تعريف الإمام البخاري وصحيحه: مقالة موسعة
تعريف الإمام البخاري وصحيحه
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،
فإن من نعم الله العظيمة على هذه الأمة أن قيض لها من العلماء الأجلاء من حفظوا دينها، وصانوا سنة نبيها من التحريف والضياع. ويأتي في مقدمة هؤلاء الأعلام الإمام الجليل، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول، وجمع الله فيه من الأحاديث النبوية الصحيحة ما لم يجتمع مثله في كتاب آخر بعد كتاب الله تعالى.
النشأة والمولد: طالع سعيد في بيت علم
وُلد الإمام البخاري في مدينة بخارى، إحدى أهم مدن ما وراء النهر (أوزبكستان حالياً)، وتحديداً في ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر شوال سنة 194 هـ، الموافق 20 يوليو 810 ميلادي. وقد نشأ في بيت علم ودين، إذ كان أبوه إسماعيل بن إبراهيم من العلماء المحدثين المعروفين بالصلاح والتقوى، وكان قد تتلمذ على يد كبار الشيوخ وله رحلات في طلب الحديث. غير أن القدر شاء أن يتوفى والده والإمام البخاري لا يزال صغيراً، فنشأ يتيماً في حجر أمه الصالحة التي تولت تربيته خير تربية.
طلب العلم: نبوغ مبكر وجهد متواصل
ظهرت علامات النبوغ والذكاء على البخاري منذ نعومة أظفاره. فقد حفظ القرآن الكريم صغيراً، ثم بدأ في حفظ الحديث النبوي وهو في العاشرة من عمره. كان الغلام اليافع يختلف إلى حلقات العلماء والشيوخ في بخارى، ويواظب على حضور مجالس العلم باجتهاد ونهم نادرين. ولما بلغ السادسة عشرة من عمره، كان قد حفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، وهما من أهم مصادر الحديث النبوي.
ولم يكتفِ البخاري بما تيسر له في بخارى، بل قام برحلات علمية واسعة امتدت لسنوات، طاف خلالها أنحاء العالم الإسلامي المعروف في ذلك الوقت، فزار الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرها. وقد التقى خلال هذه الرحلات بحوالي ألف شيخ من كبار المحدثين والعلماء، وأخذ عنهم وجمع من أحاديثهم.
ثناء العلماء: إجماع على الإمامة
لم يكن إعجاب العلماء بالإمام البخاري وليد الصدفة، بل كان نتيجة حتمية لاطلاعه الواسع وذاكرته القوية وأخلاقه العالية. فقد قال عنه شيخه الإمام أحمد بن حنبل: “ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل”. أما العالم الكبير علي بن المديني، أحد أئمة الجرح والتعديل، فقال: “هذا الرجل أعلم الناس بالحديث”.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وصفه بـ “أمير المؤمنين في الحديث”، وهو لقب يعكس السيادة المطلقة للإمام البخاري في هذا العلم الشريف. فكما أن أمير المؤمنين في السياسة هو القائد الأعلى، كان البخاري إماماً يقتدى به في علوم الحديث والرجال والعلل والجرح والتعديل.
سبب تأليف الصحيح: حلم ورؤيا صادقة
يُروى أن الإمام البخاري كان في مجلس شيخه إسحاق بن راهويه، إذ قال إسحاق: “لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم”. وقعت هذه الكلمات من الإمام البخاري موقعاً خاصاً، فجعلها نصب عينيه.
كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه واقف بين يديه وبيده مروحة يذب عنه، فسأل بعض المعبرين فقال له: “إنك تذب عنه الكذب”. فازداد يقيناً بأن الله قد وفقه لخدمة سنة نبيه بجمع الحديث الصحيح وتمييزه عن الموضوع والضعيف.
منهج التأليف: جهد دقيق وشروط صارمة
عمل الإمام البخاري على تأليف صحيحه دام ستة عشر عاماً، وهي فترة طويلة تعكس مدى الدقة التي كان يتحلى بها. وقد ابتدأ تصنيفه في المسجد الحرام بمكة المكرمة، وجمع تراجم الأبواب بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره في المسجد النبوي، ثم أكمله وبيضه في بخارى.
واللافت في منهجه أنه لم يكن ليثبت حديثاً إلا بعد أن يستخير الله تعالى ويصلي ركعتين، وربما اغتسل قبل ذلك ليستعد لهذه المهمة الجليلة، روى الفربري عن شيخه البخاري أنه قال: “ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين”.
أما شروطه في قبول الحديث فكانت من أشد الشروط وأدقها. فقد اشترط:
- اتصال السند: فلا يقبل الحديث المنقطع.
- عدالة الرواة: بأن يكون الراوي مسلماً صادقاً ضابطاً متقناً.
- اللقيا: أنه يشترط ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه ولو مرة واحدة، وهو شرط أشد من شرط الإمام مسلم الذي اكتفى بالمعاصرة.
- سلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
ثمرة الجهد: كتاب عظيم ومنهج فريد
انتقى الإمام البخاري أحاديث صحيحه من ستمائة ألف حديث كانت محفوظة لديه، فبلغ عدد أحاديث الصحيح بالمكرر سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثاً تقريباً (7397) حسب تحقيق ابن حجر، وتبلغ أحاديثه الخالصة بدون تكرار نحو ألفين وستمائة حديث (2600).
ليس هذا فحسب، بل رتب البخاري هذه الأحاديث في كتب وأبواب تبرهن على سعة فقهه وعمقه في الاستنباط. فمن عناوين الأبواب في صحيحه: “باب كيف كان بدء الوحي”، و”باب من لم يرَ غسل الوجه إلا بيدين من الماء”، وغيرها من التراجم الفقهية الدقيقة التي جعلت العلماء يقولون: “فقه البخاري في تراجمه”.
مكانة الكتاب عند المسلمين
أجمع علماء الأمة على أن صحيح البخاري أصح كتاب بعد القرآن الكريم، فهو حجة للأمة ومصدرها الأول بعد كتاب الله. قال الإمام النووي: “اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد”.
أما الحافظ الذهبي فقال: “وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، فلو رحل الشخص لسماعه من مسيرة ألف فرسخ لما ضاعت رحلته”.
وقال إمام الحرمين الجويني: “لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما”.
الاهتمام بالصحيح: شروح ومختصرات ودراسات
لقد نال صحيح البخاري حظاً وافراً من عناية العلماء على مر العصور. فقد ألفت حوله مئات الشروح والتعليقات والمختصرات والمستخرجات. ومن أشهر شروحه:
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو أجل شروحه وأعظمها.
- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين العيني.
- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للإمام القسطلاني.
- الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للإمام الكرماني.
الوفاة: رحيل الإمام وبقاء الأثر
في أواخر حياته تعرض الإمام البخاري لفتنة وامتحان بسبب بعض الفتن التي أثيرت حوله في نيسابور وبخارى، فخرج منها إلى إحدى قرى سمرقند حيث مرض وتوفي ليلة عيد الفطر سنة 256 هـ، الموافق 1 سبتمبر 870 ميلادي.
دفن الإمام البخاري في قريته “خرتنك” قرب سمرقند، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الخاتمة: منهج نضيء به الدرب
الإمام البخاري لم يكن مجرد ناقل للأحاديث، بل كان معلماً للفقه والاستنباط، ومثالاً نادراً في الأمانة العلمية والدقة في النقل. لقد ضرب لنا أروع الأمثلة في الجد والاجتهاد، وترك لنا تراثاً عظيماً يهدي الأمة إلى الطريق المستقيم.
صحيح البخاري ليس كتاباً يقرأ فقط، إنه موسوعة متكاملة تضم العقيدة والفقه والتفسير والتاريخ والزهد والأدب والرقاق، وهو شاهد على عظمة هذه الأمة وعنايتها بسنة نبيها. فنسأل الله أن يرحم الإمام البخاري ويرضى عنه، وأن يجمعنا به في جنات النعيم.