الإمام البخاري : سيرته ، مولده ، مؤلفاته ومنزلته العلمية

| 📋 معلومات عن الإمام البخاري | |
|---|---|
| الاسم الكامل | محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَةَ البخاري الجُعْفي |
| الكنية | أبو عبد الله |
| تاريخ الميلاد | 13 شوال سنة 194 هـ |
| مكان الميلاد | بُخارى (أوزبكستان حالياً) |
| تاريخ الوفاة | ليلة الفطر، مستهل شوال سنة 256 هـ |
| مكان الوفاة والدفن | قرية خَرْتَنْك (على فرسخين من سمرقند) |
| العمر عند الوفاة | 62 سنة (إلا ثلاثة عشر يوماً) |
| أشهر المؤلفات | الجامع الصحيح، التاريخ الكبير، الأدب المفرد، الضعفاء الصغير، خلق أفعال العباد |
| عدد شيوخه | أكثر من ألف شيخ، وروى في الصحيح عن 345 شيخاً |
| أشهر التلاميذ | مسلم بن الحجاج، الترمذي، أبو زرعة، أبو حاتم، ابن خزيمة |
| اللقب | أمير المؤمنين في الحديث، إمام الحفاظ، جبل الحفظ |
تعريف الإمام البخاري ترجمة الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، سيِّد الحُفَّاظ، أمام الدُّنيا في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البُخاري ☼.
أولاً: اسمه ونسبه وكنيته وأسرته
1. اسمه ونسبه
هو محمَّدُ بنُ إسماعيل بن إبراهيمَ بنِ المغيرةِ بن بَرْدِزْبَةَ البخاريُّ مولدًا، الجُعْفيُّ ولاءً ونسبًا.
2. كنيته
هو أبو عبد الله باتفاق مَن ترجم له.

3. أسرته
كان أجداد البخاري فُرسًا على دين المجوس، ولم يحفظ لنا التاريخ من أخبار أجداد البخاري أبعد من جده الثالث «بَرْدِزْبَةَ» فهو رأس أسرته فيما نعلم.
ولا خلاف أن «بَرْدِزْبَةَ» والد المغيرة لم يكن مسلمًا(1)، وأنَّه عاش ومات مجوسي الدِّين، وقد اختلف في ضبطه لكن أشهر الأقوال ما قاله ابنُ سعدان البخاريُّ: (بَرْدِزْبَةَ(2) بفتح الباء الموَّحدةِ، ثمَّ راءٍ ساكنةٍ، ثمَّ دالٍ مهملةٍ مكسورةٍ، ثمَّ زاءٍ ساكنةٍ، ثمَّ باءٍ موحَّدة مفتوحة، ثمَّ هاءٍ مثنَّاةٍ مفتوحةٍ.
وهو عمدة من قال بهذا، وهكذا قيَّده الأميرُ أبو نصر ابن ماكولا ⌂، وقال: هو الزَّرَّاعُ بلُغة أهل بُخارى(3).
أما المغيرة(4) فهو أوَّل مَن أسلم(5)، وكان ذلك على يدي اليمان(6) بن أخنس الجعفي والي بخارى، فنسب البخاري جعفيًّا بالولاء هذا.
وأما إبراهيم بن المغيرة «جدُّ البخاري» فلا نعلم شيئًا من أخباره غير انتسابه للمغيرة.
أما والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم فكان دِهْقانًا(7)، طلب العلم ورحل في طلبه، وسمع مالك بن أنس، وخالط أهل العلم وحرص على الاجتماع بأكابرهم فقد رأى حمَّادَ بنَ زيدٍ وهو يصافح ابنَ المبارك بكلتا يديه.
وكان ☼ على ورع كبير، فقد قال أحمد بن حفص: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ. قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك.
ثانياً: مولده ونشأته
1. مولده
وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة (13) شوال سنة (194)(8) ببُخارى.
وقد قيَّد والد البخاري ذلك بخط يده، وكان البخاريُّ مهتمًا لهذا فقد احتفظ بخط والده وأراه لتلميذه المُسْتَنير بن عَتيق(9).
2. نشأته
نَشَأ الإمام البخاري يتيمًا، وأضرَّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
ثالثاً: عصره
عاش البخاري خلافة عشرة من خلفاء بني العباس، أربعة من العصر العباسي الأول وهم:
- الخليفة العباسي الأمين (193 – 198)
- المأمون (198-218)
- المعتصم بالله (218-227)
- الواثق بالله (227-232)
وستة من العصر العباسي الثاني وهم:
- المتوكل بالله (232-247)
- المنتصر بالله (247-248)
- المستعين بالله (248-252)
- المعتز بالله (252-255)
- المهتدي بالله (255-256)
- وأول خلافة المعتمد على الله (256-279)
فقد عاش ☼ (38) عامًا في العصر الأول الذي اتصف بقوة سلطان الخلفاء، وانتشار نفوذهم، وتمام سيادتهم على جميع العالم الإسلامي عدا بلاد الأندلس، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن مَن تولى الخلافة من بني العباس في ذاك العصر كانوا علماء، يعقدون مجالس العلم ويشاركون فيها، كما كانوا يكرمون العلماء ويجلونهم ويقربونهم ويعولون على آرائهم، بالإضافة إلى أن المسلمين نقلوا فيه إلى لغتهم ما كان معروفًا من العلوم الطبيعية والطب والرياضيات عن سائر الأمم المتمدنة كاليونان والفرس والهند، وازدهرت الفلسفة وانتشرت، وعاش الناس جحيم فتنة خلق القرآن، التي أوذي فيها خلق كثير، وعلى رأسهم الإمام أحمد والإمام البخاري فيما بعد.
وعاش ☼ (24) عامًا في العصر الثاني العباسي الثاني شهد انقسامات في الصفوف بسبب الصراع بين الموالي والعرب الذين أبعدوا عن مناصبهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر كان ازدهار عصر التدوين الحديثي، وانحباس فتنة خلق القرآن بأمر من الخليفة المتوكل بالله.

رابعاً: نشأته العلمية
وقال أحمد بن يوسف السُّلَميُّ قال: رأيتُ محمَّدَ بنَ إسماعيل في مجلسِ مالكِ بنِ إسماعيلَ وهو يبكي، فقلت له: ما يُبْكيكَ؟ قال: لا يمكنني أن أكتب ولا أنْ أضبط. قال: ثمَّ جعل اللهُ محمَّدَ بنَ إسماعيل كما رأيتم(10).
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم؟ فقلُ: آيتين(11)، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلَّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ، ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ(12) وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ)….(13)
ورَوَى عن حَفْصِ بنِ عُمَرَ الأَشْقرِ؛ قال: كُنّا مَعَ مُحمَّدِ بنِ إسماعِيلَ البُخاريِّ بالبَصْرِةِ نَكتُبُ الحديثَ، ففَقَدناهُ أيَّامًا؛ فطَلَبْناهُ؛ فوَجَدناه في بَيتٍ وهو عُرْيَانٌ؛ وقد نَفِدَ ما عِندَه، ولم يَبْقَ مَعَه شَيءٌ، فاجتَمَعْنا وجَمَعْنَا له الدَّراهِمَ؛ حَتَّى اشتَرَينْا له ثَوبًا وكَسَوْناه، ثُمَّ اندَفَعَ مَعَنا في كِتَابةِ الحديثِ.
وقال أبو الفضل محمَّدُ بنُ طاهرٍ: قَدِمَ البخاريُّ بغداد سنة عشر ومئتين، وَعَزَمَ على المُضيِّ إلى عبد الرَّزَّاق باليمن، فالتقى بيحيى بن جعفرٍ البيكنديِّ، فاستخبره، فقال: مات عبد الرَّزَّاق، ثمَّ تبيَّن أنَّه لم يمت، فسمع البخاريُّ حديث عبد الرَّزَّاق من يحيى بن جعفر(14).
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه. قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى؟ فقال: هو الذي ليس مثله، محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بلغنا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ ☼ مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
خامساً: منهجه في التكوين العلمي والتصنيف
منهجه في التكوين العلمي
وقال البخاريُّ مرَّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه، ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
قال ☼: فلمَّا طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلَّا أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلَّا كتبتموه.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
رَوَى عن أَبي بَكْرٍ المَدِينيِّ؛ قال: كُنَّا يَومًا بنَيْسَابورَ عِندَ إِسحاقَ بنِ رَاهَوَيه، ومُحمَّدُ بنُ إسماعِيلَ حَاضِرٌ، فَمَرَّ إسحاقُ بحديثٍ مِن أَحَاديثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَان _ دُونَ صَاحِبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم _ عَطاءٌ الكَيْخَارَانِيُّ، فقالَ له إِسحاقُ: يا أبا عَبدِ الله، أَيْشٍ كَيْخَارانُ؟ قال: قَريةٌ باليَمَنِ، كان مُعَاوِيةُ بنُ أَبي سُفيانَ قد بَعَثَ هذا الرَّجُلَ مِن أَصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَن؛ فسَمِعَ منه عَطَاءٌ حَديثَيْنِ. فقال له إسحاقُ: يا أبا عبد الله، كَأنَّكَ قد شَهِدتَ القومَ!
وقال الفَربريُّ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: دخلتُ بغداد ثماني مرَّاتٍ، في كلِّها أجالسُ أحمدَ ابن حنبل، فقال لي: يا أبا عبد الله، تَدَعُ العلمَ والنَّاسَ وتصيرُ إلى خُراسان؟ قال: فأنا أذكرُ قولَهُ إلى الآن(15).
منهجه في التصنيف
قال عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ هَمَّامٍ(16): سَمِعْتُ عِدَّةً مِنَ المشايخِ يقولونَ: دَوَّنَ محمدُ بْنُ إسماعيلَ البُخاريُّ تَراجِمَ جَامِعهِ بينَ قَبْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومِنْبَرِهِ، وكانَ يُصَلي لِكُلِّ تَرْجمةٍ ركعتينِ.
حكى تلميذه إبراهيمُ بنُ مَعقلٍ: سَمِعْتُ محمدَ بْن إسماعيلَ البُخَاريَّ يقولُ: ما أدْخلتُ في هذا الكِتاب _ يعني جامِعَهُ _ إلَّا ما صَحَّ، وتركتُ منَ الصِّحَاحِ كَيْ لاَ يطُولَ الكِتَابُ.
وَرَوَى عَن مُحمَّدِ بنِ أبي حَاتِمٍ قال: سَمِعتُ البُخاريَّ يَقُولُ: لَو نُشِرَ بعضُ أُستَاذِيَّ هؤلاءِ لم يَفهَمُوا كَيفَ صَنَّفتُ كِتابَ «التاريخ» ولا عَرَفُوه. ثُمَّ قال: صنَّفْتُه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ورَوَى عَن مُحمَّد بنِ أبي حاتمٍ؛ قال: سَمِعتُ البخُاريَّ يَقُولُ: أَخذَ إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ كتابَ «التَّاريخ» الَّذي صَنَّفتُ، فأدخَلَه علَى عَبدِ الله بنِ طَاهرٍ، فقال: أيُّها الأَميرُ، أَلَا أُرِيْكَ سِحْرًا؟! قال: فَنَظَر فيه عَبدُ الله بنُ طاهرٍ، فتَعجَّبَ منه؛ وقال: لَستُ أَفْهمُ تَصنِيفَه.
سادساً: أخلاقه وتعبده
وقال الورَّاقُ: كان شديدَ الحياء في صغره، حتَّى قال شيخُهُ محمَّدُ بنُ سلا•م البِيْكَنديُّ: أترون البكرَ أشدُّ حياءً مِن هذا الغُلام(17)؟
قال مُسَبِّحُ بنُ سَعِيدٍ؛ قال: كَانَ مُحمَّدُ بنُ إسماعِيلَ البُخاريُّ إذَا كَانَ أَوَّلَ لَيلةٍ مِن شَهرِ رَمَضَانَ يَجتَمِعُ إلَيه أَصحابُه؛ فيُصَلِّي بهم، ويَقرَأُ في كُلِّ رَكعةٍ عِشرِينَ آيةً، وكذلكَ إلى أَنْ يَختِمَ القُرآنَ، وَكَان يَقرَأُ في السَّحَرِ ما بينَ النِّصْفِ إلَى الثُّلُثِ مِن القَرآنِ؛ فيَخْتِمُ عِندَ السَّحَرِ في كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَكَانَ يَختِمُ بالنَّهارِ كُلَّ يَومٍ خَتمةً، ويَكُونُ خَتْمُه عِندَ الإفطارِ كُلَّ لَيلةٍ؛ ويَقُولُ: عِنْدَ كُلِّ خَتْمةٍ دَعوةٌ مُستجابَةٌ(18).
وقالَ مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ قال: دُعِيَ مُحمَّدُ بنُ إسماعِيلَ إلَى بُستَانِ بَعضِ أَصحَابِه، فَلمَّا حَضَرَت صَلَاةُ الظُّهرِ صَلَّى بالقَومِ، ثُمَّ قَامَ للتَّطَوُّعِ وَأَطالَ القِيامَ، فلَمَّا فَرَغَ مِن صَلَاتهِ رَفَعَ ذَيْلَ قَميصِه؛ فقال لِبَعضِ مَن مَعَه: انظُرْ؛ هَل تَرَى تَحتَ قَمِيصي شَيئًا؟ فإذا زُنْبُورٌ قَد أَبَرهُ في سِتَّةَ عَشرَ أَو سَبعةَ عَشرَ مَوضِعًا، وقد تَوَرَّمَ مِن ذلكَ جَسَدُه، وكانَ آثارُ الزُّنْبورِ في جَسَدِه ظاهِرةً، فقال له بعضُهم: كيفَ لَمْ تَخرُجْ من الصَّلاةِ في أوَّلِ ما أَبَرَكَ؟! فقال: كُنتُ في سُورةٍ فأَحبَبتُ أَنْ أُتِمَّها(19).
أخلاقه
قالَ مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ عن البُخاريِّ؛ أنَّه قال: إنَّيْ لأَرجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالَى ولا يُحاسِبُنِيْ أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَدًا.
وقال البخاريُّ ☼: ما تولَّيتُ شراءَ شيءٍ قطُّ ولا بيعَهُ، كُنتُ آمر إنسانًا فيشتري لي. فقيل له: لم؟ قال: لما فيه من الزِّيادة والنُّقصان والتَّخليط(20).
وقال غُنْجار في «تاريخه»: كان قد حُمِلَ إلى محمَّد بن إسماعيل بضاعةً، أنفذها إليه أبو حفص، فاجتمع بعضُ التُّجَّار إليه بالعشيَّة وطلبوها منه بربح خمسةَ آلاف درهمٍ، فقال لهم: انصرفوا اللَّيلة، فجاءه من الغد تُجَّار آخرون، فطلبوا منه البضاعة بربحِ عشرة آلاف درهم، فردَّهم، وقال: إنِّي نويتُ البارحةَ أنْ أدفع إليهم ما طلبوا. يعني: الذي طلبوا أوَّلَ مرَّة، فدفعها إليهم، وقال: لا أحبُّ أنْ أَنقُض نـــيَّـــتي(21).
وقال عبد الله بن محمَّد الصَّارفيُّ(22): كنتُ عند أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل في منزله، فجاءته جاريته وأرادت دخولَ المنزل، فعثرتْ على مِحْبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشين ؟ قالت: إذا لم يكن طريقٌ، فكيف أمشي؟ فقال لها: اذهبي فقد أعتقتك. فقيل له: قد أغضبَتْكَ؟ فقال: إن كانت قد أغضبتنِي فقد أَرضيتُ بعتقها نفسي(23).
قال ورَّاقُهُ: رأيتُهُ استلقى ونحن بِفِرْبَرَ في تصنيف كتاب «التَّفسير» وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في التَّخريج، فقلت له: إنِّي أراك تقول: ما أثبتُّ شيئًا بغير عِلْمٍ، فما الفائدة في الاستلقاء؟ فقال: أتعبتُ نفسي اليوم، وهذا ثُغرٌ خشيتُ أنْ يَحْدُثَ حَدَثٌ من أَمْرِ العدوِّ، فأحببتُ أنْ أستريحَ، وآخذَ أُهْبَةً، فإن غافصنا(24) العدوُّ كان بنا حِراكٌ(25).
وقال بكرُ بن مُنيرٍ أيضًا: كان محمَّد بن إسماعيل يصلِّي ذاتَ يوم، فَلَسَعَهُ الزُّنْبُورُ سبْع عشرة مرَّةً، فلمَّا قضى صلاتَه، قال: انظر أيَّ شيءٍ هذا الذي آذاني في صلاتي. فنظروا فإذا هو الزُّنبورُ قد ورَّمَهُ في سبعة عشرة(26) موضعًا، ولم يَقْطع صلاته.
وروى ورَّاقُهُ أيضًا بالمعنى، وزادَ: قال: كنتُ في آيةٍ، فأحببتُ أن أتمَّها.
وقال ورَّاقُهُ أيضًا: كنَّا بِفَربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطًا ممَّا يلي بخارى، فاجتمع بشرٌ كثير يُعينُونَه/ على ذلك، وكان ينقلُ اللَّبِنَ، فكنتُ أقولُ له: يا أبا عبد الله، إنَّك تُكفَى ذلك، فيقولُ: هذا الذي يَنْفَعُني.
وقالَ الحسنُ بنُ محمَّدٍ السَّمرقنديُّ: كان محمَّد بن إسماعيلَ مخصوصًا بثلاث خصالٍ: كان قليلَ الكلامِ، وكان لا يطمعُ فيما عند النَّاس، وكان لا يشتغلُ بأمور النَّاس(27).
سابعاً: شيوخه وتلاميذه
شيوخه
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيُّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيد اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلَّا صاحب حديث.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
وقد روى في الصحيح عن (345)(28) شيخًا، من مختلف الأصقاع.
وقد قسَّم ابن حجر شيوخه على طبقات خمس(29) فقال:
- الطَّبقة الأولى: مَنْ حدَّثه عن التَّابعين، مثل: مكيِّ بنِ إبراهيم، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاري، وعبيد الله بن موسى، وأبي عاصمٍ النَّبيل، وأبي نُعيم المُلَائي، وأبي المغيرة الخولانيِّ، وعليِّ بن عيَّاش، وخلَّاد بن يحيى، وغيرهم.
- الطَّبقة الثَّانية: مَن كان في عصر هؤلاء، وتأخَّر عنهم قليلًا، مثلُ: آدمَ بنِ أبي إياسٍ، وأبي مُسْهرٍ عبد الأعلى بن مُسْهرٍ، وأيوبَ بن سليمان بن بلالٍ، وحجَّاجِ بن مِنْهالٍ، وسعيد بن أبي مريم، وثابتِ بن محمَّدٍ الزَّاهد، وغيرهم من أصحاب الأوزاعي، وابن أبي ذئبٍ، والثَّوري، وشُعبة، ومالكٍ.
- الطَّبقة الثَّالثة: أوساط مشايخه الذي شاركه في الرِّواية عنهم مسلم وغيره، كأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى، وعليٍ، وابن أبي شيبة، وقتيبة، ونُعيم بن حمَّاد، وأشباههم من أصحاب حمَّاد بن زيدٍ، والليث بن سعدٍ، ثمَّ من أصحاب ابن المبارك، وهُشيمٍ، وابن عُيينة، ونحوهم.
- الطَّبقة الرَّابعة: رفقاؤه في الطَّلب، كمحمَّد بن يحيى الذُّهْلي، وأبي حاتم الرَّازي، ومحمَّد بن عبد الرَّحيم المعروف بصاعِقَة، والدَّارمي، وعبد بن حُمَيْدٍ، وأحمدَ بنِ النَّضر، ومحمَّد بن إبراهيم البوشنجيِّ، وجماعة، وفيهم مَن هو أقدمُ منه سماعًا قليلًا.
- الطَّبقة الخامسة: قومٌ في عداد طلبته في السِّنِّ والإسناد، سمع منهم للفائدة، كعبد الله بن حمَّاد الآمُليِّ، وعبدِ الله بن أُبَيٍّ القاصِّ، وحسين بن محمَّد القَبَّاني، ومحمَّد بن إسحاق السَّرَّاج، ومحمَّد بن عيسى التِّرمذي.
تلامذته
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
ثامناً: قصة امتحانه
تعرض البخاريُّ ☼ لامتحانيين:
1. الامتحان العلمي
حكاها ابنُ عديٍّ فقال: سَمِعْتُ عِدَّةَ مَشايخَ يحكُونَ أَنَّ مُحمدَ بْنَ إسماعيلَ البُخَاريَّ _☼_ قَدِمَ بَغْدادَ فَسمِعَ بهِ أَصَحابُ الحديثِ فاجتمعوا وعَمَدوا إلى مائةِ حديثٍ، فَقلبوا مُتونَها وأَسانِيدَها، ودَخَّلوا مَتْنَ هذا الإسْنَادِ لإسنادٍ آخَر، وإسْنَادَ هذا المتنِ لمتنٍ آخر، ودَفَعوها إلى عَشَرَة أَنفسٍ، إلى كُلِّ رجُلٍ عَشْرةَ أحاديثَ، وأَمروهم إذا حَضَروا المَجْلِسَ أَنْ يُلقوا ذَلكَ على البُخاريِّ، وأَخذوا الموعِدَ للمجلسِ، فحضَر المَجْلِسَ جَمَاعةٌ مِنْ أَصحابِ الحديثِ مِنَ الغُرَباءِ مِنْ أَهلِ خُرَاسانَ وغيرها ومِنَ البَغْدَاديينَ، فَلمَّا اطمأنَّ المجلسُ بأهلِه انتدبَ إليه رجلٌ مِنَ العَشَرةِ فَسأَلَهُ عَنْ حَديثٍ مِنْ تلك الأَحاديثِ المقلوبَةِ، فَقَالَ البُخَارِيُّ: لا أَعرِفُهُ. فسأَلَهُ عَنْ آخَر، فَقَالَ: لا أَعرِفُهُ. ثمَّ سأَلَهُ عَنْ آخَر، فقالَ: لا أَعرفُهُ. فما زالَ يُلْقي عليه واحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حتَّى فَرَغ مِنْ عَشَرتهِ، والبُخَاريُّ يقول: لا أعرفُهُ. فكانَ الفُقَهاءُ مِمَّن حَضرَ المجلسَ يَلْتَفِتُ بَعْضُهمْ إلى بعضٍ ويقولُ: الرجلُ فهِمَ، وَمَنْ كَانَ مِنْ غيرهمْ يقضي على البُخَاريِّ بالعَجْزِ والتَقْصِيرِ وَقِلَّةِ الفَهْمِ. ثُمَّ انتَدَبَ رَجُلٌ آخرَ مِنَ العَشَرةِ فَسأَلَهُ عَنْ حَديثٍ مِنْ تلكَ الأحاديثِ المقلُوبةِ، فقالَ البُخَاريُّ: لا أَعرفُهُ. وسأَلَهُ عَنْ آخرَ، فقالَ: لا أَعرفُهُ. وسأَلَهُ عن آخرَ، فقالَ: لا أَعرفُهُ. فَلَمْ يزل يُلْقي عليه وَاحدًا بعد وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرتهِ، والبُخَاريُّ يقولُ: لا أَعرفُ. ثُمَّ انْتَدبَ لَهُ الثَّالثُ والرَّابعُ إلى تَمامِ العَشَرةِ حَتَّى فَرغوا كُلَّهمْ مِنَ الأَحَادِيث المقلوبةِ، والبُخَاريُّ لا يزيدهُمْ على: لا أَعرفُهُ. فَلَمَّا عَلِمَ البُخَاريُّ أَنْهُمْ قَدْ فَرغَوا التفتَ إلى الأولِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَمّا حديثُكَ الأَوْلُ فهو كَذا، وحدِيثُك الثَّاني فهو كَذا، والثَّالثُ والرَّابعُ على الوَلاَءِ، حَتَّى أَتى على تمامِ العَشَرةِ، فردَّ كلَّ مَتْنٍ إلى إسنَادِهِ، وكُلَّ إسْنَادٍ إلى مَتْنِهِ، وَفَعَلَ بالأَخرينَ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَدَّ مُتونَ الأَحادِيثِ كُلِّها إلى أسانيدها وأَسانِيدَها إلى مُتونِها، فأَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بالحِفْظِ والعِلْمِ وأَذْعَنوا له بالفَضْل.
2. الامتحان العقدي
روى قصته ابن عديٍّ أيضًا فقال: ذكرَ لي جَماعةٌ منَ المشايخِ أَنَّ محمدَ بْن إسماعيلَ البُخَاريَّ لَمَّا وردَ نَيْسابورَ واجتمعَ النَّاسُ وعُقِدَ به المجلِسُ حَسَدَهُ مَنْ كانَ في ذلكَ الوقْتِ مِنْ مشايخِ نَيْسابورَ لِمَا رأوا إقْبَالَ النَّاسِ إليه واجتماعَهُمْ عليه، فقيلَ: يا أَصحابَ الحديث، إنَّ محمدَ بْنَ إسماعيلَ يقولُ: اللَّفظُ بالقُرآنِ مَخْلُوقٌ، فامتحِنُوهُ في المجلسِ. فلمَّا حَضَرَ النَّاسُ مَجْلِسَ البُخَاريِّ، قَامَ إليه رَجُلٌ فَقَالَ: يا أبا عبدِ الله، ما تقولُ في اللَّفظِ بالقُرآنِ مَخلوقٌ هو أَمْ غيرُ مَخلُوقٍ؟ فأَعرضَ عنه البُخَاريُّ ولم يُجِبهُ، فقالَ الرَّجلُ: يا أبا عبدِ اللهِ، وأعادَ عليه القَولَ، فأعرَضَ عنه فَلَم يُجِبْهُ، ثُمَّ قالَ في الثَّالثةِ، فالتفتَ إليه محمدُ بنُ إسماعيلَ فقالَ: القُرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مَخلُوقٍ، وأفعالُ العِبَادِ مَخْلُوقةٌ، والامتحانُ بِدعةٌ. فَشَغبَ الرَّجلُ وَشغَبَ النَّاسُ وتفرَّقوا عنهُ، وَقَعَد البُخَاريُّ في منزله.
سمعتُ الإسماعيليَّ يقولُ: سَمعتُ الفَرهَيانيَّ يقولُ: سَمِعْتُ عمروَ بْنَ منصورٍ النَيْسابوريَّ يقُولُ: سَمِعتُ محمدَ بن إسماعيلَ البُخاريَّ وسُئلَ عَنِ اللَّفظِ بالقُرآن، فقَالَ: سَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ بنَ سعيدٍ أبا قُدامةَ السَرخَسيَّ يقولُ: سَمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطَّانَ وعبد الرحمن بْنَ مهديٍّ يقولانِ: أفعَالُ العِبادِ مَخْلُوقةٌ.
سَمعتُ أبا بكر الإسماعيليَّ يقولُ: سَمِعتُ الفَرْهَيَانيَّ يقولُ: قيل لمحمدِ بنِ إسماعيلَ: أترجعُ عمَّا قُلتَ لِيَعُودَ النَّاسُ إليكَ؟ فقالَ: لا حَاجَةَ لي فيهم.
تاسعاً: منزلته وثناء العلماء عليه
تواترت الألسن بالثناء على البخاري، وقد جمع طرفًا من ذلك الجياني في مقدمة «تقييد المهمل» عن جماعات من البصريين وأهل الحجاز والكوفة والبغداديين وأهل الري وخراسان وبلاد ما وراء النهر.
بلغ البخاري منزلة عالية في العلم وهو في مقتبل العمر، فقد كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممَّن يُكتَبُ عنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
قال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيلَ.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
عاشراً: صفاته الخَلْقية والرؤى المبشرة
صفاته الخَلْقية
قال الحَسَنُ بْنَ الحُسينِ البَزَّازُ(31): رأَيْتُ مُحمدَ بْنَ إسماعيلَ شيخًا نَحِيفَ الجِسْمِ، ليسَ بالطَّويلَ، ولا بالقَصيرِ.
الرؤى والمُبشرات
قالَ النَّجمُ بْنُ فُضَيلٍ(32)، وكانَ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ والفَضْلِ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنَامِ، وقد خَرَجَ من بَابِ ماسِينَ _قَرْيةٍ بِبُخَارى_ وخَلْفَهُ محمدُ بْنُ إسماعيلَ البُخَاريُّ، فكلّما خَطَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خُطْوَةً خَطا مُحمد بْنُ إسماعيلَ خُطَوةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَفَع قَدَمَهُ على قَدمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
حادي عشر: وفاته
فقد روى ابن عديٍّ عن عَبْد القُدُّوسِ بنِ عَبْد الجبَّارِ السَّمَرْقَنْديِّ يَقُولُ: جَاء محمدُ بنُ إسماعيلَ إلى خَرْتَنْكَ _قرْيةٍ مِنْ قُرى سَمَرْقَنْدَ على فَرْسَخينِ منها_ وَكَانَ لهُ بها أقْرِباءٌ، فَنَزَلَ عِنْدَهُمْ، فَسَمِعْتُهُ لَيلَةً منَ اللَّيالي وَقَدْ فَرَغ مِنْ صلاةِ اللَّيلِ يَدْعو ويقولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، فاقْبِضْني إليكَ. قَالَ: فَما تمَّ الشَّهرُ حتَّى قَبَضَهُ اللهُ. وَقَبْرُه بخَرْتَنْك ☼.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلَّ شوال من شهور سنة (256)، وعمره (62) سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يُعقب، ودُفِنَ بقرية خَرْتَنْك على فرسخين من سمرقند.
ثاني عشر: نماذج من اختياراته الفقهية
اختيارات هذا الإمام في الفروع إنَّما تُعلَم من سبر تراجمه وأبوابه، ولَمَّا كان في ذلك طول يتعسر استيعابه، فإننا نذكر بعضها، فمن اختياراته(33):
- أن الغُسل من التقاء الختانين دون إنزال لا يجب، وإنَّما هو أحوط.
- وأنه لا بأس بقراءة القرآن في الحَمَّام.
- وجواز غسل المني وفركه.
- وأن الماء لا يَنجس بوقوع الرِّجس فيه إلَّا بالتغير.
- وجواز الامتشاط بعظام الميتة، كالفيل ونحوه، والادِّهان منها، والتجارة بها.
- وطهارة السمن ونحوه إذا وقعت فيه فأرة ونحوها بإلقائها وما حولها مائعًا أو جامدًا.
- وأن مَن ألقي عليه نجاسة وهو يصلي لا تفسد صلاته.
- ومَن رأى في ثوبه دمًا وهو يصلي ألقاه وأتمَّ ولا إعادة عليه.
- وأن الجنب لا بأس بقراءته القرآن.
- وأنَّها إنْ جاءت ببينة من بطانة أهلها ممَّن يُرضىَ دينه أنَّها حاضت ثلاثًا في شهر صدقت وتنقضي عدتها.
- وأنَّ التيمم للوجه والكفين.
- وجواز الجمع بين فرضين وأكثر بتيمم واحد ما لم يُحْدِث.
- وأنَّ الجنب إذا خاف المرض من الماء البارد تيمم وصلَّىَ.
- وجواز لبس ما يُصبغ بنجاسة.
- وأنَّ الفخذ ليس بعورة.
- وأنَّ للمصلي في السَّفينة أن يدور معها حيث دارت.
- وجواز سجود الرجل على ثوبه وفراشه.
- وجواز الصلاة في النِّعَال.
- وسقوط الجمعة عَمَّن صلى العيد، وهو مذهب أحمد.
- وجواز الصلاة في البِيعة إلَّا بيعة فيها تماثيل.
- وجواز ضرب المرأة خباءً في المسجد ونومها فيه.
- وجواز نوم الرِّجل في المسجد.
- وجواز رواية الشعر في المسجد.
- واللعب بالحراب في المسجد.
- وجواز دخول المشرك المسجد.
- وجواز الاستلقاء في المسجد ومدِّ الرِّجْلِ.
- وجواز جمع المريض بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
- جواز الكلام إذا أُقيمت الصلاة لحاجة.
- جواز إمامة المُبتدع.
الأسئلة الشائعة عن الإمام البخاري
ما هو أشهر كتب الإمام البخاري؟
أشهر كتب الإمام البخاري هو «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه»، والمشهور بـ«صحيح البخاري»، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. ومن مؤلفاته الأخرى: «التاريخ الكبير»، و«الأدب المفرد»، و«الضعفاء الصغير»، و«خلق أفعال العباد»، و«رفع اليدين في الصلاة».
كم عدد أحاديث صحيح البخاري؟
بلغ عدد أحاديث صحيح البخاري مع المكرر (7,397) حديثاً، وبحذف المكرر (2,602) حديثاً، وقد اشترط البخاري في صحيحه أعلى درجات الصحة، ولم يخرج إلا ما صحَّ عنده، وترك من الصحيح ما هو صحيح خشية التطويل.
لماذا لقب الإمام البخاري بـ”أمير المؤمنين في الحديث”؟
لُقِّب الإمام البخاري بـ«أمير المؤمنين في الحديث» لتفوقه الواضح على جميع محدثي عصره، ولإمامته في هذا الفن، ولسعة حفظه، ودقة نقده، وتمكنه من علل الحديث ومعرفة الرجال، حتى أجمع علماء عصره على تقديمه في هذا العلم، وقال الحافظ ابن حجر: «وهو لقب غلب عليه حتى صار كالعَلَم».
هل الإمام البخاري كان مجتهداً؟
نعم، كان الإمام البخاري مجتهداً في الفقه والحديث، وقد دلَّت تراجم كتابه على فقهه الواسع واجتهاده المتمكن، وله اختيارات فقهية كثيرة تخالف بعضها المذاهب المشهورة، وقد قال الحافظ السخاوي: «ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا».
ما هي قصة امتحان الإمام البخاري في بغداد؟
امتُحن البخاري في بغداد عندما قلب أصحاب الحديث مئة حديث (خلطوا المتون بالأسانيد) ودفعوها إلى عشرة رجال ليسألوه عنها، فكان البخاري يقول: «لا أعرفه» لكل حديث، ثم عندما فرغوا، ردَّ كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، فأقرَّ له الحاضرون بالحفظ والإتقان.
أين دفن الإمام البخاري؟
دُفن الإمام البخاري في قرية «خَرْتَنْك» على فرسخين (حوالي 6 كيلومترات) من مدينة سمرقند في أوزبكستان حالياً، وتوجد هناك مقامته ومزاره المعروف.
