَمَّعَ مَنْ وراء الحائطِ (3).
وعن أُبَيٍّ أنه جَهَرَ بالقُنوتِ. وعن معاذٍ القارئ أنه جَهَرَ.
المرُّوْذيُّ: كان أبو عبد الله في دعاء الوِتر لم يكن يسمَعُ دعاءَهُ مَنْ يليه. هذا يدلُّ (4) على أنه كان مأمومًا والمأموم لا يجْهَرُ.
مهنَّا: سُئل أحمد عن الرجل يقنتُ في بيتِه، أيعجِبُكَ يجهرُ بالدعاء في القنوتِ أو يُسِرُّهُ؟ قال: يُسِرُّهُ، وذلك أن الإمام إنما يجهرُ لِيُؤَمِّنَ المأمومُ.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (780)، ومسلم رقم (410) من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-.
(2) (ق وظ): “إن”.
(3) أخرجه البيهقي: (2/ 212) عن أبي عثمان من طريق آخر.
(4) من (ظ).
(4/1503)
عبد الله (1): قلت لأبي: يمسح بهما وجهَه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وكان الحسنُ إذا دعا مسح وجْهَهُ.
وقال (2): سئل أبي عن رفع الأيدي في القُنوت، يمسحُ بهما وجهه؟ قال: لا بأس يمسح بهما وجهَه، قال عبد الله: ولم أرَ أبي يمسحُ بهما وجْهَهُ (3).
فقد سهَّلَ أبو عبد الله في ذلك وجعَلَه بمنزلة مسحِ الوجهِ في غيرِ الصَّلاةِ؛ لأنه عملٌ قليل ومنسوب إلى الطَّاعة، واختيارُ أبي عبد الله تَرْكُهُ.
* قال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ما أحبُّ إليك ما يَتَقَرَّبُ به العبدُ من العمل إلى الله؟ قال: كثرةُ الصلاةِ والسجودِ، أقربُ ما يكون العبدُ من الله، إذا عَمر وجْهَه له ساجدًا.
يعني بهذا: إذا سجدَ لله على التراب، وفى هذا بيان أن الصَّلاة أفضلُ أعمال الخير.
وروى عنه المرُّوْذيُّ أنه قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ (4) إلَّا موضع واحد. قال: {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (41)} الطور: 49]، ركعتينِ قبلَ الفجر، {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)} [ق: 40]، ركعتين بعد المغرب.
__________
(1) “المسائل” رقم (426).
(2) المصدر نفسه رقم (446).
(3) وفي “مسائل أبي داود” رقم (486): “سئل عن الرجل يمسح وجهه بيده إذا فرغ في الوتر؟ قال: لم أسمع به، وقال مرة: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله” أهـ.
(4) أخرجه الطبري: (9/ 331) وغيره عن ابن عباس: “كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وكل سلطان في القرآن حجة” والزيادة الأخيرة عند الضياء في “المختارة”. (10/ 314)
(4/1504)
قال أبو حفص: والحجَّةُ في تفضيله الصلاةَ على سائِر أعمال القرَب قولُه تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].
و [قال] (1) حذيفةُ: إذا حَزَبَهُ أمرٌ صَلَّى (2).
وقال: “أعِني عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ” (3)، وقال: “أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِها” (4) وقالَ: “جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ” (5)، ولأنها تختصُّ بجمع الهمِّ، وحضورِ القلبِ، والانقطاع عن كلِّ شيء سواها، بخلاف غيرِها من الطَّاعات، ولهذا كانتَ ثقيلةً على النَّفْس.
* نقل عنه محمد بن الحكم (6) (ظ/ 247 ب) في الرجل يفوتُهُ وِرْدُه من اللَّيل: لا يقرأ به في ركعتي الفجرِ، كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يُخَفِّفُهما، لكن
__________
(1) في الأصول: “وكان”، وسياق الكلام يدل أن المحكيّ عنه هو الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا حذيفة، إذ ساق الآيات على فضل الصلاة ثم الأحاديث، ثم لم أجد هذا الأثر عن حذيفة.
(2) حديث حذيفة أخرجه أحمد: (5/ 388)، وأبو داود رقم (1319).
(3) أخرجه مسلم رقم (489) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه البخاري رقم (527)، ومسلم رقم (85) من حديث أبي مسعود بنحوه بلفظ “على وقتها”، ولفظ المؤلف عند الترمذي رقم (170)، وأبو داود رقم (426) من حديث أم فروة.
(5) أخرجه أحمد: (19/ 307 رقم 12294)، والنسائي: (7/ 61 – 62)، والحاكم: (2/ 160) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه- والحديث قوَّاه الذهبي والعراقي والحافظ ابن حجر.
(6) تقدمت ترجمته (ص/955)، وعدد من مسائله (ص/957، 958 وغيرها)، ووقع في (ق): “محمد بن عبد الحكم”.
(4/1505)
يقرأُ إذا أصبحَ، أرجو أن يُحتسبَ له بقيامِ اللَّيلِ.
* اختلفت الرِّوَايةُ في الرَّكعتين بعد الظهر.
فعنه الأثرم: يُصَلِّيهما في المسجد.
ووجْهُه، حديث: أم سَلَمَةَ في الركعتين بعد العصر (1)، ظاهرُهُ: أنهم شغلوه عن صلاة: الرَّكعتينِ في المسجد.
الفضل بن زياد: رأيتُ أحمدَ لا يُصَلِّي بعدَ المكتوبة شيئًا في المسجد إلَّا مَرَّةً بعدَ الظهر، كان يومًا نادرًا.
ووجْهُه: حديثُ عائشة: “كان يُصَلِّي قبلَ الظهر أربعًا في بيتي، ثم يخرج فَيُصَلِّي بالناس، ثم يرجِعُ إلى بيتي فيُصَلِّي ركعتين” (2)، والله أعلم.
مسألة
أبو (ق/351 أ) الصقر عنه: لا بأسَ أن يجهرَ الرجلُ بالقراءَةِ بالليلِ، ولا يجهرُ بالنهارِ في التَّطَوُّع
وقال في الرجل يُصَلِّي بقومٍ صلاةَ الفريضةِ، فمرَّتْ به آياتُ العذابِ، فقال: “أستجيرُ بالله من النار”: مَضَتْ صلاتُهُ ولا يعيدُ الصلاةَ.
وقال في الرجل يُصَلِّي ويأتي على ذكر النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وهو في الصَّلاة، قال: إن كان تَطَوُّعًا صلَّى عليه، وإن كانَ في الفريضَةِ فلا.
* واختلف قولُه في المداومة على صلاة الضُّحى.
__________
(1) تقدم (4/ 1465).
(2) أخرجه مسلم رقم (730).
(4/1506)
فعنه قال: ما أُحِبُّ أن أداومَ عليها، وقد صلاها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الفَتح (1).
وقال: ربَّما صلَّيْتُ وربما لم أُصَلِّ.
ووجْهُه: ما روى أبو هريرة قال: “ما صَلَّى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الضُّحَى قَطُّ إلاّ مرَّةً” (2)، قال الميمونيُّ: قال أحمد: ما سمعناه إلَّا من وكيع وإسنادُه جيد.
وروى عنه موسى بن هارون [الحمَّال] (3) قال: مَرَّ بي أحمد بن حنبل ومعه المرُّوْذيُّ، وأنا في المسجد قبلَ الزوالِ أُصَلَي الضحى -لأني كنت شُغلتُ عنها- فوقف عَلَيَّ، فقال: ما هذه الصلاةُ، وليس هذا وقتَ الظهر؟! قال: قلت يا أبا عبد الله هذه ركَعَاتٌ كنت أُصَلِّيها ضحىً فشُغِلْتُ عنها إلى هذا الوقت، قال: لا تَتْرُكْها ولو ذكرتَها بعدَ العَتَمَةِ.
ووجهُة: قولُه – صلى الله عليه وسلم -: “أَحَبُّ العَمَلِ إلى اللهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ” (4).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (280)، ومسلم رقم (336) من حديث أم هانئ -رضي الله عنها-.
(2) أخرجه أحمد: (15/ 472 رقم 9758)، والنسائي في “الكبرى”: (1/ 180)، وقوَّاه أحمد.
(3) فى النسخ “الخطاب”! ولا يعرف في أصحاب أحمد إلا موسى بن هارون أبو عمران الحمَّال الحافظ ت (294). “طبقات الحنابلة”: (2/ 404 – 406)، و”تاريخ بغداد”: (13/ 50). وقد تقدمت ترجمة أبيه هارون بن عبد الله، وهو من أصحاب أحمد -أيضًا-.
(4) أخرجه البخاري رقم (43)، ومسلم رقم (782) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(4/1507)
وقال في رواية مهنَّا وعبدُ الله (1): صلاةُ التسبيح لم تثبُتْ عندي، فيها حديثٌ سيئٌ.
وقال في رواية أبي الحارث: صلاةُ التسبيح حديثٌ ليس لها أصل، ما يعجبُني أن يصَلِّيَها، يصلِّي غيرها.
وقال علي بن سعيد النسائي: ذكرتُ لأبى عبد الله حديثَ عبد الله ابن مُرَّة من رواية المستمر بن الرَّيَّان (2)؟ فقال: “المستمرُّ شيخ ثقة” (3)، وكأنه أعْجَبَهُ.
الأثرمُ عنه في الركعتين قبل المغرب، قال: أحاديثُ جيادٌ، أو قال صحاحٌ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وعن الصحابة والتابعينَ (4)، فمن شاء صلَّى بينَ الأذان والإقامة.
وعنه الفضل بن زياد: ما فَعَلْتُهُ قطُّ إلَّا مَرَّةً، فلم أرَ الناسَ عليه فتركتُها (5).
وقال في رواية حنبل: السُّنَّةُ أن يُصَلِّيَ الرجلُ الركعتينِ بعدَ المغرب في بيتِه، كذا رُوِيَ عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أصحابه.
__________
(1) “المسائل” رقم (413)، وضعفه أيضًا في رواية ابن هانئ: (1/ 151)، والكوسج.
(2) يعني روايته لحديث صلاة التسبيح عن عبد الله بن عَمرو موقوفًا، وهذه الرواية أشار أبو داود رقم (1298) إلى تضعيفها، وعنه البيهقي: (3/ 52). وتحرَّف الاسم في (ق وظ).
(3) وكذلك قال أحمد فيما نقله عبد الله في “العلل” رقم (3259).
(4) (ق وظ): “أصحابه التابعين”.
(5) ذكر هذه الرواية في “المغني”: (2/ 546) عن الأثرم -أيضًا- وقال: “ما فعلته قط إلا مرة، حين سمعتُ الحديثَ … وقال: هذا شيء ينكره الناس، وضحك كالمتعجِّب”اهـ.
(4/1508)
قال السائب بن زيد: لقد رأيتُ الناسَ في زمانِ عمر بن الخطَّاب إذا انصرفوا من المغربِ انصرفوا جميعًا حتى لا يبقى في المسجدِ أحدٌ، كأنه لا يصلُّونَ بعدَ المغربِ حتى (1) يصيروا إلى أهليهم (2).
فإن صلَّى الركعتينِ في المسجدِ فهل يُجْزئُهُ؟ اختلف قوله.
روى عبد الله (3) عنه أنه قال: بلغني عن رجلٍ سمَّاه، أنه قال: لو أن رجلًا صلَّى الرَّكعتينِ في المسجدِ بعدَ المغرب ما أجزأَهُ (4)، (ق/ 351 ب) وقال: ما أحسنَ ما قالَ هذا الرجلُ، وما أجودَ ما انتزَعَ.
ووَجْهه (5): أمرُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – بالصَّلاة في البيوتِ.
وقال له المرُّوْذي: من صلَّى الركعتينِ بعد المغرب في المسجدِ يكونُ عاصيًا؟ قال: ما أعرفُ هذا.
قلت له: يُحكى عن أبي ثَوْر أنه قال: هو عاصٍ؟ قال: لعله ذَهَبَ إلى قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “اجْعَلُوهَا في بُيوتكُمْ” (6).
ووَجْهه: أنه لو صلَّى الفرضَ في البيت، وتَرَكَ المسجدَ أجزأه،
__________
(1) (ع): “يعني: حتى … “.
(2) أسنده الأثرم فيما نقله الحافظ ابن عبد البر في “التمهيد”: (14/ 178).
(3) في “المسائل” رقم (458).
(4) بعده في “المسائل”: “إلا أن يكون صلاها في بيته، على حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – … “.
(5) هذا التوجيه لأبي حفص العكبري، وكذا عامة التوجيهات التي مرَّت، وانظر “زاد المعاد”: (1/ 313) ففيه التصريح بذلك.
(6) أخرجه أبو داود رقم (1300)، والترمذي رقم (604)، والنسائي: (3/ 198 199) عن كعب بن عجرة، وفيه: “عليكم بهذه الصلاة في البيوت”، وله ألفاظ بنحوه. والحديث استغربه الترمذي. وله شاهد عند أحمد: (5/ 427) من حديث محمود بن لبيد.
(4/1509)
فكذا السُّنَّة في المسجد.
قلت: ليس هذا وجهَهُ عند أحمد، وإنما وَجْهُهُ أن السُّنَنَ لا يُشترطُ لها مكانٌ مُعَيَّنٌ ولا جماعة، فتُفْعَل في المسجد والبيت، والله أعلم.
* قال في روايةِ الميموني والمرُّوْذيِّ: يستحبُّ أن لا يكونَ قبلَ الرَّكعتينِ بعدَ المغربِ إلى أن تُصَلِّيَهما كلام.
وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمدَ سلَّم الإمام من صلاةِ المغربِ، قام ولم يَتَكَلَّم ولم يركعْ في المسجدِ، وتكلَّمَ قبل أن يدخُلَ الدَّار.
وَجْه الكراهَةِ: قولُ مكحول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، يعني: قَبْلَ أَنْ يَتكَلَّم -رُفِعَتْ صَلاتُهُ في عِلِّيِّينَ” (1) ولأنه يَصِلُ النفلَ بالفرضِ (2).
قال أحمد في رواية حرب، ويعقوبَ، وإبراهيمَ بن هانئ (3): إن تَرَكَ ركعتي المغربِ لا يُعيدُهما، إنما هما تَطَوُّعٌ.
المرُّوْذي: رأيت أبا عبد الله يركعُ فيما بينَ المغرب والعشاء.
* المرُّوْدْيُّ عنه: في رجل يريدُ سفرًا فيقصرُ يومًا ثم يبدو له، فيرجعُ: يتمُّ (4)، وجاءه رسولُ الخليفة ردَّهُ من بعضِ الطريق في اللَّيلِ فأتم الصلاةَ، فقيل له: أليسن نجن مسافرونَ؟ قال: أما السَّاعةُ فلا، وكان نحوًا من سبع فراسِح.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 16).
(2) هذه الفقرة بطولها من قوله: “وقال في رواية حنبل … ” إلى هنا ذكرها المصنِّف بنصّها في”زاد المعاد”: (1/ 312 – 314).
(3) أبو إسحاق النيسابوري، “طبقات الحنابلة”: (1/ 252).
(4) (ظ): “فيتم”.
(4/1510)
محمد بن الحكم عنه: في الرجلِ يخرجُ إلى بعض البلدان يَتَنَزَّهُ أو إلى بلد يَتَلَذَّذُ فيه، ليس بطَلبِ حجٍّ ولا عُمْرَةٍ ولا تجارةٍ: ما يُعْجِبُني أن يقصرَ الصلاةَ (1).
والوجْهُ فيه: أن الأصلَ الإتمامُ، فلا يجوزُ أن يجوزُ الفرضَ لطلبِ النزهة.
مسألة
إن لم يكن مع الملَّاحِ أهلُه، وكان يسافرُ ويرجِعُ إلى أهلِهِ، قَصَرَ الصلاةَ.
قال في رواية حرب: إن لم يُقم المكاري في أهلِه ما يقضي رمضانَ يقضي في السفر، وذلك أن هذه حالُ ضرورة، والقضاءُ عليه فرضٌ.
اختلف قولُهُ في المسافر يَرِدُ على أهله لا يريدُ المقامَ.
فروى عنه عبد الله (2): لو أن مسافرًا وَرَدَ على أهلِهِ أمسكَ عن الطَّعام وأتمَّ الصلاةَ، إلَّا أن يكون مارًّا.
وكذا نقل إسحاقُ الكوسجُ (3): في رجل خرج مسافرًا فبدا له، فرجَع في حاجةٍ إلى بيتِه ليأخذَها، فأدركته الصلاةُ: هو (4) مسافرٌ يقصرُ إذا لم يكن له أهلٌ، وهو (ق/ 352 أ) أهونُ لأنه على نِيَّةِ السفرِ. فورودُهُ على أهلِهِ لم يخرجْهُ عن حكم السفر.
__________
(1) انظر: “المغني”: (3/ 117)، ورجح ابن قدامة الرواية الأخرى.
(2) “المسائل” رقم (555) بنحوه، و “المغني”: (3/ 151).
(3) “المسائل”: (1/ ق 89 – دار الكتب).
(4) الأصول: “وهو” والصواب حذف الواو كما في “المسائل”.
(4/1511)
وعنه صالحٌ (1) فى رجل خرجَ مُسافرًا فبدأ له، فرجَعَ في حاجة إلى بيته فأدركتْهُ الصلاةُ: يتمُّ؛ لأن ابن عباس قال: إذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشية فأتِمَّ (2).
والوجْهُ فيه: حديثُ ابن عباس، ولا يَصِحُّ حملُه على إذا نوى المُقَامَ؛ لأنه إذا نوى المقامَ في غير أهلِه لزمه الإتمامُ؛ ولأنه لو أنشأ السفرَ من بلدِهِ لم يَجُزْ له القصرُ حتى يفارقَ منزلَهُ، كذا بعد رجوعِهِ لحاجة.
عنه المرُّوْذيُّ: ركعتا الفجر والمغرب لا يَدَعُهُما في السفر (3).
عنه صالح والكوسج (4): إذا نوى المسافرُ المقامَ وهو في الصلاة: يُتِمُّ، وإن قعد في الركعتينِ حتى يخرجَ بتسليمٍ.
ووَجْهه: أنه قد صارَ مقيمًا.
مسألة
الأثرمُ عنه (5): إذا أجمعَ أن يقيمَ إحدى وعشرين صلاةً مكتوبةً قَصَر، فإذا عَزَم على أن يُقِيمَ أكثر من ذلك أتمَّ، واحتجَّ بحديث جابر وابن عباس: “قَدِمَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لصبحِ رابِعَةٍ” (6) وكذا نقل ابنُ الحَكَم.
__________
(1) لم أره في المطبوعة.
(2) أثر ابن عباس ذكره أحمد في رواية الكوسج السالفة، وقد أخرجه عبد الرزاق: (2/ 524)، وابن أبي شيبة: (2/ 202)، والبيهقي: (3/ 155).
(3) نقل في “المغني”: (2/ 543) عن رواية الأثرم: ” … ليس هاهنا شيءٌ آكد من الركعتين بعد المغرب”.
(4) لم أره في رواية صالح المطبوعة، وانظر “مسائل الكوسج”: (1/ ق 89).
(5) ذكرها ورواية المرُّوذي ابن قدامة في “المغني”: (3/ 148).
(6) حديث جابر أخرجه البخاري رقم (1785)، ومسلم رقم (1216). وحديث ابن عباس أخرجه البخاري رقم (1085)، ومسلم رقم (1240).
(4/1512)
ونقل المرُّوْذيُّ: إذا عزم على مُقام إحدى وعشرين صلاةً فَلْيُتِمَّ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلَّى الغَداةَ يوم التَّرْوِيةِ بمكة، وكذلك نقل حربٌ: إذا دخلَ إلى قربة نوى أن يُقِيمَ أربعةَ أيامٍ وزيادة صلاة أتمَّ، وكذا نقل ابن أصرمَ وصالحٌ والكوسَجُ (1): إذا أزمعَ على إقامَةِ أربعة أيام، وزيادة صلاة يُتِمُّ (2) في أول يوم، واحتجَّ بحديث جابر.
قال أبو حفص البَرْمَكيُّ: هذه الروايةُ ليست مُسْتقصاةً، والأولَّةُ مُسْتقصاةٌ (3) أنه لا يلزمه الإتمامُ بالعزيمة على إقامة أربعةِ أيام وزيادة صلاة، حتى ينويَ أكثرَ من ذلك، فكيف يقول: “إذا أزمعَ على إقامَةِ أربعٍ وزيادةِ صلاة أتَمَّ”. ويحتجُّ بحديث جابر في هذا المقدار! وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد (4)، قيل له: يا أبا عبد الله يحكون أنك تقولُ: إذا أجمع على إقامَةِ أكثرَ من أربعة وصلاة أتمَّ؟ فقال: لا يفهمون، النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أجمعَ على إقامةِ أربع وصلاة فقَصرَ.
ونقل عنه أيوبُ بن إسحاق بن سافري (5) أنه قال: إن أزمعَ (6) على إقامة خمسة أيام يَتِمُّ وما دون ذلك يقصُرُ.
قال أبو حفص: ليس في هذا خلافٌ لذلك؛ لأنه إذا أوجبَ
__________
(1) “مسائل صالح” رقم (370)، و”مسائل الكوسج”: (1/ ق 75).
(2) من قوله: “وكذا نقل … ” إلى هنا سقط من (ق وظ).
(3) “والأولة مستقصاة” سقطت من (ع).
(4) هو: الفضل بن عبد الصمد الأصبهاني أبو يحيى، له عن أبي عبد الله مسائل. “طبقات الحنابلة”: (2/ 196 – 199).
(5) أبو سليمان، له عن أبي عبد الله مسائل كثيرة صالحة، ت (260). “طبقات الحنابلة”: (1/ 312 – 315).
(6) (ق وظ): “إذا أجمع”.
(4/1513)
الإتمامَ بإقامَةِ أكثرَ من أربعة أيام وزيادة صلاة، فبخمسة أيام أولى أن يوجبَ الإتمامَ. وقولُهُ: “وما دون ذلك يقصُرُ”، يُحتملُ أن يكون أراد بهَ الأربَعَةَ أيام: وزيادة صلاة؛ لأنها دونَ الخمسةِ أيام، ويحتملُ أن يكون ذِكْره لليَوم الخامس؛ لأن الصلاة (1) بعدَ الأربعَةِ أيامٍ من اليومِ الخامسِ (ق/ 352 ب) لا أنه أراد إكمالَ اليومِ الخامسِ (2).
وقد بيِّن ذلك في رواية طاهر بن محمد التَّميمِيِّ (3) فقال: إذا نوى إقامَةَ أربعةِ أيام وأكثرَ من صلاة من اليوم الخامس أتمَّ، فقد بيَّنَ مرادَه من ذكر اليوم الخامس أنه، بعضُه؛ لأنه أكثرُ من مُقام النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قَصَرَ فيه الصلاة.
قال القاضي: وظاهر كلام أبي حمص هذا أن المسألة على رواية واحدة، وأن مدَّةَ الإقامة ما زاد على إحدى وعشرين صلاة، وتأوَّل بقية الرِّوايات. واحتجَّ في ذلك بحديث جابر: “أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – دَخَل مكةَ صُبْحَ رابعة، فصلَّى بها الغداةَ” وخامسة وسادسة وسابعة أربعةَ أيام كوامِلَ، وزاد صلاةً؛ لأنه صلى الغداةَ يوم التَّرْوِيَةِ بمكة بالأبطحِ، وخرج يوم الخامس إلى منى، فصلَّى الظهرَ بمِنى، وكان (ظ/248 ب) يقصر الصلاةَ في هذه الأيامِ، وقد أجمعَ على إقامتها.
ويجوزُ أن يُحْملَ كلامُ أحمد على ظاهرِهِ، فيكونُ في قَدْر الإقامة ثلاثُ رواياتٍ:
__________
(1) (ع): “الصلاتين”، ولها وجه وانظر الرواية بعدها.
(2) من قوله: “لأن الصلاة … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) هو: طاهر بن محمد ابن الحسين التميمي الحلبي، كان عنده عن الإمام مسائل صالحة فيها غرائب. “طبقات الحنابلة”: (1/ 477 – 478).
(4/1514)
إحداها: ما زاد على إحدى وعشرين، اختارها الخِرَقِيُّ وأبو حفص.
الثانية. ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة؛ لأنها مدَّةٌ تزيدُ على الأربعة، فكان بها مُقِيمًا. دليلُه: إذا نوى زيادةً على إحدى وعشرين.
الثالثة: ما نقصَ عن خمسةِ أيام ولو بوقتِ صلاةٍ؛ لأنها مدَّةٌ تنقصُ عن خمسة أيام، فكان في حكم السفر، دليلُه: مدة إحدى وعشرين أو عشرين (1).
* واختلف قولُه في صلاة الكسوف بغير إذن الإمام.
فروى عنه يعقوبُ بن بختان (2): لا بأس به.
وقال المرُّوْذيُّ: قلت لأبي عبد الله: ابن مهدي، عن حماد بن زيد قال: بلغَ أيوبَ (3) أن سليمانَ التَّيْمِيَّ لما انكسفتِ الشمسُ صلَّى في مسجدِه، فبلغ أيوبَ فأنكرَ عليه، فقال: إنما هذا للأئمةِ.
فقال أبو عبد الله: إلى هذا نذهبُ في كسوفِ الشّمس، الأئمةُ يفعلون ذلك.
وعنه محمد بن الحكم: يستحَبُّ العَتَاقَةُ في صلاة الكسوفِ (4).
* واختلف قوله في خروجِ النَّاسِ للاستسقاءِ بغير إمام.
فعنه أحمدُ بن القاسم: إن لم يخرجِ الإمام لا تخرجوا.
__________
(1) “أو عشرين” ليست في (ق).
(2) تقدمت ترجمته، ووقع في المطبوعات “حسان”!.
(3) ابن أبي تميمة السختياني.
(4) لحديث أسماء: “أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالعتاقة في الخسوف”، أخرجه البخاري رقم (1054).
(4/1515)
وعنه الميمونيُّ: إن أخرجهم الإمامُ خرَجوا، وإلَّا فيخرجون لأنفسِهم يستسقونَ ما بأسٌ بذلك (1).
فإن قلنا: يخرجون (2) بغير إمامٍ؛ فهل يُصَلُّونَ جماعةً أو يستسقون وينصرفون؟.
فعنه الميموني: يخرجون لأنفسِهم يستسقونَ، ما يُعجِبُني يُصَلِّي بهم بعضُهم. وعنه حربٌ: أنه قال في أهلِ قرية ليس فيها وَالٍ خَرَجوا يستسقونَ؛ يُصَلِّي بهم: إمامُهم جماعةً؟ قال: أرجو أن لا يضيقَ. هذا آخرُ ما وجدته من هذا: “المنتقى” (3).
__________
(1) انظر “المغني”: (3/ 346).
(2) من قوله: “الإمام خرجوا … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) (ق): “ما وجدته من المنتقى”.
(4/1516)
فائدة
لا يكون الجحدُ إلَّا بعد الاعترافِ بالقلبِ أو (1) اللِّسانِ، ومنه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] ومنه: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33] عقيب (2) قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ}، ومنه: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)} [العنكبوت: 49] {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47)} (3) [العنكبوت: 47] وعلى هذا لا يحسنُ استعمالُ الفقهاءِ لفظَ الجحودِ في مطلقِ (4) الإنكارِ، في باب الدَّعاوى وغيرها؛ لأن المُنْكِرَ قد يكون مُحِقًّا فلا يُسَمَّى جاحدًا.
فائدة
قال إسحاقُ بن هانئ (5): تعشَّيْتُ مرَّةً أنا وأبو عبد الله وقرابةٌ لنا (6)، فجعلنا نتكلَّمُ وهو يأكلُ، وجعل يمسحُ عند كلِّ لقمةٍ يدَه بالمنديلِ، وجعل يقولُ عند كل لقمة: الحمدُ لله وبسمِ الله، ثم قال لي: أكلٌ وحَمْدٌ خيرٌ من أكلٍ وصمتٍ.
فائدة
مَنَع كثيرٌ من النَّحاة أن يُقَالَ: (البعض، والكل)؛ لأنهما اسمانِ لا يُستعملان إلَّا مضافَيْنِ. ووقع في كلام الزَّجَّاجيِّ وغيرِه: “بدل
__________
(1) (ظ): “و”.
(2) قبلها في (ق): “ومنه”!.
(3) الآية سقطت من (ق).
(4) (ع): “لفظ”!.
(5) “المسائل”: (2/ 133).
(6) كذا بالأصول، وفي “المسائل”: “له”.
(4/1517)
البعض من الكُلِّ” (1).
وجوَّز أبو عُبَيْدَةَ (2) أن يكونَ بمعنى الكلِّ، كما جوَّزَ ذلك في الأكثر، فالأوَّلُ كقوله: {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28]، والثاني كقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}: [الشعراء: 223]،، ولا دليلَ له في ذلك؛ لأن قوله: {بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} من خطاب التلطُّف والقول اللَّيِّن، وأما: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} فلا يمنع أن يكون فيهم من يصدقُ في كثير من أقوالِه (3).
إذا عرف هذا فقالت طائفةٌ: “البعضُ” للجزء القليلِ والكثيرِ والمساوي، وفي هذا نظرٌ؛ إذ إطلاق لفظِ “بعض العشرة” على التسعة منها يحتاجُ إلى نقلٍ واستعمال، والظاهرُ: أنه قريبٌ من البضْع معنىً، كما هو قريبٌ منه لفظًا، وليس في عرفِ اللغة والتَّخاطب إَذا قال: “خذ بعض هذه الصبرة” أن يأخذها كُلَّها إلَّا حفنةً منها، ولا لمن يجيئُك في أيامِ الشهر كلِّها إلّا يومًا واحدًا: “هو يجيءُ في بعض أيام الشهر”.
* قال أحمدُ في: رواية حنبل: حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: “لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ” (4) يريد: الغضبَ (5).
__________
(1) انظر “لسان العرب”:. (7/ 119).
(2) في “مجار القرآن”: (2/ 205)، وانظر: “الجامع لأحكام القرآن”: (15/ 200 – 201)، و “اللسان”: (7/ 119).
(3) (ق وظ): “أحواله”.
(4) أخرجه أحمد: (6/ 276)، وأبو داود رقم (2193)، وابن ماجه رقم (2046)، والحاكم: (2/ 198)، والبيهقي: (7/ 357) وغيرهم. وصححه الحاكم.
(5) انظر: “طلاق الغضبان”: (ص/27 – 28)، و”زاد المعاد”: (3/ 599)، و”إعلام الموقعين”: (2/ 175، 3/ 52).
(4/1518)
وقال في رواية أبي داود (1): حديث رُكُانَةَ لا يثبتُ أنه طلَّقَ امرأتَهُ ألبتَّةَ؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرمَةَ، عن ابن عباس: أن رُكَانَةَ طلَّق امرأتَه ثلاثًا (2)، وأهل المدينة (3) يسمُّون ثلاثًا ألبتة.
وقال (ظ/ 249 أ)، في رواية أحمد بن أصرم: أن أبا عبد الله سُئِلَ عن حديث رُكُانَةَ في ألبتَّةَ؟ فقال: ليس بشيء.
وقال في رواية أبي الحارث في رجل غَصَب رجلًا على امرأتِهِ فأولدها، ثم رجعَتْ إلى زوجها وقد أولدَها: لا يلزْمُ زوجَها الأولادُ، وكيف يكون الولدُ للفراشِ في مثل هذا؟! وقد عُلم أنَّ هذه في منزلِ رجلٍ أجنبيٍّ، وقد أولدها في منزلِهِ، إنما يكون الولَدُ للفراشِ إذا ادَّعاه الزَّوْجُ، وهذا لا يَدَّعِي فلا يلزمُهُ.
* قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: إذا زوَّج السَّيِّدُ عبدَهُ من أَمَتِهِ ثم باعها: يكونُ بيعُها طلاقَها، كقول ابن عباس.
وروايةِ أكثرِ أصحابهِ (ق/ 359 ب) عنه: لا يكون طلاقًا.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: لا أعلمُ شيئًا يدفعُ قولَ ابنِ عباس وابن عُمَرَ (4) وأحدَ عَشَرَ من التابعينَ، منهم (5): عطاءٌ ومجاهدٌ
__________
(1) “المسائل” رقم (1129).
(2) أخرجه أحمد: (4/ 215 رقم 2387).
(3) في بعض نسخ “المسائل”: “أهل الذمة”، ثم قال أحمد بعدها: “والروافض يكون إذا طلَّقها ثلاثًا أنها واحدة أو ليس بشيء” اهـ.
(4) قال في “المغني”: (9/ 474): “ولا نعلم لهما مخالفًا”.
(5) من (ظ).
(4/1519)
وأهل المدينة على تَسَرِّي العبدِ، فمن أحتجَّ بهذه الآيةِ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5 – 6] وأيُّ ملك للعبد؟ فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالمَالُ لِلسَّيِّدِ” (1)، جعل له مالًا هذا يُقَوِّي التَسَرِّيَ.
وابن عباس وأبنُ عمر أعلمُ بكتاب الله ممن احْتَجَّ بهذه الآية؛ لأنهم أصحابُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وأُنْزلَ القرآنُ على رسَولِ الله، وهم يعلمون فيما أُنْزِل، قالوا: يَتَسَرَّى العبدُ.
إذا ثَبَت هذا؟ فقد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم (2): يَتَسَرَّى العبدُ في مالِه، هو مالُه ما لم يأخُذْه سيِّدُهُ منه.
(ق/359 أ) وقال في رواية جعفر بن محمد وحرب: ليس للسَّيِّدِ أن يأخذ سُرِّيَّةَ العبدِ إذا أذِن له في التَّسَرِّي، فإن تَسَرَّى بغيرِ إذنه أخذَها منه، وإذا باع العَبْدَ وله سُرِّيَّة هي لسيِّدهِ ولا يُفَرَّقُ بينهما؛ لأنها بمنزلةِ المرأة.
فقد فرَّق أحمدُ بين أن يبيعَ العبدَ فتكون السُّرِّيَّةُ للسَّيِّد، ولا يفرَّقُ بينَها وبين العيد، وعلَّل بأنها بمنزلةِ الزوجةِ، وبينَ أن يبقى العبدُ على ملكِه، فليس له أخذ السُّرِّيَّةِ منه إذا أذِن له، كما لو أذِن له في التّزويج، ليس له أن يفرِّقَ بينه وبين امرأتِه وكلا النَّصَّينِ مسكلٌ (3)، وله فقهٌ دقيق (4).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2379)، ومسلم رقم (1543) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(2) “المسائل”: (2/ 219)، وانظر “رواية الكوسج”: (1/ ق 155)
(3) (ق): “ولكن التسرِّي”.
(4) تقدم البحث في هذه المسألة مع فقهها: (4/ 1481 – 1483).
(4/1520)
* وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ يكونُ طلاقًا للأمَةِ، لحديث ابن عباس. قال أبو بكر: مسألة ابن منصور مفردةٌ.
في وقال في رواية أبي الحارث: إذا تزوَّجَ امرأةً فشرطَ أن لا يبيتَ عندَها إلَّا ليلةَ الجُمُعَةِ، فإنْ طالَبَتْهُ، كان لها المقاسَمَةُ. وإنْ أعْطَتْهُ مالًا واشتَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجِ عليها، يَرُدُّ عليها المالَ إذا تَزَوَّجَ. ولو دفعَ إليها مالًا على أن لا تَتَزوَّجَ بعد موتِه فتزوَّجَتْ، ترُدُّ المالَ إلى وَرَثَتِهِ.
* وقال في رواية أحمد بن القاسم: الأَمَةُ إذا كان زوجُها حرًّا فعَتَقَتْ، فلا خيارَ لها؛ لأن الحديث عندنا: أن زوجَ بَريرةَ كان عبدًا (1)، فأجعلُ الروايةَ هكذا ولا أزيلُ النكاح إلاّ في الموضِع الذي أزالته السُّنَّةُ، وهذا ابن عباس وعائشة يقولون: إنه عبدٌ وعليه أهلُ المدينة وعملُهم، وإذا روى أهلُ المدينة حديثًا وعَمِلوا به فهو أصحُّ ما يكونُ، وليس يصِخُ أن زوجَ بَرِيرَةَ كان حرًّا إلاّ عن الأسودِ وحدَه، وأما غيرُه فيقولُ: إنه عبدٌ (2).
* قال أحمد في رواية حنبل: لا يكنِّي ولدَه بأبي القاسم؛ لأنه يُرْوى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه نهى عنه.
وقال في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن الحديث: “تَسَمَّوْا
__________
(1) قصّة بريرة أخرجها البخاري رقم (456)، ومسلم رقم (1504) وغيرهما من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(2) انظر كلام أحمد بنصِّه في “المغني”، (10/ 70)، لكن قال في آخره بحد الحكاية عن الأسود: “فأما غيره فليس بذاك”.
(4/1521)
بِاسْمِي وَلا تَكَنَّوْا بكُنْيَتي” (1): هو أن يجمعَ بين اسمِهِ وكُنيتِهِ أو يُفْرِدَ أَحدَهما؟ فقال: أكَثر (2) الحديث: “تَسَمَّوا باسْمِي وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي”، وهذا موافق لرواية حنبل.
* وقال ابن منصور (3): قلت لأحمدَ؛ تُكَنَّى المرأةُ؟ قال: نعم، عائشةُ كناها النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أمَّ عبدِ الله (4).
وقال في روايته (5) أيضًا: عُمَرُ كَرِهَ أن يُكْنَى بأبي عيسى.
وقال في رواية حنبل: لا بأس أن يُكْنَى الصَّبِيُّ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “يَا أَبا عُمَيْر” (6)، وكان صغيرًا.
* وقال في رواية (ظ/249 ب) الأثرم وسُئِلَ عن الرجل يُعْرَفُ بلقبِه؟ قال: إذا لم يُعْرفْ إِلَّا به، قال أحمد: الأعمشُ إنما يعرفُهُ الناسُ هكذا، فسَهَّل في مثل هذا إذا كان قد شُهِر به (7).
* وقال ابن منصور: قلت لأحمد: رجلٌ نَذَرَ أن يذبحَ نفسَهُ؟ قال: يفدي نفسَهُ، إذا أحَنَثَ يذبَحُ كبشًا. قال إسحاق: كما قال:
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (110)، ومسلم رقم (2134) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) (ع وظ): “آخر”.
(3) “المسائل”: (2/ ق 211).
(4) أخرجه أحمد: (6/ 107)، وأبو داود رقم (4970) من حديث عائشة -رضي ألله عنها-.
(5) “المسائل”: (2/ق 211).
(6) أخرجه البخاري رقم (6129)، ومسلم رقم (2150) من حديث أنس -رضي الله عنه-.
(7) ونحوه في “مسائل أبي داود” رقم (1829).
(4/1522)
* وقال أيضًا (1): قلت لأحمد: من ماتَ ولم يَحُجَّ فهو من جميع المالِ؟ قال: إذا كان له مالٌ كثيرٌ، واجبٌ على الوَرثَةِ أن يُنْفِذوا ذاك، وأما إذا كان مالٌ قليلٌ فإنما هو شيءٌ ضيَّعه، ليس هذا مِثل الزكاةِ.
وقال أيضًا: قلت له: طَوَاف المَكِّيِّ قبلَ المعَرَّف (2)، قال أحمدُ: لا يخرجُ من مكّةَ حتى يُوَدِّعَ البيتَ.
* وقال أحمد في رواية ابن منصور (3): يكرهُ أن يقولَ للرجل: جعلني الله فِداك، ولا بأس أن يقول: فِدَاكَ أبي وأمي.
* وقال مهنَّا (4): سألت أبا عبد الله عن المرأةِ تنامُ على قفاها؟ فقال: يُكْرَهُ لها ذلك، قلت: فإذا ماتَتْ فكيف يصنعون في غسلِها؟ فقال: إنما كُرِهَ لها أن تَنَامَ على قَفاها (5) في حياتِها، وليس ذلك في الموتِ.
* وقال في رواية ابن منصور (6): يكرهُ الجلوسُ بين الشمسِ والظِّلِّ أليس قد نهى عنه! وقال إسحاق ابن راهَوَيه: قد صحّ الخبرُ فيه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – (7)، ولكن لو ابتدأ وجَلَسَ فيه كان أهونَ.
__________
(1) “المسائل”: (2/ ق 215).
(2) أي: قبل الوقوف بعرفة. “مختار الصحاح”: (ص/179).
(3) “المسائل”: (2/ ق 212)، وتقدم بنصه (4/ 1435).
(4) وهو -أيضًا- بنصِّه في “مسائل الكوسج”: (2/ ق 210).
(5) من قوله: “فقال: يكره … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(6) “المسائل”: (2/ق 210).
(7) أخرجه أحمد: (14/ 531 رقم 8976)، وأبو داود رقم (2822)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. والحديث له طرق يقوي بعضها بعضًا.
(4/1523)
* وقال في رواية أبي طالب (1)، وسألته يكَنِّي الرجلُ أهل الذِّمَّةِ؟ فقال: قد كنى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أُسْقُفَّ نجرانَ، وعمرُ قال: يا أبا حسَّان. لا بأسَ به.
* وقال فى رواية: يعقوب بن بُخْتان وسأله عن النُّورة والحِجَامِةِ [يوم الأربعاء] (2)؟ فكَرِهَها (3)، قال: وبلغني عن رجلٍ أنه تنَوَّرَ واحتجمَ فأصابه المرضُ قلت: كأنه تَهَاوَنَ؟ قال: نعم.
* وقال في رواية: مهنَّا في الرجلِ تأتيه المرأةُ المسحورةُ فيطلقُ عنها السِّحْرَ؟ قال: لا بأس.
وحدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَةَ، قال: سألت سعيد بن المسَيِّب عن المرأة تأتي الرجلَ فيطلقُ عنها السِّحْرَ، فقال: لا بأس (4). فقلت لأحمد: أُحَدِّثُ بهذا عنك؟ قال: نعم (5).
وقال في رواية المرُّوْذِيِّ (6): حُمِمْتُ فكتب لي من الحُمَّى: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم اللهِ وباللهِ، ومحمدٌ رسولُ الله، {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)} [الأنبياء: 69 – 70] اللَّهمَّ ربَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ اشْفِ صاحِبَ
__________
(1) ومثله في رواية ابن هانئ: (2/ 180)، والكوسج: (2/ ق 210).
(2) (ق): “والارتقاء”، و (ع وظ): “والأربعاء”، والتصويب من “زاد المعاد”: (4/ 60)، فقد نقل الرواية عن الخلال بسنده إلى يعقوب.
(3) (ق): “فكرهها”.
(4) علق البخاري نحوه عن سعيد، “الفتح”: (10/ 243)، وذكر الحافظ أن الأثرم وصله في “السنن” والطبري في “التهذيب”.
(5) قال الحافظ: وقد سئل أحمد عمن يطلق السحرَ عن المسحور؟ فقال: لا بأس به.
(6) وذكره المصنف أيضًا: في “زاد المعاد”: (4/ 356 – 357).
(4/1524)
هذا الكتابِ بحوْلِكَ وقُوَّتِكَ وجَبَريَّتِكَ (1) إلهَ الحقِّ آمينَ.
وقال في رواية عبد الله (2): يُكتبُ للمرأةِ إذا عَسُرَ عليها الولادةُ في جامٍ (3) أو شيءٍ نظيفٍ (4): لا إلهَ إلاّ اللهُ الحليمُ الكريمُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ العظيمِ، الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)} (5) {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ}، ثم تُسْقَى ويُنْضحُ بما بَقِي دونَ سُرَّتِها (6).
وقال في رواية الكوسج: يُكْرَهُ التَّفْلُ في الرُّقْيَةِ ولا بأسَ بالنَّفْخ.
وقال في رواية صالح (7): الحُقْنَةُ إذا كانت لضَرورةٍ فلا بأس.
وقال في رواية المرُّوْذيِّ: الحقنة إن اضْطُرَّ إليها فلا بأسَ، قال المرُّوْذي: ووُصِفَ لأبي عبد الله ففعل.
* وقال إسحاق بن هانئ (8): رأيتُ أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي حتى يعلم أن الشمسَ قد قاربتْ أن تزوْلَ، فإذا قاربَتْ أمسكَ عن الصَّلاة (ق/360 أ) حتى يؤذِّن المؤذِّنُ، فإذا أخذ في الأذانِ
__________
(1) كذا في (ع وظ)، وفي (ق): “وحرمتك”! و”الزاد”: “وجبروتك”.
(2) “المسائل” رقم (1865، 1866).
(3) الجام: إناء من فضة.
(4) كذا في (ع وظ)، و (ق والمسائل): “لطيف”.
(5) هذه الآية ليست في “مسائل عبد الله”.
(6) وهذه الرقية مروية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجها ابن أبي شيبة: (5/ 39)، والسهمي في “تاريخ جرجان”: (ص/228). ولها شاهد عن أنسٍ أخرجه الطبراني في “الأوسط”: (3/ 358).
(7) لم أجده في المطبوعة.
(8) “المسائل”: (1/ 88).
(4/1525)
قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا، يفصِل بينهما بالسَّلام، فإذا صلَّى الفريضةَ انتظر في المسجدِ، ثم يخرجُ منه، فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرةِ الجامعِ، فيصلِّي فيه في ركعتين، ثم يجلسُ، وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيصلِّي ركعتينِ أُخَر، فتلك ستُّ رَكَعَاتٍ على حديث عليٍّ (1).
فائدة (2).
ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاءَ إنما (ق/353 أ) يحصلُ باستيفاء الدَّيْنِ، بسبب أن الغريمَ إذا قبضَ المالَ صار في ذمَّتِهِ للمَدِينِ مِثْلُهُ، ثم يقغ التَقاصُّ منهما (3)، والذي أوجبَ لهم هذا. إيجابٌ المماثلةِ بينَ الواجبِ ووفائه ليكونَ قد وفى الدَّيْنَ بالدَّيْنِ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4): وهذا تكلُّفٌ أنكره جمهورُ الفقهاء، وقالوا: بل نفسُ المال الذي قبضه يحصلُ به الوفاءُ، ولا حاجةَ إلى أن يقَدِّروا في ذمَّةِ المستوفي دينًا، والدَّيْنُ في الذِّمَّةِ من جنس المطلَقِ الكُلِّيِّ، والمعينُ من جنسِ المعينِ الجزئيِّ، فإذا ثبتَ في ذمَّتِهِ دَيْنٌ مطلَقٌ كلِّيٌّ، كان المقصودُ منه الأعيانَ الشخصيَّةَ الجزئيَّةَ، فأيُّ معيَّنٍ استوفاه حَصَلَ به مقصودُهُ لمطابَقَتِهِ للكُلِّي مطابقةَ الأفراد الجزئيَّةِ.
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق: (3/ 247).
وبعده في “المسائل”: “وربما صلى بعد الست ستًّا أخرى أو أقل أو أكثر”.
(2) (ق): “مسألة”.
(3) (ق): “بينهما”.
(4) في “مجموع الفتاوى”: (20/ 513).
(4/1526)
فائدة (1)
قال أحمدُ في رواية صالح (2) في المُضَارِبِ إذا خالفَ فاشترى غَيْرَ ما أَمَرَ به صاحبُ المالِ: فالرِّبْحُ لصاحبَ المالِ، ولهذا أجرةُ مِثْلِهِ، إلَّا أن يكونَ الرِّبْحُ محيطًا بأجرةُ مِثلِهِ (ظ/ 250 أ) فيذهبَ. قال: وكنت أذهبُ إلى أن الرِّبْحَ لصاحبِ المالِ، ثم استحسَنْتُ.
وقال في رواية الميمونيِّ: استحسنُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لكلِّ صلاة، ولكن القياسَ أنه بمنزلةِ الماءِ حتى يُحْدِثَ، أو يَجِدَ الماءَ.
وقال في رواية المرُّوْذيِّ: يجوزُ شراءُ أرض السَّوادِ، ولا يجوزُ بيعُها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملكُ؟ فقال القياسُ كما تقولُ، ولكن هو استحسانٌ. وأحتجَّ بأن أصحابَ النبي – صلى الله عليه وسلم – رخَّصوا في شراء المصاحفِ وكَرِهوا بَيْعَها، وهذا يشبِهُ ذاك.
وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غَصَبَ أرضًا وزَرَعَها: الزَّرْعُ لرَبِّ الأرضِ وعليه النفقةُ، وليس هذا شيئًا يوافِقُ القياسَ، اسْتَحسِنُ أن يدفعَ إليه نَفَقَتَهُ.
وقال في رواية أبي طالب: أصحابُ أبي حنيفة إذا قالوا شيئًا خلافَ القياسِ قالوا: نستحسنُ هذا وَنَدَعُ القياسَ، فَيَدَعُون الذي يزْعُمُونَ أنه الحقُّ بالاستحسانِ. قال: وأنا أذهبُ إلى كل حديث جاءَ، ولا أقيسُ عليه (3).
__________
(1) (ق): “مسألة”، وهذه الفائدة نقلها المصنف من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية “قاعدة في الاستحسان”: (ص/50 – 67).
(2) رقم (377) بنحوه.
(3) هذه النصوص عن أحمد انظرها في “العدة”: (4/ 1604 – 1605)، و”التمهيد”: (4/ 87) لأبي الخطاب.
(4/1527)
فقال القاضي (1): ظاهر هذا يقتضي إبطالَ القولِ بالاستحسانِ، وأنه لا يجوزُ قياسُ المنصوصِ عليه على المنصوص عليه.
وجعل المسألة على روايتينِ، ونَصَرَ هو وأتباعُه روايَةَ القولِ بالاستحسان، ونازعهم شيْخُنا في مراد أحمد من كلامه، وقال (2): “مُرَادُهُ أني أستعملُ النصوصَ كلَّها ولا أقيسُ على أحد النَّصَّيْنِ قياسًا يعارضُ النَّصَّ الآخَرَ، كما يفعلُ من ذكره، حيث يقيسونَ على أحد النَّصَّيْنِ، ثم يستثنونَ موضعَ الاستحسانِ إما لنصٍّ أو لغيره (3)، والقياسُ عندَهم موجبُ العِلَّةِ (4)، فينقضونَ العِلَّةَ التي يدَّعُونَ صِحَّتَها مع تساويها في مَحَالِّها.
وهذا من (ق/353 ب) أحمد بَيِّنٌ أنه يوجبُ طرد العلَّةِ الصحيحة، وأن انتقاضَها مع تساويها في محالَّها يوجبُ فسادَها، ولهذا قال: “لا أقيسُ على أحد النَّصَيْنِ قياسًا ينقضُهُ النَّصُّ الآخَرُ”.
وهذا مثلُ حديث أم سَلَمَة عنِ النبي – صلى الله عليه وسلم – “إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ العَشْرُ، فلا يَأَخُذْ مِنْ شَعَرِهِ، وَلا مِنْ بَشَرَتهِ شَيْئًا” (5)، مع حديث عائشةَ: “كنت أَفْتِلُ قلائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، ثم يَبْعثُ به وهو مقيمٌ، ثم لا يحرُمُ عليه شيءٌ مما يَحْرُمُ على المُحْرِم” (6).
والناسُ في هذا على ثلاثةِ أقوال:
__________
(1) يعني: أبا يعلى فى كتابه “العدة فى أصول الفقه”: (4/ 1605).
(2) “قاعدة في الاستحسان”: (ص/51).
(3) (ق وظ): “إما النص أو غيره”.
(4) “القاعدة”: “يوجب العلة الصحيحة”.
(5) أخرجه مسلم رقم (1977).
(6) أخرجه البخاري رقم (1696)، ومسلم رقم (1321).
(4/1528)
منهم: من يُسَوِّي بين الهَدْى والأُضْحِيَة في المنع، ويقول: إذا بعثَ الحلالُ هَدْيًا صارَ مُحْرِمًا، ولا يحلُّ حتى يَنْحَرَ، كما روي عن ابن عباس (1) وغيره.
ومنهم: من يُسَوِّي بينهما في الإذْنِ، ويقول: بل المضحِّي لا يمنعُ عن شيء كما لا يُمْنَعُ باعثُ الهدي، فيقيسونَ على أحد النَّصَّينِ ما يعارضُ الآخَرَ.
وفقهاء الحديثِ كيحيى بن سعيد (2) وأحمد بن حنبل وغيرهما عملوا بالنَّصَّينِ، ولم يقيسوا أحدَهما على الآخَرِ.
وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاءِ الحديثِ، لما أمَرَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أن يُصَلِّيَ الناسُ قعودًا إذا صلَّى إمامُهم قاعدًا (3)، ثم لما افتتحوا الصلاة قيامًا أتَمَّها بهم قيامًا (4)، فعمِلَ بالحديثينِ، ولم يَقِسْ على أحدِهما قياسًا ينقضُ الآخَرَ ويجعلُهُ منسوخًا كما فعلَ غيرُهُ.
قلت: وكذلك فَعَل في حديث الأمْرِ بالوضوءِ من لُحومِ الإبِلِ (5)، وتركِ الوضوءِ مما مَسَّتِ النارُ (6)، عمل بهما، ولم يقسْ على أحدِهما قياسًا يُبْطِلُ الآخَرِ ويجعلُه منسوخًا.
__________
(1) انظر “السنن الكبرى”: (5/ 234) للبيهقي.
(2) في “القاعدة” زاد: “والشافعي”.
(3) أخرجه البخاري رقم (689)، ومسلم رقم (411) من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه البخاري رقم (687)، ومسلم رقم (418) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(5) أخرجه مسلم رقم (360) من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-.
(6) أخرجه البخاري رقم (207)، ومسلم رقم (354) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(4/1529)
وكذلك فَعَل في أحاديثِ المستحاضَةِ ونظائرها.
ثم القائلون بالاستحسانِ، منهم من يقول. هو تركُ الحكم إلى حكمٍ أولى منه، ومنهم من يقولُ: هو أولى القياسَيْنِ.
وقال القاضي (1): “الحُجَّةُ التي يُرجَعُ إليها في الاستحسانِ هي الكتاب تارةً ع والسُّنَّةُ تارةً، والإجماع تارةً، والاستدلالُ بترجُّحِ بعضِ (2) الأصول على بعض.
فالاستحسانُ لأجل الكتاب: كما في شهادة أهل الذِّمَّةِ على المسلمينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَر إذا لم نَجِدْ مسلمًا (3).
ومما قلنا فيه بالاستحسانِ للسُّنَّةُ: فيمن غصَبَ أرضًا وزَرَعَها: الزرعُ لرَبِّ الأرضِ، وعلى صاحبِ الأرضِ النفقةُ؟ لحديث رافع بن خَدِيجٍ (4)، والقياس أن: يكونَ الزَّرْعُ لزارِعِهِ.
ومما قلنا فيه بذلك للإجماعِ: جوازُ سَلَمِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ في الموزونات، والقياسُ أن لا يجوزَ ذلك؛ لوجود الصِّفَةِ المضمومة إلى
__________
(1) في “العدة”: (5/ 1617 – 1609).
(2) في “القاعدة والعدة”: “بترجّحِ شَبَهِ بعض … “.
(3) في قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)} [المائدة/ 106].
(4) عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من زرع في أرضِ قوم فالزرع لربّ الأرض وله نفقته” أخرجه أحمد: (25/ 138 رقم 15821)، وأبو داود رقم (3403)، والترمذي رقم (1366)، وابن ماجه رقم (2466) وغيرهم. قال الترمذي: “حسن غريب”، وانظر “الإرواء”: (5/ 351).
(4/1530)
الجنسِ، وهي الوَزْنُ، إلا أنهم استحسنوا فيه الإجماع”. انتهى (1).
(ظ/250 ب) قال شيخُنا (2): ومن ذلك أن نفقةَ الصغيرِ وأُجْرَةَ مُرْضِعَتِهِ على أبيه دونَ أمِّه (ق/354 أ) بالنَّصِّ والإجماع.
قلت: إلا خلافًا شاذًّا في مذهبِ أبي حنيفةَ وغيرِه، بإيجابِها على الأبوينِ كالجَدِّ والجَدَّةِ.
وكذلك يقولون: إجارةُ الظِّئْرِ ثابتةٌ بالنَّصِّ والإجماعِ، على خلافِ القياسِ.
والاستحسانُ يرجِعُ إلى تخصيص العِلَّة، بل هو نفسه، كما قاله أبو الحسينُ البصريُّ (3)، والرازيُّ (4)، وغيرهُما، والمشهور عن الشافعيَّةِ منع تخصيصِها، وعن الحنفيَّة القولُ بتخصيصِها، ولأصحابِ أحمد قولانِ، وحُكِيتا روايتينِ عن أحمد، وحُكِيَ تخصيصُ العِلَّةِ مذهبُ الأئمة الأربعة، وهو الصَّوابُ.
والقاضي وابن عَقِيل يمنعون تخصيصَ العِلَّةِ، مع قولِهم بالاستحسانِ، وأبو الخطّاب يختارُ تخصيصَ العِلَّة مع قوله بالاستحسانِ (5).
وفرَّقَ القاضي بين التَّخصيص والاستحسانِ: بأن التَّخصيصَ منعُ العلَّة عملَها في حكم خاصٍّ، والاستحسانُ تركُ قياسِ الأصولِ للنُّصوصِ (6)،
__________
(1) يعني كلام القاضي.
(2) “القاعدة”: (ص/60).
(3) في “المعتمد”: (3/ 839).
(4) يعني: أبا بكر الجصاص الرازي الحنفي في كتابه “الفصول في الأصول”: (2/ 351).
(5) “التمهيد”: (4/ 69).
(6) (ق): “المنصوصة”.
(4/1531)
أي: مخالفة القياس لأجل النَّص، كما فى شهادةِ أهلِ الذمَّةِ، وإجارة الظِّئرِ، وإعطاء الزَّرع: لمالك الأرض، ونظائره، كحملِ العاقلةِ دِيَةَ الخطأ.
* * *
(4/1532)
فصولٌ عظيمة النفع جداً
في إرشاد القرآن والسُّنّة إلى طريق المناظرة وتصحيحها، وبيانِ العلل المؤثِّرة، والفروق المؤثرة، وإشارتهما (1) إلى إبطال الدَّوْر والتَّسلسل بأوجزِ لفظٍ وأبينِهِ (2)، وذِكْر ما تضمَّناه من التَّسوية بينَ المتماثلين، والفَرق بين المختلفين، والأجوبة عن المعارضاتِ، وإلغاء ما يجبُ إلغاؤُه من المعاني التي لا تأثيرَ لها، واعتبار ما ينبغي اعتبارهُ، وإبداء تناقض المبطِلِينَ في دعاويهم وحُجَجِهم، وأمثال ذلك.
وهذا من كنوزِ القرآن التي ضلَّ عنها أكثرُ المتأخرين، فوضعوا لهم شريعةً جَدَلِيَّةً، فيها حقٌ وباطلٌ، ولو أَعْطَوُا القرآنَ حَقَّهُ لرَأَوْهُ وافياً بهذا المقصودِ كافياً فيه، مُغْنِياً عن غيره.
والعالِمُ عن الله (ق/ 360 ب) مَنْ آتاه الله (3) فَهماً في كتابهِ. والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أوَّلُ من بيَّنَ العللَ الشرعيَّةَ والمآخِذَ، والجمعَ والفَرْقَ، والأوصافَ المعتبرةَ والأوصافَ الملغاةَ، وبيَّنَ الدَّورَ والتَّسلسُلَ وقطعهما.
فانظر إلى قوله – صلى الله عليه وسلم – وقد سُئِل عن البعيرِ يجربُ، فتجربُ لأجلِهِ الإبلُ، فقال، “مَنْ أعْدَى الأوَّلَ” (4)، كيف اشتملتْ هذه الكلمةُ الوجيزةُ المختصرةُ البينَةُ على إبطال الدَّوْر والتَّسلسل، وطالما تَفَيْهق
__________
(1) (ع): “وإشارتها”
(2) (ع): “وأثبته”.
(3) “من آتاه الله” سقطت من (ع).
(4) أخرجه البخاري رقم (5717)، ومسلم رقم (2220) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -.
(4/1533)
الفيلسوف وتَشَدَّقَ المتكلِّمُ وقرَّر (1) ذلك -بعد اللَّتَيًّا والَّتي- في عدَّةِ ورقاتٍ، فقال مَنْ أوتي جوامِعَ الكَلِمِ: “فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ”، ففَهِم السامِعُ من هذا: أن إعداءَ الأوَّلِ إن كان من إعداءِ غيرِه له، فإن لم ينتَهِ إلى غايَة فهو التَّسلسلُ في المؤثِّرات، وهو باطلٌ بصريحِ العقل، وإن انتهى إلى غايةٍ. وقد استفادَتِ الجَرَبَ من إعداءِ مَن جرب به له، فهو الدَّوْرُ الممتنعُ.
وتأمل قوله في قصة ابن اللُّتْبيَّةِ: “أفَلا جَلَسَ في بيتِ أبيهِ وأمَّهِ، وَقالَ: هَذا أُهْدِيَ لِي” (2)، كيفَ يجدُ تحتَ هذه الكلمةِ الشريفة أن الدَّوَرَانَ يُفيدُ العِلِّيَّةَ، والأصوليُّ ربما كدَّ خاطِرَهُ حتى قرَّر ذلك بعد الجهد، فدلَّت هذه الكلمةُ النبوية على أن الهديةَ لما دارَت مع العمل وجودًا وعدمًا كان العمل سَبَبَها وعِلَّتها؛ لأنه لو جلسَ في بيتِ أبيه وأُمِّه لانتفتِ الهديَّةُ، وإنما وُجِدت بالعملِ فهو عِلَّتها.
وتأملْ قوله – صلى الله عليه وسلم – في اللُّقَطَةِ، وقد سُئِل عن لُقَطَةِ الغنم فقال: “إنَّما هِى لَكَ أو لأخِيْكَ أو للذِّئْب”، فلما سئل عن (ظ /251 أ) لُقَطَةِ الإبلِ غْضبَ، وقال: “ما لَك ولَها، مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤها، تَرِدُ الماءَ وتَرعَى الشَّجَرَ” (3)، ففرَّق بين الحُكْمَينِ باستغناءِ الإبل واستِقلالها بنفسِها، دونَ أن يُخاف عليها الهَلَكَةُ في البرِّيَّة، واحتياج الغنم إلى راعٍ وحافظٍ، وأنه إن غابَ عنها، فهي عُرضَةٌ للسِّباع بخلاف الإبل،
__________
(1) (ع): “وقرب”.
(2) أخرجه البخاري رقم: (1500)، ومسلم رقم (1832) من حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه-.
(3) أخرجه البخاري رقم (91)، ومسلم رقم (1722)، من حديث زيد بن خالد الجهني – رضي الله عنه -.
(4/1534)
فهكذا تكون الفروقُ المؤثِّرَة في الأحكام لا الفروقُ المذهبيةُ التي إنما يفيدُ ضابط المذهب.
وكذلك قوله في اللَّحم الذي تُصُدِّق به على بَرِيرَةَ: “هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، ولنا هَدِيةٌ” (1)، ففرَّقَ في الذاتِ الواحدةِ، وجعل لها حكمينِ مختلفينِ باختلافِ الجهتين؛ إذ جهةُ الصَدَقةِ عليها غير جهة الهديَّة منها.
وكذلك الرجلانِ اللذانِ عَطَسا عند النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فشمَّتَ أحَدَهما ولم (ق/ 361 أ)، يُشَمِّتِ الآخَر، فلما سُئِلَ عن الفرق أجاب: “بأن هذا حَمِدَ الله، والآخر لم يَحَمدْهُ” (2)، فدلَّ على أن تفريقَهُ في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثِّرَةِ فيها.
وتأمَّلْ قوله – صلى الله عليه وسلم – في المَيْتَةِ: “إنما حَرُمَ منها أَكْلها” (3)، كيف تضمَنَ التَّفْرِقَةَ بينَ أكلِ اللَّحمِ واستعمال الجلدِ، وبيَّنَ أن النصَّ إنما تناولَ تحريمَ الأكلِ، وهدا تحتَهُ قاعدتانِ عظيمتانِ:
إحداهما. بيانُ أنَّ التَّحليلَ والتحريمَ المضافانِ إلى الأعيانِ غيرُ مجمل، وأنه (4) مُراد به من كل عينٍ ما هي مهيَّأة له. وفي ذلك الرَّدُ على من زَعَمَ أن ذلك مُتضمِّنٌ لمضمرٍ عامٍّ، وعلى من زعم أنه مجملٌ.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (1495)، ومسلم رقم (1074)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه البخاري رقم (6221)، ومسلم رقم (2991)، من حديث أنسٍ -رضي الله عنه -.
(3) أخرجه البخاري رقم (1492)، ومسلم رقم (363) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(4) (ع): “وأنه غير … “.
(4/1535)
والثانية: قَطْع إلحاق استعمال الجلدِ بأكلِ اللَّحمِ، وأنه لا يصحُّ قياسُه عليه، فلو أن قائلًا قاله: وإن دلَّتِ الآيةُ على تحريم الأكل وحدَه، فتحريم ملابَسَة الجلدِ قياسًا عليه، كان قياسُه باطلًا بالنَّصِّ؛ إذ لا يلزمُ من تحريمِ الملابسةِ الباطِنةِ بالتَعَدي تحريمُ ملابَسَةِ الجلدِ ظاهراً بعد الدِّباغِ.
ففي هذا الحديثِ: بيان الموادِ من الآيةِ، وبيان: فسادِ إلحاقِ الجِلْد باللَّحم. وتأمَّلْ قوله – صلى الله عليه وسلم – لأبي النعمان بن بَشِير وقد خصَّ ابنَهُ بالنُخل: “أَتحِبُّ أنْ يَكُونْوا في البِرِّ سَواءً” (1)؟ كيف تجدُهُ مُتَضَمِّنا لبيانِ الوصف الدَّاعي إلى شرع التَسْوِيَةِ بينَ الأولاد، وهو العَدلُ الذي قامتْ به السمواتُ والأرضُ، فكما أنك تحِبُّ أن يستووا في بِرِّكَ، وأنْ لا ينفردَ أحدُهم ببِرِّكَ وتُحرَمَهُ من الآخَرِ، فكيف ينبغي أن تُفرِدَ أَحَدَهما بالعَطِيَّة وتَحْرِمَها الآخرَ؟!.
وتأمَّل قولَه – صلى الله عليه وسلم – لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال: “وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطْلَعَ على أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئتم، فَقَدْ غفرتُ لَكُمْ” (2)، كيف تجدُهُ متضمِّنا لحكم القاعدةِ التي اختلفَ فيها أربابُ الجدَلِ والأصوليُّون، وهي: أن التعليلَ بالمانِع هل يفتقرُ إلى قيامِ المقتضي، فعلَّلَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عصمةَ دمِهِ بشهودِه بَدراً دونَ الإِسلام العامَّ، فدلَّ على أن مُقْتضى قتلِهِ كان قد وُجِدَ وعارَض سببَ العصمةِ،
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2586)، ومسلم رقم (1623) من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-.
(2) تقدم تخريجه (3/ 1037).
(4/1536)
وهو الجسُّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنْ عارضَ هذا المقتضي مانعٌ (1) مَنَعَ من تأثيرِهِ وهو شهوده بدرًا، وقد سَبقَ من الله مغفرتهُ لمن شَهدَها.
وعلى هذا؛ فالحديث حجَّةٌ لمن رأى قتلَ الجاسوسِ (2)؛ لأنه ليس ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، وإنما امتنعَ قتلُ حاطب لشهودِهِ بدراً.
ومن ذلك: قولُه – صلى الله عليه وسلم – لعُمَرَ وقد سأله عن القبْلة للصّائم، (ق/ 361 ب) فقال: “أرأيْت لو تَمضمَضتَ” (3) … الحديث، فتحتَ هذا إلغاءُ الأوصافِ التي لا تأثيرَ لها في الأحكام، وتحتهُ تشبيهُ الشيءِ بنظيرِهِ وإلحاقُهُ به، وكما أنَّ الممنوعَ منه الصائمُ إنما هو الشُّربُ لا مُقَدمَتهُ، وهو وضع الماء في الفمِ، فكذلك الذي مُنِعَ، إنما هو الجِماعُ لا مُقَدِّمَتُهَ وهي القُبْلَة، فتضمَّنَ الحديثُ قاعدتينِ عظيمتينِ كما ترى.
(ظ/251 ب) ومن ذلك: قولُه – صلى الله عليه وسلم – وقد سُئلَ عن الحج عن الميت؟ فقال للسائل: “أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أكنْتَ قاضِية؟ ” قال: نعم. قال: “فَدَيْنُ اللهِ أَحَقّ أنْ يُقْضَى” (4) فتضمَّنَ هذا الحديثُ بيانَ قياس الأوْلى،
__________
(1) (ق وظ): “مانعاً”!.
(2) في هامش (ق) تعليق أظنه بخط ابن حميد النجدي، قال: “لا حجة فيه؛ لأن التجسُّس على النبي – صلى الله عليه وسلم – ليس كالتجسس على غيره” أهـ. وفي هذا التعليق نظر من جهة أن الجاسوس لا يُقتل باعتبار جسه على شخص بعينه، ولكن باعتبار جسِّه على المسلمين لصالح الكفار.
(3) أخرجه أحمد: (1/ 286 رقم 138)، وأبو داود رقم (2385)، وابن خزيمة رقم (1999)، وابن حبان “الإحسان”: (8/ 314). وغيرهم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(4) أخرجه البخاري رقم (1953)، ومسلم رقم (1148) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ووقع في (ق): “أحق بالقضاء” وهو في بعض روايات الحديث.
(4/1537)
وأن دَيْنَ المخلوقِ إذا كان يقبل الوفاءَ مع شحَهِ وضيقه، فدَيْنُ الواسع الكريم تعالى أحقُّ بأن يقبلَ الوفاء، ففي هذا أن الحكمَ إذا ثَبَتَ في محلُّ لأمرٍ، وثمَّ محلّ آخَر أولى بذلك الحكمِ، فهو أولى بثبُوته فيِه. ومقصودُ الشارِع في ذلك التنبيهُ على المعاني والأوصافِ المقتضيَةِ لشَرْعِ الحكْم والعِلل المؤثِّرة، وإلا فما الفائدةُ في ذكر ذلك؟ والحكم ثابتٌ بمجرَّد قوله؟!
ومن ذلك: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَلحقَ الولدَ في قصة وليدة زَمْعَةَ بعَبْدْ بن زمْعَةَ عملًا بالفِراش القائم، وأَمَر سَوْدَةَ أن تحتجبَ منه (1)، عملاً بالشَبَهِ المعارِض له، فرتَّبَ على الوصْفينِ حكميهما، وجعله أخاً من وجهٍ دونَ وجهٍ. وهذا من ألطفِ مسالكِ الفقهِ، ولا يهتدي إليه إلَّا خواصُّ أهلِ العلمِ والفهم عن الله ورسوله.
وتأمل قولَه – صلى الله عليه وسلم – في التشهد، وقد علَّمهم أن يقولوا: “السلامُ علينا وعلى عباد الله الصّالحين”، ثمَّ قال: “فَإذا قُلْتُمْ ذلِكَ أصابَتْ كُلَّ عبدٍ صالح للهِ في السماءِ والأرض” (2)، كيف قرَّرَ بهذا عمومَ اسم الجمعِ المضاف، وأغنانا – صلى الله عليه وسلم – عن طرق الأصوليين وتَعَسُّفها.
وكذلك قوله – صلى الله عليه وسلم – وقد سئلَ عن (3) زكاة الحُمر، فقال: “لم يَنزلْ عَلَيَّ فيها إلَّا هذهِ الآية الجامِعَة الفاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} ” (4).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2053)، ومسلم رقم (1457) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(2) أخرجه البخاري رقم (831)، ومسلم رقم (402) من حديث ابن مسعود -رضى الله عنه -.
(3) (ق): “قوله عن زكاة … “.
(4) أخرجه البخاري رقم (2371)، ومسلم رقم (987). من حديث أبي هريرة
– رضي الله عنه -.
والفاذَّة: أي المنفردة في معناها.
(4/1538)
فسمَّى الآية جامعة أي: عامَّة شاملةً (1)، باعتبار اسم الشرط، فدلَ على أن أدواتِ الشرط للعموم، وهذا في مخاطبتِهِ – صلى الله عليه وسلم – ومحاورتِهِ أكثرُ من أن يذكرَ، وإنما يجهله من كلامه – صلى الله عليه وسلم – من لم يُحِطْ به علماً.
وتأملْ قوله – صلى الله عليه وسلم – للرجل الذي استفتاه عن امرأته، وقد ولدَتْ غلامًا أسودَ، فأنكر ذلك، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- “ألَكَ إبِلٌ؟ ” قال: نعم، قال: “فَما ألْوانُها”؟ قال: سُوْدٌ، قال: “هَلْ فِيها مِنْ أوْرقَ”؟ قال: نعم “قال: “فَأنَّى لهَ ذلِكَ”؟ قال: عسى أن يكونَ نَزْعَةَ عِرْقٍ، قال: “وهذا عَسَى أنْ (ق / 362 أ)، يكُونَ نَزْعَةَ عِرْق” (2)، كيف تضمَّنَ إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثيرَ له في الحكم، وهو مجرَّد اللَّون، ومخالفة الولد للأبوين فيه، وأنَّ مثل هذا لا يوجب ريبةً، وأنَّ نظيرَهُ في المخلوقات مشاهدٌ بالحسَّ، والله خالقُ الإبَلِ وخالقُ بني آدَمَ، وهو الخلَّاقُ العليمُ، فكما أن الجملَ الأورقَ قد يتولَّدُ من بين أبوينِ (3) أسودينِ، فكذلك الولدُ الأسود قد يتولَّدُ من أبوينِ أبيضينِ، وأنَّ ما جوَّزَ به من سبب ذلك في الإبل، هو بعينِهِ قائمٌ في بني آدَمَ.
فهذه من أصَحَ المناظرات، والإرشادِ إلى اعتبار ما يجبُ اعتبارُهُ من الأوصافِ، وإلغاءِ ما يجِبُ إِلغاؤُه منهما، وأنَّ حكمَ الشيءِ حكمُ نظيرِهِ، وأنَّ العللَ والمعانيَ حقٌّ شرْعًا وقَدَراً.
__________
(1) (ع): “فسمَّى الآية جامعة لهن، عامة شاملة” وهو وجيه.
(2) أخرجه البخاري رقم (5305)، ومسلم رقم (1500) من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه -.
(3) (ع): “ولدين” وكذا ما بعدها.
(4/1539)
فصل
وإذا تأملتَ القرآنَ وتدبّرْتَهُ، وأَعَرتَهُ (1) فكرًا وافياً، اطَّلَعْتَ فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحُجَجِ الصحيحة، وإبطال الشُّبَهِ الفاسدَةِ، وذِكْر النقض والفَرْق، والمعارضة والمنع، على ما يَشفي ويَكفي لمن بصَّره اللهُ. وأنعمَ عليه بفهم كتابِهِ.
* فمن ذلك: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} [البقرة: 11، 12] فهذه مناظرةٌ جرت بين المؤمنين والمنافقينَ، قال لهم المؤمنون: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}، فأجابهم المنافقون بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، فكأن المناظرةَ انقطعت بين الفريقين، ومَنَعَ المنافقونَ ما ادَّعى عليهم أهلُ الإيمان من كونهم مُفْسِدِينَ، وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاحٌ لا فسادٌ، فحكَمَ العزيز الحكيمُ بينَ الفريقينِ، بأن أسْجَلَ على المنافقينَ أربع إسجالات:
أحدها: تكذيبهم.
والثاني: الإخبارُ: بأنهم مفسِدون.
والثالث: حصرُ الفسادِ فيهم بقوله: {هُمُ الْمُفْسِدُونَ}.
والرابع: وصفهم بغايةِ الجهلِ، وهو أنه لا شعورَ لهم ألبتةَ بكونهم مفسِدِينَ:
وتأمَّلْ كيف نفى الشعورَ عنهم في هذا الموضِعِ (2)، ثم نفى عنهم
__________
(1) (ق): “واعتبرته”، وتحرفت في (ظ).
(2) (ق): “هذه المواضع”.
(4/1540)
العلمَ في قولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} فقال: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)} [البقرة: 13]، فنفى علمَهم بسفَهِهم، وشعورَهم بفسادهم، وهذا أبلغُ ما يكون من الذَّمِّ والتَّجهيل: أن يكون الرجل مفسداً ولا شعورَ له بفساده ألبتَّة، مع أن أَثَرَ فساد مشهورٌ في الخارج مَرئيٌّ لعباد الله، وهو لا يشعرُ به، وهذا يدلُّ على استحكامِ الفسادِ في مدارِكِه وطرق علمِهِ.
وكذلك كونه سفيهًا، والسَّفَهُ غاية الجهلِ، (ظ/252 أ) وهو مركَّبٌ من عَدَم العلم بما يُصلحُ معاشَة ومعادَهُ، وإرادته بخلافه، فإذا كان بهذِه المنزلةِ، وهو لا يعلم بحالِهِ كان (ق/362 ب) من أَشْقى النَّوْعِ الإنسانيِّ، فنَفْيُ العلمِ عنه بالسَّفَهِ الذي هو فيه، متضمِّن لإثباتِ جهلِهِ، ونفيُ الشعورِ عنه بالفسادِ الواقع منه، متضمنٌ لفساد آلاتِ إدراكِهِ، فتضمَّنتِ الآيتانِ الإسجالَ عليهم بالجهلِ، وفسادَ آلاتِ الإدراكِ، بحيثُ يعتقدونَ الفسادَ صلاحاً، والشَّرَّ خيرًا.
وكذلك المناظرة الثانيةُ معهم -أيضًا- فإنَّ المؤمنينَ قالوا لهم:
{آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}، فأجابهم المنافقونَ بقولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}. وتقريرُ المناظرة من الجانبينَ: أن المؤمنين دَعَوْهم إلى الإيمانِ الصادرِ من العقلاءِ بالله ورسوله، وأن العاقلَ يتعيَّنُ عليه الدخولُ فيما دخل فيه العقلاءُ الناصحونَ لأنفسِهم، ولا سيَّما إذا قامتْ أدِلَّتُهُ ووضحَتْ شواهدُهُ، فأجابهم المنافقون بما مضمونه: إنَّا إنما يجِبُ علينا موافَقَةُ العقلاءِ، وأما السفهاءُ الذين لا عقلَ لهم يُمَيِّزونَ به بين النّافعِ والضّارِّ؛ فلا يجبُ علينا موافقتُهم، فردَّ اللهُ تعالى عليهم، وحَكم للمؤمنينَ، وأسْجلَ على المنافقينَ بأربعةِ أنواع:
(4/1541)
أحدها: الحكمُ بسَفهِهم (1).
الثاني: حَصْرُ السَّفَه فيهم.
الثالث: نفْيُ العلمِ عنهم.
الرابع: تكذيبهم فيما تضمَّنَهُ جوابُهم من الإخبارِ عن سَفهِ أهل الإيمانِ.
وخامسٌ -أيضًا -وهو: تكذيبهم فيما تضمَّنَه جوابُهم من دعواهم التَّنزيه (2) من السَّفَهِ.
* ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 21، 22] إلى قوله: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة: 24]، فهذا استدلالٌ في غايةِ الظهور ونهايةِ البيان، على جميع مطالب أصولِ الدِّين؛ مِن إثبات الصَّانع، وصفات كمالِهِ؛ من قدرتهِ وعلمِهِ، وإرادته وحياته، وحكمته وأفعاله، وحدوث العالم، وإثبات نوعَيْ توحيدِهِ تعالى؛ توحيد الرُّبوبيَّة المتضمِّن أنه وحدَه الرَّبُّ الخالق الفاطرُ، وتوحيد الإلهية المتضمَنُ أنه وحده الإلهُ المعبودُ المحبوبُ الذي لا تصلحُ العبادةُ والذُّلُّ والخضوعُ والحُبُّ إلا له.
ثم قرَّر تعالى بعد ذلك إثباتَ نبوَّة رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – أبلغَ تقريرٍ
__________
(1) (ظ): “تسفيههم”.
(2) (ق وظ): “التبرئة”.
(4/1542)
وأحسنَهُ وأتَمَّهُ وأبعدَه عن المعارض، فثبتَ بذلك صدقُ رسولهِ في كلِّ ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار، فثبتَ صحَّةُ ذلك ضرورةً، فقرَّرتْ هذه الآياتُ (ق/ 363 أ)، هذه المطالبَ كلَّها على أحسن وجهٍ، فصدرها تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، وهذا خطاب لجميع بني آدَمَ يشتركون كلُّهم في تعلّقِه بهم.
ثم قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فأَمَرَهم بعبادة ربِّهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعيُّ على وجوب عبادَتِهِ؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يُرَبِّينا بنعمه (1) وإحسانه، وهو مالكُ ذواتِنا ورقابِنا وأنفسنا، وكل ذرَّةٍ من العبد فمملوكةٌ له ملكاً خالصًا (2) حقيقياً، وقد ربَّاه بإحسانِهِ إليه وإنعامِهِ عليه، فعبادتُهُ له وشكرُهُ إياه وأجبٌ عليه، ولهذا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، ولم يقل: إلهكم. والرّبُّ هو: السَّيِّدُ (3) والمالكُ والمنعِم والمربي والمصلحُ، والله تعالى هو الربّ بهذه الاعتبارات كلِّها، فلا شيءَ أوجبُ في العقول والفِطَرِ من عبادةِ مَنْ هذا شأنُه وحدَه لا شريكَ له.
ثم قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} فنبَّه بهذا -أيضًا- على وجوب عبادَتِهِ وحدَه، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجودِ، وأنشأَهم واخترعَهم وحدَه بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غيرِ موضِعِ من القرآن: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، فإذا كان هو وحدَه الخالقَ، فكيف لا يكون وحدَه المعبودَ؟! وكيف يجعلونَ معه شريكاً في العبادَةِ! وأنتم مقرُّون بأنه لا شَريكَ له في الخَلْق، وهذه
__________
(1) (ع): “يربُّنا بنعمته”.
(2) (ق): “خاصَّا”.
(3) “والرب هو السيد” سقطت من (ع).
(4/1543)
طريقةُ القرآن يستدل بتوحيد الرُّبوبية على توحيد الإلهيَّةِ.
ثم قال: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}، فنبَّه بذلك على أنه وحدَه الخالق لكم ولآبائِكم ومَنْ تَقَدَّمَكم، وأنه لم يشركْهُ أحدٌ في خَلْقِ من قبلكم ولا في خلقِكم، وخلْقُهُ تعالى لهم متضمِّنٌ لكمال قدرتِه وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزمُ (1) لسائرِ صفاتِ كمالِهِ ونعوتِ جلالِهِ، فتضمَّنَ ذلك إثبات صفاتِهِ وأفعالِهِ، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيهَ له فيها، ولا في أفعالِهِ فلا شرَيكَ له فيها.
ثم ذكر المطلوبَ من خَلْقِهم، وهو: أن يَتقُوه فيطيعونه ولا يعصُونه، ويذكرونه فلا يَنْسَوْنه، ويشكرونه ولا يكفرونه، فهذه حقيقةُ تقواه.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} قيل: إنه تعليلٌ للأمر، وقيل: تعليلٌ للخَلْق، وقيل: المعنى أعبدوه لتتقوه بعبادَتِهِ. وقيل: المعنى خَلَقَكم لِتَتَّقُوه، وهو أظهَرُ لوجوهٍ:
أحدها: أن التقوي هي العبادةُ، والشيءُ لا يكون عِلَّة (2) لنفسهِ.
الثاني: أن نظيرهُ قولُه تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
والثالث: أن الخلْقَ أقربُ في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من الأمر.
(ظ/ 252 ب) ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قولُه:
__________
(1) (ق وظ): “مستلزم”.
(2) (ق): “غاية”.
(4/1544)
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} تعليلًا للأمر بالعبادةِ (1)، ونظيره قوله تعالى: (ق/363 ب) {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183]، فهذا تعليلٌ لِكَتْب الصِّيام، ولا يمتنعُ أن يكونَ تعليلا للأمرينِ معًا، وهذا هو الألْيَق بالآية، والله أعلم.
ثم قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 22]، فذكر تعالى دليلًا آخَر متَضَمِّنا للاستدلالِ بحكمتهِ في مخلوقاتِه.
فالأوَّل: متضمِّنٌ لأصلِ الخَلْق والإيجاد، ويسمى: “دليلَ الاختراعِ والإنشاء”.
والثاني: متضمنٌ (2) للحِكم المشهودة في خلْقِه، ويسمَّى: “دليلَ العنايةِ والحكمةِ”، وهو تعالى كثيرًا ما يكرِّر هذينِ النوعينِ (3) من الاستدلالِ في القرآن.
ونظيرُه قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33)} [إبراهيم: 32 – 33] فذكر خَلْق السموات والأرض، ثم ذكر منافعَ المخلوقات وحِكَمَها.
ونظيره قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ
__________
(1) (ع): “بالأمر للعبادة”.
(2) (ق وع): “يتضمن”.
(3) في الأصول: “هذان النوعان”!.
(4/1545)
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل: 60، 61] إلى آخر الآياتِ، على أنَّ في هذه الآياتِ من الأسرار والحِكمِ ما بحَسْب عقولِ العالمِينَ أن يفهموه ويُدْركوه، ولعلَّه أن يَمُرَّ بك إن شاء الله التنبيهُ على رائحة يسيرةٍ من ذلك.
ونظيرُ ذلك -أيضًا- قولُه تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمَّلَه.
وذكر -سبحانه-: في آية (البقرة) قرارَ العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصولَ منافع العباد وهو: الماءُ الذي أنزله من السَماء، فذكر المسْكنَ والسّاكنَ وما يحتاجُ إليه من مصالحهِ، ونبه -تعالى- بجعله للأرض فراشاً على تمامِ حكمتهِ في أن هيّأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشاً ومهاداً وبِساطاً وقَرَارًا، وجعلَ سقفَها بناءً محكمًا مستوِيًا لا فُطُورَ فيه ولا تفاوُتَ ولا عَيْبَ.
ثم قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، فتأملْ هذه النتيجةَ وشدَّةَ لزومها لتلك المقدماتِ قبلها، وظَفَر العقل بها بأوَّل وهلةٍ وخُلوصها من كل شبهةٍ وريبٍ وقادح، (ق/ 364 أ) وأن كلَّ متكلّم ومستدل ومِحجاج إذا بالغ في تقريرِ ما يقرِّره وأطاله، وأَعْرض القول فيه فغايته -إن صحَّ ما يذكرُه- أن ينتهيَ إلى بعض (1) ما في القرآن
__________
(1) (ق): “فغايته إن صح ما ينتهي أن يذكر بعض … “، و (ظ): “فغايته إن صح أن ينتهي أن بعض … “!.
(4/1546)
فتأمَّلْ ما تحتَ هذه الألفاظِ من البرهان الشَّافِي في التوحيد، أي: إذا كان اللهُ وحدَه هو الذي فَعَلَ هذه الأفعالَ فكيف يجعلونَ له أنداداً!؟ وقد عَلِمتمْ أنَّه لا نِدَّ له يشاركهُ في فعلِهِ.
فلما قرَّرَ نوعَى التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النّبُوَّةِ فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)} [البقرة: 23]، إن حصل لكم رَيبٌ في القرآن وصِدْق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعلٌ؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهُهُ، وهذا خطابٌ لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحالِ أن يأتيَ واحدٌ منهم بكلامِ يفتعلُه ويختلقه من تلقاء نفسِه، ثمَّ يطالب أهل الأرض بأجمعِهم أن يعارضوه في أيسرِ جزءٍ منه، يكون مقدارُهُ ثلاثَ آيات من عِدة ألوف، ثم تعجزُ الخلائِقُ كلّهم عن ذلك، (ظ/253 أ) حتى إنَّ الذين راموا معارَضتهُ كان ما عارضوه من (1) أقوى الأدِلَّةِ على صِدْقِهِ، فإنهم أتَوْا بشيء يَسْتَحيِي العقلاءُ من سَمَاعِهِ، ويحكمونَ بسَماجَتِهِ، وقُبحِ ركاكَتِهِ وخِسَّتِهِ، فهو كمن أظهرَ طِيبًا لم يَشَمَّ أحدٌ مِثْلَ ريحِهِ قطُ، وتحدَّى الخلائقَ ملوكَهم وسوقَتَهم بأن يأتوا بذَرَّة طيب مثله، فاستَحى العقلاءُ وعَرَفوا عَجْزَهم، وجاء الحُمقَان بعَذِرَة منتنة خبيثةٍ، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئتَ به، فهل يزيدُ هذا ما جاء به إلا قوَّة وبرهانًا وعَظَمَة وجلالة؟!.
وأكَّد تعالى هذا التوبيخَ والتقريعَ والتعجيزَ بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)}، كما يقولُ المعجزُ لَمن يدَّعي مقاوَمَتَهُ: اجهد علَيَّ بكل من تقدرُ عليه من أصحابِكَ وَأعوانِكَ
__________
(1) من (ع).
(4/1547)
وأوليائِكَ، ولا تُبْقِ منهم أحدًا حتى تستعين به، فهِذا لا يقدمُ عليه إلا أجهلُ العالمِ وأحمقُهُ وأسخفُهُ عقلًا، إن كان غيرَ واثقٍ بصحَّةِ ما يدَّعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله.:
والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يقرأ هذه الآيةَ وأمثالَها على أصنافِ الخلائقِ أُمَّيهِم وكتابيِّهم وعَرَبِهم وعَجَمِهم ويقول: لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدًا، فيعدلونَ معه إلي الحرب والرضى بقتل الأحباب، فلو قدروا على الإتيان بسُورة واحدةٍ لم يعدِلوا عنها إلى اختيارِ المحارَبَةِ، وإيتامْ الأولادِ، وقتلِ: النفوسِ، والإقرار بالعجز عن معارضته.
وتقرير النّبُوَّةِ بهذه الآية له وجوهٌ متعدِّدَةٌ هذا أحدُها.
وثانيها: إقدامُه – صلى الله عليه وسلم – (ق /364 ب) على هذا الأمر، وإسجاله على الخلائق إسجالا عامًّا إلى يومِ القيامَةِ، أنهم لن يفعلوا ذلك أبداً، فهذا لا يُقْدِمُ عليه ويخْبِر به إلَّا عن عِلم لا يخالجُه شكٌّ (1)، مستندٍ إلى وحي من الله تعالى، وإلَّا فعلمُ البَشَر وقدرتُه يضعفان عن ذلك.
وثالثها: النظرُ إلى نفس ما تحَدَّى به، وما اشتملَ عليه من الأموِرِ التي تعجَزُ قوى البشر عن الإتيان بمثلِهِ، الذي فصاحَتُهُ ونظمُهُ وبلاغتُهُ فَرْدٌ من أفرادِ إعجازِهِ.
وهذا الوجهُ يكون معجزة لمن سمِعه وتأملَهُ وفهِمَهُ، وبالوجهينِ الأوَّلَينِ يكون معجزةً لكلِّ من بلغه خبَرُهُ ولو لم يفهمْه ولم يتأمَّلْه.
فتأمَّل هذا الموضعَ من إعجازِ القرآن تعرف فيه قصور كثيرٍ من المتكلِّمين، وتقصيرَهم في بيان إعجازه (2)، وأنهم لن يُوَفُّوهُ عُشْرَ.
__________
(1) (ق): “عن علم لا شك فيه”.
(2) من قوله: “وهذا الوجه … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1548)
معشارِ حقِّهِ، حتى قَصَرَ بعضهم الإعجاز على صرفِ الدواعي عن معارضتِه مع القُدْرة عليها، وبعضهم قصرَ الإعجازَ على مجرَّد فصاحتِهِ وبلاغتِهِ، وبعضُهم على مخالفةِ أسلوب نظمِه لأساليب نظمِ الكلامِ، وبعضُهم على ما اشتملَ عليه من الإخبارِ بالغيوب، إلىَ غير ذلك من الأقوالِ القاصرةِ التي لا تشفِي ولا تُجْدِي، وإعجازُه فوقَ ذلك ووراءَ ذلك كلِّه.
فإذا ثبتتِ النبُوَّةُ بهذه الحجةِ القاطعةِ، فقد وجبَ على الناس تصديق الرسولِ في خبرِه وطاعةِ أمرِه، وقد أخبر عن الله تعالىَ وأسمائه، وصفاتهِ وأفعالِه، وعن المَعادِ والجَنَّةِ والنَّار، فثبتَ صحَةُ ذلك يقينًا، فقال تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …….. } [البقرة: 24 – 25] الآية، فاشتملتِ الآياتُ على تقرير مهمّاتِ أصولِ الدِّين؛ من إثبات خالق العالم وصفاتِه ووحدانيتِه، ورسالةِ رسوله، والمَعادِ الأكبرِ.
* ومن ذلك قولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا …… } [البقرة: 26] الآية، وهذا (1) جوابُ اعتراض اعترضَ به الكفَّار على القرآن، وقالوا: إن الرَّبَّ أعظمُ من أن يذكرَ الذبابَ والعنكبوتَ ونحوَها من الحيواناتِ الخسيسةِ، فلو كان ما جاء به محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – كلام الله، لم َيذكُرْ فيه الحيواناتُ الخسيسة (2)، فأجابهم -تعالى- بأن قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (ظ/ 253 ب) فَمَا فَوْقَهَا}، فإن ضَربَ الأمثالِ بالبعوضةِ فما فوقَها، إذا
__________
(1) (ق وع): “وهذه”.
(2) من قوله: “فلو كان … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(4/1549)
تضمَّنَ تحقيقَ الحقِّ وإيضاحَه وإبطالَ الباطل وإدحاضه (1) كان من أحسنِ الأشياءِ، والحُسْنُ لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض. فكأن معترضاً اعترض على هذا الجواب أو طلب (ق/ 365 أ)، حكمَةَ ذلك، فأخبر تعالى عما له في ضَرب تلك الأمثالِ من الحكمةِ، وهي: إضلالُ من شاء، وهدايَةُ من شاء. ثم كأنَّ سائلًا سألَ عن حكمةِ الإضلال لمنْ يضلُّهُ بذلك، فأخبر تعالى عن حكمتهِ وعدلِه، وأنه إنما يضلُّ به الفاسقين: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 27] فكانت أعمالهم هذه: (2) القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلَّهم وأعمالهم عن الهدى.
* ومن ذلك قولُه تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة: 28]، وهذا استدلالٌ قاطعٌ على أن الإيمان بالله أمر مستقِرٌّ في الفطَرِ والعقولِ، وأنه لا عذرَ لأحدٍ في الكفرِ به ألبَتَّةَ، فذكر تعالى أربعةَ أمور؛ ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم، والرابع مُنْتَظر موعودٌ به وعدَ الحقِّ.
الأول: كونهم كانوا أمواتاً لا أرواحَ فيهم، بك نُطَفاً وعَلَقاً ومُضْغَةً مَوَاتا لا حياةَ فيها.
الثاني: أنه تعالى أحياهم بعدَ هذه الإماتَةِ.
الثالث: أنه تعالى يُميتهم بعدَ هذه الحياة.
__________
(1) سقطت من (ع وظ).
(2) (ق): “وكانت هذه الأعمال … “.
(4/1550)
الرابع: أنه يُحييهم بعد هذه الإماتَةِ فيرجِعون إليه.
فما بالُ العاقلِ يشهدُ الثلاثةَ الأطوارَ الأُوَلَ (1) ويكذبُ بالرابع؟! وهل الرابعُ إلَّا طوْر من أطوار التَّخليق؟ فالذي أحياكم بعد أن كَنتم أمواتًا، ثم أماتكم بعد أنْ أحياكم، ما الذي يُعْجزهُ عن إحيائِكم بعد ما يُمِيتكم؟! وهل إنكارُكم ذلكَ إلَّا كفرٌ مجرَّدٌ بالله؟ فكيف يقعُ منكم بعدَ ما شاهدتموه؟! ففي ضمنِ هذه الآيةِ الاستدلالُ على وجود الخالق وصفاتِه وأفعالِه على المَعاد.
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} [البقرة: 30 – 33].
فهذه كالمناظرةِ من الملائكةِ والجواب عن سؤالهم؛ كأنهم قالوا: إن استخلفتَ في الأرضِ خليفة كان منهَ الفساد وسفكُ الدماء، وحكمتك تقتضي أن لا تفعلَ ذلك، وإن جعلتَ فيها فتجعل فيها من يسبحُ بحمدِك ويقدَسُ لك، ونحن نفعلُ ذلك. فأجابهم تعالى عن هذا السُّؤالِ: بأن له من الحكمةِ في جَعْل، (ق/ 365 ب) هذا الخليفةِ في الأرض ما لا تعلمُهُ الملائكةُ، وإن وراءَ ما زعمتم من الفَسادِ مصالحَ وحِكَماً لا تعلمونها أنتم، وقد ذكرنا منها قريبًا من أربعينَ حكمةً في
__________
(1) تكررت في (ع).
(4/1551)
كتاب “التحفة المكية”، فاستخرجَ تعالى من هذا الخليفةِ وذرِّيَّته: الأنبياءَ والرُّسُلَ والأولياءَ والمؤمنينَ، وعَمَر بهم الجنةَ، وميَّز الخبيثَ من ذريته من الطَّيِّب، فعَمَرَ بهم النارَ، وكان في ضمن ذلك من الحكمِ والمصالح ما لم تكن الملائكةُ تعلمُه (1).
ثم إنه سبحانه أظهر فضلَ الخليفةِ عليهم بما خصَّه به من العِلمِ الذي لم تعلَمْهُ الملائكةُ، وأمَرَهم بالسجودِ له تكريمًا له وتعظيماً، وإظهارًا لفضلِه، وفي ضمنِ ذلك من الحِكَمِ ما لا يعلمُه إلَّا الله (2).
فمنها: امتحانُهم بالسجودِ (ظ/254 أ) لمن زَعَموا أنه يفسِدُ في الأرض ويسْفِكُ الدِّماء، فأسْجَدَهم له، وأظهر فضلَهُ عليهم، لما أَثنَوا على أنفسِهم وذمُّوا الخليفةَ، كما فَعَلٌ سبحانه ذلك بموسى، لما أخبر عن نفسِهِ أنه أعلمُ أهلِ الأرضِ، فامتحنه بالخَضِر وعَجْزِهِ معه في تلك الوقائع الثلاثِ (3). وهذه سنّتُه تعالى في خليقته وهو الحكيمُ العليمُ.
ومنها: جَبْرهُ لهذا الخليفةِ وابتداؤُه له بالإكرام والإنعام، لما عَلِم مما يحصلُ له من الانكسار والمصيبةِ والمحنةِ فابتدأه بالخير (4) والفضلِ، ثم جاءت المحنةُ والبَلِيَّةُ والذّلُّ، وكانت عاقِبَتَها إلى الخير والفضلِ والإحسان، فكانت المصيبةُ التي لَحِقَتْه محفوفةً. بإنعامَيْن: إنعام قبلَها، وإنعام بعدها، ولذريته المؤمنينَ نصيبٌ مما لأبيهم، فإنّ الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداءً وجعل العاقبةَ لهم، فما أصابَهُم
__________
(1) (ع وظ): “ما لم يكن للملائكة تعلّمه”.
(2) من قوله: “وأمرهم بالسجود … ” إلى هنا سقط من (ق).
(3) المذكورة في سورة الكهف الآيات (60 – 82)، وأخرجها البخاري رقم (74)، ومسلم رقم (2380) من حديث أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنه-.
(4) (ع): “بالجبر”.
(4/1552)
بينَ ذلك من الذُّنوبِ والمصائب، فهي محفوفةٌ بإنعامِ قبلَها وإنعام بعدها (1)، فتبارك اللهُ ربُّ العالمينَ.
ومنها: استخراجهُ -تعالى- ما كان كامِناً في نفسِ عدوِّهِ (2) إبليسَ من الكبْرِ والمعصيةِ، الذي ظَهَر عند أمرهِ بالسجودِ، فاستحقَّ اللعنةَ والطّردَ والإبعادَ، على ما كان كامِناً في نفسِه عند إظهارِه، والله تعالى كان يعلمُه (3) منه، ولم يكنْ ليعاقِبَهُ ويلعَنَهُ على علمِه فيه، بل على وقوع معلومِه، فكان أمرُة بالسجود له مع الملائكةِ مُظْهراً للخبث والكفَرِ الذي كان كامناً فيه، ولم تكن الملائكةُ تعلمُه فأظهرَ لهم -سبحانه- ما كان يعلمُهُ، وكان خافياً عنهم من أمره، فكان في الأمرِ بالسجودِ له تكريماً لخليفَتِهِ الذي أخبرهم بأنه يجعله في الأرضِ، وجَبْرًا له، وتأديباً للملائكةِ، وإظهاراً لما كان مستخفِياً في نفسِ إبليسَ، وكان ذلك كلّه سببًا لتمييزِ الخبيثِ من الطَّيب، وهذا من بعض حِكَمِهِ -تعالى- في إسجادِهم لآدَمَ.
ثم إنه سبحانه لما علَّمَ آدَمَ ما علَّمَهُ، ثم امتحَنَ الملائكةَ بعلمِه فلم يعلموه، فأنبأهمِ به آدَمُ؛ كان في طيِّ ذلك جوابًا لهم عن كون هذا الخليفةِ لا فائدة في جعلِهِ في الأرضِ، فإنه يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدِّماءَ، فأَراهم من فضلِه وعلمِه خلافَ ما كان في ظّنهم.
__________
(1) من قوله: “ولذريته المؤمنين … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ع): “عوره”!.
(3) (ع): “يعلم”.
(4/1553)
فصل
في ذكر مناظرةِ إبليس عدوِّ (ق/366 أ) الله في شأن آدَمَ، وإبائهِ من السجود له، وبيان فسادِها
وقد كرَّر اللهُ تعالى ذكرَها في (1) كتابهِ، وأخبرَ فيها أنَّ امتناعَ إبليسَ من السُّجود كان كِبْرًا منه وكفراً، ومُجَرَّدَ إباء، وإنما ذكر تلك الشبْهَةَ تعنّتاً، وإلا فسببُ معصيتِهِ الاستكبارُ والإباءُ والكفر، وإلاّ فليس في أمرهِ بالسجودِ لآدَمَ ما يناقِصُ الحكمةَ بوجهٍ.
وأما شبهتهُ الدَّاحِضَةُ وهي: أن أصلَهُ وعنصرَهُ النارُ، وأصلَ آدم وعنصرَه التُّرابُ، ورتَّب على ذلك أنه خَيْرٌ من آدَمَ، ثم رتَّبَ على هاتينِ المقدمتينِ أنه لا يحسنُ منه الخضوعُ لمن هو فوقَهُ وخيرٌ منة؛ فهي باطلةٌ من وجوهٍ عديدة:
أحدها (2): أن دعواه كونهُ خيرًا من آدَمَ دعوى كاذِبَةٌ باطلةٌ، واستدلالُه عليها بكونهِ: مخلوقاً من نار وآدَمُ من طين، استدلالٌ باطلٌ، وليست النار خيرًا من: الطِّينِ والترابِ، بل التُّراب خيرٌ من النار، وأفضلُ عنصرًا من وجوه:
أحدها: أن النّارَ: طبعُها الفسادُ وإتلاف ما تعلَّقتْ به، بخلاف التُّرابِ.
__________
(1) (ق): “وقد ذكرها الله تعالى في … “.
(2) لم يذكر المؤلف غير هذا الوجه، فلعله طال عليه الكلام بتعداد الوجوه المندرجة تحت هذا الوجه، فلم يذكر بقيتها، وانظر بعض هذه الوجوه في “الصواعق المرسلة”: (3/ 1002 – 1004).
(4/1554)
الثاني: أن طبعَها الخِفَّةُ والحدَّةُ والطيْشِ، والتُّرابُ طبعُهُ الرَّزَانَةُ والسكونُ والثَّبَاتُ.
الثالث: أن الترابَ يتكوَّنُ فيه ومنه أرزاقُ الحيوان وأقواتُهم، ولباسُ العبادِ وزينتُهم، وآلاتُ معايشِهم ومساكِنِهم، والنارُ لا يتكوَّنُ فيها شيءٌ من ذلك.
الرابع: أن (ظ/ 254 ب) التُّرابَ ضَرُورِيّ للحيوانِ لا يستغني عنه ألبَتةَ، ولا عن ما يتكوَّنُ فيه ومنه (1)، والنّارُ يستغني عنها الحيوان البهيمُ مطلقاً، وقد يستغني عنها الإنسانُ الأيامَ والشهورَ، فلا تدعوه إليها الضَّرُورةُ، فأين انتفاعُ الحيوانِ كلِّه بالتُّرابِ إلى (2) انتفاعِ الإنسانِ بالنّارِ في بعضِ الأحيانِ.
الخامس: أن التُّرَابَ إذا وُضِعَ فيه القوت أخرجَهُ أضعافَ أضعافِ ما وُضِعَ فيه، فمن بَركَتِهِ يُؤَدي إليك ما تستوِدِعُه فيه مضاعَفاً، ولو استودعْتَهُ النارَ لخانَتْكَ وأَكَلَتْهُ، ولم تُبْقِ ولم تَذرْ.
السادس: أنَّ النارَ لا تقومُ بنفسِها، بل هي مفتقرةٌ إلى محلّ تقومُ به يكونُ حاملًا لها، والترابُ لا يفتقرُ إلى حامل فالترابُ أكملُ منها.
السابع: أن النارَ مفتقرةٌ إلى التُّراب، وليس بالتُّراب فقرٌ إليها، فإنَّ المَحَلَّ الذي تقومُ به النارُ لا يكون إلَّا مكوناً (3) منَ التُّراب أو فيه، فهي الفقيرةُ إلى التُرَابِ، وهو الغنيُّ عنها.
__________
(1) (ع): “منه وفيه”.
(2) (ق): “من”.
(3) (ق وظ): “متكوناً”.
(4/1555)
الثامن: أن المادَّة الإبليسيَّةَ هى المارجُ (1) من النار، وهو ضعيفٌ، يتلاعَب به الهوى، فيميلُ معه كيفما مالَ، ولهذا غَلَبَ الهوى على المخلوق منه فأسَرَهُ وقَهرَهُ، ولما كانت المادَّةُ الآدَمِيَّةُ الترابَ، (ق/ 366 ب) وهو قويٌّ لا يذهب مع الهوى أينما ذهبَ، قَهرَ هواه وأسره، ورجع إلى ربِّهِ فاجتباه واصطفاه، فكان الهوى الذي مع المادَةِ الآدَمِيَّةِ عارِضا سريعَ الزَّوال فزالَ، وكان الثبات والرَّزانَةُ أصليًّا له فعادَ إليه، وكان إبليس بالعكس من ذلك، فرجَعَ كلّ من الأبوينِ إلى أصلِهِ وعُنْصرِهِ: آدَمُ، إلى أصلِه الطَّيِّبِ الشريفِ، واللَعِين إلى أصلِهِ الرَّديء.
التاسع: أن النارَ وإن حَصَلَ بها بعض المنفعةِ والمتاع، فالشرّ كامنٌ فيها لا يصدُّها عنّه إلَّا قَسْرُها وحَبْسها، ولولا القاسِرُ والحابسُ لها لأفسدتِ الحرْثَ والنسلَ، والتّرابُ فالخير والبِرُّ والبَرَكَةُ كامنٌ فيه، كلما أُثِيرَ وقُلِبَ ظهرتْ بَرَكَتُهُ وخيرُهُ وثَمَرَتُهُ، فأين أحدهما من الآخر؟!.
العاشر: أن الله تعالى أكْثَرَ ذكر الأرض في كتابِه، وأخبر عن منافعِها وخَلْقِها، وأنه جعلها مِهادًا وفراشاً، وبساطًا وقراراً، وكِفاتاً للأحياءِ والأمواتِ، ودعا عبادَهُ إلى التَّفَكّر فيها والنظر في آياتِها، وعجائِب ما أودعَ فيها، ولم يذكرِ النارَ إلَّا في معرض العقوبةِ والتخويف والعذابَ، إلَّا موضعًا أو موضعينِ ذكرها فيه بأنها تذكرةٌ ومتاع للمُقوِيْنَ، تذكرةٌ بنار الآخرة، ومتاعٌ لبعض أفرادِ الإنسان، وهم المُقْوُونَ النازلونَ بالقَوا (2)، وهي الأرض الخالية إذا نزلها المسافرُ تَمتع بالنار في
__________
(1) (ق): “الخارج”!، والمارج هو: الشُّعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. “اللسان”: (2/ 365).
(2) بالمد والقصر. “اللسان”: (15/ 210 – 211).
(4/1556)
منزله، فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن؟!.
الحادىِ عشر: أن الله تعالى وصفَ الأرضَ بالبركةِ في غيرِ موضع من كتابهِ خصوصًا، وأخبر أنه باركَ فيها عمومًا، فقال: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)} [فصلت: 9، 10] فهذه بركةٌ عامَّةٌ.
وأما البَرَكَةُ الخاصَّةُ ببعضها فكقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)} [الأنبياء: 71]، وقوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} [سبأ: 18]، وقوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81].
وأما النار؛ فلم يخبرْ أنه جعل فيها بَرَكَة أصلًا، بل المشهورُ أنها مُذْهِبَةٌ للبركات (1) ماحقةٌ لها، فأين المبارَك في نفسِه المبارَك فيما وُضِع فيه، إلى مُزِيلِ البركةِ وما حِقِها؟!.
الثاني عشر: أنَّ الله تعالى جعلَ الأرضَ محلّ بيوتهِ التي يُذكَرُ فيها اسمه، ويسبَّحُ لها فيها بالغدوِّ والآصال عمومًا، وبيته الحرام الذي جعلَه قياماً للناسِ مباركاً وهدىً للعالمين خصوصًا، (ظ /255 أ) ولو لم يكنْ في (ق/367 أ) الأرضِ إلَّا بيته الحرامُ لكفاها ذلك شَرَفًا وفضلًا على النار.
الثالث عشر: أنَّ اللهَ تعالى أوْدَعَ في الأرض من المنافع والمعادنِ، والأنّهارِ والعيونِ، والثمراتِ والحبوبِ، والأقواتِ، وأصنافَ الحيواناتِ
__________
(1) (ظ): “للبركة”.
(4/1557)
وأمتعتِها، والجبال والجنان والرياض، والمراكبِ البَهيَّةِ والصُّورِ البهيجة، ما لم يودعْ في النار شيئًا منه، فأيّ روضةٍ وُجِدَت في النّار، أو جَنَّةٍ أو معدِن، أو صورَة أو عيْنٍ فوّارةٍ (1)، أو نهير مطَّرِدٍ أو ثَمَرَة لذيذة، أو زوجة حسنةٍ أو لباسٍ وسترة.
الرابع عشر: أن غايةَ النار أنها وضعتُ خادمةً لما في الأرض (2)، فالنارُ إنما محلُّها محلُّ الخادمِ لهذه الأشياءِ المكمِّلِ لها، فهي تابعةٌ لها خادمةٌ فقط، إذا استغنتْ عنها طَرَدَتْها وأبْعَدَتْها عن قربها، وإذا احتاجتْ إليها استَدعَتها استدعاءَ المخدومِ لخادِمِه ومن يقضي حوائِجَهُ.
الخامس عشر: أن اللَّعينَ لقصورِ نظرِهِ وضعف بصيرتِهِ، رأى صورة الطين ترابًا ممتزجاً بماء فاحتقرَهُ، ولم يعلمْ أن الطِّين مُركَّبٌ من أصلين (3): الماءُ الذي جعل اللهُ منه كلَّ شْيءٍ حيّ، والترابُ الذي جعله خزانَةَ المنافع والنعَمِ، هذا وكم يجيء من الطينِ من المنافعِ وأنواعِ الأمتعةِ، فلو تجاوَز نظرُه صورةَ الطِّين إلى مادَّته ونهايته لَرَأى أنه خيرٌ من النار وأفضل (4).
__________
(1) غير محررة في النسخ.
(2) (ع): “النار”!.
(3) (ع وظ): “أصل”.
(4) ذكر المؤلف في “الصواعق”: (3/ 1004 – 1006)، عدداً من هذه الوجوه هي أحد عشر وجهاً، منها وجوهٌ لم يذكرها هنا، وهذه هي:
1 – أن التراب يُفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها، وإن علت عليه.
2 – أن الرحمةَ تنزلُ على الأرض فتقبلها وتَحيى بها وتخرج زينتها، وأقواتها، وتشكر ربَّها، وتنزل على النار فتأباها وتطفيها وتمحوها وتذهب بها. فبينها وبين الرحمة معاداة، وبين الأرض وبين الرحمة موالاة وإخاء.
3 – أن النار تطفأ عند التكبير، فتضمحل عند ذكر كبرياء الرب، ولهذا =
(4/1558)
وإذا استقريْتَ الوجوهَ التي تدلُّكَ على أن الترابَ أفضلُ من النارِ وخيرٌ منها وجدتَها كثيرةً جدًا، وإنما أشرنا إليها إشارةً، ثم لو سُلّم بطريقِ الفَرْض الباطل أن النارَ خيرٌ من الطين، لم يلزم من ذلك أن يكونَ المخلوقُ منها خيرًا من المخلوق من الطين، فإنَّ القادرَ على كلِّ شيء يخلُقُ من المادَّةِ المفضولَة مَنْ هو خيرٌ ممن خَلَقَهُ من المادَّة الفاضلة، والاعتبار بكمالِ النهايةِ لا بنقْصِ المادَّةِ، فاللعين لم يتجاوزْ نظرهُ محلَّ المادة، ولم يعبُر منها إلىَ كمالِ الصُّورةِ ونهايةِ الخِلْقَةِ، فأين الماء المَهينُ الذي هو نطفة، ونقصُه (1) واستقذارُ النفوس له إلى كمالِ الصّورةِ الإنسانيةِ التامَّةِ المحاسنِ خَلْقًا وخُلُقاً.
وقد خلق اللهُ -تعالى- الملائكةَ من نورٍ وآدَمَ من تراب، ومن ذريةِ آدمَ من هو خيرٌ من الملائكة، وإن كان النورُ أفضلَ من التُّراب.
فهذا وأمثالُه مما (2) يدلُّك على ضعفِ مناظرةِ اللَّعينِ وفسادِ نظره وإدراكِهِ، وأن الحكمةَ كانت توجبُ عليه خضوعَه لآدَمَ فعارضَ حكمةَ الله وأمْرهُ برأيِهِ الباطلِ ونظرِه الفاسِدِ، فقياسهُ باطلٌ نصًا وعقلاً، وكلُ من عارَضَ نصوصَ الأنبياءِ بقياسِهِ ورأيِهِ، فهو من خلفائِهِ وأتباعِهِ، فنعوذُ بالله من الخِذْلان، ونسألُهُ التوفيقَ والعصمةَ (ق/ 367 ب) من هذا البلاء الذي ما رُمِيَ العبدُ بشرِّ منه، ولأن يَلْقَى اللهَ بذنوبِ الخلائقِ كلَّها ما خلا الإشراكَ به أسلمُ له من أن يلقى الله (3) وقد عارَضَ
__________
= يهرب المخلوق منها عند الأذان، حتى لا يسمعه، والأرض تبتهج بذلك وتفرح به، وتشهد به لصاحبه يوم القيامة.
(1) (ظ) والمطبوعات: “ومُضغة”.
(2) من (ق).
(3) (ق وظ): “يلقاه”.
(4/1559)
نصوصَ أنبيائِهِ برأيه ورأيِ بني جنسِه.
وهلْ طرَدَ اللهُ إبليسَ ولعنه، وأحلَّ عليه سخطَه وغضبَه إلَّا حيث عارضَ النصَّ بالرأي والقياسِ ثم قدَّمه عليه؟! واللهُ يعلمُ أن شبْهةَ عدوِّ الله مع كونها داحضة باطلةً أقوى من كثيرٍ من شُبَهِ المعارضين لنصوص الأنبياءِ بآرائهم وعقولهم.
فالعالمُ يتدَبّر سِرَّ تكرير الله لهذه القصّةِ مَرَةً بعد مرَّة، وليحذرْ أن يكون له نصيبٌ من هذا الرأي والقياسِ وهو لا يشعرُ، فقد أقسمَ عدوُّ اللهِ أنه لَيُغوِيَنَّ بني آدمَ أجمعَينَ إلَّا المخلَصِين منهم، وصدَّق تعالى ظَنَّهُ عليهم، وأخبرَ أن المخْلَصِينَ لا سبيلَ له عليهم، والمخلَصُونَ هم الذين أخلصوا العبادةَ والمَحَبَّةَ والإجلالَ والطاعةَ لله، والمتابعة والانقياد لنصُوص الأنبياءِ، فيجرِّدُ عادةَ الله عن عبادة ما سواه، ويجرَدُ متابعةَ رسولهِ (ظ/255 ب) وترك ما خالفه لقولِهِ دونَ متابعةِ غيره، فليزن العاقلُ (1) نفسَهُ بهذا الميزان قبل أن يوزنَ يومَ القدومِ (2) على الله، واللهُ المستعان، وعليه التكْلان، ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله تعالى.
فصل
* ومن ذلك (3) قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]، فهذا مطالبة لهم بتصحيح دعواهم، وترديدٌ لهذه المطالبة بين أمرين، لا بدَّ من واحدٍ منهما، وقد تعيَّن بطلانُ أحدِهما، فلزم ثبوتُ الآخرِ.
__________
(1) (ق): “فالعاقل يزن”.
(2) (ع وق): “القيامة”.
(3) الإشارة إلى ما بدأه (4/ 1540).
(4/1560)
فإن قولَهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} خبرٌ عن غَيْب لا يُعلَمُ إلَّا بالوحي، فإما أن يكونَ قولًا على الله بلا علمٍ فيكون كاذبًا، وإما أن يكون مستنداً إلى وحي من الله وعهدٍ عَهِدَهُ إلى المخبر، وهذا منتفٍ قطعًا، فتعيَّنَ أن يكونَ خبراً كاذباً قائلُه كاذبٌ على الله تعالى.
فصل
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ …… } [البقرة: 84، 85].
فهذه حجةٌ من الله احتجَّ بها على أهل الكتاب، فإنه كان قد أخذ عليهم الميثاق أن لا يقتل بعضُهم بعضاً، ولا يجلِيه عن دياره، وأن يفدي (ق/368 أ) بعضُهم بعضاً من الأسْر، فهذه ثلاثُ عهودٍ خالفوا منها عهدينِ، وأخذوا بالثالثِ، فَقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وأخرجه من ديارِه، ثم فادوا أَسْرَاهم؛ لأنَّ الله أمرهم بذلك، فإن كنتم قد فادَيتم الأُسارى لأنَّ الله أمركم بفدائِهم، فلِمَ قتلتم بَعْضَكم بعضاً، وأخرجتموهم من ديارِهم، والله قد نهاكم عن ذلك؟! والأخْذُ ببعض الكتاب يوجبُ عليكم الأخذَ بجميعِه، فكيف تكفرون ببعضِ الكتاب وتؤمنونَ ببعض؟ {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}.
فصل
* ومن ذلك قولُه تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ
(4/1561)
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} [البقرة: 87] فهذا هو الذي: تسمَّيه النُّظّارُ والفقهاءُ: “التَّشَهِّي والتَّحَكُم”، فيقول أحدُهم لصاحبه: لا حُجَّةَ لكْ على ما ادَّعَيْتَ سوى التّشَهِّي والتَّحَكُم الباطل، فإن جاءَك ما لا تشتهيه دفعتَه ورددتَه. وإن كان القولُ موافقًا لما تهواهُ وتشتهيهِ إما من تقليدِ من تعظمُهُ أو موافقةِ ما تريدُهُ قَبلْتَهُ واخترته (1) فتردُّ ما خالفَ هواك وتقبَل ما وافقَ هواك.
وهذا الاحتجاجُ والذي قبله مفحِمانِ للخصم، لا جوابَ له عنهما (2) ألبتَّةَ، فإن الأخذ ببعض الكتاب يوجبُ الأخذ بجميعه، والتزام بعضِ شرائعه يوجبُ التزامَ جميعِها، ولا يجوز أن تكون الشرائعُ تابعةً للشهَوات، إذ لو كان الشرْعُ تابعاً للهوى والشَّهْوة لكان في الطباع ما يُغني عنه، وكانت شهوةُ كلِّ أحد وهواه شرعاً له: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].
فصل
* ومن ذلك قولُه تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} [البقرة: 89].
فهذه حجَّةٌ أخرى على اليهودِ في تكذيبِهم بمحمد – صلى الله عليه وسلم -، فإنهم كانوا يحاربون (ظ/256 أ) جيرانَهم من العرب في الجاهليَّة، ويستنصِرُون عليهم بالنبي – صلى الله عليه وسلم – قبلَ ظهورِه، فيُفْتَحُ لهم ويُنصَرُونَ، فلما ظهر النبي – صلى الله عليه وسلم – كفروا به، وجحدوا نبوَّتهُ، فاستفتاحُهم به وجَحْدُ نبوته مما لا
__________
(1) (ظ) والمطبوعات: “وأجزته”.
(2) (ق): “لهما عنه”، (ظ): “له عليهما”.
(4/1562)
يجتمعانِ، فإن كان استفتاحهم به؛ لأنه نبيٌّ كان جَحْدُ نُبوَّتهِ محالًا، وإن كان جَحْدُ نبوتهِ -كما يزعمون- حقاً كان استفتاحُهم به باطلاً، فإن كان استفتاحُهم به حقًا فنبوَّته حق، وإن كان نبوته -كما يقولون- باطلاً (ق/368 ب) فاستفتاحكم به باطلٌ، وهذا مما لا جوابَ لأعدائِهِ عنه ألبَتَّة، ويمكنُ تقريرها على صُوَرٍ عديدة:
منها: أن يقالَ: قد أقررتم بنبوَّتهِ قبل ظهورِه باستفتاحِكم به، فتعيَّنَ عليكم الإقرارُ بها بعد ظهورِه.
الثانية: إن يقالَ: كنتم تستفتحون به، وذلك إقرارٌ منكم بنبوَّته قبل ظهورِه، استنادًا إلى ما عندكم من العِلْم بظهوره، فلما شاهدْتُموه وصارَ المعلوم معايَناً بالرُّؤية، فالتصديقُ به حينئذ يكون أَوْلى، فكفرتم به عند كمالِ المعرفة، وآمنتم به حين كانت غَيْبًا لم تكمل، فآمنتم به على تقدير وجودِه، وكفرتم به عند تحققِ وجودِه، فأيُّ تناقُض وعنادٍ أبلغُ من هذا؟!.
الثالثة: أن يُقال: إيمانكم به لازمٌ لاستفتاحِكم به، ووجود الملزومِ بدونِ لازمِه محالٌ.
الرابعة: أن يُقالَ: استفتاحكم به (1) هل كان عن دليل أو لا عن دليل؟ فلا بدَّ أن يقولوا: كان عن دليل، وحينئذٍ فيجب طَرْدُ الدليل، والقولُ بموجبِه حيث وجِد، فأما أن يقال بموجبه في موضِع، ويُجْحدُ موجبه في موضعٍ أقوى منه، فمن أبطلِ الباطل!!.
الخامسة: أن يُقالَ: إن كان الاستفتاحُ به تصديقاً للنبيِّ الذي
__________
(1) من قوله: “ووجود الملزوم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1563)
أخبر بظهوره، وقامت البراهينُ على صدقِه؛ فالإيمان به متعيِّن تصديقًا للنبيّ الأول أيضًا، وإن كان ترك الإيمان به قبل ظهورِهِ تكذيباً للنبيِّ الأول، فتركُ الإيمان به بعد ظهورِهِ أشدُّ تكذيباً، فأنتم في كفرِكم به مكذبون للنبيِّ الأوّلِ والثاني، وهذا من أحسنِ الوجوه.
السادسة: أن يُقال: إن كان الاستفتاحُ به حقًا لما ظهر على يد النبي المبشَّرِ به من المعجزات، فالإيمان به عند ظهورِه يكون أقوى؛ لانضمامِ المعجزاتِ التي ظهرت على يدِه، وهي تستلزم لصدقِه إلى المعجزات التي ظهرت على يد النبيِّ المُبَشِّر به، فقويت أدلَّة الصدق وتضافرَتْ براهينه.
السابعة: أن يقالَ: أحد الأمرين لازمٌ ولا بُدّْ؛ إما خطأكم في استفتاحِكم به، وإما في كفرِكم وتكذيبكم به، فإنهما لا يمكنُ اجتماعُهما، فأيُّهما كان خطأ كان الآخرُ صَوابًا، لكن استفتاحكم به مستندٌ إلى الإيمان بالنبيِّ الأوَّلِ، فهو مستند إلى حقِّ، فتعينَ أن يكون كفرُهم به هو الباطل، ولا يمكنُ أن يقالَ: إن التكذيبَ به هو الحقُّ والاستفتاحُ به كان باطلاً، لأنه يستلزمُ تكذيبَ من أقررتم بصدقه ولا بدَّ.
الثامنة: أن يقالَ: التصديقُ به قبلَ ظهوره من لوازمِ التصديقِ بالنبيِّ الأوَّل، والتكذيب به حينئذ كفر، فالتصديقُ به بعدَ ظهوره كذلك، (ق/369 أ)، وإن كان التكذيبُ به قبلَ ظهوره مستلزمًا للكفر بالنبيِّ الأول، فهو بعدَ ظهورِه أشد استلزاماً، فلا يجتمعُ التكذيبُ به والإيمان بالنبيِّ الأوّل أبدًا لا قبل ظهورِه ولا بعدَه؛ أما قيلَ ظهوره فباعترافِكم، وأما بعدَ ظهورِه فلأَن دلالةَ صدقِهِ حينئذ أظهر وأقوى كما تقدَّم بيانهُ.
(4/1564)
التاسعة: أن يقالَ: الاستفتاح به تصديقٌ وإقرار بنبُوَّتهِ، وتكذيبُهُ (ظ/ 256 ب) جَحدٌ وكفرٌ بها، والإيمان والتصديق برسالة الرجل الواحد، والتكذيب والجحد بها مستلزم للكفر ولا بُدَّ، فإنَّه يستلزم أحدَ الأمرين: إما التصديقُ بنبوَّةِ من ليس بنبي، وإما جَحْدُ نبوَّة من هو نبيٌّ، وأيَّهما كان فهو كفرٌ، وقد أقررتم على أنفسكم بالكفر ولا بد، {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)}.
العاشرة: تقريرُ الاستدلال بطريقة استسلافِ المقدمات والمؤاخذةِ بالاعتراف؛ فيقال لهم: ألستم كنتم تستفتحون به؟ فيقولون: بلى، فيقال: أليس الاستفتاح به إيمانٌ به؟ فلا بُدَّ من الاعترافِ بذلك، فيقال: أفليسَ ظهور من كنتمْ تؤمنونَ به قبل وجودِه موجباً عليكم الإيمان به؟ فلا بدَّ من الاعتراف (1) أو العِنادِ الصَّريح.
وليس لأعداءِ الله على هذه الوجوه اعتراض ألبتةَ، سوى أن قالوا: هذا كلُّهُ حقٌّ؛ ولكن ليس هذا الموجودُ بالذي كنا نستفتِحُ به، وهذا من أعظمِ البَهْتِ والعِنادِ، فإن الصِّفاتِ والعلاماتِ التي فيه طابقَتْ ما كانَ عندَهم مطابقةَ المعلوم لعلمهِ، فإنكار أن يكونَ هو، إنما يكونُ جَحْدًا للحقِّ وإنكاراً له باللِّسان، والقلبُ يعرفُ، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89].
فأغنى عن هذه الوجوهِ والتقريراتِ كلّها قولُه تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]، والمادة الحقُّ يمكنُ إبرازُها في الصُّوَر المتَعَدَّدَةِ، وفي أيّ قالبٍ
__________
(1) من قوله: “بذلك، فيقال … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1565)
أفرغَتْ وصُورة أُبْرِزتْ ظهرتْ صحيحة، وهذا شأن موادِّ براهينِ القرآن في أي صُورةٍ أبرزتَها ظهرتْ في غايةِ الصِّحَّةِ والبيان، فالحمدُ لله المانِّ بالهُدى على عبادِهِ المؤمنينَ.
فصل
وتأمَّلْ قولَه تعالى في هذه الآية: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 101]، كيف تجد تحتَهُ برهاناً عظيمًا على صِدْقِهِ، وهو مجيءُ الرسولِ (ق/369 ب) الثاني بما يطابق ما جاء به الرَّسولُ الأوَّلُ، ويُصَدِّقُهُ مع تباعِدِ زمانِهما، وشهادَة أعدائِه، وإقرارِهم له بأنه لم يَتلَقَّهُ من بَشَرٍ، ولهذا كانوا يمتحنونهُ بَأشياءَ يعلمون أنه لا يُخبِرُ بها إلَّا نَبِيٌّ أو من أَخَذ عنه، وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحدٍ ألبتةَ، ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيلَ إلى الطعنِ عليه، ولعارضوه بمثل ما جاء به؛ إذ من الممكنِ أن لو كان ما جاء به مأخوذاً. عن بَشَر أن يأخذوا هم عن مَلَك (1) أو عن نظيرهِ فيعارضوا ما جاء به.
والمقصودُ أن مطابقةَ ما جاء به لِما أخبَرَ به الرَّسُولُ الأوَّلُ، من غير مواطَأة ولا تَشاعُرٍ ولا تَلَق منه، ولا ممن أخذ عنه، دليلٌ قاطعٌ على صدقِ الرَّسُولَيْنِ معًا.
ونظيرُ هذا: أن يشهدَ رجل بشهادةٍ، فيخبر فيها بما يقطعُ به أنه صادقٌ في شهادتِهِ صدقاً لا يتطرَّقُ إليه شُبْهَةٌ، فيجيءُ آخرُ من بلادٍ أخرى لم يجتمعْ بالأوَّل، ولم يَتَواطَأ معه، فيخبِرُ بنظيرِ تلك الشهادةِ سواءً، مع القَطْعِ بأنه لم يجتمعْ به، ولا تَلَقّاها عن أحدٍ اجتمعَ به، فهذا يكفي في صدقةٍ إذا تجرَّد الإخبار، فكيف إذا اقترنَ بأدِلَّة يقطعُ
__________
(1) (ق وظ): “ذلك”.
(4/1566)
بها بأنه صادقٌ أعظمَ من الأدِلَّةِ التي اقترنتْ بخبر الأوَّلِ!؟ فيكفي في العلم بصدقِ الثاني مطابقةُ خبرِه لخبر الأوَّلِ، فكيف إذا بَشَّرَ به الأولُ؟! فكيف إذا اقترن بالثاني من البراهين الدّالَّةِ على صدقِهِ نظيرُ ما اقترنَ بالأولِ وأقوى منها؟!.
فصل
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} [البقرة: 91].
هذه حكايةُ مناظرةِ بينَ الرَّسول – صلى الله عليه وسلم – وبينَ اليهود لمّا قال لهم: {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، فأجابوه بأن قالوا: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، ومرادهُم بهذا التخصيص: أن نؤمنَ بالمُنْزَل علينا دونَ غيرِه، فظهرت عليهم الحُجَّةُ بقولهم هذا من وجهين؛ دَلَّ عليهما قولُه تعالى: …… } إلى آخر الآية.
قال: إن كنتم قد آمنتم بما أُنْزِلَ عليكم (1) لأنه حقٌّ، فقد وجَبَ عليكمْ أن تُؤمنوا (ظ/ 257 أ) بما جاء به محمد لأنه حقٌّ مصدَّق لما معكم، وحُكْم الحقِّ الإيمان به أينَ كان، ومَعَ من كان، فلزمكم الإيمانُ بالحقَّيْنِ جميعًا أو الكفرُ الصُّراحُ.
وفي قوله: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ} نكتةٌ بديعةٌ جدًا، وهي: أنهم لما كفروا به (ق/370 أ) وهو حقّ، لم يكن إيمانهم بما أنزل عليهم، لأجل أنه حقّ، فإذا لم يَتَّبِعوا الحق فيما أنزل عليهم،
__________
(1) من قوله: “قوله تعالى … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1567)
ولا فيما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم -، لأنهم لو آمنوا بالمُنْزلِ عليهم لأجل (1) أنه حقٌّ لآمنوا بالحقِّ الثاني، وأَعْطوا الحقَّ حقَّه من الإيمان، ففي ضِمن هذه الشهادةِ عليهم بأنهمِ لم يؤمنوا بالحقِّ الأوَّلِ ولا بالثاني، وهكذا (2) الحكم في كلِّ من فَرَّقَ الحق فآمَنَ ببعضِهِ وكَفَرَ ببعضهِ، كمن آمَنَ ببعض الكتاب وكَفَرَ ببعض، وكمن آمن ببعض الأنبياءِ وكفر ببعض، لم ينفعه إيمانهَ بما آمن به (3) حتى يؤمنَ بالجميع.
ونظيرُ هذا التفريقِ تفريق من يردُّ آيات الصّفاتِ وأخبارها، ويقبلُ آياتِ الأوامرِ والنَّواهي، فإن ذلك لا ينفعُه لأنه آمَنَ ببعض الرِّسالة وكفر ببعض، فإن كانت الشّبْهَةُ التي عَرَضَتْ لمن كفر ببعض الأنبياءِ غيرَ نافعةٍ له، فالشبهةُ التي عرضت لمن ردَّ بعض ما جاء به النبيُّ أولى أن لا تكود نافعة، وإن كانت هذه عذراً له، فشبهةُ من كَذَّبَ بعضَ الأنبياء مثلُها، فكما أنه لا يكون مؤمنًا حتى يؤمنَ بجميع الأنبياء، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم، فكذلكَ لا يكون مؤمناً حتى يؤمنَ بجميِع ما جاء به الرَّسولُ، فإذا آمن ببعضهِ وردَّ بعضَه، فهو كمن كفر به كُلّه.
فتأمَّلْ هذا الموضِعَ واعتبِر به الناس على اختلافِ طوائِفهم، يتبين لك أن أكثرَ من يَدَّعِي الإيمان برئٌ من الإيمان، ولا حَوْل ولا قوَةَ إلَّا بالله.
الوجه الثاني: من النقض قولهُ: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ
__________
(1) ليست في (ع).
(2) (ق وظ): “وهذا”.
(3) (ع وظ): “كفر به”.
(4/1568)
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)}، ووجهُ النقض: أنكم إن زعَمْتُم أنكم تؤمنون بما أنْزلَ إليكم وبالأنبياء الذين بُعثوا فيكم، فَلمَ قتلتموهم من قبلُ؟ وفيما أُنزل إليكم (1) الإيمان بهم وتصديقُهمِ، فلا آمنتم بما أُنْزلَ إليِكم ولا بما أُنْزلَ على محمد – صلى الله عليه وسلم -. ثم كأنه تَوقَعَ منهم الجوابَ: بأنّا لم نقتل من ثَبَتتْ نبوَّتُهُ، ولم نكذِّب به، فأُجيبوا -على تقدير هذا الجوابِ الباطلِ منهم -بأن موسى قد جاءَكُمْ بالبيِّناتِ، وما لا رَيْبَ معه في صحَّة نبوَّتِهِ، ثم عبدتم العجلَ بعد غيبته عنكم وأشركتم باللهِ وكفرتم به، وقد علمتم نبوَّةَ موسى وقيامَ البراهين على صدقِهِ، فقال: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)} [البقرة: 92]، فهكذا تكون الحججُ والبراهينُ ومناظراتُ الأنبياء لخصومهم.
* (ق/ 370 ب) ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)} [البقرة: 94]، كانوا يقولونَ: نحن أحبَّاءُ اللهِ ولنا الدَّارُ الآخرَةُ خالصةً من دونِ النَّاسِ، وإنما يُعَذَّبُ منا من عَبَدَ العجلَ مُدَّة، ثمَّ يخرُجُ من النَّارِ، وذلك مُدَّةُ عبادتهم له، فأجابهم تبارك وتعالى عن قولهم: إن النار لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً بالمطالبة، وتقسيمِ الأمر بينَ أن يكون لهم عند الله عهدٌ عَهِدَهُ إليهم، وبيْنَ أن يكونوا قد قالوه عليه بما (2) لا يعلمونَ، ولا سبيلَ لهم إلى ادِّعاء العهد، فتعيَّنَ الثاني، وقد تقدَّم.
ثم أجابهم عن دعواهم خلوصَ الآخِرَةِ لهم بقوله: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)}؛ لأن الحبيبَ لا يَكْرَهُ لقاءَ حبيبِه،
__________
(1) من قوله: “وبالأنبياء الذين … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) (ع): “ما”.
(4/1569)
والابنُ لا يكرهُ لقاءَ أبيه، لاسيَّما إذا عَلِمَ أن كرامَتَه ومثوبته مختصَّة به، بل أحبُّ شيء إليه لقاءُ حبيبه وأبيه، فحيثُ (ظ/ 257 ب) لم يحبَّ ذلك ولم يَتمنَّهُ، فهو كاذبٌ في قوله، مبطِلٌ في دعواه.
ونظير هذا قوله في سورة (المائدة) ردًّا عليهم قولَهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] يعني. أنَّ الأب لا يُعَذِّبُ ابنَهُ، والحبيبُ لا يُعَذِّبُ حبيبَهُ.
وها هنا نكتةٌ لطيفةٌ جدًّا قلّ من يَنْتَبِهُ لها، ونحنْ نُقَرَّرها بسؤالٍ وجوابٍ.
فإن قيل: معلومٌ أن الأبَ قد يؤَدبُ وَلَدَهُ إذا أذنبَ، والحبيبُ قدِ يهجُرُ حبيبَه إذا رأى منه بعض ما يكرهُ.
قيل: لو تأمَّلْتَ أيُّها السائلَ قوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} لعلمتَ الفرقَ بين هذا التعذيبِ وبين الهجران والتأديب، فإنَّ التعذيبَ بالذنب ثمرةُ الغَضَب المنافي للمحبَّةِ، فلو كانت المَحبةُ قائمة كما زعموا لم يكنْ هناكَ ذنوبٌ يستوجبون عليها العذابَ، من المسخِ قردة وخنازيرَ، وتسلُّط أعدائهم عليهم يستبيحونهم ويستعبدونهم، ويُخرَبوِن مُتعَبَّدَاتِهم ويسبونَ ذرارِيهم، فالمحبُّ لا يفعلُ هذا بحبيبِه ولا الأبُ بابِنهِ.
ومعلومٌ أنَّ الرحمن الرحيم لا يفعلُ هذا بأمَّةٍ إلا بعد فَرْط إجرامِها وعُتُوِّها على الله، واستكبارِها عن طاعتِهِ وعبادتِه، وذلك يُنافي كونهم أحبابَهُ، فلو أحبُّوه لما ارتكبوا من غضبهِ وسَخَطِهِ ما أوجبَ لهم ذلك، ولو أحبَّهم لأدَّبهم ولم يُعذِّبْهم، فالتأَديبُ شيءٌ والتَّعذيبُ (ق/ 371 أ) شيء، والتأديبُ يُرادُ به التهذيبُ والرحمةُ والإصلاحُ، والتعذيبُ
(4/1570)
للعقوبةِ والجزاءِ على القبائحِ، فهذا لونٌ وهذا لونٌ.
وفي ضمن هذه المناظرة معجزةٌ باهرةٌ للنبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وهي أنه في مقامِ المُناظرةِ مع الخصوم الذين هم أحرصُ النّاسِ على عداوتهِ وتكذيْبهِ، وهو يخبرُهم خبرًا جَزْمًا أنهم لن يَتَمَنَّوُا الموتَ أبداً، ولو علموا من نفوسِهم أنهم يَتَمَنَّوْنَهُ لوجدوا طريقاً إلى الرَّدِّ عليه، بل ذلُّوا وغُلِبوا وعَلموا صحَّةَ قوله، وإنما منعهم من تمَني الموتَ معرفتُهم بما لهم عند الله من الخِزْي والعذاب الأليمِ، بكفرهِم بالأنبياءِ، وقتلِهم لهم وعَدَاوَتِهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيلَ: فهلا أظَهروا التمَنِّي وإن كانوا كاذبينَ فقالوا: فنحن نَتَمَنَّاه؟.
قيل: وهذا أيضًا معجزةٌ أخرى، وهي: أن الله حَبَسَ عن تَمَنِّيهِ قلوبَهم وألسِنتهم، فلم تُرِدهُ قلوبهم ولم تنطِقْ به ألسنتهم تصديقاً لقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا}.
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)} [البقرة: 111]، هذه دعوى من كلِّ واحدة من الطائفتين، أنه لن يدخلَ الجنَّةَ إلَّا من كان منها، فقالت اليهودُ: لا يدخلُها إلَّا من كان هودًا (1)، وقالت النَّصارى: لا يدخلُها إلَّا من كان نصرانيًا، فاختصر الكلام أبلغَ اختصارٍ وأوجزَه، مع أَمْن اللَّبْس ووضوح المعنى، فطالَبَهُمُ اللهُ تعالى بالبرهانِ على صحةِ هذه الدَّعوى، فقال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)}، وهذا هو المُسَمَّى: “سؤالَ المطالبةِ
__________
(1) (ق): “يهودياً”.
(4/1571)
بالدَّليلِ”، فمن ادَّعى دعوى بلا دليل يُقالُ له: هاتِ برهانَكَ إن كنتَ صادقاً فيما ادَّعَيْتَ، ويحتجُّ بهذه الَآيةِ من يقولُ: يلزم النّافي الدَّليل كما يلزمُ المُثبِت، وحَكَوْا في ذلك ثلاثَ مذاهب.
ثالثها: يلزمُهُ في الشرعيات دون العقليات، واستدلالُهم بالآية (ظ/258 أ) لا يصِحُّ؛ لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليلِ النَّفْيِ المجرَد، بل ادعوا دعوى مضمونُها إثبات دخولهم الجنَّةَ، وأن غيرَهم لم يدخُلْها (1)، فطولبوا بالدليل الدّالِّ على هذه الدعوى المركَّبة من النفْي والإثباتِ، وصاحبُ هذه الدعوى يلزمُهُ الدليل باتَفاق الناس، وإنما الخلافُ في النفي المُجَرَّدِ.
ولو استَدلَّ هؤلاء بقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]؛ لكان أقربَ، مع كونهِ متضمِّنا للنفي والإثبات، لكن الدعوى فيه إنما توجَّهَتْ إلى (ق/ 371 ب) النفي ومقصودُ الكلام: إنا لا نعَذَّبُ بعد تلك الأيام، فلم يُنْكِرْ عليهم اعترافَهم بالتَّعذيب تلك الأيام، بل دعواهم أنهم لا يعَذَّبون بعدَها، وذلك نفْيٌ محضٌ، فلذلك قلنا: إن الاستدلال بها أقربُ من هذه الآية.
وبعد؛ فالتحقيقُ -في مسألة النافي هل عليه دليلٌ-: أن النفيَ نوعان:
نوع: مستلزمٌ لإثباتِ ضدِّ المنفي، فهذا يَلْزَمُ النافيَ فيه الدليل، كمن نفى الإباحةَ، فإنه يطالَبُ بالدليل قطعاً؛ لأن نفيَها يستلزمُ ثبوتَ ضدّ من أضدادِها، ولا بد له من دليل، وكذلك نفي التعذيب بالنّار بعد الأيامِ المعدودة، يستلزمُ دخولَ الجنةِ والفوز بالنعيمِ، ولا بُد له من دليل.
__________
(1) (ق): “يدخلوها”.
(4/1572)
النوع الثاني: نفيٌ لا يستلزم ثبوتاً، كنفي صحَّةِ عقدٍ من العقود، أو شرطٍ أو عبادة في الشرعيَّاتِ، ونفي إمكان شيء ما من (1) الأشياء في العقليّاتِ، فالنافي إن نَفَى العلمَ به لم يلزمه دليلٌ، وإن نفى المعلومَ نفسَهُ وادَّعى أنه منتفٍ في نفس الأمر فلا بدَّ له من دليل.
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} [البقرة: 116، 117]، فردَّ عليهم سبحانه دعواهم له اتخاذَ الولد، ونزَهَ نفسَه عنه، ثم ذكر أربعَ حُجَجٍ على استحالَةِ اتخاذِهِ الولَدَ.
أحدها: كونُ ما في السموات والأرض مُلْكاً له، وهذا ينافي أن يكونَ فيهما ولدٌ له؛ لأنَّ الولدَ بعضُ الوالد وشريكُه، فلا يكونُ مخلوقاً له مملوكاً له؛ لأنَّ المخلوقَ مملوكٌ مربوبٌ، عبدٌ من العبيد، والابن نظيرُ الأب، فكيف يكونُ عبدُه تعالى ومخلوقه ومملوكُه بعضَه ونظيرَهُ؟! فهذا منَ أبطلِ الباطل.
وأكَّد مضمونَ هذه الحُجَّةِ بقوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)}، فهذا تقريرٌ لعبودِيَّتِهم له، وأنهم مملوكونَ مربوبونَ، ليس فيهم شريكٌ ولا نظيرٌ ولا ولدٌ، فإثباتُ الولدِ لله من أعظم الإشراكِ به، فإن المشرِكَ به جعل له شريكاً من مخلوقاتِه مع اعترافِه بأنه مملوكه، كما كان المشركونَ يقولون في تلبيتِهم: “لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبيكْ، لبَّيْكَ لا شريكَ لك، إلَّا شَرِيكٌ هو لك، تملكهُ وما مَلَكَ”، فكانوا يجعلونَ من أشركوا به مملوكاً له عبدًا مخلوقًا، والنَّصارى جعلوا له شريكًا هو نظيرٌ وجزءٌ
__________
(1) (ق وظ): “شيء من”.
(4/1573)
من أجزائِهِ، كما جعل بعض المشركينَ الملائكةَ بنات الله، فقال تعالى: (ق/ 372 أ) {وَجَعَلُوا لَهُ (1) مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)} [الزخرف: 15]، فإذا كان الله ما في السَّمواتِ والأرض عبيدٌ قانتون مربوبونَ مملوكون، استحالَ أن يكون له منهم شريكٌ وكلُّ من أقرَ بأن لله ما في السّموات وما في الأرض؛ لَزِمَهُ أن يُقِرَّ له بالتوحيد ولا بُدَّ، ولهذا يحتجُّ سبحانه على المُشْرِكينَ بإقرارِهم بذلك، كقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84 – 85] وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيدُ بيانٍ لهذا في موضعه.
الحجة الثانية: قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117]، وهذه من أبلغ الحُجَج على استحالة نسبة الولدِ إليه، ولهذا قال في سورة (الأنعام): {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} [الأنعام: 101] أي: من أينَ يكون لبديع السَّمواتِ والأرض ولدٌ؟! ووجهُ تقريرِ هذه الحجَّةِ: أن مَنِ اخترع السمواتِ والأرض -مع عِظَمِهما وَآياتِهما- وفطَرَهما وابتدَعَهما (ظ / 258 ب)، فهو قادرٌ على اختراع ما هو دونَهما، ولا نسبةَ له إليهما ألبَتَهَّ، فكيف يخرجون هذا الشخص المعيَّن (2) عن قُدرتهِ وإبداعِه، ويجعلونَهُ نظيرًا وشريكاً وجُزءاً؟! مع أنه تعالى بديعُ العالَمِ العُلْوِيَّ والسُّفْلِي وفاطرهُ ومخترعُهُ وبارؤهُ، فكيف يُعْجزُهُ أن يوجدَ هذا الشخص من غيرِ أبٍ حتى يقولوا: إنه ولدُهُ؟! فإذا كان قد أبدع العالَمَ عُلْوِيَّهُ وسُفْلِيَّهُ، فما يُعجزهُ ويمنعُهُ عن إبداعِ هذا العبدِ وتكوينهِ (3) وخلقِه بالقدرةِ التي خلقَ بها العالمَ العُلْويَّ والسفلي؟!.
__________
(1) من قوله: “شريكاً هو نظير … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) (ع): “بالعين”، وسقطت من (ق).
(3) (ق): “عن إبداعه وتكوينه هذا العبد”
(4/1574)
فمن نسب الولدَ لله فما عرف الربَّ تعالى، ولا آمَنَ به ولا عبدَهُ. فظهرَ أن هذه الحُجَّةَ من أبلغِ الحُجَجِ على استحالةِ نسبةِ الولدِ إليه.
وإن شئت أن تُقَررَ الاستدلالَ بوجهٍ آخَرَ، وهو أن يقالَ: إذا كان نسبةُ السَّمواتِ والأرضِ وما فيهما إليه إنما هى بالاختراع والخَلْق والإبداع، أنشأ ذلك وأبْدَعَهُ من العَدَم (1) إلى الوجود، فكيَف يَصِحُّ نسبةُ شيءٍ من ذلك إليه بالنبوَّةِ، وقدرته على اختراعِ العالمِ وما فيه لم تزَل، ولم يحتجْ فيها إلى معاونٍ ولا صاحب ولا شريكٍ.
وإن شئتَ أن تقَرِّرَها بوجهِ آخَرَ فتقول: النسبةُ إليه بالبنوَّةِ تستلزم حاجتَهُ وفقرَهُ إلى محل الولادةِ، وذلك يُنافي غِناه وانفرادَهُ بإبداع السّمواتِ والأرضِ، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68] فكمال قدرته، وكمالٌ غناه، وكمالُ ربوبِيَّتهِ، يُحِيلُ نسبةَ الولدِ إليه، ونسبَتُه إليه تقدحُ في كمالِ ربوبيتِهِ، وكمال غناه وكمالِ قدرتهِ.
ولذلك كان نسبةُ الوَلَد إليه مَسَبَّةَ له تباركَ (ق/372 ب) وتعالى، كما ثَبَتَ في “الصحيحين” (2) عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يَقولُ اللهُ تَعالَى شَتَمَنِي ابْن آدَمَ وَما يَنْبغِي لَهُ ذلِكَ، وَكَذَّبنَي ابْنُ آدَمَ وَما يَنْبغِي لَهُ ذلكَ، أمَّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا وَأنا الأحَدُ الصمَدُ الَّذي لَمْ ألِدْ وَلَمْ أولَدْ وَلَمْ يكُنْ لِي كفُوًا أحدٌ، وَأمَّا تكْذيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُه: لَنْ يُعيدَنِي كما
__________
(1) (ع): من العلوم من العدم”!
(2) أخرجه البخاري رقم (4482) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، ورقم (4975) من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه -. وليس في مسلم.
(4/1575)
وأنها والدةُ الإله (1) عيسى، فيقول عوامُّهم: يا والدةَ الإلهِ اغفري لي، ويصرِّح بعضُهم بأنها زوجةُ الرَّبِّ، ولا رَيْبَ أن القول بالإيلادِ يستلزمُ ذلك، أو إثباتُ إيلادٍ لا يُعقلُ ولا يُتوهَّمُ، فخواصُّ النَّصارى في حَيْرَة وضَلالِ، وعوامُهم لا يستنكفونَ أن يقولوا بالزوجةِ والإيلادِ المعقولِ، تعالى اللهُ عن قولهم عُلُوًّا كبيراً، والقومُ في هذا المذهب الخبيثِ أضَلُّ خلق الله، فهم كما وصفهم اللهُ بأنهم: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77]وأما منافاةُ عموم علمِه تعالى للوَلَد؛ فيحتاجُ إلى فهم خاصٍّ، وتقريره أن يقالَ: لو كان له ولدٌ لعَلِمَه؛ لأنه بكلِّ شيء عليم، وهو تعالى لا يعلم له ولداً، فيستحيلُ أن يكون له ولدٌ لا يعلمُه، وهذا استدلالٌ بنفي علمه للشيء على نفيهِ في نفسِه، إذ لو كان لَعَلِمَه، فحيث لم يعلَمْه فهو غيرُ كائنِ.
ونظيرُ هذا قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 18]، فهذا نفيٌ لما ادَّعَوْهُ من الشّفعاء بنفْي علمِ الرَّب تعالى بهم، المستلزمِ لنفيِ المعلومِ، ولا يمكنُ أعداءَ الله المكابرةُ، وأن يقولوا: قد عَلِمَ اللهُ وجودَ ذلك؛ لأنه تعالى إنما يعلم وجودَ ما أوجَدَهُ وكوَّنه، ويعلم أن سيوجدُ ما يريدُ إيجادَه، فهو يعلمُ نفسَهُ وصفاتِهِ، ويعلمُ مخلوقاتِهِ التي دخلت في الوجود وانقطعتْ، والتي دخلتْ في الوجودِ وبَقِيَتْ، والتي لو توجد بعد.
وأما شيءٌ آخَرُ غيرُ مخلوقٍ له ولا مربوب؛ فالرَّبُّ تعالى لا يعلمُه؛
__________
(1) (ظ): “الإله الإله”.
(4/1576)
بَدَأني وَلَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأَهْوَنَ عَلَيَّ (1) مِنْ إعادَتِهِ”.
وقال عمرُ بن الخطّاب في النَّصارى: “أَذلُّوهم ولا تَظْلِمُوهم، فلقد سَبُّوا اللهَ مَسَبَّةً ما سَبَّة إيّاها أحَدٌ من البَشَر” (2)، وقال تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)} [الكهف: 4 – 5]، وأخبر تعالى: أن السماوات كادت تنفطر من قولهم هذا وتنشق الأرض منه وتخر الجبال هدًّا (3)، وما ذاك إلا لتضمُّنه شتمَ الرَّبِّ تبارك وتعالى، والتنَقُّصَ به، ونسبة ما يمنع كمال ربوبِيته، وقدرته وغناه إليه.
الحجة الثالثة: قوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم: 35] وتقريرُ هذه الحُجَّةِ: أن من كانت قدرتُهُ تعالى كافية في إيجاد ما يريدُ إيجادَهُ بمجرَّدِ أمرِه، وقوله: “كنْ”، فأيُّ حاجة به إلى ولدٍ؟، وهو لا يتكثَّرُ به من قِلَّة، ولا يَتَعَزَّز (4) به، ولا يستعينُ به، ولا يعجز عن خلقِ ما يريدُ خَلْقهُ، وإنما يحتاج إلى الولدِ من لا يخلُق، ولا إذا أراد شيئًا قال له: كنْ فيكون، وهو (5) المخلوقُ العاجزُ المحتاجُ الذي لا يقدِرُ على تكوينِ ما أراد.
وقد ذكر تعالى حُجَجًا أخرى على استحالةِ نسبة الولد إليه، فنذكرُها في هذا الموضع:
__________
(1) (ع وق): “عليه”.
(2) لم أعثر عليه.
(3) كما في سورة مريم آية (90).
(4) (ق): “ولا يتكبر ولا يتعزّز”.
(5) (ع): “وهذا”.
(4/1577)
وأنها والدةُ الإله (1) عيسى، فيقول عوامُّهم: يا والدةَ الإلهِ اغفري لي، ويصرِّح بعضُهم بأنها زوجةُ الرَّبِّ، ولا رَيْبَ أن القول بالإيلادِ يستلزمُ ذلك، أو إثباتُ إيلادٍ لا يُعقلُ ولا يُتوهَّمُ، فخواصُّ النَّصارى في حَيْرَة وضَلالِ، وعوامُهم لا يستنكفونَ أن يقولوا بالزوجةِ والإيلادِ المعقولِ، تعالى اللهُ عن قولهم عُلُوًّا كبيراً، والقومُ في هذا المذهب الخبيثِ أضَلُّ خلق الله، فهم كما وصفهم اللهُ بأنهم: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77]وأما منافاةُ عموم علمِه تعالى للوَلَد؛ فيحتاجُ إلى فهم خاصٍّ، وتقريره أن يقالَ: لو كان له ولدٌ لعَلِمَه؛ لأنه بكلِّ شيء عليم، وهو تعالى لا يعلم له ولداً، فيستحيلُ أن يكون له ولدٌ لا يعلمُه، وهذا استدلالٌ بنفي علمه للشيء على نفيهِ في نفسِه، إذ لو كان لَعَلِمَه، فحيث لم يعلَمْه فهو غيرُ كائنِ.
ونظيرُ هذا قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 18]، فهذا نفيٌ لما ادَّعَوْهُ من الشّفعاء بنفْي علمِ الرَّب تعالى بهم، المستلزمِ لنفيِ المعلومِ، ولا يمكنُ أعداءَ الله المكابرةُ، وأن يقولوا: قد عَلِمَ اللهُ وجودَ ذلك؛ لأنه تعالى إنما يعلم وجودَ ما أوجَدَهُ وكوَّنه، ويعلم أن سيوجدُ ما يريدُ إيجادَه، فهو يعلمُ نفسَهُ وصفاتِهِ، ويعلمُ مخلوقاتِهِ التي دخلت في الوجود وانقطعتْ، والتي دخلتْ في الوجودِ وبَقِيَتْ، والتي لو توجد بعد.
وأما شيءٌ آخَرُ غيرُ مخلوقٍ له ولا مربوب؛ فالرَّبُّ تعالى لا يعلمُه؛
__________
(1) (ظ): “الإله الإله”.
(4/1578)
لأنه مستحيلٌ في نفسِه، فهو يعلمُه مستحيلاً لا يعلمُه واقعًا، إذ لو عَلِمَه واقعاً لكان العلمُ به عينَ الجهل، وذلك من أعظم المُحال.
فهذه حُجَجُ الرَبِّ تبارك وتعالى على بطلان ما نسبه (1) إليه أعداؤُه المفترونَ عليه، فوازِنْ بينها وبينَ حُجَج المتكلِّمينَ الطَّويلةِ العريضةِ التي هى كالضرِيع، الذي (2) لا يُسمنُ ولا يغني من جوع، فإذا وازنتَ بينهما (ق /373 ب) ظهرت لك المفاضلةُ إنْ كنتَ بصيرًا، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)} [الإسراء: 72].
فالحمدُ لله الذي أغنى عبادَهُ المؤمنينَ بكتابه، وما أودعَه من حُجَجه وبيِّناتِهِ عن شقائقِ المتكلَمينَ، وهَذَياناتَ المُتَهَوِّكِينَ، فلقد عَظُمَت نعمةُ الله على عبدٍ أغناهُ بفهمِ كتابه عن الفقر إلى غيره: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: 51].
فصل
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135] فأجيبوا عن هذه الدَّعوى بقوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)} [البقرة: 135]، وهذا الجوابُ مع اختصاره قد تضمَّن المنعَ والمعارضة.
أما المنعُ: فما تضمَّنه حرف (بل) من الإضراب، أى: ليس الأمرُ كما قالوا. وأما المعارضةُ: ففي قوله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، أي: يتبَّع أو اتَّبعوا ملةَ إبراهيمَ حنيفًا، وفي ضمنِ هذه المعارضة إقامَةُ الحُجةِ
__________
(1) (ق): “نمته”.
(2) ليست في (ع).
(4/1579)
على أنها أولى بالصَّواب مما دعوتم إليه من اليهودِيَّةِ والنصرانيَّةِ؛ لأنه وَصَفَ صاحبَ المِلَّةِ بأنه حنيفٌ غيرُ مُشْرِكٍ، ومن كانتْ (1) مِلَّتَهُ الحنيفيةُ والتوحيدُ، فهو أولى بأن يتبّع ممن مِلَّتُهُ اليهوديةُ والنصرانيَّةُ، فإن الحنيفيةَ والتوحيدَ هي دينُ جميع الأنبياءِ، الذي لا يقبلُ اللهُ من أحدٍ دينًا سواه، وهو الفطرةُ التي فَطرَ اللهُ عليها عبادهُ، فمن كان عليها فهو المهتدي؛ لأنَّ من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا فإن الحنيفيةَ تضمَّنُ الإقبالَ على الله بالعبادة والإجلالِ والتعظيمِ والمحبَّةِ والذُلِّ.
والتوحيدُ يضمَّنُ إفرادَه بهذا الإقبالِ دونَ غيرِه، فيُعْبَدُ وحدَهُ، ويحَب وحدَهُ، ويُطاعُ وحدَه، لا يُجْعَل معه إله آخر، فمن أولى بالهداية؛ صاحبُ هذه المِلَّةِ أو مِلَّةُ اليهوديَّة والنصرانيَّة؟!.
ولا يبقى بعد هذا للخصومِ إلَّا سؤالٌ واحدٌ، وهو أن يقولوا (ظ/259 ب): فنحن على ملَّتِهِ أيضًا لم نخرجْ عنها، وإبراهيمُ وبنُوْه كانوا هودًا أو نصارى، فأُجيبوا عن هذا السُّؤال: بأنهم كاذبون فيه، وأن الله تعالى قد عَلِمَ (2) أنه لم يكنْ يهودياً ولا نصرانيًا، فقال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ (ق/ 374 أ) وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)} [البقرة: 140]،، وقرَّر هذا الجوابَ في سورة (آل عمران) بقوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}.
__________
(1) (ق وظ): “كان”.
(2) “قد علم” ليست في (ع).
(4/1580)
فإن قالوا: فهبْ أن إبراهيمَ لم يكن يهودياً ولا نصرانيًا فنحن على ملَّتِهِ، وإنِ انْتحلنا هذا الاسمَ؟.
فأجيبوا عن هذا بقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ.} الآية إلى قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، فهذه للمؤمنين.
ثم قال: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: 137]، وإن أَتَوْا من الإيمان بمثلِ ما أتَيْتم به، فَهُم على مِلَّةِ إبراهيمَ وهم مهتدون، وإن لم يأتوا بإيمانٍ مثل إيمانِكم، فليسوا من إبراهيمَ ومِلَّتِهِ في شيء، وإنما هم في شقاقٍ وعداوة، فإن ملَّةَ إبراهيمَ: الإيمانُ بالله وكتبِهِ ورسلِهِ، وأن لا يُفرَّق بين أحدٍ منهم، فَيُؤمَنَ ببعضِهم ويُكْفَرَ ببعضِهم، فمن لم يأتِ بهذا (1) الإيمانِ، فهو بريءٌ بها من ملَّةِ إبراهيمَ، مشاقٌ لمن هو على مِلَتِهِ.
وقوله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140] أي: الله تعالى يعلمُ ما كان عليه إبراهيمُ والنَّبِيُّونَ من المِلَلِ، وأنهم لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، فاللهُ تعالى يعلمُ ذلك، فلو كانوا يهودًا أو نصارى، واللهُ تعالى لا يعلمُ ذلك؛ لكنتم أعلَمَ من الله بهِم، هذا مع أنَّ عندكَم شهادة وبَينَةً من الله بما كان عليه إبراهيمُ، وبأنَّ هذا النبيَّ على مِلَتِهِ، ولكنكم كتمتُم هذه الشهادةَ عن أتباعِكم، فلم تؤدّوها إليهم مع تحقُّقِكم لها، ولا أظلم ممن كَتَمَ شهادة استشهدَهُ الله بها، فهي عندَه من الله، إلا أنه (2) كتمها من اللهِ، فالمجرورُ مُتَعَلِّق بما تضمَّنَه الظرفُ، الذي هو “عندَه” من الكونِ والحصولِ.
__________
(1) (ظ): “بمثل هذا”.
(2) (ق): “لأنه”.
(4/1581)
فصل
* ومِنْ ذلك قولُه تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} [البقرة: 142].
هذا سؤالٌ من السفهاءِ أوردوه على المؤمنينَ، ومضمونهُ: أن القبلةَ الأولى إن كانت حقًا فقد تركتُمُ الحَقَّ, وإن كانت باطلاً فقد كنتم. على باطلٍ، ولفظُ الآية وإن لم يَدُلَّ على هذا, فالسُّفهاءُ المجادلون في القِبْلةِ قالوه.
فأجاب اللهُ تعالى عنه بجواب شافٍ بعد أن ذكر قَبْلَه مقدِّماتِ تقرِّرُهُ وتوضِّحُهُ، والسؤالُ من جهةِ الكفَّار أوردوه على صُوَر متعدِّدة، ترجعُ إلى شىِء واحدٍ، فقالوا ما تَقَدَّمَ، وقالوا: لو كان (1) نبيًّا (2) ما تركَ قِبْلَةَ الأنبياءِ قَبْلَهُ.
وقالوا: “لو كان نبيًّا ما كان يفعلُ اليوم شيئًا وغدًا خلافه”.
وقال المشركون: “قد رَجَعَ إلى قبلتِكم فيوشِكُ أن يرجِعَ إلى دينكم”.
وقال أهل الكتاب: “لو كان نَبيًّا ما فارقَ قِبْلَةَ الأنبياءِ”، وكثر الكلام وعظُمتِ المحْنَةُ على بعض الناسِ، كما قال تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143].
وتأملِ حكمةَ العزيز الحكيم، ولطفَه وإرشادَه في هذه القصَّة،
__________
(1) من قوله: “الكفار أوردوه … ” إلى هنا ساقط من “ق”.
(2) (ق): “نبيَّه”.
(4/1582)
لما علم أن هذا التَّحويلَ أمر كبيرٌ، كيف وطَّأهُ ومهَّدَهُ وذلَّلَهُ بقواعدَ قَبْلَه، فذكر النسخَ، وأنه إذا نَسَخَ شيئًا أتى بمثلِه أو خيرٍ منه، وأنه قادرٌ على ذلك فلا يعْجزهُ، ثم قرَّر التسليمَ للرسول، وأنه لا ينبغي أن يُعتَرَضَ عليه، ويسأل تَعنتًا، كما جرى لموسى مع قومِه، ثم ذكر البيتَ الحرامَ وتعظيمه وحُرْمَتَهُ، وذكَرَ بانِيه وأثنى عليه، وأوجب اتِّباعَ مِلَّتِهِ فقرَّر في النفوس بذلك توجهها إلى هذا البيتِ بالتعظيمِ والإجلالِ والمحَبَّة، وإلى بانِيه بالاتِّباع والموالاةِ والموافقةِ، وأخبر تعالى أنه جعل البيتَ مثابةً للناس، يثُوبون إليه ولا يقضون منه وطَرًا، فالقلوب عاكفة على محبَّته، دائمة الاشتياقِ إليه، متوجِّهة إليه حيث كانت، ثم أخبر أنه أمَرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِه للطَّائفينَ والقائمينَ والمُصَلِّين، وأضافَهُ إليه بقوله: {طَهِّرَا بَيْتِيَ} [البقرة: 125]، وهذه الإضافةُ هي التي أسْكَنَتْ في القلوب من محبَّتِهِ والشوقِ إليه ما أسكنَتْ، وهي التي أقبلَتْ بأفئدةِ العالَم إَليه، فلما استقرَّتْ هذه (ظ/ 260 أ) الأمور في قلوبِ أهل الإيمان وذُكَروا بها، فكأنَّها نادتهم: أن استقبلوه في الصَّلاة، ولكن توقفَتْ على ورود الأمر من ربِّ البيت، فلما برز مرسوم: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، تلقَّاه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – والراسخون في الإيمان بالبشرى والقَبولِ، وكان عيدًا عندَهم؛ لأن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – كان كثيرًا ما يُقَلِّب وجهَه في السَّماءِ ينتظرُ أن يُحَوِّلَه الله عن قبلةِ أهلِ الكتابِ، فولَّاه اللهُ القبلةَ التي يرضاها، وتلقَّى ذلك الكفارُ بالمعارضةِ وذِكْر الشبهاتِ الدَّاحِضَةِ، وتلقَّاه الضعفاء عن المؤمنينَ بالإغماضِ والمشقةِ.
فذكَرَ تعالى أصنافَ الناس عند الأمرِ (1) باستقبالِ الكعبةِ، وابتدأ
__________
(1) من قوله “وتلقاه الضعفاء … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1583)
ذلك بالتسليةِ لرسولهِ وللمؤمنينَ عما يقول السفهاءُ من الناسِ، فلا تَعْبثُوا بقولهم، فإنه قول سفيه، ثم قال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (ق / 375 أ) يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} [البقرة: 142] فأخبر تعالى أن المشرق والمغربَ: له، وأنه ربّ ذلك، فأين ما تَعَبَّدَ له عبادهُ بأمرِه، إلى أيِّ جهة كانت فهم مطِيعون له، كما قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (1) فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، فلم يُصَلِّ مسقبِلُ الجهاتِ بأمرِه إلا له تعالى، فإذا كنتم تصَلُّون إلى غير الكعبة بأمرهِ، ثم أَمَرَكُم أن تصلُّوا إليها، فما صَلَّيْتم إلَّا له أولًّا وَآخرًا، وكنتم على حق في الاستقبال (2) الأوَّلِ والآخرِ، لأن كليهما كان بأمرهِ ورضاه، فانتقلتم من رضاه إلى: رضاه.
ثم نبَّهَ على فضلِ الجهةِ التي أمرهم بالاستقبالِ إليها ثانيًا بأنه يهدي من يَشاءُ إلى صراط مستقيم، كما هداكم للقبلةِ التي جعلها قِبْلَتكُمْ، وشرَعها لكم ورضِيَها، ولكن أمركم باستقبالِ غيرِها أولًّا لحكمة له في ذلك, وهي أن يعلمَ -سبحانه- من يَتَّبعُ الرسولَ ويدور معه حيثما دار، ويأتمر بأوامرِهِ كيف تصَرَّفَتْ، وهو العالِمُ بكل شيء، ولكن شاءَ أن يعلمَ معلومَه الغَيبيَّ (3) عيانا مشاهدًا، فيتميزُ بذلك الراسخُ في الإيمان، المسَلِّمُ للرسولِ، المنقاد له، ممن يعبدُ الله على حَرْف، فينقلبُ على عَقِبيه بأدنى شبهَةٍ.
فهذا من بعضِ حكَمه في أن جعلَ القبلةَ الأولى غيرَ الكعبةِ، فلم يشرعْ ذلك سدًى ولا عَبَثا، ثم أخبر -سبحانه- أنه كما جعل لهم
__________
(1) من قوله: “فأين ما … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) من (ظ)، وسقطت من (ع)، وفي (ق): “الانتقال”.
(3) (ع): “معلومه العيني”، (ق): “علمه الغيبي”.
(4/1584)
أوسط الجهات قبلة لتعبدهم فكذلك جعلهم أمة وسطًا فاختار القبلة الوسط في الجهات للأمة الوسط في الأمم, ثم ذكر أن هذا التفضيل والاختصاص ليستشهدهم على الأمم فيقبل شهادتهم على الخلائق يوم القيامة, ثم أجاب -تعالى- عما سأل عنه المؤمنون من صلاتهم إلى القبلة الأولى, وصلاة من مات من إخوانهم قبل التحويل فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] , وفيه قولان:
أحدهما: ما كان الله ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس, بل يجازيكم عليها؛ لأنها كانت بأمره ورِضاه.
والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى, وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها.
وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخِرِ (1).
ثم ذكر منته على رسوله, واطلاعه على حرصه على تحويله عن قبلته الأولى, فقال: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].
ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب بأنهم يعلمون (ق / 375 ب) أنه الحق من ربهم, ولم يذكر للضمير مفسِّرا غير ما في السياق, وهو الأمر باستقبال المسجد الحرام وأن أهل الكتاب عندهم (ظ / 260 ب) من علامات هذا النبي أن يستقبل بيت الله الذي بناه إبراهيم في صلاته,
__________
(1) انظر “تفسير الطبرى”: (2/ 19 – 21).
(4/1585)
ثم أخبر تعالى عن شدَّة كفر أهل الكتاب بأنهم لو أتاهم الرسول بكلِّ آية ما تبعوا قبلته. ففي ذلك التسلية له, وتركهم وقبلتهم.
ثم بَرَّأهُ من قبلتهم فقال: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [البقرة: 145] , ثم ذكر اختلافهم في القبلة, وأن كل طائفة منهم لا تتبع الطائفة الأخرى؛ لأن القبلة من خواصِّ الدين وأعلامه وشعائره الظاهرة, فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم, إلا أن يفارقوا دينهم.
فأخبر تعالى في هذه الجُمل الثلاث بثلاث إخبارات, تتضمَّن براءة كل طائفة من قبله الطائفة الأخرى, وتتضمن الأخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته, عنادًا وتقليدًا لآبائهم, وأنهم إن اشتركوا في خلاف القبلة الحق, فهم مختلفون في باطلهم, فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى, فهم متفقون على خلاف الحق, مختلفون اختيار الباطل.
وفي هذه الآية أيضا تثبيت للرسول – صلى الله عليه وسلم – وللمؤمنين على لزوم
قبلتهم, وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب: “ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم” فإن هذا خداع ومكرٌ منهم, فإنهم لو رأوا كلَّ آية تدل على صدقك ما تبعوا قبلتك؛ لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم, فلا مطمع للحق فيها, ولست أيضا بتابع قبلتهم, فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم (1) , وكذلك هم أيضا مختلفون فيما بينهم, فلا يتبع أحد منهم (2) قبلةَ الآخر, فهم مختلفون في القبلة, ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته, بل
__________
(1) “فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم” سقطت من (ق).
(2) (ظ): “أحدهم”.
(4/1586)
أكرمكُم الله بقبلة غير قبلة هؤلاء المختلفين, اختارها الله لكم ورضيها, وأكد تعالى هذا المعنى بقوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)} [البقرة: 145].
فهذا كله تثبيت وتحذير من موافقتهم في القبلة, وبراءة من قبلتهم ,كما هم براء من قبلتك, وكما بعضهم بريء من قبله بعض, فأنتم أيها المؤمنون أولى بالبراءة من قبلتهم (1) التي أكرمكم الله تعالى بالتحويل عنها, ثم أكد ذلك بقوله {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} [البقرة: 147].
ثم أخبر تعالى عن اختصاص كل أمة بقبلتهم, فقال: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] , وأصح القولين أن المعنى: هو متوجه إليها, (ق / 376 أ) أي: موليها وجهه, فالضمير راجعٌ إلى كل, وقيل: إلى الله, اي الله موليها إياه, وليس بشيء؛ لأن الله لم يولِّ القبلة الباطلة أبدا, ولا أمر النصارى باستقبال الشرق قط, بل هم تولوا هذه القبلة من تلقاء أنفسهم, وولوها وجوههم.
وقوله {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] مشعر بصحة هذا القول, أي: إذا كان أهل الملل قد تولوا الجهات (2) فاستبقوا أنتمُ الخيرات, وبادروا إلى ما اختاره الله لكم ورضيه, وولاكم إياه, ولا تتوقفوا فيه, {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148]: يجمعكم من الجهات المختلفة, والأقطار المتباينة إلى موقف القيامة, كما تجتمعون من سائر الجهات
__________
(1) من قوله: “كما هم براء … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) من قوله: “فاستبقوا الخيرات … ” إلى هنا ساقط من (ظ)، وبعد هذه الكلمة فى (ق): “واستقبلوها”.
(4/1587)
إلى جهة القبلة التي تؤمونها, فهكذا تجتمعون من سائر أقطار الأرض , إلى جهة الموقف الذي يؤمه الخلائق, وهذا نظير قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 48] , فأمرهم باستباق الخيرات , (1) وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدُّد شرائعهم (2) ومناهجهم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجههم وقبلهم. فقال: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148] (3).
وتحت هذا سرٌّ بديعٌ يفهمه من يفهمه, وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله, وأوصل إليه؛ لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده, وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم (4) , فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد, فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا, فلا يعبدون غيره, ولا يدينون بغير دينه, إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة.
فإذا كان أكثر الناس قد أبى ذلك إلا كفورا وذهابا في الطُّرُق الباطلة وعبادة غيره, وإن دانوا غير دينه, فاستبقوا أنتم أيها المؤمنين الخيرات, وبادروا إليها, ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل (ظ / 261 أ) هذا السر البديع في السورتين.
__________
(1) “فأمرهم باستباق الخيرات” من (ق).
(2) (ع): “شعائرهم”.
(3) من قوله: “وأخبر أن مرجعهم … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) (ق وظ): “وأماكنهم”.
(4/1588)
وفي قوله: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)} [المائدة: 48] (ق / 376 ب) سر آخر أيضًا ,وهو أن هذا الاختلاف دليل على يوم الفصل, وهو اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق, وبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه, فنفس الاختلاف دليل على يوم الفصل (1) والبعث, وقد أوضح ذلك قوله تعالى: في سورة النحل: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)} [النحل: 38] فذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثة الأموات بعد ما أماتَهم:
إحداهما: أن يبين (2) للناس الذي اختلفوا فيه, وهذا بيانٌ عيانيٌّ تشترك فيه الخلائق كلهم, والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم.
الحكمة الثانية: علم المبطل بأنه كان كاذبا, وإن كان على باطل, وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه, فيخزيه ذلك أعظم خزي.
فتأمل أسرار كلام الرب تعالى, وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين, والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق, وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى, وهو معنى كونه خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق, ولم يخلق ذلك باطلا, بل خلقه خلقا صادرا عن الحق, آيلا إلى الحق,
__________
(1) من قوله: “وهو اليوم … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) (ق): “يتبين”.
(4/1589)
مشتملا على الحق, فالحق سابق لخلقها, مقارن له, غاية له, ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها, فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية.
فالحق السابق: صدور ذلك عن علمه وحكمته, فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته, وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف (1) بهما حكمه كله, ومصلحة وحقا (2) , ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)} [النمل: 6] , فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته (3) , وما كان كذلك كان صدقا وعدلا, وهدى وإرشادا, وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: {عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)} (4) [الذاريات: 29] , وهذا راجع إلى قوله وخلقه, وهو خلق الولد لها على الكبر.
وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات: فهو ما اشتملتْ من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد (ق / 377 أ) على إلههم ووحدانيته وصفاته, وصدق رسله, وأن لقاءه حق لا ريب فيه, ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه, رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة
__________
(1) (ظ): ” الوصف”.
(2) (ق): “كليه ومصلحه وحق”.
(3) من قوله: “ومصلحة وحقًا … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4) في الأصول: “أألدُ وأنا عجوز عقيم قالوا كذلك … “! وليس في القرآن آية بهذا السياق، ففى هود: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا … } [هود: 72]، وأثبتنا ما: في سورة الذاريات لأنه أقرب إلى سياق المؤلف.
(4/1590)
بذلك, بل شهادتُها أتم من شهادة الخبر المجرد؛ لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا, فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله, إلا وجده دالا (1) على فاطره وبارئه, وعلى وحدانيته, وعلى كمال صفاته وأسمائه, وعلى صدق رسله, وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه.
وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع, وعلى التوحيد والمعاد والنبوات, فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا, ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق, ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار, والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة, وبما لو تأملوه لرأوه مركوزًا في فطرهم, مستقرا في عقولهم, وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه, من أسمائه وصفاته , وتوحيده ولقائه, ووجود ملائكته, وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان, إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة, وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار.
وقد بينت في موضع آخر (2) أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها, فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد, بطريق سهلة واضحة برهانية, وكذلك ذكرت في “رسالة إلى بعض الأصحاب” (3)
__________
(1) (ق): “شاهدًا دالا”.
(2) انظر “مفتاح دار السعادة”: (2/ 5 – فما بعدها).
(3) لم أعثر على هذه الرسالة، ولم يذكرها أحد، وطبعت للمؤلف رسالة بعنوان: “رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه”؛ لكن ليس فيها ما ذكره المؤلف هنا، فلعلها رسالة أخرى.
(4/1591)
بدليل واضح: أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة (أن لا إله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله) , وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزا في نفس روحه وذاته وفطرته.
فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط؛ لاستخرج منها الإيمان بالله تعالى وصفاته, والشهادة بأنه لا إله إلا هو, والإيمان برسله وملائكته ولقائه, وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس (ظ / 261 ب) الهداية على أفقِ قلبه, وانجابت عنه سحائب غيه (1) , وانكشف عن قلبه حجاب: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)} [الزخرف: 23] , فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه, ويلوح له صباحٌ هو (2) ليلة وظلامه. فقف الآن (ق / 377 ب) عند كل كلمة من قوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)} [الجاثية: 3 – 5].
ثم تأمل وجه كونها آية, وعلى ماذا جعلت آية؟ أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة, وكذلك سائر ما في القرآن الكريم من هذا النمط, كآخر (آل عمران) , وقوله في سورة (الروم): {وَمِنْ آيَاتِهِ} [الروم: 20] إلى آخرها, وقوله في سورة (النمل): {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] إلى آخر الآيات, وأضعاف ذلك في القرآن الكريم وكقوله في سورة (الذاريات): {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 20] , {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)} [يوسف: 105]__________
(1) (ع): “غيبه”.
(2) كذا في الأصول، وفي العبارة نقص أو تحريف.
(4/1592)
فهذا كلُّه من الحق الذي خلقت به السموات والأرض وما بينهما, وهو حق مقارن لوجود هذه المخلوقات, مسطور في صفحاتها, يقرؤه كل موفق (1) كاتب وغير كاتب, كما قيل:
تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملأ الأعلى إليك رسائل
وقد خُطَّ فيها لو تأملت خطها … “ألا كل شيء ما خلا الله باطل” (2)
وأما الحق الذي هو غاية خلقها: فهو غاية تراد من العباد, وغاية تراد بهم.
فالتي تراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل,
وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا, فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم, ومطاعهم ومحبوبهم, قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)} [الطلاق: 12] فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه, وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده, وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56] , فهذه الغاية هي المرادة من العباد, وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده.
وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب, قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)} [النجم: 31] , قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)} [طه: 15] , وقال تعالى:
__________
(1) غير محررة في (ق وظ) ويشبه أن تكون: “موقن”.
(2) ذكر المؤلف هذين البيتين في عدد من كتبه، ولم ينسبه، انظر: “مفتاح دار السعادة”: (2/ 457، 3/ 178).
(4/1593)
{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)} [النحل: 39] , قال تعالى: (ق / 378 أ) {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)} [يونس: 3 – 4].
فتأمل الآن كيف اشتمل خلقُ السموات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا, وأنها خلقت بالحق وللحق, وشاهدة بالحق, وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك, فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} [المؤمنون: 115] ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده, فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون: 116].
وتأمل ما في هذين الاسمين, وهما {الْمَلِكُ الْحَقُّ} من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه, إذ هو مناف لكمال ملكه, ولكونه الحق, إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي, فيتصرف في خلقه بقوله وأمره, وهذا هو الفرق بين الملك والمالك؛ إذ المالك هو المتصرف بفعله, والملك هو المتصرف بفعله (1) وأمره, والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره (2).
فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في
__________
(1) “بفعله، والملك هو المتصرف بفعله” سقطت من (ق).
(2) من قوله: “والرب تعالى … ” إلى هنا سقط من (ظ).
(4/1594)
ملكه, ولم يقدره حق قدره, كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91].
فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه, وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة؛ فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره, وكذلك كونه تعالى الإله الحق (1) يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه, ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها, فكما أن ذاته الحق فقوله الحق, ووعده الحق, وأمره الحق, وأفعاله كلها حق, وجزاؤه المستلزم لشرعه (ظ / 262 أ) ودينه ولليوم الآخر حق.
فمن أنكر شيئًا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار, فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه, فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا, وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم, كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} [القيامة: 36] قال الشافعي رحمه الله: مهملا لا يؤمر ولا ينهى (2). وقال غيره: لا يجزي بالخير والشر, ولا يثاب ولا يعاقب, والقولان متلازمان, فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب (ق / 378 ب) والعقاب, وهو الأمر والنهي, والآخر ذكر غاية الأمر والنهي, وهو الثواب والعقاب.
ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)} [القيامة: 37 – 38] فمن لم يتركه وهو نطفة سدى, بل قلب النطفة وصرفها, حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة, ثم
__________
(1) كذا في (ق وظ)، وفي (ع): “الإله الخلق”!.
(2) في “الرسالة”: (ص/ 25)، و”الأم”: (7/ 298).
(4/1595)
قَلَبَ العَلَقَة حتى صارت أكمل مما هي (1) , حتى خلقها فسوى خلقها, فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا, فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له.
فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلَّته على المعاد والنبوات, كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله, فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه, فكذلك تدل على كمال حكمته, وعلمه وملكه, وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها.
وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم (2) ينههم على ألسنة رسله, وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب, كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السموات والأرض باطل, فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ (3) وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)} [ص: 27].
فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا, ولم يجعل لهم أجلًا للقائه, كان ذلك ظنا منهم أنه خلق خلقه باطلا, ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا, وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به, علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه, فذكروا في
__________
(1) من قوله: “وهي العلقة … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) من (ظ).
(3) وقع في الأصول: “السماوات”!.
(4/1596)
دعائهم هذين الأمرين, فقالوا: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)} [آل عمران: 192 – 193].
فلما علموا أن خلق السموات والأرض, يستلزم الثواب والعقاب, تعوذوا بالله من عقابه, ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السموات والأرض, فقالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193] , فكانت ثمرة فكرهم في خلق السموات والأرض: الإقرار به تعالى, وبوحدانيته, وبدينه, وبرسله, وبثوابه وعقابه, فتوسلوا إليه بإيمانهم, الذي هو من أعظم (ق / 379 أ) فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم, وتكفير سيئاتهم, وإدخالهم مع الإبرار إلى جنته التي وعدوها (1) , وذلك تمام نعمته عليهم, فتوسلوا بإنعامه عليهم أولا إلى إنعامه عليهم آخرًا, وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته, وهو إحدى الوسائل إليه, وهي الوسيلة التي أمرهم بها (2) في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35].
وأخبر عن خاصَّة عبادهم أنهم يبتغون الوسيلةَ إليه إذ يقول تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] على أن في هاتين الآيتين أسرارًا بديعة ذكرتها في كتاب “التحفة المكية في بيان الملة الإبراهيمية”, فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السموات والأرض. أنه لم يخلقها باطلا (3) وأثمر لهم:
__________
(1) (ع): “وَعَدَهموها”.
(2) (ق وظ): “فيها”.
(3) (ق): “أنهما لم يخلقهما عبثًا باطلًا”.
(4/1597)
الإيمان بالله ورسوله (1) , ودينه وشرعه, وثوابه وعقابه, والتوسُّل إليه بطاعته, والإيمان به, وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرةٌ من بحر لا ساحل له, فلا تستَطِله, فإنه كنز من كنوز العلم, لا يلائم كل نفس, ولا يقبله كل محروم, والله يختص برحمته من يشاء.
ولنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في ذكر محاجَّة أهل الباطل للمسلمين في القبلة, ونصر الله لهم بالحجة عليهم, وقد رأيت لأبي القاسم السهيلي في الكلام على هذه الآيات فصلا أذكره بلفظه (2) , قال في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – للبراء بن معرور: “قد كنت على قبلة لو صبرت عليها” (3) = يعنى لما صلى إلى الكعبة قبل الأمر بالتوجه إليها, ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه كان متأولا.
قلت (4): ونظير هذا أنه لم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة, لما ربط الخيطين في رجليه وأكل حتى يتبينا له (5)؛ لأجل التأويل.
ونظيره: أنه لم يأمر أبا ذر بإعادة ما ترك من الصلاة مع الجنابة؛ إذ لم يعرف شرع التيمم للجنب, فقال يا رسول الله إني تصيبني
__________
(1) (ع): “برسوله” بدل “بالله ورسوله”.
(2) في كتابه: “الروض الأُنُف”: (2/ 200 – 201).
(3) أخرجه أحمد: (25/ 89 – 95 رقم 15794)، وابن حبان “الإحسان”: (15/ 471)، والطبراني في “الكبير”: (19/ 87)، من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه- في قصة بيعة العقبة.
كلهم من طريق محمد بن إسحاق (السيرة 2/ 439 – 440)، وقد صرح بالتحديث، فسلم من التدليس.
(4) هذا التعليق بطوله لابن القيم -رحمه الله-.
(5) هو: عدي بن حاتم -رضي الله عنه-، والحديث أخرجه البخاري رقم (1916)، ومسلم رقم (1090).
(4/1598)
الجنابة فأمكث الشهر والشهرين لا أصلي -يعني: في البادية- قال: “فأين أنت عن التيمم” (1).
ونظيره أيضًا: أنه لم يأمر المستحاضة (ظ / 262 ب) بالإعادة, وقد قالت: إني أستحاض حيضة شديدة, وقد منعتني الصوم والصلاة, فأمرها أن تجلس أيام الحيض ثم تصلي (2) , ولم يأمرها بإعادة ما تركت.
ونظيره أيضا: أنه لم يأمر المسئ في صلاته بإعادة ما تقدم له من الصلوات التي لم تكن صحيحة, وإنما بالإعادة في الوقت؛ لأنه لم يؤد فرض وقته مع بقائه, بخلاف ما تقدم له (3).
ونظيره أيضا: أنه لم يأمر (ق / 379 ب) المتمعك في التراب كما تتمعك الدابة لأجل التيمم (4) بالإعادة, مع أنه لم يصب فرض التيمم.
ونظيره أيضًا: أنه لم يأمر معاوية بن الحكم السلمي بإعادة الصلاة, وقد تكلم فيها بكلام أجنبيٍّ ليس من مصلحتها (5)
__________
(1) لم أره بهذا اللفظ، والحديث أخرجه أحمد: (35/ 230 – 231 رقم 21304)، وأبو داود رقم (331)، والترمذي رقم (124)، والنسائي: (1/ 171)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 135 – 136)، من حديث أبى ذر – رضي الله عنه- في قصة، وفيها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال له: “الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسه جلدَك، فإن ذلك خير”.
(2) أخرجه البخاري رقم (306)، ومسلم رقم (333) من حديث عائشة- رضي الله عنها-.
(3) أخرجه البخاري رقم (793)، ومسلم رقم (397) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -.
(4) أخرجه البخاري رقم (338)، ومسلم رقم (368) من حديث عمار بن ياسر – رضي الله عنهما-.
(5) أخرجه مسلم رقم (537).
(4/1599)
ونظيرُه أيضًا: أنه لم يضمن أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاصٍ ولا ديةٍ ولا كفارةٍ (1).
ولا تجد هذه النظائر مجموعة في موضع, فالتأويل والاجتهاد في إصابة الحق, منع في هذه المواضع من الإعادة والتضمين.
وقاعدة هذه الباب: أن الأحكام إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو, وبلوغها إليه, فكما (2) لا يترتب في حقه قبل بلوغه هو, فكذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه, وهذا مجمع عليه في الحدود, أنها لا تقاوم إلا على من بلغه تحريم أسبابها, وما ذكرناه من النظائر يدل على ثبوت ذلك في العبادات والحدود.
ويدل عليه أيضا في المعاملات قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} [البقرة: 278] , فأمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا, وهو ما لم يقبض, ولم يأمرهم بردِّ المقبوض؛ لأنهم قبضوه قبل التحريم, فأقرهم عليه, بل أهل قباء صلوا إلي القبلة المنسوخة بعد بطلانها, ولم يعيدوا ما صلوا, بل استداروا في صلاتهم وأتمُّوها, لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم, وفي هذا الأصل ثلاثة أقوال للفقهاء وهي لأصحاب أحمد:
هذا أحدها, وهو أصحها, وهو اختيار شيخنا (3) رضي الله عنه.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (4269)، ومسلم رقم (96) من حديث أسامة بنْ زيد – رضي الله عنه-.
(2) (ق): “مع أنه”.
(3) انظر: “مجموع الفتاوي”: (21/ 160 – فما بعدها).
(4/1600)
الثاني: أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم، ولزمهم كما لزم من بلغه، وهذا اختيار كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم.
الثالث: الفرق بين الخطاب الابتدائي والخطاب الناسخ، فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره، والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه، والفرق بين الخطابين: أنه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به، بخلاف الخطاب الابتدائي، ذكره القاضي أبو يعلي في بعض كتبه، ونصوص القرآن والسنة تشهد للقول الأول، وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليها إشارة.
قال أبو القاسم (1): وفي الحديث دليل على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وهو قول ابن عباس يعني: قوله للبراء: “لقد كنت على قبلة” (2)، وقالت طائفة: ما صلى إلى بيت المقدس إلا مذ قدم المدينة سبعة (ق / 380 أ) عشر شهرا، أو ستة عشر شهرا. فعلى هذا يكون في القبلة نسخان، نسخ سنة بسنة، ونسخ سنة بقرآن وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس، وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس” (3)، فلما كان – صلى الله عليه وسلم – يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة؛ ولذلك -والله أعلم- قال الله تعالى في الآية الناسخة: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 149] أي:
__________
(1) أى السهيلي في “الروض الأنف” كما تقدم.
(2) تقدم قريبًا.
(3) انظر “فتح الباري”: (1/ 119).
(4/1601)
من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها، فاستقبل الكعبة، كنت متسدبرا بيت المقدس أو لم تكن، لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه.
قال: تدبر قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 149]، وقال لأمته: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]، ولم يقل: حيث ما خرجتم؟ وذلك لأنه – صلى الله عليه وسلم – كان إمام المسلمين، فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم، وكان ذلك واجبا عليه، إذ كان الإمام المقتدي به، فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى، ولم يكن حكم غيره هكذا يقتضي الخروج، ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه.
قلت (1): ويظهر في هذا معنى آخر، وهو أن قوله: {وَحَيْثُ مَا
كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]، خطاب عام له – صلى الله عليه وسلم – ولأمته، يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض.
وقوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 150] خطاب بصيغة الإفراد، والمراد هو الأمة، كقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 1] ونظائره، وهو يفيد الأمر باستقبالها من اي جهة ومكان خرج منه.
وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه، وهو -تعالى- لم يقيد الخروج (2) بغاية، بل أطلق غايته كما عمم مبدأه، فمن حيث خرج، إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك، فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام
__________
(1) الكلام لابن القيم.
(2) (ع): “الأمور”.
(4/1602)
هو والأمة، وفي أي بقعة كانوا من الأرض، فهو مأمور هو والأمة باستقباله، فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا، وفي غايته إلى حيث انتهوا، وفي حال اسقترارهم حيث ما كانوا، فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاثة (1) التي لا ينفكُّ منها العبد.
فتأمل هذا المعنى، ووازن بينه وبين ما أبداه أبو القاسم يتبين لك الرجحان، والله أعلم بما أراد من كلامه، وإنما هو كد أفهام أمثالنا من القاصرين.
(ظ / 263 أ) (ق / 380 ب) فقوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} [البقرة: 150] يتناول مبدأ الخروج وغايته له وللأمة، وكان أولى بهذا الخطاب؛ لأن مبدأ التوجه على يديه كان، وكان شديد الحرص على التحويل.
وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} [البقرة: 150] يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة، وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها، بحسب كثرتهم واختلاف بلادهم وأقطارهم، واستدارتها حول الكعبة شرقًا وغربا، ويمنا وعراقًا، فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} [البقرة: 150]، أي: من أقطار الأرض في شرقها وغربها، وسائر جهاتها، ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه – صلى الله عليه وسلم – فتأمل هذه النكت البديعة، فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا، والله أعلم.
قال أبو القاسم: وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلي البيت الحرام في ثلاث آيات؛ لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس.
__________
(1) (ع وظ): “الثلاث”.
(4/1603)
اليهود؛ لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم. وأهلُ الرَّيب والنفاق اشتد إنكارُهم له؛ لأنه كان أول نسخ نزل. وكفار قريشٍ قالوا: ندم محمدٌ على فراق ديننا، فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبله إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150] على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون. وقال: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} [البقرة: 147] أي: من الذين شكوا وامتروا.
ومعنى {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [البقرة: 147] أي: الذي أمَّرتك به من التوجه إلى بيت الحرام هو الحق، الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك، فقال: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 144]، وقال: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)} [البقرة: 146]، أي: يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.
ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب “الناسخ والمنسوخ” (1). قال حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة (2)، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيلياء كما يعظِّمها أهل بيته، قال: فسرت معه وهو ولي عهد، قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، فقال سليمان وهو جالس فيه: والله إن في هذه القبلة
__________
(1) ساقه السُّهيلي بإسناده إلى أبي داود.
(2) عَنبَسة بن خالد بن يزيد الأيلي، متكلم فيه، وقال الحافظ في “التقريب”: “صدوق”، وتُحْتَمل روايتُه في مثل هذا الخبر.
(4/1604)
التي صلَّى إليها المسلمون والنصارى لعجبا -كذا رأيته (1) والصواب: اليهود- قال خالد بن يزيد: أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله علي محمد – صلى الله عليه وسلم -، (ق / 381 أ) وأقرأ التوراة فلم تجدْها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه، فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم.
وروى أبو داود أيضا: أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: إن موسى كان يصلي عند الصخرة، ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين يديه. وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة (2). وأخبر أبو العالية أنه رأى مسجد ذى القرنين، وقبلته الكعبة (3). انتهى.
قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة، وهي: أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله، بل كان عن مشورة منهم واجتهاد.
أما النصارى؛ فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا، وهم مقرُّون بذلك، ومقرُّون أن قبله المسيح كانت قبلة بني إسرائيل، وهي الصخرة، وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة، وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح
__________
(1) وهذا كذلك في مطبوعة “الروض”.
(2) ما بعده من (ق وظ).
(3) وانظر “تفسير الطبري”: (2/ 34)، والقرطبي: (2/ 102).
(4/1605)
فوَّض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام، وأن ما حلَّلوه وحرَّموه فقد حلله هو وحرمه في السماء، فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق (1) على لسان رسوله أبدا، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك.
وأما قبلة اليهود؛ فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة ألبتَّةَ، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة.
وأما السامرةُ (2)؛ فإنهم يصلُّون إلى طور لهم بأرض الشام (3) ويعظمونه ويحُجُّون إليه، ورأيته أنا وهو في بلد نابُلُسَ، وناظرتُ فضلاءهم في استقباله، وقلت: هو قبلة باطلة مبتدعة، فقال مشار إليه في دينهم: هذه هي القبلة الصحيحة، واليهود أخطأوها؛ لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا، ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله.
فقلت له: هذا خطأ قطعا على التوراة؛ لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل، فهم المخاطبون بها، وأنتم فرع عليهم فيها، وإنما تلقيتموها عنهم، وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم، وأنا رأيتها، وليس هذا فيها.
__________
(1) (ق وظ): “الشرق”.
(2) السامرة طائفة من اليهود، يفترقون عنهم في القِبلة، والتوراة، وإيمانهم بالأنبياء، واللسان. انظر: “الملل والنحل”: (ص/ 218 – 219)، و “الفِصَل”: (1/ 99).
(3) (ظ): “طورهم بالشام”.
(4/1606)
فقال لي: صدقت، إنما هو في توراتِنا (ق /381 ب) خاصة.
قلت له: فمن المحال (ظ /263 ب) أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها، وهم الذين تلقوها عن الكليم، وهم متفرِّقون في أقطار الأرض، قد كتموا هذا النص، وأزالوه، وبدلوا القبلة التي أمروا بها، وحفظتموها أنتم، وحفظتم النص بها. فلم يرجع إلى بجواب (1).
قلت: وهذا كله مما (2) يقوى أن يكون الضميرُ في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] راجعا إلى “كل” أي: هو موليها وجهه، ليس المراد أن الله موليه إياها؛ لوجوهٍ؛ هذا أحدها.
الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية، وإن كان مذكورًا فيما قبلها، ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون “كل” رد الضمير إلى غير من هو أولى به، ومنعه من القريب منه الأحق به (3).
الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال: “هو مولِّيه إياها”، هذا وجه الكلام، كما قال تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]، فوجه الكلام أن يقال: ولاه القبلة، لا يقال ولى القبلة إياه، فتأمله.
وقول أبي القاسم: أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثًا، ردًا على الطوائف الثلاث؛ ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك، والذي يظهر فيه” إنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه.
__________
(1) (ق وظ): “الجواب”.
(2) “كله مما” ليست في (ق).
(3) (ع): “اللاحق”، (ظ): “الأولى”.
(4/1607)
فذكره أوَّلَ مرَّة ابتداءً للحكم ونَسْخًا للاستقبال الأوَّل، فقال: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ثم. ذكَرَ أن أهلَ الكتاب يعلمون أن هذا هو الحقُّ من ربِّهم حيثُ يجدونه في كتبهم كذلك، ثم أخبر عن عِنادِهم (1) وكفرِهم، وأنه لو أتاهم بكلِّ آيةٍ ما تَبعوا قِبْلَتهُ، ولا هو أيضًا بتابع قبلتَهم، ولا بعضهم بتابع قبلةَ بعض، ثم حذَّره من اتَباع أهوائِهم، ثم كرَّر معرفةَ أهل الكتاب به، كمعرفتِهم بأبنائِهم، وأنهم يكتمونَ الحقَّ عن علم، ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربِّه، فلا يلحقْه فيه امتراءٌ، ثم أخبر أنَّ لكل من الأممِ وجهَةٌ هو مستقبلُها ومُوَلِّيها وجْهَهُ، فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيراتِ، ثم أعادَ الأمر باستقبالِها من حيثُ خَرجَ في ضمنْ هذا السِّياق الزائد على مجرَّد النسخِ، ثم أعاد الأمرَ به غيرَ مكرِّر له تكرارًا محضًا، بل في ضِمنه أَمْرُهُم باستقبالِها حيثما كانوا، كما أمرهم باستقبالِها أولًا حيثما كانوا عند النسخ، وابتداءِ شَرْعِ الحكمِ، فأمرهم باستقبالِها حيثما كانوا عند شَرْعِ الحكمِ وابتدائِه، وبعد المحاجَّةِ والمخاصَمَةِ، والحكم لهم، وبيان (ق/ 382 أ) عنادِهِم ومخالفتهم مع علمهم، فذِكْرُ الأمر بذلك في كلِّ موطنٍ لاقتضاء السِّياق له، فتأمَّلْه، والله أعلم.
وقوله. إن الاستثناءَ في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150]، منقطع، قد قاله أكثرُ الناس، ووجهه: أن الظالمَ لا حُجَّةَ له، فاستثناؤه مما ذكر قبلَه منقطعٌ. وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ يقول (2): ليسْ
__________
(1) (ع): “عبادتهم”.
(2) انظر نحوه من كلام الشيخ في “الجواب الصحيح”: (3/ 68 – 72).
(4/1608)
الاستثناء بمنقطع، بل هو مُتَّصِلٌ على بابه، وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة هاهنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق، والحجة في كتاب الله يُراد بها نوعان:
أحدهما: الحُجَّة الحق الصحيحة (1)، كقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83]، وقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149].
ويراد بها: مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل، كقوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20]، وقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)} [الجاثية: 25]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258]، وقوله: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16].
وإذا كانت الحجَّة اسمًا لما يحتج به من الحق أو باطلٍ، صحَّ استثناء حجة الظالمين من قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150]، وهذا في غاية التحقيق، والمعنى: أن الظالمين يحتجون عليك بالحُجَج الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني.
* ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170] فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار، فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء، وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنَّهم بهم، فحكم الله بينهم بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170] وفى موضع آخر: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا
__________
(1) من قوله: “الحق، والحجة … ” إلى هنا ساقط فى (ظ).
(4/1609)
يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104]، وفي موضع آخر (1): {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)} [لقمان: 21]، وفي موضعٍ آخر: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 24].
فأخبر عن بطلان هذه الحُجَّة، وأنها لا تنجني من عذاب الله؛ لأنَّ تقليد من ليس عنده علمٌ ولا هدىً من الله ضلالةٌ وسفَهٌ، والمعنى: ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلِّدونهم، ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدىً يقلدونهم أيضًا، وهذا شأن من لا غرض له في الهدى، ولا في اتباع الحق، إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحقِّ (ق / 382 ب) والحجة إذا لزمته؛ لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له، وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به، فأنتم لم تقلدوا (ظ / 264 أ) الآباء لكونهم على حقٌّ، فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه، وإنما جعلتم تقليدهم جُنةً لكم، تدفعون بها الحق الذي جئتكم به. تمت الفصول (2).
__________
(1) هذه الآية زيادة من (ق وظ).
(2) من (ق).
(4/1610)
فائدة
ليس من شرط الدليل اندراجه تحتَ قضية كليةٍ يكون بها جزءًا من قياس شمول (1)، ولا استلزامه نظيرًا يكون به قياس تمثيلٍ، بل يجوز كونه معينًا مستلزمًا لثبوتٍ معينٍ، وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازمٌ شرعًا أو عقلًا أو عادةً استدل فيه بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه، وبنفي اللازم على نفي ملزومه، فكل ملزوم دليلٌ على لازمه، والعلم بدلالته متوقف على العلم به، وعلى العلم بلزومه (2)، ولهذا كانت أدلَّة التوحيد والمعاد والنبوات التي في القرآن آيات ودلالات معيَّناتٍ مستلزمةً لمدلولها بنفسها، من غير احتياجٍ إلى اندراجها تحت قضيةٍ كلية، فالمخلوقات جميعها وما تضمَّنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمةٌ للخالق سبحانه عينًا، بخلاف ما يزعم كثيرٌ من النُّظَّار أنه دليلٌ لقولهم: “كلُّ ممكنٍ مفتقرٌ إلى واجب، وكلُّ محدث مفتقرٌ إلى محدثٍ”، فإنَّ هذه القضية الكليَّة بعد تعبهم (3) في تقريرها ودفع ما يعارضها، لا يدلُّ على مطلوبٍ معينٍ وخالقٍ معينٍ، إنما يدلُّ على واجبٍ ومحدثٍ ما.
وأما آياته سبحانه وأدلَّة توحيده، وما أخبر به من المعاد وما نصبه (4) من الأدلَّة لصدق رسله، فلا يفتقر في كونها آياتٍ إلى قياس شموليٍّ ولا تمثيليٍّ، وهي مستلزمةٌ لمدلولها عينًا، والعلم بها مستلزمٌ
__________
(1) (ق): “شمولي”.
(2) من قوله: “فكل ملزوم … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(3) رسمها في (ق): “لعربهم”.
(4) (ق): “تضمَّنه”.
(4/1611)
للعلم بالمدلول لا يتخلَّف عنه، فانتقال الذهن منها إلى المدلولِ انتقالٌ بيِّنٌ في غاية البيان (1)، وهو كانتقال الذهن من رؤية الدخان إلى أن تحته نارًا، ومن رؤية الجسم المتحرِّك قسرًا إلى أنَّ له محرِّكًا، ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها، ونظائر ذلك، فالعلم بمفردات هذه القضايا الكلِّيَّة أسبق إلى الذهن وأظهر (2) من القضية الكلِّيَّة، بل لا تتوقَّف دلالتها على القضيَّة الكلية البتة، وعلم العقلِ بمدلول الآية المعيَّنة الحسِّيَّة كعلم الحسِّ بتلك الآية لا فرق في العلم بينهما، إلا أن الآية تدرك بالحسِّ ومدلولها بالعقل، فعلمُ العقل بثبوت التوحيد والمعاد والنُّبوَّات وجزمه بها كجزم الحس بما يشاهد من آياتها المشهودة.
فائدة
الفعل بالنسبة إلى التَّكليف (3) (ق / 383 أ) نوعان:
أحدهما: اتَّفق الناس على جوازه ووقوعه (4)، واختلفوا في نسبة إطلاق القول عليه، بأنه لا يطاق،
والثاني: اتَّفق الناس على أنه لا يطاق، وتنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه، ولم يثبت بحمد الله أمرٌ اتفق المسلمون على فعل كلِّف به العبد، وأطلقوا القول عليه بأنه لا يُطَاقُ،
__________
(1) زاد في (ع): “وأظهر”.
(2) (ع): “والحركة”.
(3) (ق): “بالتكليف إلى النسبة”.
(4) (ق): “جواز وقوعه”.
(4/1612)
وللمسألة ثلاثةُ مآخِذَ:
أحدها: أنَّ الاستطاعة مع الفعل أو قبله، والصواب أنها: نوعان؛ نوعٌ قبلهُ، وهي المصحِّحة للتَّكليف التي هي شرطٌ فيه، ونوعٌ مقارنٌ له، فليست شرطًا في التَّكليف.
المأخذ الثاني: أنَّ تعلُّق علم الله سبحانه بعدم وقوع الفعل هل يخرجه عن كونه مقدورًا للعبد؟ فمن أخرجه عن كونه مقدورًا قال: الأمر به أمرٌ بما لا يطاق، ومن لم يخرجه عن كونه مقدورًا لم يطلق عليه ذلك، والصواب: أنه لا يخرجه عن كونه مقدورًا القدرة المصحِّحة، التي هي مناط التكليف وشرطٌ فيه، وإن أخرجه عن كونه مقدورًا القدرة الموجبة للفعل المقارنة له.
المأخذ الثالث: أن ما (1) تعلَّق علم الله بأنه لا يكون من أفعال المكلَّفين نوعان:
أحدهما: أن يتعلق بأنه لا يكون لعدم القدرة عليه، فهذا لا يكون ممكنًا مقدورًا ولا مكلَّفًا به (2).
والثاني: ما تعلَّق بأنه لا يكون لعدم إرادة العبد له، فهذا لا يخرج بهذا العلم عن الإمكان، ولا عن جواز الأمر به ووقوعه.
ولهذا مأخذٌ رابع -وهو من أدقَّها وأغمضها- وهو: أنَّ ما علم الله أنه لا يكون؛ لعدم مشيئته له ولو شاءه من العبد لفعله، هل تخرجه عدم مشيئة الرَّبِّ تعالى له عن كونه مقدورًا، ويجعل الأمر به
__________
(1) من قوله: “مقدورًا القدرة … ” إلى هنا ساقط من (ع).
(2) (ع): “لا يكون مقدورًا به”، و (ق): “لا يكون مقدورًا ملكًا ولا مكلفًا به”.
(4/1613)
أمرًا بما لا يطاق؟ والصواب: أن عَدَمَ مشيئة الرَّبِّ له لا يخرجه عن كونه ممكنًا في نفسه، كما أنَّ عدم مشيئته لما هو قادرٌ عليه من أفعاله لا يخرجه عن كونه مقدورًا له، وإنما يخرج الفعل عن الإمكان إذا كان بحيث لو أراده الفاعل لم يمكنه فعله، وأما امتناعه لعدم مشيئته فلا يخرجه عن كونه مقدورًا (1) ويجعله محالًا.
فإن قيل: هو موقوفٌ على مشيئة الله، وهي غير مقدورةٍ للعبد، والموقوف على غير المقدور غير مقدور.
قيل: إنما يكون غير مقدور إذا كان بحيث لو أراده العبد لم يقدر عليه، فيكون عدم وقوعه لعدم قدرة العبد (2) عليه، فأما إذا كان عدم وقوعه لعدم مشيئته له، فهذا لا يخرجه عن كونه مقدورًا له، وإن كانت مشيئته موقوفةً على مشيئة الرَّبِّ (ظ / 264 ب) (ق / 383 ب) تعالى، كما أن عدم وقوع الفعل من الله لعدم مشيئته له، لا يخرجه عن كونه مقدورًا له، وإن كانت مشيئته تعالى موقوفةً على غيرها من صفاته كعلمه وحكمته.
فالنزاع في هذا الأصل يتنوَّع إلى النَّظر إلى المأمور به، وإلى النظر إلى جواز الأمر به ووقوعه، ومن جعل القسمين واحدًا، وادَّعى جواز الأمر به مطلقًا لوقوع بعض الأقسام التي يظنُّها مما لا يُطاقُ، وقاس عليها النوع الذي اتَّفق الناس على أنه لا يطاق، وأن وقوع ذلك النوع يستلزم لوقوع القسم المتَّفق على أنه لا يطاق، أو على جوازه = فقد أخطأ خطأً بيِّنًا (3)، فإن من قاس الصحيح المتمكِّن من
__________
(1) من قوله: “له وإنما … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(2) (ق): “غير العبد”!.
(3) سقطت من (ق).
(4/1614)
الفعل، القادر عليه، الذي لو أراده لفعله، على العاجز عن الفعل؛ إما لاستحالته في نفسه أو لعجزه عنه لجامع ما يشتركان فيه من كون الاستطاعة مع الفعل، ومن تعلَّق علم الرَّبِّ تعالى بعدم وقوع الفعل منهما = فقد جمع بين ما علم الفرق بينهما عقلًا وشرعًا (1) وحسًا، وهذا من أفسد القياس وأبطله، والعبد مأمورٌ من جهة الرَّبِّ تعالى ومنهىٌّ.
وعند هؤلاء: أنَّ أوامره تكليفٌ لما لا يطاقُ، فهي غير مقدورة للعبد، وهو مجبورٌ على ما فعله من نواهيه، فتركها غير مقدور له، فلا هو قادرٌ على فعل ما أمر به، ولا على ترك ما ارتكبه مما نهى عنه، بل هو مجبر في باب النَّواهي، مكلَّفٌ بما لا يُطيقه في باب الأوامر.
وبإزاء هؤلاء القدريَّة، الذين يقولون: إن فعل العبد لا يتوقَّف على مشيئة الله ولا هو مقدورٌ له سبحانه، وأنه يفعله بدون مشيئة الله لفعله، ويتركه بدون مشيئة الله لتركه، فهو الذي جعل نفسه مؤمنًا وكافرًا، وبرًا وفاجرًا، ومطيعًا وعاصيًا، والله لم يجعله كذلك، ولا شاء منه أفعاله، ولا خلقها، ولا يوصف بالقدرة عليها.
وقول هؤلاء شرٌّ من قول أولئك من وجهٍ، وقول أولئك شرٌّ من قول هؤلاء من وجهٍ وكلاهما ناكبٌ عن الحقِّ جائر (2) عن الصِّراط المستقيم (3).
__________
(1) (ق): “عمدًا ومشرعًا”.
(2) (ظ): “حائد”، و (ق): “حائز”.
(3) انظر في مسألة التكليف بما لا يُطاق: “شفاء العليل”: (1/ 320)، و”مجموع الفتاوى”: (8/ 293 – 294)، و”منهاج السنة”: (3/ 104 – 107).
(4/1615)
فائدة
قوله تعالى: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36)} [الشعراء: 36] هي جمع مدينة، وفيها قولان:
أحدهما: أنها فعيلةٌ واشتقاقها من: مدن، وعلى هذا فتهمزُ؛ لأنها فعائل كعقائل (1) وظرائف وبابه.
والثاني: أنها مفعلةٌ واشتقاقها من: دان يدين، وأصلها: مديونةٌ مفعولةٌ (2) من: دان، أي: مملوكة مذلَّلةٌ لملكها منقادةٌ له، وفُعِل بها ما فعل بمبيوع حتى صار مبيعًا، فعند الخليل أنك ألقيت ضمَّة الياء على الباء، فسكنت الياء، التي هي عين الفعل، وبعدها واو مفعول، (ق/384 أ) وهي ساكنةٌ، فاجتمع ساكنان فحذفت واو “مفعول” لأنها زائدةٌ، فهي أولى بالحذف من العين.
قال أبو الحسن الأخفش: المحذوف عين الفعل، والباقية هي واو “مفعول”، وإنما صارت ياءً؛ لأنهم لما ألقوا ضمَّة الياء على الباء انضمَّت الباء وبعدها ياءٌ ساكنة، فأبدلت الضَّمَّة كسرةً للياء التي بعدها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع الواو واو “مفعول”، بعد أن ألزمت (3) الفاء الكسرة التي حدثت لأجل الياء، فصادفت واو “مفعول” ساكنةً فقلبتها ياء.
ورجِّح قول الخليل بأنهم قالوا: “ماء مشيبٌ وأرضٌ مميتٌ عليها -أي مماتٌ عليها- وغارٌ منيلٌ -وهو الذي يُنال ما فيه من النَّوال-“.
__________
(1) (ق): “كفعائل”.
(2) (ع وظ): “مفعول”.
(3) (ظ): “لزمت”.
(4/1616)
وأصل هذه الكلمات: “مشيوبٌ ومميوتٌ ومنيولٌ”، فحذفوا واو “مفعول” وبقُّوا عين الفعل، ولا يجوز أن تكون المحذوفة اللام، وواو “مفعول” هي الباقية المنقلبة ياءً؛ لأنَّ واو “مفعول” إنما تقلب ياءً إذا اعتلَّت لام الفعل؛ كـ “مرمىٍّ ومقضيٍّ مقضيٍّ عليه”، وإلاَّ فإذا كانت لام الفعل صحيحةً بقيت واو “مفعول” على حالها؛ كـ”مضروب ومقتول”.
ورجِّح قول الأخفش بأنَّ واو “مفعول” جاءت لمعنى، فحذفها مخلٌ بما جاءت لأجله، ألا ترى أنهم يقولون: “مررت بقاضٍ” فيحذفون الياء الأصليَّة ويبقون التنوين؛ لأنه جاء لمعنىً.
ورجِّح أيضًا بأن العين قد أعلَّت في: “قال وباع، وقيل وبيع، ومبيع ومقولٍ” فلما اعتلَّت بالإسكان والقلب اعتلَّت بالحذف، وواو “مفعول” لم ينقلب من شيء ولم يعتلَّ في الفعل، فكان إبقاؤها وحذف المعتلِّ أوجب، وأيضًا فإن العين في “مقول ومبيع” حذفت في قولهم: “قل وبع” فلما حذفت هاهنا كانت أولى بالحذف في “مقول ومبيع”.
ولمن نصر قول الخليل أن يقول: الساكنان إذا التقيا في كلمةٍ واحدةٍ حُرِّك الثاني منهما، فكذلك إذا حذف أحد الساكنين من كلمةٍ يحذفُ الآخر منهما.
ولمن نصر قول (1) الأخفش أن يقول: هذا الدليل نقلبه عليكم، فنقول: إذا التقى الساكنان في كلمةٍ واحدةٍ حذف أولهما كـ: “خف وقل وبع” وقياس الحذف على الحذف أقرب من قياس الحذف على
__________
(1) من قوله: “الخليل أن … ” إلى هنا ساقط من (ق).
(4/1617)
الحرَكَة، وأيضًا فكما اعتلَّت العين بالقلب مع ألف فاعل كـ: “قائم (ظ/265 أ) وقائل” اعتلَّت بالحذف مع واو “مفعولٍ”.
قالت الخليليَّة: الميم في أول “مفعول” دالَّة على أنه اسم مفعول، فتبقى الواو زائدةً محضةً، فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصلي.
قالت الأخفشيَّة: الميم لا تستقلُّ (ق/384 ب) بالدلالة على المفعوليَّة، فإن “مبيعًا” يشبه “مسيرًا أو مقيلًا” من المصادر، ولا يتميَّزان إلا بواو “مفعول” فلا سبيل إلى حذفها، فصار في المدينة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها فعليةٌ من: مدن.
والثاني: مفعولةٌ (1) وعينها محذوفةٌ.
والثالث: مفعلةٌ وواو المفعول محذوفةٌ، فإن كانت المدائن فعائل تعيَّن همزها كصحائف، لأن المدَّة وقعت بعد ألف الجمع، وإن كانت مفعلةٌ كمعيشة، فلا تهمز؛ لأنها ليست بمدَّةٍ.
فإن قلت: فما تقول في قراءة من قرأ {معائش} بالهمز (2)؟ وهي جمع معيشةٍ، وياؤها ليست زائدةً، بل أصلها الحركة إما مفعلةٌ
__________
(1) (ق وع): “مقولة”.
(2) قال الإمام ابن مِهْران في “المبسوط في القراءات العشر”: (ص/179): “قرأ القراءُ كلُّهم (معايش) بغير همز، ولم يختلفوا فيه، إلا ما رواه أُسَيد عن الأعرج، وخارجة عن نافع أنهما همزاه، قيل: فأما نافع فهو غلط عليه؛ لأن الرواة عنه الثقات كلهم على خلاف ذلك، وقال أكثر القرَّاء وأهلُ النحو والعربية: إن الهمزة فيه لحن، وقال بعضهم: ليس بلحن وله وجه وإن كان بعيدًا” أهـ. وانظر: “تفسير الطبري”: (5/ 435)، والقرطبي: (7/ 167)، و”اللسان”: (6/ 321).
(4/1618)
وإما مِفعلةٌ، وكذلك ما تقول في همزهم “مصائب”، وهي جمع مصيبةٍ؟.
قلت: أما: معائش، فكدَّرت عيش أهل التصريف، حتى قال فيها أبو عثمان في “تصريفه” (1): وأما قراءة أهل المدينة {معائش} بالهمز فهي خطأٌ فلا يلتفت إليها، فإنما أخذت عن نافع بن أبى نعيم، ولم يكن يدري ما العربية، وله أحرف يقرؤها لحنًا نحوًا من هذا. وأما “مصائب” فلقد أصيبوا منها بمصائب.
قال المازنيُّ (2): وقد قالت العرب: “مصائب” فهمزوا، وهو من الغلط قالوا: حلأْت (3) السَّويق، وكأنهم توهَّموا أن “مصيبة” فعيلةٌ، فهمزوها حين جمعوها كما همزوا: “شقائق”، وإنما “مصيبة” مفعلةٌ من: أصاب يصيب، فأصلها: مصوبةٌ، فألقوا حركة الواو على الصَّاد، فانكسرت الصاد، وبعدها واوٌ ساكنة فأبدلت ياءً وأكثر العرب يقول: مصاوب، فيجيء بها على القياس وما ينبغي.
فيقال: ومن المصائب تخطئة العرب وأهل المدينة، ونحن إنما نجهد أنفسنا في استخراج المقاييس لنوافقهم فيما تكلَّموا به، فإذا
__________
(1) أبو عثمان هو: المازني، قاله في “التصريف”: (1/ 307 – مع شرحه المصنف) لابن جني. قال أبو الثناء الآلوسي في “روح المعاني”: (8/ 85): “وبالغ أبو عثمان فقال: إن نافعًا لم يكن يدري ما العربية، وتُعُقِّب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة، مأخوذة من الفصحاء الثقات، والعربُ قد تشبِّه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضًا. وقول سيبويه: إنها غلط، يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس، وكثيرًا ما يَستعمل الغلطَ في كتابه بهذا المعنى” اهـ.
(2) في “تصريفه”: (1/ 307).
(3) تحرفت في النسخ، وبياض في (ظ).
(4/1619)
كان ما ثَبَتَ عنهم خطأ ولحنًا، وخالفناهم فيه، لم نكن تابعين لهم ولا قاصدين لنَهج كلامهم، ولا ريب أن المهموز في هذا الجمع هو ما كانت حروف العلَّة في واحدة مدَّةً زائدةً كـ “صحيفةٍ ورسالةٍ وعجوز”، فإذا همزوا ما كان حرف العلة فيه أصليًّا في بعض المواضع، تشبيهًا له بما هو فيه مدَّة (1) زائدة، فأيُّ خطأٍ يلزمهم؟ وأي غلطٍ يسجَّل به عليهم؟!.
وطالما يخرجون الشيء من كلامهم عن أصله؛ لغرض ما من تشبيهٍ أو تخفيفٍ أو تنبيهٍ، على أنه كان ينبغي أن يكون كذا، ولأغراض عديدةٍ، أفتراهم لما صحَّحوا: “استحوذ”، فصحَّحوا ما حقه الإعلال كانوا مخطئين؟! وكذلك لما صحَّحوا: “استنوق”، فهلاَّ قلتم: إنَّ القوم لما ألقوا الهمزة بعد ألف مفاعل فيها (2) حرف العلَّة مدَّةٌ (ق/385 أ) في واحده لم يستنكروها في: “معايش ومصايب”؛ لأنَّ الموضع موضع همز، فليست الهمزة بشديدة الغربة في هذا الموضع.
ويا لَلعجب كم في اللغة من قلبٍ وإبدالٍ وحذفٍ غير مقيس، بل هو مسموعٌ سماعًا مجردًا ولو تُكُلِّم بغيره لكان غلطًا وخطأً، وإن كان مقتضى القياس!.
وقد ذكر (3) ابن جنِّي (4) من الأمثلة التي زعم أنها وقعت غلطًا في
__________
(1) هذه وما قبلها فى (ظ): “بمدة”.
(2) (ق): “مفاعيل ميمًا”.
(3) (ق): “كرر”، وغير بينة في (ظ).
(4) في “المصنف”: (1/ 309 – 311)، إلا أنه قال لما ذكر بعض ما تهمزه العرب مما لا يُهمز: “وأنا أري ما ورد عنهم من همز الألف الساكنة في “بأز وساق وتأبل” ونحو ذلك، إنما هو عن تَطرُّق وصَنعة، وليس اعتباطًا هكذا من غير مسكة … ” اهـ “الخصائص”: (3/ 147).
(4/1620)
كلامهم، ثم قال: “وإنما يجوز مثل هذا الغلط عليهم لما يستهويهم من الشَّبه؛ لأنهم ليست لهم قياساتٌ يعتصمون بها، وإنما يخلدون إلى طبائعهم”. وأين هذا من كلام الإمام (1) المقدَّم سيبويه حيث يقول (2): “وليس شيءٌ مما يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا”. وهذا من النُّحاة شبيهٌ من ردِّ الجهميَّة نصوص الصِّفات لمخالفتِها أقيستهم، ومن ردِّ أحاديث الأحكام عند مخالفتها الرأي، والمقصود بالأقيسة والاستنباطات فهم المنقول لا تخطئته، والله الموفق.
فائدة
“استطاع” استفعل، من طاع يطوع، ولم ينطق به، وإنما نطقوا بالرُّباعيِّ منه، فيقال (3): أطاعه وقالوا: طوَّع له كذا، أي: حسَّنهُ له وزيَّنه، وكأنه جعل نفسه مُطيعةً لداعيه، فالهمزة من “أطاعه” (4) همزة التَّعدية والنقل من اللُّزوم إلى التَّعدِّي، والتَّضعيف في “طوَّع” لكونه في معنى: حسَّن وزيَّن.
وأما السين والتاء في “استطاع”، فإمَّا أن تكون للوجودِ، أي: وجدته طوعًا لي، كاستجدته، أي: وجدته جيِّدًا، واستصوبت كلامَهُ، أي: وجدته صوابًا، واستعظمته، أي: وجدته عظيمًا.
وأما أن تكون للطَّلب، أي: طلبت أن يُطِيعني إذا أَمَرتُه (5) ولا يستعصي عليَّ بل يكون طوع قُدرتي، وقد يأتي هذا البناء بمعنى:
__________
(1) “الإمام” ليست في (ع وظ)، و “كلام” ليست في (ق).
(2) “الكتاب”: (1/ 32).
(3) (ق): “فقالوا”.
(4) (ق وظ): “في الطاعة”.
(5) (ع): “إذا باشرته”، (ق): “إذ أنا أمرته”.
(4/1621)
فعل كـ: “قرَّ واستقرَّ، ومرَّ واستمرَّ”، وقد يأتي بمعنى الصَّيرورة (ظ/265 ب) كـ: “استنوق البعير، واستحجر الطين”، وبابُهما الفعل اللازم، وقد يأتي موافق تفعَّل، كـ: “تعظم واستعظَم”.
وأما “استعتبت” فهو للطَّلب، أي: طلب الإعتاب، فهو لطلب مصدر الرُّباعيِّ الذي هو: “أعتب”، أي أزال عتبة، لا لطلب الثلاثيِّ الذي هو العتب، فقوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)} [فصلت: 24]، أي إن يطلبوا إعتابنا وإزالة عتبنا عليهم. ويقال: “عتب عليه” إذا أعرض عنه وغضب عليه، ثم يقال: استعتب السَّيِّد عبده، أي طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه، فأعتبته عبده، أي: أزال عتبه بطاعته. ويقال: استعتب العبد سيِّده، أي طلب منه أن يزيل غضبه وعتبه عنه، فأتبعه سيِّده، أي: فأزال (ق/385 ب) عتب نفسه عنه، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} أي: وإن يطلبوا إعتابنا وهو إزالة عتبنا عنهم فما هم من المزال عتبهم؛ لأنَّ الآخرة لا تقال فيها عثراتهم ولا يقبل فيها توبتهم.
وقوله: {لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)} [النحل: 84] أي: لا يطلب منهم إعتابنا، وإعتابه تعالى: إزالة عتبة بالتَّوبة والعمل الصَّالح، فلا يطلب منهم يوم القيامة أن يعتبوا ربَّهم فيزيلوا عتبَهُ بطاعته واتِّباع رسله.
وكذلك قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)} [الروم: 57]، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعاء الطائف: “لك العتبي” (1) هو اسمٌ من الإعتاب لا من العتب، أي أنت المطلوب إعتابه، ولك
__________
(1) تقدم 2/ 709.
(4/1622)
عَلَيَّ أن أعتبك وأرضيك بطاعتك، فأفعل ما ترضى به عنِّي، وما يزول به عتبك عليَّ، فالعتب منه على عبده، والعتبي والإعتاب له من عبده (1)، فهاهنا أربعة أمور:
الأول: العتب، وهو من الله تعالى، فإنَّ العبد لا يعتب على ربِّه، فإنه المحسن العادل، فلا يتصوَّر أن يعتب عليه عبده إلاَّ والعبد ظالمٌ، ومن ظن من المفسِّرين خلاف ذلك فقد غلط أقبح (2) غلطٍ.
الثاني: الإعتاب، وهو من الله ومن العبد باعتبارين، فإعتابُ الله عبده إزالة عتب نفسه عن عبده، وإعتاب العبد ربَّه إزالة عتب الله عليه، والعبد لا قدرة له على ذلك إلاَّ بتعاطي الأسباب التي يزول بها عتب الله تعالى عليه.
الثالث: الاستعتاب، وهو من الله إيضًا ومن العبد بالاعتبارين، فاللهُ تعالى يستعتب عباده، أي: يطلب منهم أن يعتبوه، ويزيلوا عتبة عليهم، ومنه قول ابن مسعود -وقد وقعت الزَّلزلة بالكوفة-: “إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه” (3)، والعبد يستعتب ربَّه، أي: يطلب منه إزالة عتبه.
الرابع: العتبي، وهي اسم الإعتاب.
فاشدد يديك بهذا الفصل الذي يعصمك من تخبيط كثيرٍ من المفسدين لهذه المواضع.
__________
(1) (ق وظ): “عنده”.
(2) (ق): “أخس”.
(3) ذكره ابن جرير في “تفسيره”: (8/ 100) بصيغة التمريض، وأخرج ابن أبي شيبة: (3/ 221) عن شهر بن حوشب مرسلًا أن المدينة زلزلت في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه”.
(4/1623)
ومنه قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل له، فأمَّا محسنٌ فلعلَّه أن يزداد، وإما مسيءٌ فلعلَّه أن يستَعتِب” (1) أي: يطلب من ربِّه إعتابه إيِّاه بتوفيقه للتَّوبة وقبولها منه، فيزول عتبهُ عليه.
والاستعتاب نظير الاسترضاء، وهو طلب الرِّضى، وفي الأثر: إنَّ العبد ليسترضى ربَّه (ق/386 أ) فيرضى عنه، وإن الله ليسترضي فيرضى.
لكنِّ الاسترضاء فوق الاستعتاب، فإنه طلب رضوان الله، والاستعتاب طلب إزالة غضبه وعتبه، وهما متلازمان.
رجعنا إلى (استطاع): وفيها خمس (2) لغات، هذه إحداها.
الثانية: اسطاع، بحذف تاء الافتعال تخفيفًا ومنه قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97].
الثالثة، اصطاع، بالصَّاد، وفيه أمران؛ أحدهما: حذفُ التاء،
والثاني: إبدال السين صادًا لأجل مجاورتها الطاء.
الرابعة (3) اسطَّاع، بإدغام التاء (4) في الطَّاء، وهو إدغامٌ على خلاف القياس؛ لأنَّ فيه التقاء السَّاكنين على غير حدِّهما.
الخامسة: أسطاع، بفتح الهمزة وقطعها وهي أشكَلُها، فقال سيبويه (5): السين عوضٌ عن ذهاب حركة العين؛ لأن أصله “أطوع”
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (5673) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) (ق وظ): “أربع” وهو خطأ.
(3) (ق وظ): “الثالثة” وما بعدها “الرابعة” وهو وهم.
(4) (ق وظ): “السين”!.
(5) انظر: “سر صناعة الإعراب” (1/ 200 – 201)، و”اللسان”: (8/ 242 – 243)، وفيهما تعقُّب المبرّد.
(4/1624)
فنقِلَت فتحه الواو إلى الطاء، ثم أُعلَّ بقلب واوه ألفا لتحرُّكها أصلًا وانتفاح ما قبلها لفظًا، فزيدت السين عوضًا من ذهاب حركة العين.
وتعقب المبرِّد هذا على سيبويه، وقال: إنما يعوَّض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا، وحركة العين منقولةٌ إلى الفاء فلم تعدم.
وأجيب عن هذا: بأنَّ العين لما سكنت وهنت وتهيَّأت للحذف عند سكون اللام، نحو: لم يطع وأطعت، فلو بقيت حركتها فيها لما تطرَّق إليها الحذف، بل كنت تقول: لم يطوع وأطوعت، فزيدت السين ليكون عوضًا من هذا الإعلال المتضمِّن لثلاثة أمور: نقل حركة المتحرِّك، ووهنه بالسكون، وتعريضه للحذف عند سكون ما بعده، فجبروا هذا الإعلال هذا بزيادة السين في أوله.
ونظير هذا سواء قولهم: إهراق، فإنَّ أصله “أراق” فقلبت عينُه ألفًا بعد تسكينها، فصارت عرضةً للحذف، كقولك: لم يُرق وأرقت، فأُعلَّ بالنَّقل والقلب والحذف، فعوِّضت الهاء في أوله جبرًا لإعلالِه، وأما “أراق” فعلى الأصل، وأما “هراق” (ظ/266 أ) فعلى إبدال الهمزة هاءً لمجاورتها في المخرج.
ونظيره -أيضا- قولهم: اهراح في أراح يريح، هذا قول البصريِّين.
وقال الفرَّاء: أصله “استطاع”، ثم حذفوا التاء، فعوِّضوا منها فتحَ الهمزة وقطعها، وهذا الذي قاله أقلُّ عملًا وأبعد من التَّكلُّف.
وردَّ عليه بأنهم قالوا: “اسطاع” بكسر الهمزة ووصلِها مع حذف التاء، فلو كان حذف (ق/386 ب) التاء يوجب الفتح والقطع لما عدلوا عنه، وهذا ظلم للفرَّاء، فإنه لم يدَّعِ لزوم ذلك، وإنما ذكر ان هذا
(4/1625)
الحذف مسوِّغٌ للفتح والقطع. ويقال: ولو كان ما ذكرتم من الإعلالِ مسوِّغٌ لزيادة السين والهاء لاطَّراد في: أقام وأنام وأجادَ (1) وأقال وما لا يحصى، وليس نقضكم عليه بأقلَّ من نقوضه، فعلم أن هذه مسوِّغاتٌ لا موجباتٌ.
فائدة
يقال مجنونٌ ومغبونٌ ومهروعٌ مخفوعٌ ومعتوهٌ وممتوهٌ ومُمتَّهٌ وممسوسٌ، وبه لمم (2)، ومصابٌ في عقله، فهذه عشرة ألفاظٍ. وأما مخروعٌ فصحَّفها العامَّة من مهروع.
__________
(1) (ق): “وأفاد”.
(2) (ق): “بلم”، (ع): “بلص”.
(4/1626)
فائدة
دلالة الاقتران: تظهر قوَّتها في موطنٍ، وضعفها في موطنٍ، وتساوى الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظٌ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله قويت الدلالة، كقوله – صلى الله عليه وسلم -: “الفطرة خمسٌ” (1)، وفي مسلم: “عشرٌ من الفطرة” (2)، ثم فصَّلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السُّنَّة، والسُّنَّة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان؛ لكن تلك المقدمتان ممنوعتان فليست الفطرة بمرادفة للسُّنَّة، ولا السُّنَّة في لفظ النبي – صلى الله عليه وسلم – هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاحٌ وضعيٌّ لا يُحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم -: “حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يغتسل يوم الجمعة، ويستاك ويمسَّ من طيب بيته” (3)، فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحقِّ عليه، فإذا كان حقًّا مستحبًّا في اثنين منها كان في الثالث مستحبًّا، وأبين من هذا قوله: “وبالغ في الاستنشاق” (4)، فإنَّ اللفظ تضمَّن الاستنشاق والمبالغة فيه (5)، فإذا كان أحدها مستحبًّا فالآخر كذلك (6).
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (5889)، ومسلم رقم (257) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2) رقم (261) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(3) أخرجه البخاري رقم (879)، ومسلم رقم (846) من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-.
(4) أخرجه أحمد: (26/ 206 رقم 16380)، وأبو داود رقم (142)، والنسائي: (1/ 66)، وابن ماجه رقم (448)، وابن حبان “الإحسان”: (3/ 368)، والحاكم: (1/ 148) من حديث لقيط بن صبرة -رضي الله عنه-. وسنده صحيح.
(5) من (ق).
(6) (ق): “فكذلك الآخر”.
(4/1627)
ولقائل أن يقول: اشتراك المستحبِّ والمفروض في لفظ واحدٍ (1) عامٍّ لا يقتضي تساويهما لا لغةً ولا عرفًا، فإنهما إذا اشتركا في شيءٍ لم يمتنع افتراقهما في شيءٍ، فإن المختلفات تشترك في لازم واحدٍ، فيشتركان في أمر عامٍّ ويفترقان بخواصِّهما، فالاقتران كمًا لا يُثبتُ لأحدهما خاصيَّةً، لا ينفيها عنه، فتأمَّله، وإنما يثبت لهما الاشتراكُ في أمرٍ عامٍّ فقط.
وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه: فعند تعدُّد الجمل، واستقلال كلِّ واحدةٍ منهما بنفسها، كقوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدَّائم، ولا يغتسل فيه من جنابةٍ” (2) وقوله: “لا يقتل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده” (3)، فالتَّعرُّض لدلالة الاقتران هاهنا في غاية الضَّعف والفساد، فإنَّ كلَّ جملةٍ مفيدةٌ لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردةً به عن الجملة الأخرى، واشتراكهما (ق/387 أ) في مجرَّد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، وإنما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف (4) مفردًا على مفردٍ، فإنه يشترك بينهما في العامل، كـ “قام زيدٌ وعمرٌو” وأما نحو: “اقتل زيدًا وأكرم بكرًا” فلا اشتراك في معنى.
وأبعد من ذلك: ظنُّ من ظنَّ أنَّ تقييد الجملة السَّابقة بظرفٍ أو
__________
(1) من (ق).
(2) أخرجه أحمد: (15/ 365 رقم 9596)، وأبو داود رقم (70)، وابن حبان “الإحسان”: (4/ 68)، والبيهقي: (1/ 238)، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – وهو حديث صحيح.
(3) تقدم (4/ 1325).
(4) من قوله: “لا يوجب … ” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1628)
حالٍ أو مجرورٍ يستلزم تقييد الثانية، وهذا دعوى مجرَّدةٌ بل فاسدةٌ قطعًا، ومن تأمَّل تراكيب الكلام العربيِّ جزم ببطلانها.
وأما موطن التَّساوى؛ فحيث كان العطف ظاهرًا في التَّسوية، وقصد المتكلِّم ظاهرًا في الفرق، فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر، وإلاَّ طلب الترجيح، والله أعلم.
فائدة
“رضي” لامُه واوٌ؛ لأنه من الرِّضوان، وانقلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها، وقالوا في الماضي المسند إلى اثنين: “رضيا” بالياء، وجاءوا إلى [المضارع] (1) فقالوا: “يرضيان” بالياء، والقياس: يرضوان، إذ لا موجب لقلب الواو ياءً، ولكن حملوا “يرضيان” على “رضيا”، كما حملوا “أعطيا” على “يعطيان”، ولم يقولوا: “أعطوا”، وذلك ليجري الباب على سننٍ واحدٍ، ولا يختلف عليهم.
فائدة
إنما امتنعوا من النُّطق بأفعال: (ويلَه ووَيحَه ووَيسَه ووَيبَه)؛ لأنه لفيفٌ مقرونٌ، فلو وضعوا له فعلًا لوقعت الواو بعد حرف المضارَعة، وذلك يوجب إعلالها بالحذف كـ (يعد ويزن ويثق) (ظ/266 ب) ووقعت العين، وهي حرف علَّة أيضًا ثالثةً، وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها، وإعلالها بالإسكان (2) كـ (يَبيعُ ويَحيدُ) فيتوالى عليهم إعلالاتٌ (3) في كلمةٍ واحدةٍ، وهم لا يسمحون بذلك، فرفضوا الفعل رأسًا.
__________
(1) في الأصول: “الماضي” وهو خطأ.
(2) (ق): “بالساكن”.
(3) (ق وظ): “إعلالان”.
(4/1629)
فائدة
قوله تعالى لإبليس: {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)} [الإسراء: 63] أعاد الضمير بلفظ الخطاب، وإن كان {فَمَنْ تَبِعَكَ} يقتضي الغيبة؛ لأنه اجتمع مخاطبٌ وغائبٌ، فغلِّب المخاطب، وجعل الغائب تبعًا له، كما كان تبعًا له في المعصية والعقوبة، فحسن أن يجعل تبعًا له في اللفظ، وهذا من حسن (1) ارتباط اللفظ بالمعنى واتِّصاله به.
وانتصب {جَزَاءً مَوْفُورًا (63)} عند ابن مالك على المصدر، وعامله عنده المصدر الأوِّل.
قال (2): والمصدرُ يعمل في المصدر، تقول: “عجبت من قيامك قيامًا”، ويعمل فيه الفعل نحو: “قام قيامًا”، واسم الفاعل: كقوله (3):
فَأَصْبَحتُ لا أقرَبُ الغَانِيَا … تِ مُزدَجِرًا عَنْ هَوَاها ازدِجَارا
واسم المفعول نحو: “هو مطلوبٌ طلبًا”.
وبَعْدُ؛ ففي نصب (ق/387 ب) “جزاء” قولانِ آخرانِ:
أحدهما: أنه منصوبٌ بما في معنى: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} [الإسراء: 63] من الفعل، فإنه متضمِّنٌ لـ “تجازون” وهو الناصب “جزاءً”.
والثاني: أنه حالٌ، وساغ وقوع المصدر حالًا هاهنا؛ لأنه موصوفٌ.
__________
(1) (ق): “وهو من أحسن … “.
(2) يعني ابن مالك، ولم أعثر على كلامه في “التسهيل” ولا في “شرح الكافية”.
(3) هو الأعشى “ديوانه”: (ص/ 80).
(4/1630)
ذكر الزمخشريُّ (1) هذين القولين، وهذا كما تقول: “خُذْ عَطَاءَك عطاءً موفورًا”.
والذي يظهر في الآية: أن “جزاءً” ليس بمصدر، وإنما هو اسمٌ للحظِّ والنَّصيب، فليس مصدر “جزيته جزاءً”، بل هو كالعطاء والنَّصيب، ولهذا وصفه بأنه موفورا أي: تامٌ لا نقص فيه، وعلى هذا فنصبه على الاختصاص، وهو يشبه نصب الصِّفات المقطوعة، وهذا كما قال الزمخشريُّ وغيره في قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)} [النساء: 7] قال: نصبه على الاختصاص أي: أعني نصيبًا مفروضًا، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكَّدة، كقوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} (2) [النساء: 11].
فائدة
المسك: يذكَّر (3) بدليل قولهم: “أذفر” وقد ظنَّ بعضُهم تأنيثه محتجًّا بقوله (4):
مرَّت بنا ما بَيْنَ أتْرَابِها … والمِسْكُ مِن أَرْدَانِهَا نَافِحَهْ
__________
(1) في “الكشاف”: (2/ 366 – 367).
(2) ذكره في “الكشَّاف”: (1/ 249).
(3) (ظ): “مذكر”.
(4) البيت في “شرح الأشموني”: (2/ 324)، و”الهمع”: (2/ 51)، وصدره هناك:
* مَرَّت بنا في نسوةٍ خَوْلَةٌ *
وذكر في “اللسان”: (10/ 486) أنه مذكر وأنَّثه بعضُهم على أنه جمع واحدته مسكة … وذكر بيتًا لجران العود فيه تأنيث المسك، إلا أنه خرجه على أنه ذهب به إلى “ريح المسك”.
(4/1631)
ولا يثبُتُ التأنيثُ بمثل ذلك؛ لأنه خبرٌ عن مضافٍ محذوف، أي: رائحةُ المِسْكِ، وهذا يجوزُ عند أَمْنِ اللَّبْسِ.
فائدة (1)
من كُلِّيَّاتِ النَّحْو: كلُّ صفْةِ نكرةٍ قُدِّمت عليها انقلبتْ حالًا، لاستحالَةِ كونِها صفةً تابعةً مع تَقَدُّمها فجعلتْ حالًا، ففارقها لفظُ الصِّفَةِ لا معناها، فإنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى.
وكلُّ صِفَةِ علمٍ قُدِّمت عليه انقلبَ الموصوفُ عطفَ بيانٍ نحو: “مَرَرْتُ بالكريمِ زَيْدٍ” وكذلك غيرُ العَلَمِ كقولك: “مَرَرْتُ بالكريمِ أخِيكَ”؛ لأن الثانيَ تابعٌ للأول (2) مبيِّنٌ له، وكلُ تابعٍ صلح للبَدَلِيَّةِ وعطف البيان نظرتَ فيه، فإن تضمَّنَ زيادةَ بيان فجعله عطفًا أوْلى من جعلِهِ بَدَلًا، وإن لم يتضمَّنْ ذلك فجعله بَدَلًا أولى، مثالُ الأوَّلِ: قولُه تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95]، وقوله: {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [النور: 35]، وقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32)} [النبأ: 31 – 32].
فائدة
الأفعالُ ثلاثة؛ ماضٍ ومضارعٌ وأمْرٌ:
فالأمرُ: لا يكونُ إلَّا للاستقبال، ولذلك فلا (3) يَقْتَرَنُ به ما يجعلُه لغيره، وأما ورودهُ لمن هو ملتبسٌ بالفعلِ فلا يكونُ المطلوبُ منه إلَّا
__________
(1) (ق وظ): “فوائد”.
(2) (ع): “له”.
(3) (ق): “لم”.
(4/1632)
أمرًا متجدِّدًا، وهو إما الاستدامَةُ، وإما تكميلُ المأمورِ به نحو: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136].
وأما الماضي: فَيُصْرَفُ إلى الاستقبالِ بعد أدواتِ الشَّرْطِ (ق/388 أ) في (1) الوعدِ والإنشاءِ ونحوه، لا في الخبر، كقوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26] {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [يوسف: 27]، وكقوله: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] وكقول النبي -صَلى الله علَيه وسلم- لعائشة: “إنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِليْهِ” (2)، ونظائرُه كثيرةٌ جدًّا.
ولا يخفى فسادُ تأويلِ ذلك: بأن المعنى إن يثْبُتْ في المستقبل وقوعُ ذلك في الماضي! أفترى الحسيح يقولُ لربِّهِ: إد يثبتْ في المستقبلِ أني قلتُهُ في الماضي فقد علمْتَهُ، وهل هذا إلَّا فاسدٌ من الكلامِ ممتنعٌ من العاقلِ إطلاقُهُ، وكذلك قولُ النبيِّ -صَلى الله علَيه وسلم- لعائشةَ إنما أرادَ: إن كان وُجِدَ فيما مضى ذنبٌ فتداركيهِ بالتَّوْبَةِ.
وأما ما يصيرُ به الماضي مستقبلًا فكقولِكَ: “إنْ أقَمْتَ (3) أَكْرَمْتُكَ وإنْ زُرْتَنِي أَحْسَنْتُ إِليْكَ” فهذا ماضي اللَّفظِ مستقبلُ المعنى، وللنُّحاة هاهنا مسلكانِ:
أحدهما: أن التغيير وقَعَ في لفظ الفعل، وكان الموضِعُ للمستقبَلِ، فَغُيِّرَ إلى لفظ الماضي، والأداة هي التي تَصَرَّفَتْ في تغييره، وهذا (ظ/267 أ) اختيارُ أبي العباس المُبَرِّد.
__________
(1) (ق): “وفي”.
(2) قطعة من حديث الإفك الطويل، أخرجه البخاري رقم (2593)، ومسلم رقم (2770).
(3) (ق): “قمت”.
(4/1633)
والثاني: أن التغييرَ إنما هو في المعنى، والأداةُ وَرَدَتْ على فعل ماضٍ، فغيرت معناه إلى الاستقبال، وهذا هو الصَّوابُ؛ لأنَّ الأدواتِ المغَيِّرَةَ للكَلِم إنما تُغَيِّرُ معانيَها دونَ ألفاظِها، كالاستفهام المغيِّرِ لمعنى ما بعدَه من الخبرِ إلى الطلبِ، وكالتَّمَنِّي والتَّرَجِّي والطَّلَب (1) والنفي، ونظائره، ويتصرَّف إلى الحال بقرينةِ الإنشاءِ، كـ: “تَزَوَّجْتُ وبعْتُكَ وطَلّقْتُكِ”، على أحدِ القولين في هذه الصِّيَغِ. ومَنْ جَعَلَها إخبارًا عمَّا قام بالنفسِ فهي ماضِيَةٌ على بابِها (2).
والتحقيقُ: أنها إنشاءٌ للخارجِ إخبارٌ عما في النفس، فجهةُ الخَبَرِ فيها لا تُنافي جهةَ الإنشاءِ.
ويتصرَّفُ إلى الاستقبالِ بقرينةِ الطلبِ والدُّعاءِ، كقولك: “غَفَرَ اللهُ لك، وأدخلَكَ الجَنَّةَ، وأعاذَكَ من النَّار”، ونحو “عَزَمْتُ عليك إلّا فَعَلْتَ”. ويتصرَّف إليه أيضًا بالوعد عند بعضِهم، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69]، و {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] ونحوه، وفيه نظر ظاهر للمتأمل.
ويتصرَّفُ أيضًا إلى الاستقبال بعطفِه على ما علم استقبالُه، كقوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98] {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النمل: 87].
ويتصرف إلى الاستقبال أيضًا بالنفي بـ “لا” و”إنْ” بعد القَسَم، كقوله تعالى: {وَلَئِنْ (ق/388 ب) زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 41]، وكقول الشاعر:
__________
(1) من (ق).
(2) (ق): “حالها”.
(4/1634)
رِدُوا فواللهِ لا ذُدْنَاكُمُ أبدًا … ما دامَ في مائِنَا وِرْدٌ لِنُزَّالِ (1)
ويحتملُ المضيَّ والاستقبال بعد همزة التَّسوية نحو: “سَوَاءٌ عَلَيَّ أَقُمْتَ أم قَعَدْتَ”، والصواب أن المُرَادَ هنا المصدرُ المدلولُ بالفعل، وهو أعمُّ من الحالِ والاستقبالِ، فلم يجيءْ الاحتمالُ من جهة الهمزة، بل من جهةِ القصدِ إلى المصدرِ.
فإن قلت: فلو اقترن الفعلُ الواقعُ بعدَ “أم” بـ: “لم” فهل يصلحُ الماضي للحالِ والاستقبال أم يتعيَّنُ المضي؟.
قلتُ: ذهب صاحب “التسهيل” (2) إلى تعيّن المضيِّ، واحتجَّ بقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، والصوابُ: أنه لا يتعيَّنُ المضيُّ، فإنَّ المعنى: سواءٌ عليهم الإنذارُ وعَدَمُهُ، فلا فَرْقَ بَيْنَ ذلك وبَيْنَ أن يُقَالَ: “سَوَاءٌ عليهِم أأَنْذَرْتَ أم تَرَكْتَ الإنذارَ” (3).
وكذلك لو كان بعدَ “أم” جملةٌ إسميَّةٌ لم يتعيَّنِ المضيُّ في الفعل، كقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193]، وإذا وقع الماضي بعدَ حرف التَّحضيضِ صَلَحَ أيضًا للماضي والمستقبلِ، كقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (4) [التوبة: 122]، والصوابُ: أن الماضِيَ هاهنا باقٍ على وضعِهِ لم يتغيَّرْ عنه، كقوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود: 116] ويقول: هلا اتقيتَ الله فيما أتيتَ، والآيةُ
__________
(1) ذكره في “الهمع”: (1/ 9)، (2/ 41).
(2) ليس هذا النقل في “التسهيل” ولا في “شرح الكافية”.
(3) في هامش (ع) حاشية نصُّها: “هذا فيه نظر، فإن ما بعد “لم” ماضي المعنى قطعًا؛ فكيف يصح أن يكون التقدير: “أم تركتَ الإنذار”؟! ” أهـ.
(4) (ع وظ) إلى قوله “طائفة” وتكملتها من (ق).
(4/1635)
إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذمِّ المتخلفينَ عن رسول الله -صَلى الله علَيه وسلم- فأخبرَ تعالى أن المؤمنينَ لم يكونوا لينفروا كافَّةً، ثم وبَّخهم توبيخًا متضمِّنًا للحضِّ على أن ينفرَ بعضهم ويقعدَ بعضُهم.
وأصح القولين: أنه ينفرُ منهم طائفةٌ في السَّرَايا والبعوثِ، وتقعدُ طائفةٌ تَتَفَقَّهُ في الدين فتنذرُ القاعدةُ الطائفةَ النافِرَةَ إذا رَجَعَتْ إليهم، وتخبرُهم بما نَزَلَ بعدَهم من الحلالِ والحرامِ والأحكامِ؛ لوجوه:
أحدها: أن الآيةَ إنما هي في سياقِ النَّفِيرِ في الجهاد وتوبيخِ القاعدينَ عنه.
الثاني: أن النفيرَ إنما يكونُ في الغزو، ولا يقالُ لمن سافر في طلب العلم: إنه نَفَرَ ولا استنفَرَ، ولا يقالُ للسفر فيه: نفيرٌ.
الثالث: أن الآية تكونُ قد اشتملتْ على بيان حكمِ النَّافرين والقاعدينَ، وعلى بيانِ اشتِراكِهم في الجهادِ والعلمِ، فالنَّافرونَ أهلُ الجهاد، والقاعدونَ أهلُ التَّفَقُّهِ، والدِّينُ إنما يتمُّ بالجهاد والعلم، فإذا اشتغلت طَائفةٌ بالجهادِ (ق/389 أ) وطائفةٌ بالتَّفَقُّهِ في الدِّين، ثم يُعَلِّم أهلُ الفقهِ المجاهدينَ إذا رجعوا إليهم، حصلتِ المصلحةُ بالعلمِ والجهادِ وهذا الأليقُ بالآية، والأكملُ لمعناها، وأما إذا جُعِل النفيرُ فيها نفيرًا لطلبِ العلمِ لم يكنْ فيها تعرُّضٌ للجهادِ، مع إخراجِ النفيرِ عن موضوعه (1).
والذي أوجبَ لهم دعوى أن النفيرَ في طلب العلم: أنهم رَأوا الضميرَ إنما يعودُ علي المذكور القريبِ، فالمُنْذِرونَ هم النَّافِرُونَ وهم المُتَفَقِّهونَ.
__________
(1) (ظ): “موضعه”.
(4/1636)
وجوابُ هذا: أن الضميرَ إنما يرجعُ إلى الأقرب (1) عند سلامتِه من معارِضٍ يقتضي الأبعدَ، وقد بَيَّنَّا أن السياقَ يقتضي أن القاعدَ هو المتفَقِّهُ المنذرُ للنافرِ الراجعِ.
والمقصودُ أن “نفر” في الآية ماضٍ، وإنما يفهمُ منه الاستقبال؛ لأن التحضيضَ يؤذِنُ به، والتحقيقُ في هذا الموضِع: أن لفظة “لولا” و”هلَّا” إن تجرَّدَ للتوبيخ لم يتغيرْ الماضي عن وضعِه، وإن تجرَّدَ للتَّحْضيض تَغَيَّرَ إلى الاستقبال (2). وإن كان توبيخًا مُشْرَبًا معنى التَّحضيض صَلَحَ للأمرينِ، وإن وقع بعدَ “كلما” (ظ/267 ب) جازَ أن يُرَادَ به المُضِيُّ كقوله تعالى: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: 44] وأنْ يُراد به الاستقبال كقولِه: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56].
وقد ظن صاحبُ “التسهيل” (3) أنه إذا وقع صِلَةً للموصول جاز أن يُرَادَ به الاستقبالُ محتجًّا بقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)} [المائدة: 34]، وهذا وهمٌ منه -رحمه اللهُ- والفعلُ ماضٍ لفظًا ومعنىً، والمرادُ: إلا الذين تقدَّمَتْ تَوْبَتُهم القُدْرَةَ عليهم، فخلُّوا سبيلَهم، والاستقبالُ الذي لحظه -رحمه الله- إنما هو لما تضمَّنه الكلامُ من معنى الشرط، ففيه معنى: من تاب قبل أن تقدروا عليهِ فخلُّوا سبيلَه، فلم يجيءْ هذا من قبل الصِّلةِ، ولو تجرَّدَتِ (4) الصِّلَةُ عن معنى الشرط، لم يكن الفعلُ إلَّا ماضيًا وضعًا
__________
(1) (ق): “القريب”.
(2) من قوله “لأن التحضيض. . .”، إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) انظر (4/ 1635، حاشية 2).
(4) (ع وظ): “تحركت”.
(4/1637)
ومعنى، كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]، ونظائره.
وأما قولُه: “نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي” (1)، فقال صاحب “التسهيل” (2): إن الاستقبال في “سمع” جاء من كونِه وقع صفةً لنكرةٍ عامةٍ، وهذا وهمٌ -أيضًا- فإنَّ ذلك لا يوجِبُ استقبالًا بحالٍ، تقولُ: “كم مالٍ أنفقتَهُ، وكم رجلٍ لقيتَهُ، وكم نعمةٍ كَفَرها أبو جهلٍ، وكم مشهدٍ شهِدَه عليٌّ مع رسول الله -صَلى الله علَيه وسلم-“، وإنما جاء الاستقبالُ من جهةِ ما تضمَّنه الكلامُ من الشرطِ، فهو في قُوَّة: “مَن سَمِعَ مقالتي فوعاها نَضَّرَهُ اللهُ”، فتأَمَّلْه.
وكذلك إذا وقعَ (ق/389 ب) مضافًا إليه حيث صَلَحَ للاستقبال إذا تضمَّنتْ معنى الشرط، كقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]، فلم يأتِ الاستقبالُ هاهنا من قِبل “حيثُ” كما ظنَّه، وإنما جاء من قِبَل: ما تضمَّنه الكلامُ من الشرط، ولهذا لو تجرَّدَ من الشرط لم يكنْ إلَّا للمضيِّ، كقولك: “اذهبْ حيثُ ذَهَبَ فلانٌ”. وأما قول الشاعر (3):
وإني لآتيكم بتذكار (4) ما مَضَى … من الأمرِ واستحبابِ ما كانَ في غَدِ فلم تكن “كان” هاهنا مستقبلةَ المعنى لكونِها في صلَةِ الموصول،
__________
(1) أخرجه أحمد: (21/ 60 رقم 13350)، وابن ماجه رقم (236) وغيرهما من حديث أنسٍ -رضي الله عنه- وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة، يُصحح الحديث بها.
(2) انظر ما تقدم.
(3) البيت للطرماح “ديوانه”: (ص/572 – الملحق)، وهو في “الخصائص”:
(3/ 331).
(4) في النسخ: “بذكر”!.
(4/1638)
بدليلِ وقوعِها للمضي في قوله: “ما مَضَى من الأمر”، وإنما جاءَ الاستقبالُ من جهة الظرفِ الذي جُعِلَ وقتًا للفعل.
فصل
وإذا نُفِيَ المضارع بـ “لا” فهل يختَصُّ بالاستقبال أو يصلحُ له وللحال؟
مذهبانِ للنُّحَاةِ؛ مذهب الأخفش: صلاحِيَّتُه لهما، ووافقه ابنُ مالك (1)، وزعم أنه لازمٌ لسيبويه، محتجًّا بإجماعهم على صحة. “قامَ القَوْمُ لا يكُونُ زَيْدًا” فهو بمعنى: “إلا زيدًا”.
ومن ذلك قولهم: “أتُحِبُّه أمْ لا تُحِبُّهُ؟ ” و”أتظنُّ ذلكَ أمْ لا تَظُنُّهُ؟ “، لا رَيْبَ أنه بمعنى الحال، وقولهم: “ما لك لا تَقْبَلُ وأراكَ لا تُبَالي”، قال تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [المائدة: 84] و {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] و {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20] {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] وزعم الزمخشريُّ (2) أنه يَتَخَلَّصُ بها للاستقبالِ أخذًا من قول سيبويهِ (3): “وإذا قال: “هو يَفْعَلُ” ولم يكن الفعلُ واقعًا، فإنَّ نفيَهُ: “لا يفعل” “، وهذا ليس صريحًا في اختصاصِهِ بالمستقبل، فإن (لا) تنفي الحالَ والاستقبالَ، وهو لم يقلْ: لا تنفي الحالَ، وإنما أراد سيبويه أن يفرِّقَ بينَ نفي الفعل بـ “ما” ونفيه بـ “لا” في أكثر الأمر، فقال: “وإذا قال: هو يفعلُ، أي: هو في حالِ فعلٍ، كان نفيُه ما يفعل، وإذا قال: هو يفعلُ، ولم يكن الفعلُ واقعًا، فإن نفيَهُ
__________
(1) لم أعثر على كلامه.
(2) في “المفصَّل”: (8/ 107 – 108 – مع شرحه لابن يعيش).
(3) في “الكتاب”: (3/ 117).
(4/1639)
لا يفعل”، ومعلوم أنَّ “ما” لا يخلصُ الفعل المنفي بها للحالِ، وسيبويه قد جعلَها في فعل الحال كـ “لا” في فعل الاستقبالِ، فعلم أنه إنما أراد الأكثرَ من استعمال الحرفين.
وتأمَّلْ كيف جاءَ نفيُ المضارعِ وهو مرفوع بـ “ما ولا” وهما لا يُزيلانِ رفعه لتشاكُلِ المنفي للمُثْبَتِ، ويقابل مرفوع بمرفوع، والمشاكلةُ مُهِمة (1) في كلامِهم، حتى يغيِّروا لها بعضى الألفاظ، كقولِهم: أخذه ما قَدُمَ وما حَدُثَ، والغَدَايا والعَشَايا، ونظائره.
وترجح الحالُ بدحْول لام الابتداء (ق/ 390 أ) عليه نحو: “إني لأحبُّكَ”، وأما قوله تعالى حكاية على يعقوب: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف: 13]، وذهابهم مستقبلٌ، وهو فاعلُ الحزن، ويمتنعُ أن يكون الفاعل مستقبلًا والفعلُ حالًا.
فزعم صاحبُ “التسهيل” أن هذا دليلٌ على أن اللام لا تخلصُ للحالية، واحتجَّ أيضًا بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النحل: 124]، ولقائل أن يقول: التخلُّصُ (2) إنما يكونُ باللام المجردة، وأما إذا اقترن بالفعل قرينةٌ تخلِّصه للاستقبال، لم تكن اللام للحال، وهذا كـ: “سَوْفَ” كما في قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، فلولا هذه القرائنُ لتخلَّصَ للحالِ، وهذا كان مع “لم” كقوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا} [المائدة: 73]، فـ “إنْ” منعتِ اقتضاءَ “لم” للمضي، وأمَّا “الآنَ” و”آنِفًا” و”الساعةَ” فمخلِّصة للحال خلافًا لبعضهم.
__________
(1) تحتمل: “فهمه”.
(2) (ق وظ): “التخليص”.
(4/1640)
واحتجَّ بقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] والأمر إنما يكونُ للمستقبل، وقد عمل في “الآن”.
وأجيبَ (ظ/268 أ) عن ذلك بأنَّ “الآن” هنا هو الزَّمَنُ المُتَّصِلُ أوَّلُه بالحالِ مستمرًّا في الاستقبال، فعبَّر عنه بـ “الآن” اعتبارًا بأوله، كقوله تعالى: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)} [الجن: 9]، والصواب أن “الآنَ” في الآية ظرفٌ للأمر والإباحة لا لفعلِ المأمور به، والمعنى: فالآنَ أَبَحْتُ لكم مباشَرَتَهُنَّ، لا أن المعنى: فالآن مُدَّةُ وقوع المباشرة منكم، وترجح الحاليَّة بنفيه بـ “ما وليس وإن” كقوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]، وكقوله: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109]، ومثالُ نفيه: بـ “ليس” قولُ الشاعر (1):
ولستُ وبَيْتِ اللهِ أَرْضَى بِمِثْلِها … ولكنَّ مَنْ يَمْشِي سَيَرْضَى بِما رَكِبْ
وأما قوله (2):
فما مِثْلُه فيهمْ ولا كانَ قَبْلَهُ … وليس يكونُ الدَهْرَ ما دامَ يَذْبُلُ
فإنما جاء للاستقبال من تقسيم النفي إلى ماض وحال ومستقبل.
وقال ابن مالك: لا يخلصُه النفيُ بذلك للاستقبال، واحتجَّ بهذا البيت، وبقوله (3):
والمرءُ سَاعٍ لأَمْرٍ ليسَ يُدْرِكُهُ … والعَيْشُ شُحٌّ وإشْفَاقٌ وَتَأْمِيلُ
__________
(1) ذكره الزمخشري في “المستقصى”: (2/ 380)، ولم ينسبه، وعجزه يروى لجحظة البرمكي في “ديوانه” (ص/37)، وصدره: “ولا عن رضى كان الحمار مطيتي”.
(2) البيت لحسَّان بن ثابت -رضي الله عنه- “ديوانه”: (1/ 433) من قصيدة يمدح بها الزبير -رضي الله عنه-.
(3) البيت لعبدة بن الطبيب، “ديوانه”: (ص/ 75).
(4/1641)
وبقول أبي ذُؤَيْب (1):
أَوْدَى بَنِيَّ وأودعوني حَسْرَةً … عندَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً ما تُقْلِعُ
وبقول [الأعشى] (2) يمدحُ النبيَّ -صَلى الله علَيه وسلم-:
له نافلاتٌ ما يُغِبُّ نَوَالَها … وليس عَطَاءُ اليومِ مانِعَهُ غدًا
وبقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: 15].
والتحقيقُ في ذلك: أن هذه الأدواتِ تنفي الفعلَ المبتدئَ من الحال، مستمر النفي في الاستقبال، فلا تنفيه في الحال نفيًا منقطِعًا عن التَّعَرُّضِ للمستقبلِ، ولا تنفيه في المستقبلِ، مع جوازِ التَّلَبُّس به في الحال، فَتَأَمَّلْهُ.
وتتخلّصُ للاستقبال بعشرة أشياء: (حرف تنفيس، (ق/ 390 ب) أو مصاحبة ناصب، أو أداة تَرَجٍّ، أو إشفاق كـ “لعل”، أو مجازاة، أو نوني التوكيد، أو “لو” المصدرية)، كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} [القلم: 9]، ومثال الإشفاق، قول الشاعر (3):
فأمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولكِنْ … عسى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ
* * *
__________
(1) انظر “ديوان الهذليين”: (1/ 2)، و”المفضليات”: (ص/421)، والبيت فيه:
أوْدَى بنيَّ وأعْقَبُوني غُصَّةً … بَعْدَ الرُّقادِ وعَبْرةً لا تُقْلِعُ
(2) في الأصول: “النابغة”، وهو خطأ. والبيت للأعشى “ديوانه”: (ص/ 137) والبيت فيه:
له صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ … وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غدا
(3) البيت في “الكتاب”: (3/ 159)، و”الخزانة”: (9/ 328) غير منسوب.
(4/1642)
فائدة
قوله في الحديث الصحيح: “إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ” (1) يجوز فيه وجهان:
فتحُهما معًا، وهو الأشهرُ والأفصحُ، وهما مبنيانِ على الفتح، للتركيب المتضمن للحرف (2) كقولهم: “هو جاري بيتَ بيتَ” والمعنى: بيتُهُ إلى بيتي، ومنه قولهم: “همزة بَيْنَ بَيْنَ”، و”فُلانٌ يأتيكَ صَبَاحَ مَسَاءَ ويَوْمَ يَوْمَ”، و”تَرَكوا البلادَ حيْثَ بَيْثَ وحاثَ باثَ”، و”وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ”. وأصل هذا كله: “خَمْسَةَ عَشَرَ” وبابه، فإن أصلَهُ قبلَ التركيبِ العطفُ، فرُكِّب وبُني لتضمُّنِه معنى حرف العطف، ولا كذلك: “بَعْلَبَكُّ” وبابُه؛ لأن الاسمين في “خمسة عشر” مقصود دلالتهما قبل التركيب بخلاف “بَعْلَبَكَّ”.
الوجه الثاني: بناء “وراءَ وراءَ” على الضمِّ كالظروف المقطوعة على الإضافَةِ، ورجح هذا بعضُ المتأخرين محتجًّا بما أنشده الجوهري في “صحاحه” (3) بالضم:
إذا أَنا لَمْ أُؤْمَنْ عليْكَ ولم يَكُنْ … لِقَاؤُكَ إلَّا مِنْ وَرَاءُ وراءُ (4)
هكذا أنشده بالضمِّ، وعلى هذا فـ “وراء” الأولى بُنيت كبناء “قبلُ وبعدُ” إذا قُطِعَتا، وفي الثانية أربعة أوجهٍ:
__________
(1) أخرجه مسلم رقم (195) من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما-.
(2) (ظ): “للحذف”.
(3) (6/ 2523).
(4) وذكره في “الكامل”: (1/ 85) منسوبًا إلى عُتَيّ العُقَيلي.
(4/1643)
أحدها: أن يكونَ بناؤُها كذلك أيضًا على تقديرِ “مِن” فيها أي: “مِنْ وراءُ منْ وَرَاءُ”، حُذِفت “منْ” اكتفاء بالأولى.
الثاني: أن تكون تأكيدًا لفظيًّا للأولى، وتَبِعَتْها في حركةِ البناء لقُوَّتِها، ولأنَّ لها أصلًا في الإعراب وبناؤُها عَارضٌ، فهي كحركةِ المنادى المفرد، كقولك: “يا زيدُ زَيْدٌ”.
الثالث: أن يكونَ بَدَلًا منها.
الرابع: أن يكون عَطْفَ بيان (1)، كقوله (2):
إنِّي وأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرًا … لَقَائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرًا
وهذان الوجهانِ عند التحقيقِ لا شيء؛ لأن الشيءَ لا يبدَلُ بنفسِه إلَّا باختلافٍ مَّا في تعريف وتنكير، أو إظهارٍ وإضمارٍ، ومع الاتِّحادِ من كلِّ وجهٍ لا يبدلُ أحدُهما من الآخر لخلوِّ هذا الإبدال عن الفائدة، وكذلك عطفُ البيان، فإنَّ الشيءَ لا يَتَبَيَّنُ بنفسِه، ولا يُفْهَم حقيقة عطفِ البيان بينَ لفظينِ متساويينِ من جميعِ الوجوهِ.
وعلى الوجهِ الأوَّلِ وهو فتحهُما ففيهما وجهانِ:
أحدهما: البناءُ كما تقدَّم تقريره.
والثاني: الإعرابُ، وتكون فتحةُ “وراءَ” فتحةَ إعراب، ولكنه غيرُ منصرف، وتقريره: أن “وراءَ” لما لم يقصدْ بها قصدَ مضافٍ بعينه صارت كأنها اسمٌ مستقبل بنفسِهِ، وهو عَلَمٌ جنسيٌّ لمطلَقِ الخلفية
__________
(1) من قوله: “وبناؤها عارض. . .” إلى هنا ساقط عن (ق).
(2) الرَّجَز لرؤية بن العجاج “ديوانه”: (ص/ 147 – الملحق)، وانظر “الكتاب”: (2/ 185)، و”الخصائص”: (1/ 340).
(4/1644)
والكلمةُ مُؤنَّثةٌ، فاجتمعَ فيها التأنيثُ والعَلَمِيَّةُ فمُنِعت الصرف. وعلى هذا (ق/ 391 أ)، ففي “وراءِ” الثانية الأوجهُ الأربعةُ التي تقدَّمَتْ في المضمومةِ، ويدُلُّ (ظ/268 ب) على صحَّة ما ذكرناه ما وقع في بعض روايات الحديثِ: “مِنْ وَرَاءَ مِنْ وَرَاء” (1) بِتَكرارِ “مِنْ” في الموضِعَيْنِ وفتح “وراء”، وهذا ينفي التركيبَ، فيتعيَّنُ به الإعرابُ ومنع الصرف، والدليل على تأنيث الكلمة: أن الجوهريَّ نصَّ في كتابه على تأنيثها فقال: “وهي مؤنثةٌ لأنهم قالوا في تصغيرِها: “وُرَيْئَةٌ” “.
قلت: ولكن ليس تأنيثُها بالهمزة الممدودة، بل تأنيثها معنويٌّ لا علامةَ له؛ لأن (2) ما تأنيثُه بالهمزة إذا صُغِّرَ لم تقعِ الهمزةُ في حشوِهِ كـ: “حمراءَ”، فلما قالوا: “وُرَيْئَةٌ” علم أن همزتها ليستْ للتأنيثِ، بل تأنيثُها كتأنيثِ “قوس” و”أُذن”، ونحوهما. وقد حُكِيَتْ في هاتينِ الكلمتينِ أربعةُ أوجهٍ أُخَرَ:
أحدها: “من وراءِ وراءِ” بكسر الهمزة فيهما، وهي كسرةُ بناء.
الثانية: “من وراءَ وراءُ” بفتح الأولى وضم الثانية، ووجهه إضافة الأولى إلى الثانية، فأُعْرِبت الأولى وبُنِيتِ الثانيةُ على الضَّمِّ، قالوا: فتكون الأولى ظرفًا منصوبًا، والثانية غايةً مقطوعةً.
قلت: وتصحيحُ هذا يستلزمُ أن يكونَ “وراءُ” صفةً لمحذوفٍ ليصِحَّ تقديرُ الظرفية فيه (3)، فيكون تقديرُه: من مكان وراء، وإلا فمع
__________
(1) لم أعثر على من أخرجها؛ لكن قال القرطبي في “تفسيره”: (11/ 199): “ووقع في بعض نسخ مسلم: “من وراء من وراء” بإعادة “من”” أهـ.
(2) (ع): “لكن”.
(3) من (ق).
(4/1645)
مباشرة “من” لا ينتصبُ ظرفًا.
الثالثة: “من وراءَ وراءَ” بالنصب فيهما على الظَّرفيَّةِ، ووجهه ما أشرنا إليه من تقدير موصوف محذوف أي: “منْ مكانٍ وراءَ وراءَ”.
الرابعة: “من وَرَاءِ وراءَ” بكسر الأولى وفتح الثانية، فتجرُّ الأولى بإضافَتِها، وتعرب الثانية إعرابَ غيرِ المنصرف، كقولك: “من أحمرِ (1) عثمانَ”، وموضوع هذه الكلمة كـ: خَلْفَ ضدَّ أمَامَ.
وذهب بعض المفسِّرينَ واللُّغويينَ إلى أنها قد تأتي بمعنى “أمام” فتكونُ مشتركةً بينهما، واحتجَّ بأمرين:
الأول: قوله تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)} [إبراهيم: 16] وجهنَّمُ (2) إنما هي (3) أمام الكافر، وكذلك قوله: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} [إبراهيم: 17] وإنما العذابُ الغليظُ أمامَهُ، وفيما يستقبلُهُ.
الثاني: قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] أي: أمامُهم، بدليل قراءة عبد الله بن عباس: {وكانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ} (4).
وهذا المذهبُ ضعيفٌ، و”وراءُ” لا يكونُ “أمامًا”، كما لا يكون “أمامُ” “وراءً” إلّا بالنسبة إلى شيئين، فيكون أَمَامَ الشيء وراءً لغيرِه”، ووراءَ الشيء أَمَامًا لغيرِه، فهذا الذي يعقلُ فيها، وأما أن يكونَ وراءُ
__________
(1) في المطبوعات: “أحجر”.
(2) “ويسقى من ماء صديد، وجهنم” ساقط من (ع).
(3) (ع): “أي: هو”.
(4) أخرجه البخاري رقم (4725)، ومسلم رقم (2380).
(4/1646)
زيْدٍ بمعنى أمامه فكَلَّا.
وأما ما استدلُّوا به فلا حُجَّة فيه؛ فأما قوله تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} [إبراهيم: 16]، فالمعنى أنه ملاقٍ جهنَّمَ بعدَ موتِهِ، فهي من بعدِهِ (ق/391 ب) أي: بعدَ مفارقَتِهِ الدنيا، فهي لما كانت بعدَ حياتِهِ كانت وَرَاءَه؛ لأن “وراءَ” كـ “بعدَ”، فكما لا يكونُ “بَعْدُ قَبْلَ” فلا يكون “وَرَاءُ أمامَ”، وأنت لو قلت: جهنَّم بعدَ موتِ الكافرِ، لم يكن فيها معنى “قبلَ” بوجهٍ، فوراءُ هاهنا رمانٌ لا مكانٌ، فتأمَّلْه.
فهي خَلْفَ زمانِ حياته وبعدَهُ، وهي أمامَهُ ومستقبِلَتَهُ، فكونها خَلْفًا وأمامًا باعتبارين، وإنما وقعَ الاشتباهُ لأن بعدية الزمان إنما يكونُ فيما يُسْتَقْبَلُ أمامَكَ، كقولك: “بعدَ غَدٍ” وورائية المكانِ فيما تَخَلَّفَ وراءَ ظهرِكَ، فـ: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} ورائية زمان لا مكان.
وهي إنما تكونُ في المستقبل الذي هو أمامَك، فلما كان معنى “أمام” لازمٌ لم ظنَّ من ظنَّ أنها مشتركَةٌ، ولا اشتراكَ فيها، وكذلك قوله: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}، وكذلك: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ}.
وأما قولُه: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} فإنْ صحَّتْ قراءةُ: {وكانَ أمَامَهُمْ مَلِكٌ}، فلها معنى لا يناقِضُ القراءةَ العامَّةَ، وهو أنَّ المَلِكَ كان خَلْفَ ظهورهِم وكان مرجِعُهم عليه، فهو وراءَهم في ذَهابِهم، وأمَامَهم في مَرْجِعِهم، فالقراءتانِ بالاعتبارينِ، واللهُ أعلمُ.
فائدة
قولهم: “البَدَلُ في نِيَّةِ تَكرارِ العامل” إنْ أريدَ به أن العاملَ فيه غيرُ العامل في متبوعِهِ فلابُدَّ من إعادَتِهِ، إمَّا ظاهرًا وإمَّا مقدَّرًا -كما هو مذهب ابن خَرُوفٍ وغيره- فضعيف جدًّا، وهو مخالفٌ لمذهبِ
(4/1647)
سيبويه، فإن الذي دلَّ عليه كلامُهُ أنَّ العاملَ فيهما هو الأوَّلُ، ويتعيَّنُ هذا، لأنَّ من المبدلات ما يُبدَلُ من مجرورٍ ومجزومٍ ولا يُعَادُ عامِلُهُ (1)، فلو كان العاملُ مقدَّرًا لزم اطِّرادُ إضمارِ الجارِّ والجازمِ في الإبدالِ من المجرورِ والمجزومِ (2) وهو ممتنعٌ.
والذي أوجبَ لهم ما ادَّعَوْهُ أمرانِ:
أحدهما: أنهم رَأَوُا البَدَلَ كثيرًا ما يُعادُ معه العاملُ، كقوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75] ولم يَرَوْهُ معَادًا مع غيرِه من التَّوابِع إلا نادرًا.
الثاني: أن البدلَ هو المقصودُ بالذكر، والأوَّلُ في نِيَّةِ الإطِّراحِ، فلما كان هو المقصودَ كانت مباشرتُه بالعامل أولى بخلافِ بقيَّةِ التَّوابعِ، فإنَّ المقصودَ في النعتِ وعطفِ البيان والتأكيد هو الأوَّلُ، (ظ/ 269 أ) والثاني توضيحٌ وتبيينٌ.
وأما عطفُ النَّسَقِ وإن قُصِدَ فيه التابعُ والمتبوعُ فالمعطوفُ في ثانٍ تابعٌ لمقصودٍ فاكْتُفي فيه بالعامل (ق/392 أ) الأوَّلِ، ولا حُجَّةَ في شيءٍ من ذلك، أما الأوَّلُ فمجيء البَدَلِ خاليًا من تَكْرار العامل أكثر من اقترانِهِ بإعادةِ العامل، وإنما أعيدت اللامُ في الآيةِ لمزيدِ البيانِ والاختصاص، وأن القولَ من المستكبِرِينَ إنما كان للمؤمنينَ المُستضعَفينَ خاصَّةً.
ونظيرُ إعادة اللام هاهنا إعادتُها في قوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114]، وإذا كانوا يزيدونَ اللام في قولهم: “لا أبا لَكَ” مع شدَّة ارتباطِ المضافِ بالمضاف إليه لقصدِ الاختصاصِ
__________
(1) (ق): “عليه”.
(2) من قوله: “ولا يعاد عامله. . .” إلى هنا ساقط من (ظ).
(4/1648)
والتَّبيين، فالإتيانُ بها في مثل هذه الآية أوْلى وأقوى، ولهذا لم يُعَدْ في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وفي قوله: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ} [العلق: 15 – 16]، وفي قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ} [الفاتحة: 6 – 7]، ولا في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 – 53] الآية، ولا في قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان: 68 – 69]، ولا في قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32)} [النبأ: 31 – 32] فنظائره أكثر من أن تُذْكَرَ.
وأما استدلالُهم بأن المبدَل منه في نيَّة الطرح، والمقصودُ مباشرةُ العاملِ للمبدَل (1)؛ فغيرُ صحيح. فإنَّ الأوَّلَ مقصودٌ أيضًا ولكن ذُكِرَ توطئةً للمبدلِ منه، ولم يُقْصَدْ طرحُهُ، ويدلُّ عليه قولُ الشاعر (2):
إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَوَاحَها … تَرَكَتْ هَوَازِنَ مثلَ قَرْنِ الأعْضَبِ
فجعلَ الخبرَ للسيوفِ، وألغى البَدَلَ وجعلَه كالمطَّرَحِ، إذ لو لم يُلْغِهِ لقال: تركا، وإنما يكون الأوَّلُ في نيَّةِ الطَّرْح في نوعينِ من البَدَل، وهما: بَدَلُ البَدَاءِ والغلطِ، والأكثرُ فيهما أن يقعا بعد “بل”، والله أعلمُ.
فائدة
البدلُ والمبدَلُ إما أن يَتَّحِدا في المفهوم، أَوْ لا، فإنِ اتَّحدا فهو المسمَّى بَدَلَ الكُّلِّ من الكل، وأحسنُ من هذه التَّسْمِيَةِ أن يُقَالَ: بدلُ
__________
(1) (ع): “للبدل”.
(2) هو: الأخطل، “ديوانه”: (ص/36).
(4/1649)
العينِ من العينِ، وبعضُهم يقول: بدلُ الموافقِ من الموافقِ؛ لأن هذا البَدَلَ يجري فيما لا يقبلُ التبعيضَ والكلّ، كقوله تعالى: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} [إبراهيم: 1] وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 – 53] ونحوه.
وإن لم يتَّحدا في المفهوم، فإمَّا أن يكونَ الثاني جُزءًا (1) من الأوَّلِ، أَوْ لا، فإن كان جُزْءًا منه فهو بَدَلُ البعضِ من الكلِّ، وإن لم يكنْ جُزْءَهُ فإمَّا أن يَصِحَّ الاستغناءُ بالأوَّلِ عن الثاني أوْ لا، فإن صحَّ (ق/392 ب) فهو بَدَلُ الاشتمال بمُلابِس، إما وصف أو فعل أو ظرف أو مجاور أو مقصود من العين أو يكونُ مظروفًا (2) للأول.
فالأول: كقولك: “أَعْجَبَنِي زَيْدٌ حُسْنُهُ”.
والثاني: كقولك: “أَعْجَبَنِي زَيْدٌ صَلَاتُهُ”.
والثالث: “أَعْجَبَنِي زَيْدٌ دارُهُ”.
والرابع: “أَعْجَبَنِي زَيْدٌ ثِيَابُهُ”.
والخامس: “دُعِيَ زَيْدٌ للطَّعامِ أَكْلِهِ”.
والسادس: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217].
وهل (3) الأوَّل مشتملٌ على الثاني، أو الثاني على الأول، أو العاملُ مشتملُ عليهما؟ ثلاثة أقوال لا طائلَ تحتَها، وكلُّها صحيحةٌ؛ لأنَّ الملابَسَةَ حاصلةٌ بن الأول والثاني، وهي المرادةُ من الاشتمالِ.
__________
(1) (ق): “خبرًا” وهكذا، وقعت في نظائر الكلمة!.
(2) (ق): “ظرفًا”.
(3) (ع): “وهذا”.
(4/1650)
وأما اشتمالُ العامل عليهما وإن عمَّ سائرَ أقسام البَدَلِ فسمِّي هذا النوعُ به؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الأنواع اختُصَّ باسمِهِ، فأعْطِيَ الاسمَ العامَّ لهذا النوعِ من البَدَلِ.
وإن لم يصحَّ الاستغناءُ بالأول، فإما أن يكونَ المتكلِّمُ قد قصده ثم أرادَ إطِّرَاحَهُ، أو لم يقصدْه، فإن كان قَصَدَهُ فهو بَدَل البَدَاءِ، وإن لم يقصدْه فهو بَدَلُ الغَلَطِ.
فمثال الأول: أن تقول: “أعْطِ السَّائِلَ رَغِيفًا” ثم تَرِقّ عليه فتقول: “دينارًا”.
ومثال الثاني: أن تقول: “أكلتُ لَحْمًا” ثم تذكرُ (1) فتقول: “خُبْزًا”.
فائدة
قد تبدلُ الجملةُ من الجملةِ (2) -كبَدَل الفعلِ من الفعل- والجملَة من المفرد، كقولك: “عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَنْ هو” قال ابنُ جِنِّي: ومنه قول الشاعر:
إلى اللهِ أشكو بالمدينةِ حاجةً … وبالشَّامِ أخرى، كيف يلتقيانِ (3)
قال: “فكيف يلتقيانِ” بَدَلٌ من “حاجةٍ”، كأنه قال: إلى اللهِ أشكو هاتينِ الحاجتينِ، تعذر التقاؤُهما.
ويبدل المفردُ من المفرد، وأما بدلُ المفردِ من الجملةِ (ظ/269 ب)
__________
(1) (ع وق): “يتذكر”.
(2) (ظ): “الكلمة من الكلمة”.
(3) نُسِب البيت للفرزدق ولم أجده في ديوانه، وهو من شواهد “المغني”: (1/ 207)، و”التوضيح”: (3/ 408 – مع شرحه).
(4/1651)
فلا يُتَصَوَّرُ إلّا أن تكونَ الجملةُ في تأويلِ المفردِ (1)، فيصحُّ إبدال المفرَدِ من معناها لا من لفظِها، كقولك: “أَزُورُكَ يَوْمَ يُعَافِيكَ اللهُ يَوْمَ السُّرورِ”.
فائدة
لا يشترطُ في بَدَل النَّكِرة من المعرفة اتحادُ اللفظين، وشَرَطَهُ الكوفيُّون. محتجِّينَ (2) بقوله تعالى: {بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ}، واحتج البصريُّونَ بقول الشاعر (3):
فَلَا وأَبِيكَ خَيْرً منْكَ أَني … لَيُؤْذِيني التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ (4)
فائدة
يشتركُ المصدر واسمُ الفاعل في عملِهما عملَ الفعل، ويفترقانِ في عشرة أحكامٍ:
الأول: أن اسمَ الفاعلِ يتحمَّلُ ضميرًا مستترًا، نحو: “هذا ضَارِبٌ زَيْدًا”، والمصدر لا يتحمَّلُهُ. فإذا قلتَ: “يُعْجِبُني أكْلُ الخُبْزِ” لم يكن في “أَكْل” ضميرٌ، فقيل: لأنه ليس بمشتقٍّ، والضميرُ إنما يحملُهُ المشتقَّاتُ.
__________
(1) من قوله: “وأما بدل. . .” إلى هنا ساقط من (ق).
(2) (ق): “محتجون”.
(3) هو: شمير بن الحارث الضبي، انظر “النوادر”: (ص/124) لأبي زيد، و”الخزانة”: (5/ 179).
(4) هنا انتهت نسخة (ق)، وجاء في آخرها ما نصُّه. “تم بحمد الله وعونه على يد الفقير إلى الله تعالى محمد بن سالم [التحريري المؤذن غفر الله له] ولقارئه ولمالكه ولمن ينظر فيه، ويدعو لهم بالمغفرة ولوالديهم ولجميع المسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا كثيرًا.
وكان الفراغ من تعليقه: يوم الأربعاء من شهر رجب الفرد سنة أربع وسبعين وثمانمئة”.
(4/1652)
الحكم الثاني: أن المصدرَ يعملُ بمعنى المضيِّ والحال والاستقبال، لأنه أصلُ الفعل، واسمُ الفاعل يختصُّ عملُه بما إذا كان في معنى الحالِ أو الاستقبالِ؛ لأنه يتحمَّلُهُ (1) لشبهِهِ بالفعلِ المُضارعِ الذي لا يكونُ إلا لأحدِهما.
الثالث: أن المصدرَ يضافُ إلى الفاعلِ والمفعولِ، كما يُسَلَّطُ الفعلُ عليهما، واسمُ الفاعل لا يضافُ إلى الفاعلِ لاستحالَةِ إضافَتِه إلى نفسِه.
الرابع: أن اسمَ الفاعل يعملُ فيما قبلَه، والمصدرُ لا يعملُ فيما قبلَهُ. وسرُّ الفرقِ أن المصدر في تقدير “أن” والفعل، فمعمولُه من صِلَتِه، فلا يتقدَّمُ عليه، بخلاف اسم الفاعل.
الخامس: أن إضافَةَ اسمِ الفاعلِ لا يُفيدُ التعريفَ إلَّا إذا كان بمعنى المضيِّ، وإضافةُ المصدر تُفيدُ التعريفَ مطلقًا.
السادس: أن الأَلِفَ واللامَ إذا دخلتْ على اسم الفاعل كانت موصولةً، وإذا دخلتْ على المصدر لم تكنْ موصولةً، ومن (2) الفرق عَوْدُ الضمير عليها من اسم الفاعل دونَ المصدَرِ.
السابع: أن المصدرَ ينعقدُ منه ومن معمولِهِ كلامٌ تامٌّ (3)، لا يفتقرُ إلى شيء قبلَهُ، نحو: “ضَرْبًا زَيْدًا” واسم الفاعل لا ينعقدُ منه ومن معمولِهِ كلامٌ تامٌّ حتى يعتمدَ على شيءِ قبلَهُ، نحو: “هذا ضَارِبٌ زَيْدًا” و”جَاءَنِي مُكْرِمٌ عَمْرًا”.
__________
(1) (ع): “عمله”.
(2) لعلها: “وسِرُّ”.
(3) (ظ): “كلامًا تامًّا”.
(4/1653)
الثامن: أن جهةَ عملِ المصدرِ كونُهُ أصلًا للفعل، وجهةُ عملِ اسمِ الفاعلِ كونُهُ فَرْعًا على الفعل.
التاسع: أن إضافَةَ المصدرِ لا يمنعُ من نصبِهِ بمفعولِه، وإضافة اسمِ الفاعل تمنعُ من نصبِهِ مفعولَهُ، إلاَّ أنْ يَتَعَدَّى فعلُه إلى أكثرَ من واحدٍ، فينتصبُ حينئذٍ ماعدا المفعولَ الأولَ.
العاشر: أن الألفَ واللامَ إذا دخلتْ على المصدر أذهبتْ عَمَلَهُ، فـ “لمْ أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمَعًا” (1) شاذٌّ نادرٌ، وإذا دخلتْ على (2) اسم الفاعل قَوَّتْ عَمَلَهُ، ولهذا لا يعملُ بمعنى المضي، فإن اقترنَتْ به الألفُ واللامُ (3) عَمَلَ، تقول: “هذا الضَّارِبُ زَيْدًا أَمْسِ” وسرُّ (4) الفرق أنَّ الألفَ واللام فيه موصولة، تقوي جانب الفعلية فيه، بخلافها في المصدر.
فائدة
“إما” لا تكونُ من حروفِ العطفِ لأربعة أوجُهٍ:
أحدها: أنك (5) تقول: “ضَرَبْتُ إمَّا زَيْدًا وإمَّا عَمْرًا” فتذكرُهُ قبلَ معمولِ الفعلِ، فلو كانت “إما” من حروفِ العطفِ لكنتَ قد عطفتَ
__________
(1) قطعة من بيت لمرار الأسدي -وقيل: مالك الباهلي- هو:
لقد عَلِمت أولى المغيرةِ أنني … لحقتُ فلم أَنْكل عن الضرب مِسْمَعا
انظر: “الكتاب”: (1/ 193)، و”الخزانة”: (3/ 439).
(2) من قوله: “المصدر أذهبت. . .” إلى هنا ساقط من (ظ).
(3) (ظ): “أل” وكذا ما بعدها.
(4) (ع): “ومن”.
(5) (ع): “أن”، وكذا في الثالث.
(4/1654)
معمولَ الفعلِ عليه وهو ممتنعٌ، فلما وقعتْ “إما” بينَ الفعل ومعمولِهِ عُلِم أنها ليستْ بعاطِفَةٍ.
الثاني: أنك تقولُ: “جَاءَنِي إمَّا زَيْدٌ وإمَّا عَمْرٌو” (1) فتقعُ “إما” بين الفعلِ والفاعلِ، ومعلومٌ أنَّ الفاعلَ كالجزءِ من الفعل، فلا يصحُّ الفصلُ بينهما بالعاطفِ.
الثالث: أنك تقول: “وإما عَمْرو” فتُدْخِل الواو عليه، ولو كانت حرفَ عطفٍ لم يدخلْ عليها حرفُ عطفٍ آخَرُ، كما لا تقول: “ضَرَبْتُ زَيْدًا وأوْ عَمْرًا”.
الرابع. أن العطفَ لابُدَّ أن يكونَ عطفَ جملةٍ على جملةٍ، أو مفردٍ على مفرَدٍ، وإذا قلت: “ضربتُ إمَّا زَيْدًا وإمَّا عَمْرًا” فـ “إما” الأولى لم تعطفْ زيدًا على مفردٍ، ولا يصِحُّ عطفُه على الجملة بوجهٍ، فالصوابُ أن حروفَ العطفِ تسعةٌ لا عَشَرَةٌ.
فائدة
إذا قلت: “جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو” فله معنيانِ:
أحدهما: أنك نفيتَ المجيءَ عن زيدٍ وأثبتَّهُ لعَمرو، وعلى هذا فيكونُ إضرابَ نفي.
والثاني: أنك أثبتَّ لعمروٍ المجيءَ كما أثبتَّهُ لزيدٍ، وأتيتَ بـ “بل” لنفيِ الاقتصارِ على الأوَّلِ لا لنفيِ الإسنادِ إليه، بل لنفيِ الاقتصارِ على الإسنادِ (ظ/ 270 أ) إليه، ويُسَمَّى: إضرابَ اقتصارِ، وهذا أكثرُ استعمالها في القرآنِ وغيرِه، كقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ
__________
(1) (ظ): “جاءني زيد إما عَمرو”.
(4/1655)
افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] وكقوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)} [النمل: 66]، ونظائره، ويسمَّى هذا: إضرابًا وخُروجًا من قصَّةٍ إلى قصَّةٍ.
وإذا قلتَ: “ما جاءَني زَيْدٌ بل عَمْرٌو” فله معنيانِ:
أحدهما: أنك نفيتَ المجيءَ عن زيدٍ وأثبتَّهُ لعَمرو، وهذا قولُ الأكثرينَ.
الثاني: أنكَ نفيتَ المجيءَ عنهما معًا فنسبتَ إلى الثاني حكمَ الأوَّلِ، وأنت حكمتَ على الأوَّل (1) بالنفيِ، ثم نسبتَ هذا الحكمَ إلى الثاني.
والتحقيقُ في أمرِ هذا الحرفِ: أنه يُذْكَرُ لتقرير ما بعدَهُ نفيًا كان أو إثباتًا، فالنظرُ فيه في أمرينِ: فيما قبلَهُ، وفيما بعدَهُ، ولما لم يفصِلْ كثيرٌ من النُّحَاةِ بين هذينِ النظرينِ، وَقَعَ في كلامِهم تخليطٌ كتيرٌ في معناه، فنقول:
أما حكمُ ما بعدَهُ فالتَّقريرُ والتَّحقيقُ، وهو شبيهٌ بمصحوبِ “قد”، وتجريدُ العنايةِ بالكلامِ إلى ما بعدَهُ أهمُّ عندهم من الاعتناءِ بما قَبْلَهُ، فقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى: 16] المقصودُ (2) تقريرُ هذه الجملةِ الإضرابُ عن قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 – 15]، وكذلك قوله {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر: 17] المقصود تقريرُ هذا النفيِ (3) وتحقيقُه لا الإضرابُ عن
__________
(1) (ظ): “عليه”.
(2) (ظ) زيادة: “منه”.
(3) (ظ): “المعنى”.
(4/1656)
قوله: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)}
[الفجر: 19 – 20].
وكذلك إذا وقعتْ بين جملتينِ متضادَّتَيْنِ أفادت تقريرَ كلِّ واحدة منهما، كقوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169] فالمقصود تقريرُ الطلبِ والخَبَرِ، وكذلك قولُكَ: “لا تَضْرِبْ زَيْدًا بل اضْرِبْ عمْرًا” وكذلك: “ما قامَ زَيْدٌ بل قامَ عَمْرٌو” فهي في ذلك كلِّه لتقريرِ الجملتينِ، وكذلك قولُه تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40 – 41] المعنى: أنكم إذا نزل بكم هذا الأمرُ العظيمُ لا تدعونَ غيرَ اللهِ، بل تدعونَهُ وحدَهُ، فهو تقريرٌ لتركِ دعائِهم آلهتَهم، ولدعائِهم الإلهَ الحقَّ وحدَه، فيدخلُ في مثلِ ذلك على مقرَّرٍ بعدَ مقَرَّرٍ، والأوَّل تارةً يكونُ تقريرُه تَوْطِئةً للثاني، كقوله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44] وتارةً لا يكون توطئة كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31] وتارةً يدخلُ على كلام مقرَّر بعد كلام مردودٍ، كقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)} [الأنبياء: 26] وفي مثل هذا يظهرُ معنى الإضرابِ، وليس المرادُ به الإضراب عن الذِّكر، بل الإضرابُ عن المذكور ونفيُه وإبطالُه.
وتارةً يأتي لتقريرِ كلامٍ بعد كلامٍ قد رَجَعَ عنه المتكلِّم، إما لغَلَطٍ أو لظهورِ رأيٍ أو لعُروضِ نسيانٍ، وذلك كلُّه إمَّا في الإخبارِ وإما في المُخْبَرِ به: فمثال الأولِ (1): أن تقولَ: “أنتَ عَبْدي بل سَيِّدي”.
__________
(1) “فمثال الأول” ليست في (ظ).
(4/1657)
ومثال الثاني: “لاحَ بَرْقٌ بل ضَوْءُ نارٍ”.
ومثال الثالث: “خذْ هذا بلْ هذا”.
ومثال الرابع: “شَرِبْتُ عَسَلًا بل لَبَنًا”.
وتأتي مع التَّكرار لقصد ما بعدها بالأولوية والذِّكْر دونَ نفي ما قبلَها، كقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] فهم لم يقصدوا إبطالَ ما قبلَ كلِّ واحدةٍ، بل قصدوا أولويَّةَ المتأخِّرِ بالقصدِ إليه والاعتمادِ عليه مع ثُبوتِ ما قبلَهُ، وكذلك قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)} [النمل: 65 – 66]، فليس القصدُ نفيَ إدراكِ علمهم في الآخِرَةِ، ولا نفيَ شكِّهم فيها، فتأمَّلْهُ.
ومن مواردِها مجيئُها بعد قَسَمٍ لم يُذكَرْ جوابُهُ فيتضمَّن تحقيق ما بعدَها وتقريرَهُ، ويتضمَّنُ ذلك مع القَسَمِ تحقيقَ ما قصد بالقَسَمِ وتقريره (1).
فائدة
احتمالُ اللَّفظ للمعنى شيءٌ، ودلالته عليه شيءٌ، فالمطلَقُ بالنسبةِ إلى المُقَيَّداتِ محتملٌ غيرُ دالٍّ، والعامُّ بالنسبةِ إلى الأفراد دَالٌّ.
__________
(1) هنا تنتهى نسخة (ع) وفي خاتمتها ما نصه: “آخر الجزء الثاني، والله المستعان وعليه التكلان، ونسأله الغفران من الزلل والعصيان إنه رحيم رحمان كريم منان وهو حسبي ونعم الوكيل.
نجز في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، على يد الفقير إلى الله تعالى محمد بن علي بن موسى بن يحيى الحمصي مولدًا الحنبلي مذهبًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آمين”.
(4/1658)
فائدة
حملُ اللَّفظِ على المعنى يُرادُ به صلاحِيَّتُهُ له تارةً، ووضعُه له تارةً، فإن أُرِيدَ بالحَمْلِ الإخبارُ (ظ/270 ب) بالوضعِ طُوْلِبَ مُدَّعِيه بالنَّقْلِ، وأن أُريدَ صلاحِيَّتُه لم يكْفِ ذلك في حملِه عليه؛ لأنه لا يلزمُ من الصلاحِيَّةِ له أن يكونَ مُرادًا به ذلك المعنى، هذا إن أُريدَ بالحمل الإخبارُ عن مُرَادِ المتكلِّم، وإن أُريدَ به إنشاءُ معنى يدَّعِيه صاحبُ الحَمْل، ثم يحملُ عليه الكلامَ، فإنَّ ذلك يكون وضعًا جديدًا.
فليتأملْ هذا من قولِهم: “يُحْمَلُ اللفظُ على كذا وكذا”، فكثيرٌ من النُّظَّار أطلقَ ذلك، ولا يحصلُ معناها.
فائدة
تجرُّدُ اللفظِ عن جميع القرائنِ الدَّالَّةِ على مُرادِ المُتكلِّمِ ممتنعٌ في الخارج، وإنما يقدِّرهُ الذهنُ ويفرضُه، وإلاَّ فلا يمكنُ استعمالُه إلا مقيَّدًا بالمسند والمسند إليه ومتعلقاتِهما وأخواتِهما الدالَّة على مُرادِ المُتكلِّمِ، فإن كان كلُّ مقيَّدٍ مجازًا استحال أن يكونَ في الخارج لفظُ حقيقةٍ، وإن كان بعضُ المقيَّداتِ مجازًا وبعضها حقيقةً، فلا بُدَّ من ضابطٍ للقيودِ التي تجعلُ اللفظ مجازًا، والقيودُ التي لا تخرِجُهُ على حقيقتِه، ولن يجدَ مُدَّعُو المجازِ إلى ضابطٍ مستقيمٍ سبيلًا ألبَتَّةَ، فمَن كان لديه شيءٌ فَلْيذَكرْهُ.
فائدة
منعُ الدلالة شيءٌ ومنعُ المدلولِ عليه شيءٌ، فالثاني مستلزمٌ للأوَّلِ من غير عكس، فمن مَنَعَ الدلالةَ مع تسليمٍ للمدلول عليه، فانتقل عنه منازِعُهُ إلى دليلٍ آخَرَ كان انقطاعًا، وإن منع المدلولَ فانتقل عنه
(4/1659)
المنازع إلى دليل آخَرَ لم يكنِ انقطاعًا، كما إذا طعن الخصمُ في شهود المُدَّعي فأقام بيِّنَةً أخرى غَيْر مطعونٍ فيها، فله ذلك. فينيغي التَّفَطُّنُ في المناظرةِ لذلك.
فائدة
من ادَّعَى صَرْفَ لفظٍ عن ظاهرِه إلى مجازِه لم يتمَّ له ذلك إلاّ بعد أربعِ مقاماتٍ:
أحدها: بيانُ امتناع إرادةِ الحقيقةِ.
الثاني: بيان صلاحيَّةِ اللفظِ لذلك المعنى الذي عيَّنَهُ. وإلاَّ كان مفترِيًا على اللغةِ.
الثالث: بيانُ تعيين ذلك المُجْمَلِ إن كان له عدَّةُ مجازاتٍ.
الرابع: الجوابُ (1) عن الدليل الموجِبِ لإرادة الحقيقة، فما لم يَقُمْ بهذه الأمورِ الأربعةِ كانت دعواه -صَرْفَ اللفظِ عن ظاهرِهِ- دعوى باطلةً.
وإن ادَّعى مجرَّدَ صرف اللفظ عن ظاهرِه ولم يُعَيِّنْ له مجملًا؛ لزمه أمران:
أحدُهما: بيانُ الدليلِ الدَّالِّ على امتناعِ إرادةِ الظاهرِ، والثاني: جوابُهُ عن المعارِضِ.
فائدة
مدَّعىِ صرفِ اللفظِ عن ظاهرِه وحقيقتِه إلى مجازِه تتضمَّنُ دعواه الإخبارَ عن مراد المتكلِّمِ ومرادِ الواضعِ.
__________
(1) (ظ) “الجواز”! والصواب ما أثبت، ويؤيده ما يأتي بعده.
(4/1660)
أما المتكلِّمُ: فكونُه أراد ذلك المعنى الذي عيَّنَه الصارفُ، وأما الواضعُ فكونُه وضعَ اللفظَ المذكورَ دالًّا على هذا المعنى، فإن لم تكنْ دعواهُ مطابِقَةً كان كاذِبًا على المتكلِّمِ والواضِعِ.
بخلافِ مُدَّعي الحقيقة، فإنه إذا تضمَّنَتْ دعواهُ إرادةَ المتكلِّمِ للحقيقة وإرادة الواضِع كان صادقًا، أما صدقُهُ على الواضِع فظاهر، وأما صدقُهُ على المتكلِّمِ (1) معرفةُ مُرَادِ المتكلِّمِ إِنما يحصلُ بإعادَتِهِ من كلامِه، وأنه إنما يخاطِبُ غيرَه للتفهيمِ والبيانِ، فمتى عُرِفَ ذلك من عَادتِهِ وخاطبنا لما هو المفهومُ من ذلك الخطابِ عَلِمْنا أنه مُرَادُهُ منه، وهذا بحمدِ الله بَيِّنٌ لا خَفَاءَ فيه.
فائدة
دلالةُ اللفظِ على مُدَّعَى المستدلِّ شيءٌ، ودلالَتُهُ على بطلانِ قول منازِعِهِ شيءٌ آخَرُ، وهما متلازمانِ، إن كان القولانِ متقابِلَيْنِ (2) تقابُلَ التَّنَاقُضِ، فللمستدلِّ حينئذٍ تصحيحُ قولِهِ بأيِّ الطريقينِ شاء، وإن تقابلا تقابُلَ التَّضادِّ لم يلزمْ من إقامتِهِ الدليلَ على بُطلانِ مذهبِ منازعِهِ صِحَّةُ مذهبِه هو بجواز بطلانِ المذهبينِ، وكون الحقِّ في ثالثٍ، وإن أقام دلَيلًا على صحةِ قولِهِ لزمَ منه بطلانُ قول منازعِهِ لاستحالةِ جمعِ الضِّدَّيْنِ.
فائدة
الاستدلالُ شيءٌ والدلالةُ شيءٌ آخَرُ (3)، فلا يلزمُ من الغَلَطِ في
__________
(1) بعده في الأصل بياض بمقدار كلمة.
(2) (ظ): “متقابلان” والمثبت الصواب.
(3) “والدلالة شيء آخر” سقطت من (ظ)، والإكمال من “المنيرية”.
(4/1661)
أحدِهما الغلطُ في الآخَرِ، فقد يغلطُ في الاستدلال والدلالةُ صحيحةٌ، كما يستدلُّ بنصٍّ منسوخٍ أو مخصوصٍ على حكمٍ، فهو دالٌّ (ظ/ 271 أ) عليه تناولًا، والغَلَطُ في الاستدلال لا في الدلالةِ.
وعكْسُه: كما إذا استدللنا بالحَيْضة الظاهرة على براءة الرَّحِم، فحكمنا بحِلِّها للزوجِ، ثم بانَتْ حاملًا، فالغَلَطُ هنا وقعَ في الدلالةِ نفسِها لا في الاستدلالِ، فَتَأَمَّلْ هذه الفروقَ.
فائدة
تسليمُ موجبِ الدليل لا يستلزمُ تسليمَ المُدَّعى إلَّا بشرطين:
أحدهما: أن يكونَ موجِبَهُ هو المدَّعى بعينِهِ أو ملزومُ المُدَّعى.
الثاني: أن لا يقوم دليلٌ راجحٌ أو مساوٍ على نقيص المدَّعى، ومع وجود هذا المعارِض، لا يكون تسليمُ موجب الدليلِ الذي قد عُوْرضَ تسليمًا للمُدَّعى؛ إذْ غايتُه أن يعترفَ له منازعُهُ بدلالة دليلِهِ على المدَّعى، وليس في ذلك تعرَّضٌ للجوابِ عن المعارضِ، ولا يتمُّ مُدَّعاه إلَّا بأمرينِ جميعًا.
فائدة
ما يذكرُهُ المجتهدُ العالمُ باللغة من موضوعِ اللفظ لغةً شيء، وما يعيَّنُ له محملًا خاصًّا في بعضِ مواردِهِ من جملةِ محامِلِهِ شيءٌ.
فالأوَّلُ: حكمُ قوله في حكمُ قولِ أئمةِ اللَّغة فَيُقْبَل بشرطِه.
والثاني: حكم قوله في حكم ما يُفنى به، فيُطْلَبُ له الدليلُ، مثالُه قوله: الباء في: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] للتبعيض، فهذا حَمْل منه للباء على التبعيض في هذا المَوْرِد، وليس هو كقوله:
(4/1662)
ابنُ السَّبِيلِ هو المسافرُ الذي انقطعَ عن أهلِهِ ووطنِهِ، ونظائرُ ذلك، فهذا نَقْلُ محضِ اللغةِ، والأولُ استنباطٌ وحملٌ، ومَن لم يفرِّقْ بين الأمرين غَلِطَ في نَظَرِهِ، وغالطَ في مناظَرَتِهِ، والله أعلم (1).
فرغت الفوائد بحمد الله.
* * *
__________
(1) كتب في ختام نسخة (ظ): “والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللهم اغفر لمن دعا بالمغفرة آمين”.
ثم ذكر في آخرها بالخط نفسه (المنتخب الآتي)، وفيه ما يثبت أنه للمؤلف، بخلاف المنتخب الذي بعده، وانظر المقدمة.
(4/1663)
(ظ/271 ب) مُنْتخب أيضًا
فائدة
قوله تعالى: {بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137] وليس له مثل. والجواب من أوجه:
الأول: أن المرادَ به التبكيتُ، والمعنى: حَصِّلوا دينًا آخَرَ مثلَهُ، وهو لا يمكنُ.
الثاني: أن المِثْلَ صِلَةٌ.
الثالث: أنكم آمنتم بالفُرْقان من غير تصحيفٍ ولا تحريفٍ، فإن آمنوا بالتَّوْراةِ من غيرِ تصحيفٍ ولا تحريفٍ فقد اهْتَدَوْا.
والرابع: أن المرادَ: إن آمنوا بمثلِ ما صِرْتُم به مؤمنينَ، روى ابنُ جَريرٍ (1) أن ابن عباس قال: قولوا: فإن آمنوا بالذي آمنتُم به. قال عبد الجبار: ولا يجوزُ تركُ القراءَةِ المتَواتِرَةِ.
فائدة
قوله تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] أنَّثَ عَدَدَ الأمثالِ لتأويلِها بحسناتٍ، ومثلُهُ قراءة أبي العاليةِ: {لا تَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُها}، بالتاء، والفعل مسندٌ إلى الإيمان، لكنَّه طاعةٌ وإثابةٌ في المعنى.
فائدة
الجهلُ قسمان:
__________
(1) في “تفسيره”: (1/ 620) وذكر هناك أنها مخالفة لمصاحف المسلمين، وأجمع القراء على تركها، وإن صحّت عنه فهي كالتوجيه للقراءة.
(4/1664)
بسيطٌ، وهو عبارةٌ عن عَدَم المعرفةِ مع عَدَمِ تلبُّسٍ بضِدٍّ.
ومُرَكَّبٌ، وهو جهلُ أربابِ الاعتقاداتِ الباطلةِ، والقسمُ الأول هو الذي يطلبُ صاحبُه العلمَ، أما صاحبُ الجهلِ المُرَكَّبِ فلا يطلبُهُ.
فائدة
الأجداثُ: القبورُ، وفيها لغتانِ: بالثاء والفاء، أهلُ العالية تقولُه: بالثاء، وأهلُ السَّافلة بالفاء.
فائدة
في النوم فائدتان: إحداهما: إنعكاسُ الحرارةِ إلى الباطنِ، فينهضمُ الطعامُ. الثانية: استراحةُ الأعضاءِ التي قد كلَّتْ بالأعمالِ.
فائدة (1)
في “صحيح البخاري” ما انفرد به من رواية عمرانَ بن حُصَيْن أنه سأل النبيَّ -صَلى الله علَيه وسلم- عن صلاة الرجل قاعدًا قال: “إنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ” (2).
قلت: اختلف العلماءُ؛ هل قولُه: من صلَّى قاعدًا” في الفرض أو في النفل؟ فقالت طائفة: هذا في الفَرْضِ، وهو قولُ كثير عن المُحَدِّثِينَ، واختيارُ شيخِنا، فورد على هذا أن مَنْ صلَّى الفرضَ قاعدًا مع قدرتِه على القيام فصلاتُهُ باطلةٌ، وإن كان مع عَجْزِهِ فأجرُ القاعدِ مساوٍ لأجر القائم؛ لقوله -صَلى الله علَيه وسلم-: “إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا
__________
(1) انظر المسألة في “مجموع الفتاوى”: (7/ 36، 23/ 234 – 238).
(2) أخرجه البخاري رقم (1115) من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
(4/1665)
كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا” (1)، فقال لي شيخُنا: وضع صلاة القاعد على النصف مطلقًا، وإنما كَمَلَ الأجرُ بالنِّيَّةِ للعجز.
قلت: ويَرِد على كون هذا في الفرض قوله: “إنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ” وهذا لا يكونُ في الفرض مع القدْرَةِ؛ لأنَّ صلاتَهُ قائمًا لا مساواةَ بينَها وبين صلاتِهِ قاعدًا، لأنّ صلاتَهُ قاعدًا والحالة هذه باطلةٌ، فهذه قرينةٌ تدلُّ على أن ذلك في النَّفْلِ كما قاله طائفةٌ أخرى، لكن يَرِد عليه أيضًا قوله: “وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا”، فإنه يدلُّ على جوازِ التَّطَوُّعِ للمضطجِعِ، وهو خلافُ قولِ الأئمة الأربعة مع كونِه وجهًا في مذهبِ أحمد والشافعي.
وقال الخطَّابي (2): تأوَّلْتُ الحديثَ في [“شرح أبي داود”] على النافلةِ إلا أن قوله: “وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا” يُبْطِلُ هذا التأويلَ لعدم جواز التَّطَوُّع نائمًا.
وقال في [“شرح البخاري”] (3): أنا الآن أَتَأَوَّلُهُ على الفرض، وأحملُة على مَن كان القيامُ مُشِقًّا عليه، فإذا صَلَّى قاعدًا مع إمكانِ القيام ومَشَقَّتِهِ فله نصفُ أجرِ القائم.
وقال ابن عبد البَرِّ (4): أجمعوا على أنه لا يجوزُ التَّنَفُّلُ مضطجِعًا.
__________
(1) أخرجه البخاري رقم (2996) من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
(2) كلام الخطابي في شرح البخاري “أعلام الحديث”: (1/ 630)، ووقع في الأصل: “تأولت الحديث في شرح البخاري. . .” وهو سَبْق قلم.
(3) “أعلام الحديث”: (1/ 631)، ووقع في الأصل: “شرح أبي داود” وهو وهم أيضًا. وانظر “معالم السنن”: (1/ 584).
(4) بنحوه في “التمهيد”: (1/ 134) لكنه ذكر الإجماع على الكراهة.
(4/1666)
قلت: في التِّرمذي (1) جوازُه عن الحسن البصري، وروى التِّرمذيُّ بإسناده عن الحسن، قال: “إن شاءَ صلَّى صلاةَ التَّطوُّعِ قائمًا وجالسًا ومضطجعًا”، والله أعلم.
فائدة
قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)} [الرحمن: 26]، ولم يقل: فيها؛ لأن عند الفناءِ ليس الحالُ حالَ القرار والتَّمكينِ.
فائدة
إنْ قيلَ: لِمَ كان عاشوراءُ يكفِّر سَنَةً، ويوم عرفَةَ يكفِّرُ سنتينِ (2)؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ يومَ عَرَفَةَ في شهرٍ حرامٍ وقبلَهُ شهرٌ حرام وبعدَه شهرٌ حرامٌ، بخلافِ عاشوراءَ.
الثاني: أن صومَ يومِ عَرَفَةَ من خصائصِ شرعِنا، بخلافِ عاشوراءَ، فضُوعِفَ ببركات المصطفى، والله أعلم.
* * *
__________
(1) (2/ 209).
(2) أخرجه مسلم رقم (1162) من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.
(4/1667)
* فهرس الكتب
[الاسم … الصفحة]– “الأجوبة المصرية” لابن تيمية … 572
– “أحكام أهل الملل” لأبي حفص البرمكي … 1004
– “الأدب المفرد” للبخاري … 677، 1419
– “إصلاح الغلط” لابن قتيبة … 261
– “الأصول” لابن السرَّاج … 79
– “أصول التفسير” للمؤلف … 877
– أعلام الحديث = شرح البخاري
– “الأمالي المكية” للمؤلف … 415
– “التحفة المكيَّة في بيان الملة الإبراهيمية” للمؤلف … 487، 528، 529، 720، 845، 846، 1552، 1597
– “ترغيب القاصد” للفخر ابن تيمية … 1371
– “التسهيل” لابن مالك … 1635، 1637، 1638، 1640
– “تعاليق” للقاضي أبي يعلى … 1011
– “تعظيم شأن الصلاة والسلام على خير الأنام” للمؤلف … 685، 688
– “تعليق على الأسماء الحسنى” للمؤلف = شرح الأسماء
– “التفسير” لابن أبي حاتم … 296
– “التنبيه” للشيرازي … 1331، 1332
– “تهذيب السنن” للمؤلف … 668
– “الثقات” لابن حبان … 1153
– “الجامع” للخلال … 1405
– “الجامع بين السنن والآثار” للمؤلف … 1410
(5/127)
– جامع الترمذي = سنن الترمذي
– “الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار” للحاكم … 1150
– “جزء فيه تفسير آيات في القرآن عن الإمام أحمد” … 1015
– “الجواهر” لابن شاس … 104، 1239
– “حكم الوالدين في مال ولدهما” لأبي حفص البرمكي … 994
– “الحكومة بين البصريين والكوفيين” للمؤلف … 878
– “رسالة إلى بعض الأصحاب” للمؤلف … 1591
– “الروض الأُنف” للسُّهيلي … 666
– “زاد المسافر” لغلام الخلال … 1482
– “السر المكتوم” للرازي … 758
– “سنن الترمذي” … 699، 700، 755، 812، 813، 816، 952، 1066، 1259، 1667
– “سنن أبي داود” … 597، 699، 727، 853
– “السنن الكبير” للنسائي … 1479
– “سنن النسائي” … 553، 667، 699، 1486
– “سنن ابن ماجه” … 611، 612، 1259
– “السيرة النبوية” لابن إسحاق … 1329
– “شرح الأسماء الحسنى” للمؤلف … 300، 605
– “شرح البخاري” للخطابي … 1666
– “شرح أبي حفص لمبسوط الخلال” … 1490
– “شرح أبي داود” للخطابي … 1666
– “شرح الطحاوي” للإسبيجابي … 1059
– “شرح كتاب سيبويه” للسيرافي … 896
– “شرح مسائل الكوسج” لأبي حفص العكبري … 1448، 1468
– “شرح المفصل” للأندلسي … 91، 104
(5/128)
– “الصحاح” للجوهري … 524، 1643
– “صحيح البخاري” … 706، 797، 808، 811، 1057، 1060، 1161، 1265، 1486، 1665
– “صحيح ابن خزيمة” … 1486
– “صحيح مسلم” … 682، 699، 951
– “الصحيحان” … 700، 794، 813، 951، 1046، 1155، 1575
– “العلل” لابن أبي حاتم … 1155
– “فتاوى ابن عقيل” … 1035
– “الفتح القدسي” للمؤلف … 720، 767
– “الفتح المكي” للمؤلف … 628، 664، 682
– “فصل مفرد في تقديرات النحاة المتكلفة” للمؤلف … 947
– “فصل مفرد في الحروف ونيابة بعضها عن بعض” للمؤلف … 945
– “الفصول” لابن عقيل … 1473، 1474، 1479، 1480
– “فضيلة النبي -صَلى الله علَيه وسلم-” للمروذي … 1379
– “الفنون” لابن عقيل … 1384، 1385
– “الفوائد المكية” للمؤلف … 725
– “كتاب الخلال” (1) … 985
– “كتاب سيبويه” … 307، 325، 515، 559، 622
– “كتاب الصيام” لأبي حفص البرمكي … 993
– “كتاب العين” للخليل … 564
– “كتاب في محاسن الشريعة” للمؤلف … 670
– “كتاب مفرد في الكلام على آية الكرسي وأسرارها وكنوزها” للمؤلف … 812
– “الكشاف” للزمخشري … 431، 744، 905
__________
(1) لعله (الجامع).
(5/129)
– “المبهج” لأبي الفرج المقدسي … 1112
– “المحرر” للمجد ابن تيمية … 1416
– “المحكم” لابن سيده … 888
– “مختصر الخِرقي” … 1261، 1271، 1272
– “المدونه” لمالك … 973
– “مراتب الإجماع” لابن حزم … 12
– “مسائل أحمد بن أصرم لأحمد” … 1418
– “مسائل أحمد بن محمد البراثى لأحمد” … 1446
– “مسائل أحمد بن محمد بن صدقة لأحمد” … 1439
– “مسائل إسحاق الكوسج لأحمد” … 1288
– “مسائل البرزاطي لأحمد” … 1394
– “مسائل بكر بن أحمد البراثي لأحمد” … 1405
– “مسائل أبي جعفر الجرجرائي لأحمد” … 1388
– “مسائل أبي جعفر الوراق لأحمد” … 1401
– “مسائل حرب الكرماني لأحمد” … 1475
– “مسائل الحسن بن ثواب لأحمد” … 1437
– “مسائل أبي داود لأحمد” … 1475
– “مسائل زياد الطوسي لأحمد” … 1404
– “مسائل أبي طالب لأحمد” … 998
– “مسائل أبي العباس البِرْتي لأحمد” … 1404
– “مسائل عبد الملك الميمونى لأحمد” … 1406، 1474
– “مسائل الفضل بن زياد القطان لأحمد” … 1406، 1411، 1421
– “مسائل أبي القاسم البغوي لأحمد” … 1391
– “مسائل مثنى بن جامع الأنباري لأحمد” … 1392
– “مسائل محمد بن الحسن بن بدينا عن أحمد” … 1436
(5/130)
– “مسائل المرُّوذي” … 1454
-[مسائل ابن هانئ لأحمد] … 1430
– “مسند أحمد” 611، 644، 817، 952، 1046، 1078، 1132، 1266
– معالم السنن = شرح أبي داود
– “معاني القرآن” للزجاج … 469
– “المغني” لابن قدامة … 1261، 1444، 1472، 1482، 1485
– “مقالات الأشعري” … 1013
– “المقنع” لابن قدامة … 1474، 1483
– “منتخب الفنون” لابن الجوزي … 1385
– “منتقى من شرح العكبري لمبسوط الخلال” للقاضي أبي يعلى … 1490، 1516
– “منتقى من شرح مسائل الكوسج”، له أيضًا … 1448، 1468
– “منتقى من كتاب حكم الوالدين في مال ولدها” له … 994
– “منتقى من كتاب الصيام” له … 993
– “المهذب” للشيرازي … 104، 1239، 1331
– “الموطأ” لمالك … 758، 1155، 1476
– “الناسخ والمنسوخ” لأبي داود … 1604
– “نتائج الفكر” للسهيلي … 913
– “نهاية المطلب” للجويني … 1239
(5/131)
